لم يسبق لديلارا أن ركضت بتلك السرعة في حياتها قط، لقد اندفعت كرصاصة ولم تتوقف، لم تهتم للناس التي حاولت أن تحييها في الطريق رغم أنه لم يكن عادة تجاهل أي شخص.
ركضت وكأن حياتها من تتوقف على ذلك، ولم تتوقف الكلمات عن الدوران في رأسها…اجهاض؟ أرسيليا تجهض! لم تكتشف حملها بعد حتى، فكيف لها أن تجهض!
ما كان عليها أن تسمح لها بتناول كعك القرفة، وما كان لها أن تدعها ترافقها لغسل الثياب، ولا تنظيف المنزل. لقد أرهقتها في العمل كل يوم بحجة التعليم، وها هي تجني ثمار ذلك.
لكن أي منهما لم تكن تعلم أنها حامل، فهل سيموت هذا الطفل الصغير في ذات اللحظة التي اكتشف بها! دون أن يفرح به والديه حتى!
لا، هل ستحرم ارسليا من الأطفال مثلها! اشعلت هذه الحقيقة حرقتها، فهي لم تكن تريد لأي أنثى أن تعاني من حرقتها القاسية، وقطعا ليس ارسليا التي تعتبرها بمثابة أخت صغيرة لها، تستحق تلك الفتاة الصغيرة الحنون أن تصبح أما، ويستحق إيلاس أن يصبح أبا.
ليس على أي منهما أن يعاني من ما تعانيه هي وزوجها، ولن تسمح بذلك!
ركلت باب العيادة بقوة حتى ارتد بعنف دوى له صوت في كل مكان، ولم تبالي قط بنظرات المرضى التي حدجتها باستهجان ولا بأخيها الغاضب الذي شعر بالحرج من تصرفها.
وقعت عيناها على وجه إيلاس الذي انتفض واقفا، ترك ما بيده دون تردد، فهو يعلم يقينا أن ديلارا لا تتصرف بهذا العنف لأجل المتعة، يعلم أن وراء هذا أمر جلل.
تغير لونه وانخطفت أنفاسه:
«هل حصل شيء لأمي؟ ماذا حصل؟»
هزت راسها بعنف فعلق قلبه في حلقه، أهو أخوه؟ هل آذى نفسه في ورشته؟ أم هي…هي
«آرسيليا»
جفت كل قطرة دم كانت في جسمه، واصفر وجهه حتى حاكى وجوه الموتى، ركض نحو مكتبه حيث يحتفظ بالأعشاب، وهو يقول:
«ما الذي حدث قولي لي»
يجب أن يختار الدواء المناسب انطلاقا مما ستقوله، ربما جرحت نفسها، ربما سقطت من مكان ما، ربما جربت أن تطبخ من جديد وأحرقت نفسها…فكر في كل شيء إلا ما قد يكون فعلا.
تلاحقت أنفاس ديلارا وهي تمتم بصوت مخطوف:
«إجهاض»
سقطت العلبة الزجاجية الصغيرة التي كانت بين يديه، حدق بقطع الزجاج الثمينة لوهلة ثم رفع بصره لديلارا:
«من قال هذا؟»
هزت راسها بقوة:
«خالتي قالت ذلك. أرجوك يا إيلاس ليس هذا الوقت المناسب لمن قال ولمن لم يقل. طفلك يموت وزوجتك كذلك. فلتسرع»
أسرع نحو الرف بسرعة فسحب كيسا صغيرا، وضع فيها بضعة أعشاب مختلفة، لم يعبأ بإغلاق الباب خلفه، بل نادى مساعده وقال:
«هارل، اعتني بالجميع في غيابي. لدي عمل مهم»
تقدم الشاب منهما وقد فارقه غضبه، قرا الجو المتوتر فرد من فوره:
«حاضر. سأهتم بكل شيء»
أومئ له إيلاس ثم قفز العتبة وأخذ يركض بمحاذاة ديلارا:
«أخبريني بكل شيء، بسرعة»
كانت أنفاسها لاهثة لكنها لم تتوانى عن الكلام، شرحت له كل شيء، منذ خرجت ارسي من الغرفة وهي تتألم، وكيف تركتها لتعد لها شراب الزنجبيل فعادت لتجدها شبه فاقدة للوعي.
