.
..
...
....
استفاق إيلاس بعد ساعة بالضبط منذ خلد للنوم، رغم أنه كان يبدو وكأنه سينام دهرا بأكمله، بيد أن نومه لم يكن عميقا لتلك الدرجة، ظل عقله يفكر فيم يجب عليه فعله واختطلت أحلامه بواقعه، وحتى خلال نومه حاول أن يبقي نفسه يقظا كي يستيقظ بسهولة.
لقد تعود على فعل ذلك كثيرا، لذا حتى وإن بدا للناس وكأنه نائم بعمق، فنومه خفيف ويستطيع أن يتسيقظ متى شاء، فهذا ثمن أن تكون طبيبا تتعلق بذراعيك حيوات الناس، لا يجب أن تحصي كميات الدواء ودقائق الجراحة، بل حتى أنفاسك ودقائق نومك.
رفع رأسه عن الوسادة وقد اختلطت الرؤية في عينيه، والتصقت رموشه ببعضها تطالب بالمزيد من النوم، اشتكى جسده من التعب وداهمه صداع مريع.
حرك رقبته قليلا ليخفف التشنج ووضع يده عليها، بدأ يمرر عيناه في الغرفة ويرمش باستمرار ليتخلص من آثار الغشاوة وتتضح رؤيته، ثم بغتة تجمدت أنظاره على المرآة، لا بل من تقف بجانب المرآة.
كانت زوجته تقف أمام المرآة وهي تتمايل لنفسها بغرور، شعرها الأحمر مرفوع فوق رأسها في كعكة ضخمة تتزين بمشبك بسيط من الذهب، وتنفلت بعض الخصلات من القيد منسدلة على رقبتها الغضة.
جيدها تزين بسلسلة بسيطة من الذهب يتدلى منها حجر ياقوت صغير يلمع.
عيناها مرسومتان بالكحل بكل دقة، وتبدو حدقتاها أوسع من المعتاد، اما شفتيها فقد غطى لون أحمر فاقع على لونهما الوردي المعتاد.
رمش من جديد، ظنا منه أن ما يراه هلاوس من التعب، لكن الصورة لم تختفي.
انحنت من جديد نحو المنضدة فاختطفت علبة العطر، شمتها بحذر ثم وضعت القليل على اصابعها وبدأت تدعك رقبتها وأذنيها.
كل هذا في جهة، والفستان الجهنمي الذي ترتديه في جهة أخرى، من أين حصلت عليه؟
.لم يكن لديها فستان كهذا؟ قصير بالكاد يغطي ساقيها الطويلتين، يكشف كل ظهرها وذراعيها، تمتمت لنفسها:
«ما تزالين بهية كالعنقاء يا آرسيلا. جميلة الجميلات»
أفلتت منها ضحكة رقيقة، هي أشبه بضحكة ساحرات وهو يعرف هذه الضحكة جيدا، فكلما خرجت انفعالاتها السعيدة عن السيطرة عبر جسدها عن الفرحة بضحكة رقيقة حادة وكأنها فأرة تصرخ، ضحكتها هذه تجعله يضحك دوما، ولا يقدر على تمالك نفسه، لكنه الآن كان مشتتا..
حانت منها التفاتة فرأته مستيقظا فاستدارت بحركة سريعة نحوه، افتر ثغرها الفاقع اللون عن ابتسامة واسعة ورفعت يدها لتمسك إحدى خصلات شعرها المنفلتة، تمتمت بخجل:
«يمكننا أن نؤجل سفرنا قليلا»
تمتم بصوت أجش:
«السفر؟»
«رحلتنا؟ لحضور خطوبة أختي»
تعلقت عيناه بأهدابها الحمراء، وتساءل بهدوء:
«لا تريدين الذهاب؟»
مررت يدها على أذنها ثم وضعتها على كتفها وحضنت نفسها بذراع واحدة:
«لا بأس، سنذهب متى تشاء»
حين لاحظت نظراته الحائرة اضافت بسرعة وهي تستدير نحو المرآة من جديد:
«هذا فقط لأن أمي أوصتني بأن أطيع زوجي، وليس لأني خسرت ضدك»
رفع يده ومررها في شعره الأشعث:
«حسنا…فهمت»
حدقت به بطرف عينها وتتبعت حركاته المتوترة، ثم استدارت من جديد، استندت على المنضدة وضمت قدميها لجانبها:
«شكرا لك…»
رفع رأسه إليها:
«على ماذا؟ هل وصل البطيخ؟»
اشتعلت عيناها حماسا وقفزت إليه:
«أي بطيخ؟ هل طلبت لي بطيخا!»