حدثته عن الدماء التي وجدت الخالة في ثيابها وعن الأربعين يوما التي قاموا بعدّها، وسمعته يشتم:
«سحقا، لم أنتبه لهذا. هل تناولت مزيدا من كعك القرفة؟ لاشك أنها السبب»
«لا. لم أرها تأكل منه المزيد. ولكن هل يمكن أن تسبب لها القرفة إجهاضا!»
«لقد كانت كمية القرفة كبيرة جدا في الكعك، انت لم تتذوقيه لذا لم تنتبهي لذلك، لعلها حفزت المغص لديها. جسد ارسي ضعيف ونحيل، وأخبرتني سابقا أن أمها كثيرا ما اطعمتها الأعشاب الفاتحة للشهية. الحمل ما يزال حديثا ومناعتها ضعيفة، لا عجب في أن المغص كان قويا كما تقولين. أنت تعلمين أن القرفة محفز طبيعي للانقباضات»
كان يقتربان من المنزل، حث إيلاس خطواته فسبقها.
دخل المنزل فرأى منظرا تقشعر له الأبدان.
أرسي تجلس على الأرض بينما الدموع متعلقة بعينيها، ورأسها مرتدة للخلف على ذراع والدته.
بينما هذه الأخيرة تضع اصبعها في حلق المسكينة، وما كاد إيلاس يدلف للمنزل حتى انكبت ارسي تستفرغ على الارض كل ما كان في بطنها.
لقد حاولت أمه تنظيف معدتها بالطريقة التقليدية، ولعل ارسي المسكينة عانت طويلا.
تربع على الأرض بجوارها وتلقفها من بين يدي والدته، حدجته هذه بنظرة ساخطة:
«لقد تاخرت. جعلتها تقيء كل شيء علّ القرفة تخرج من جوفها»
زم شفتاه في عبوس:
«ليست القرفة وحدها السبب يا أمي. لقد بالغت في هذا. انظري لحالها»
«هذا أهون من أن يموت الولد في أحشائها»
الولد الذي في أحشائها؟ اه يا إلهي، ما ظن قط أن هذه هي الطريقة التي سيكتشف بها أنه سيصبح أبا، بل وفي مثل هذا الوضع الدرامي المرعب.
سحب طرف فستانها بسرعة وحدق في نقاط الدم المتفرقة، ليست كثيرة، هذا جيد.
لربما يكون مجرد نزيف خفيف حفزته القرفة، إذا أطعمها الدواء المناسب وتركها ترتاح فسيكون كل شيء على ما يرام، كلاهما سيكونان على ما يرام. من الجيد أنه وصل قبل أن تبدأ أمه بممارسة طقوس بدائية أخرى عليها لأن جسد آرسي لن يتحمل مثل هذه الطقوس حتما.
لن يلقي اللوم على والدته، كانت تحاول مساعدتها بالطريقة المعتادة التي تعرف، ولعل جميع النساء كن ليفعلن نفس الشيء في مكانها. لكنه هنا الان، سيكون كل شيء على ما يرام.
حملها بين ذراعيها، ثم مد الكيس الذي لديه لديلارا التي لحقته:
«قومي بغلي هذه في الماء جيدا. ثم أحضريها لي»
«حسنا»
دفع باب الغرفة ووضع زوجته على السرير، أحضر ماءا ومسح وجهها المرهق.
سيساعد مشروب أوراق التوت الحمراء ونبات القراص في تهدئة التقلصات القوية، وفي تنظيف جسدما وتعويض الدم. لكنها تحتاج للكثير من الراحة، ويجب أن يراقبها مليا خلال الأيام القادمة.
كل النساء اللواتي عانين من نزيف مهبلي خلال الحمل كن معرضات للاجهاض بشكل أكبر من الأخريات، أدنى إشارة من الإرهاق أو التعب قد تحفز أعراض الإجهاض من جديد.
ولو مر اليوم كل شيء على خير، ففي المرة القادمة لن يمر .
أحضرت له ديلارا مغلي الأعشاب فأخذ يحركه بين يديه لتبريده، ثم رفع رأسها إليه وأخذ يساعدها في ارتشافه رويدا رويدا.