دفعها عنه برفق وابتسم:
«إذا، لم يصل بعد»
وضعت يدها على حجرها وتراجعت قليلا، لكنها ظلت فوق السرير، تجلس على ركبتيها بجواره.
«من أين حصلت على هذا الفستان الجميل؟»
نظرت له بدهشة، لمست طرف الفستان:
«هذا؟ ألا تذكر؟»
رمش من جديد فقالت بعبوس:
«هذا هو الثوب الذي اشتريناه من قرية التاجر ألا تذكر؟ قلت أني لا أريد اللون الأحمر لكنك اشتريته»
مد يده فلمس القماش الحريري، تمتم بهدوء:
«صحيح. إذا انتهت منه ديلارا. أخذت وقتا أطول من المعتاد»
تلون خداها إحراجا:
«يمكنني الخياطة أيضا، كان يمكنني خياطته لنفسي»
ابتسم:
«لم يكن سيكون مفاجأة إن صنعته بنفسك. ثم انظري إن هذا اللون يلائمك جدا»
لاحظ احمرار وجهها بالكامل، فقهقه ضاحكا:
«اللون الأحمر هو لوني المفضل، لذا اشتريته»
تساءلت بصوت مكتوم:
«لماذا؟»
«لأنه لون عشبتي المفضلة، لون الكركدية»
ابتسم بمكر واضاف:
«لكني أصبحت أحب اللون الأحمر أكثر اليوم!»
احمر وجهها ارتباكا فقفزت مبتعدة ابتسم ونهض:
«جيد، لدي عمل مهم، سأغادر»
تراجعت نحو الخزانة وتمتمت بتلعثم:
«لم.. أكن أحاول تعطيلك»
رمقها ساخرا:
«حقا؟ ظننتك أردت الحيازة على بعض الاهتمام»
هزت رأسها بعنف:
«أعجبني الفستان فارتديته، أردت…أردت»
دفعها برفق. وفتح الخزانة ليسحب ثيابه، استوقفه تلعثمها:
«أردت ماذا؟»
أمسكت دفتي الباب بين يديها واختفت خلفهما، أحنت نظرها للأرض:
«أردت أن أبدو جميلة»
تنهد:
«يا للنساء!»
مد يده وربت على كعكتها الضخمة:
«أنت جميلة دوما»
«ستفسد تسريحتي»
رفع يده عنها متأسفا ثم ابتسم، انحنى عنها من فوق الباب الذي يخفيها ولثم شعرها:
«تأملي نفسك جيدا، وانظري كم اللون الأحمر يناسبك..أكاد أقسم أنه لم يخلق لسواك!»
ابتسمت بمرح:
«لقد تحسنت مهارات الغزل لديك»
«أنا أبذل جهدي! هل سوف تتشبثين بالباب طويلا؟»
هرع للحمام ولم يلبث أن خرج في ظرف عشر دقائق، مرر المنشفة بحركة عنيفة فوق شعره ثم رماها فوق المنضدة، صاحت به:
« شعرك مبلل، سوف تصاب بالزكام! »
«سيجف في الطريق. أراك لاحقا»
دفعت باب الخزانة عنها وركضت رغم الكعب العالي الذي ترتديه:
«هل ستتأخر مجددا؟»
مر من أمامها بسرعة، منحها نظرة سريعة وقال:
«على الأغلب. اخلعي هذا الشيء من قدمك، سوف تسقطين وتلوين عنقك»
تمتمت:
«أنت متشائم جدا»
فتح باب الغرفة بسرعة وأضاف:
«أنا واقعي جدا. إلى اللقاء»
«انتظ…»
أغلق الباب في وجهها فابتلعت باقي حروف الكلمة، رمشت بتعجب وحدقت في الغرفة، مررت عيناها على الخزانة التي سقط صف الثياب فيها من جديد، نحو المنشفة المبللة التي انزلقت على الأرض، وللفراش الذي ما يزال يحمل آثار نومه، ولا شك أن الحمام ممتلئ ببقايا الماء، وثيابه التي خلعها مرمية على الأرض وقد أصابها البلل.
إنه كالإعصار، هذا الرجل، كيف له أن يكون طبيبا منظما في عيادته، ورجلا مهملا في غرفته؟!
مدت يدها نحو حذائها فخلعته، ثم مضت نحو المنشفة فرفعتها عن الأرض وعلقتها في النافذة.
توقفت أمام المرآة وتأملت جمالها البهي، نجحت في اخفاء الهالات السوداء وشحوب وجهها باستعمال المساحيق، لكنها لا تستطيع أن تخفي هزالها.
تمايلت قليلا وهي تحدق في جسدها وتذكرت كلماته فاحمر وجهها خجلا من جديد وضعت يدها على خديها وضغطتهما بقوة، الأحمر لونه المفضل!
مدت يدها ببطء نحو كعكعتها فحررت شعرها من المشابك، ثك توثفت للحظة وهي تحدق في صورتها المنعكسة على المرآة «ما الذي قصده بالكركدية؟»
*******
«فعلتها يا رجل! أصبحت رسميا رجل المستحيل. تهاني الحارة»
التفت إيلاس نحو أخيه بغضب وكشر:
«أطبق فمك»
لكن إيروس أكمل ثرثرته غير عابئ بالتهديد الذي تلقاه:
«بطيخ في بداية الربيع، والمطر ما يزال يهطل! إنها معجزة. هل يمكنني أن أتمنى أيضا أمنية؟»
«هل تظن أني مصباح علاء الدين؟ قلت أطبق فمك، ستوقظ الناس»
هز إيروس كتفاه بلا مبالاة:
«ومن لا يزال نائما؟ الشمس أشرقت»
مد إيلاس يده بالمال للرجل الذي ينتظر قرب الباب بعدما أنزل بضعة صناديق من عنده، صافحه بمودة ثم شكره.
استدار نحو أخيه واضاف:
«اخرس واحمل هذه الصناديق معي»
«أنت تستغلني»
«لا شيء يستحق الاستغلال فيك سوى هذه اللحوم المنتفخة، لولاها لكنت قد أغرقتك في النهر منذ دهر طويل. تحرك»
تقدم إيروس نحو أول صندوق رفعه بسرعة وقال بتفكه:
«لماذا أنت عنيف جدا هذه الأيام؟ هل هذه أعراض الأبوة؟ أستطيع أن أتفهم مزاح زوجتك المرعب، لكن هل أنت حامل أيضا؟»
«يا صبر العالمين! ألا يمكنك أن تخرس! رأسي يؤلمني من ثرثرتك»
هربت بعض الطيور التي كانت فوق سقف المنزل حين زلزلت ضحكة إيروس الصاخبة في الأرجاء، لم تكن الساعة تتجاوز الثامنة صباحا، صحيح أن الكثير مستيقظون فجميع أهل القرية يستيقظون عند السادسة، لكن أرسي نائمة.
إن آخر ما يرغب به هو أن تستيقظ الآن وتدفن نفسها بداخل بطيخة، وسيكون ملعونا إن استطاع منعها.
لا ينوي إخبارها إلا خلال الظهيرة، فمن المجنون الذي قد يفطر بالبطيخ!