كانت تبتلع بصعوبة، فقطب حاجبيه، لعل أصابع والدته جرحت حلقها حينما كانت تحاول حثها على الاستفراغ.
سيمر هذا بعد يوم أو اثنين.
أعاد راسها للوسادة ثم مرر يده على شعرها:
«ستكونين بخير »
حدقت به بعينيها الزمرديتان فترك كفه على خدها وأخذ يحدق بها، وما هي سوى لحظات حتى انطبقت عيناها ونامت.
دخلت ديلارا الغرفة ببطء فوجدته يدثرها، سألته بارتباك:
«كيف حالها؟»
«إنها بخير. لم يكن إجهاضا، بل مجرد نزيف خفيف. لكن من الجيد أن أمي انتبهت لذلك في الوقت المناسب، لو استمر لتطور الأمر لم هو أسوأ»
ران عليهما صمت قصير ثم تمتمت ديلارا ببطء:
«إذا…ارسي حامل؟»
سحب يده من فوق شعرها، ابتسم واستدار نحو ديلارا:
«على الأغلب، هناك احتمال لان يكون الأمر مجرد نزيف عادي»
«لم تظهر عليها أي أعراض!»
«ما تزال في البداية. أنا واثق أنها لم تكن تعلم»
تمتمت بعبوس:
«لقد مر على طمثها أربعين يوما، ليس هناك مجال للشك. إنها مهملة جدا»
تنهد، يعرف تماما لم بدات ديلارا تشعر بالغضب، فهي تعيش على أمل أن تحصل على طفل واحد عالأقل، وإذا تأخر الطمث عنها يوما واحدا تظن نفسها حامل. لكن ارسي لم تهتم لذلك قط، ولربما ظنته مجرد تأخر عادي، كما كان يحصل سابقا.
لقد غفلت عن حقيقة أنها متزوجة.
هز رأسه ببطء ولم يعقب على كلام زوجة أخيه فأردفت:
«هذه أغرب طريقة لاكتشاف الحمل»
«صحيح. إنها مرعبة»
سألته ديلارا بحذر:
«هل يمكن أن يتكرر هذا؟»
نزل عن السرير ببطء وقال:
«أجل. سيكون من الأفضل أن تبقى بعيدة عن كل ما يرهقها. على الأقل لأسبوعين حتى يستقر الأمر من جديد»
ابتسم لها باعتذار وهو يتمتم:
«سأطلب منك الاعتناء بها في غيابي»
«ولماذ تنظر لي هكذا؟ إنها أختي الصغيرة، سأضعها في عيناي»
ابتسم ممتنا ثم أردف:
«سوف اعود للعيادة الان. لكني سأعود باكرا فلا تقلقي»
خرجا من الغرفة معا، اعتذر منها من جديد بحرج ثم غادر عائدا لعلمه.
ولم تكن مشاعره قط مثلما كانت، قضى المساء كله شاردا يفكر في الخبر الصادم الذي تلقاه اليوم، وبأبشع طريقة ممكنة.
سيصبح أبا! سيكون هناك طفل صغير بين ذراعيه بعد أشهر قليلة، وسيكبر ليشبهه، أو لربما يشبه والدته بشعرها الأحمر وعينيها الزرمردتين.
لكن ارسي نحيلة وتمرض بسرعة، كيف ستتعامل مع الحمل؟ كيف ستمر هذه الشهور عليها! خصوصا بعدما حدث اليوم من اضطراب.
وديلارا، ما سيكون شعورها وهي ترى غيرها يتمتع بالحلم الذي حرمت منه. يعلم أنها لن تحقد ولن تحسد، لكنها ستتألم حتما…سيكون ذلك مؤلما جدا.
فأقسى ما قد تحرم منه المرأة هي أمومتها.
لكنه سيمر…كل شيء سيمر.
*****
فصل قصير
سوبر قصير
شو رأيكم🥹🌚
ادري استعجلت شوي على هاد الحدث، مفروض في احداث ثانية قبله، بس قلت خلينا نسرع شوي.
قلت مفروض أخلي الحمل حدث لطيف وكيووت مدري ليش تحرك جعفر بداخلي وخلاني أكتب مشهد لا يمت للواقعية بصلة...بس نمشيها....
اتمنى جو القصة ما خرب
كونوا بخير.
rana rachade