حرك بصره بغضب نحو إيروس حين ضحك من جديد على مزاح زوجته، وأخذ يتفاخر بعضلاته أمامها بينما هي تعد عجينة الصباح، وضع إيلاس الصندوق الأخير على الأرض وقال غاضبا وهو يصر على أسنانه:
«اجعليه يطبق فمه من فضلك يا ديلارا، وإلا قد تصبحين أرملة»
«أنت تعنفني أمام زوجتي من جديد، يا رجل هذا يؤذي مشاعري»
دخلت الأم من الباب، وانزلق السوط من يدها بسلاسة على ظهر إيروس:
«يقول لك اخرس لأن زوجته نائمة. ألا تفهم»
«أي! يا أمي أنا لا أفهم الكلام المباشر، كيف أفهم التلمحيات!»
استدارت نحو إيلاس وهوت عليه بالسوط بدوره قائلة:
«معه حق، لا تتغابى أنت أيضا»
مسد إيلاس فخذه محاولا ابتلاع الألم الحارق، ضربات السوط لا مزاح فيها!
سأل إيروس:
«ألا تؤلمك قدمك يا أمي؟ اجلسي»
هزت كتفيها بغرور ورفعت رقبتها القصيرة:
«مسمار صدئ لن يعدمني صحتي»
حاول إيروس ملاطفتها:
«نعم، سوف تعيشين سنين طويلة بعدها»
انهالت عليه بالسوط:
«نعم، يجب أن أعيش سنين طويلة وإلا من سوف يكبح جماحك وأنت كالكلب المسعور!»
قفز إيروس واندس تحت ذراع زوجته، تصنع البكاء:
«كلاكما قساة القلب، ليس لي سوى زوجتي لتحنو علي. من سوف يبهج لكم هذا البيت إن أصبحت كئيبا مثلكما! قدرا جهودي!»
زم شفتاه حين رأى السوط يتحرك في الهواء وصاح:
«سوف اصنع خزانة من الحديد لهذا السوط! تكادين تصبحين جدة، تخلي عن قسوة قلبك هذه!»
«جرب هذا أيها المأفون، وسوف أجلدك مئة جلدة»
تمتم ايروس ضاحكا:
«طفل ايلاس بمجرد أن يعرف أن جدته تحمل سوطا سيتسلق ساقي أمه ليعود من حيث أتى. اقسم لك»
رمقه إيلاس بنظرة ساخطة، ثم استدار على عقبيه واختفى خلف الباب. ضحك إيروس:
«مزاجه سيء. كيف أنجبت رجلا كهذا يا أمي؟»
ضمت الخالة السوط ليديها وقالت:
«مزاجه مثل أبيه تماما»
انحنى إيروس نحوها معانقا وقال بدلع:
«ألا يعني هذا أنني أشبهك؟»
دفعته بعنف:
«إليك عني»
«يا للقسوة»
استدار نحو زوجته ورمى ذراعيه الثقيلان فوقها؛
«احضنيني يا ديلي، قلبي محطم!»
«أنا أعجن العجين، اذهب والعب في مكان آخر»
تدلت شفتاه في عبوس، ثم رمى نفسه فوق كرسي في المطبخ وهو يهز كتفاه ويتحسر على حاله.
*******
«افتحها، افتحها!»
تراجع إيلاس بغتة في الباب، تشبث في إطار الباب في اللحظة الأخيرة قبل أن ينقلب على ظهره، وحدق بدهشة في زوجته التي تحشر وجهها في وجهه.
بدت له كجرو ينبح بحثا عن عظمة، وتكاد تقفز فوقه من الحماس.
مد يداه فأحاط خصرها ودفعها عنه قليلا كي لا تتهور فيقع كلاهما، تساءل بهدوء وهو يخلع حذائه:
«البطيخة؟»
«أجل. افتحها!»
عبست وأضافت باتهام:
«رفضت ديلارا أن تدعني أقطعها في الصباح، قال ماذا أنت من أوصاها بذلك»
«ليس من الجيد أن تتناولي بطيخا في الصباح»
«من غرس هذه الفكرة الغبية في عقلك، لا يوجد وقت محدد للتحلية والفواكه»
ارتسمت على شفتيه ابتسامة، ثم قال:
«سنتناول الغذاء، وأقطعها لك»
«ولم ليس الآن؟»
«الطعام أولا»
أخذت تحرك اصبعها فوق ذراعها بتوتر ثم سألت:
«من أين حصلت عليه؟ ظننتك قلت أنه غير موجود حاليا لأنه ليس موسمه»
حمل حذائه ليصفه أمام الباب بانتظام، ثم ارتدى صندله الجلدي، تقدم نحو الأريكة ورمى نفسه فوقها بارهاق، زفر أنفاسه ثم نظر لها:
«طلبت من ناجد أن يتواصل مع بعض التجار من الجنوب، لحسن الحظ الجو ساخن هناك بما أننا هنا غربا نعاني من البرد»
صمت للحظة، في الحقيقة قد لا يكون الطعم مثاليا مثلما لو تم زرعه في الصيف، لكن هذا من أفضل من لاشيء. ولقد طلب ثلاث حبات احتياطا.
مرر عيناه ببطء على آرسي، كانت ترتدي فستانا صوفيا خفيفا يناسب الجو الضبابي الندي، ويتماشى لونه الكريمي مع بشرتها الشاحبة، بينما لفت شعرها الطويل في كرة فوق رأسها كعادتها حين تساعد في أعمال المنزل.
فتح زر كمه ورفعه عن ذراعيه ثم سألها:
«ماذا كنت تفعلين؟»
وضعت يدها على وجهها، وتحسست بثرة صغيرة ظهرت في وجهها، بضيق بالغ.
«نظفت المخدع، ساعدتني ديلارا قليلا. لقد كانت ممتلئا بالغبار. غيرت أغطية السرير أيضا»
صمتت لحظة حين دخل إيروس من الباب، أزعجتها من جديد رائحة نشارة الخشب العالقة به، ورأته يرفع يداه في استسلام حين كشرت في وجهه:
«سأذهب في سلام يا عزيزتي، لا تعضيني»
كانت قد عبرت في بداية حملها عن كرهها لرائحة الخشب التي تفوح منه، فأصبح يستغل هذا لإلقاء النكات.
راقبته حتى ابتعد نحو غرفته ليغير ملابسه، ثم عادت ببصرها نحو إيلاس الذي كان يبتسم ساخرا.
«وجدت بعضا من الفاكهة المختلفة في صندوق البطيخ»
«ماذا وجدت؟»
«سلة من الزعرور والفراولة، وكذلك التفاح الأحمر، لكن للاسف رمينا معظم الفراولة في الصباح. فقد أصبحت في حال يرثى لها بسبب الرحلة، وكان هناك بعض الليمون والتفاح الأحمر، وأربع شمامات صغيرة الحجم»
أبعدت يدها عن وجهها حين نجحت أخيرا في فقع البثرة التي أزعجتها، وساح خيط رفيع من الدم على ذقنها فأسرعت تمسحه بكم ثوبها:
«هل طلبت كل هذه الأشياء؟»
إجاب ببساطة:
«لا. لكني أعلمت ناجد أنك حامل، لا بد أنه أرسل كل هذه الأشياء من تلقاء نفسه، تعرفين طبيعته»
أضاف :
«وكفي عن اللعب بالبثور التي تظهر في وجهك»
«إنها تزعجني»
«ستختفي من تلقاء نفسها حين يستقر الحمل. سوف تلوثين وجهك إن استمررت بفقع كل واحدة تظهر»
انزلت يدها عن وجهها وتوقفت على تحسس بشرتها، حدجته بضيق حين أعقب بتهكم:
«ظننت الأميرات لا يقمن بتصرف مشين، مثل فقع البثور»
ردت باشمئزاز:
«حتى الأميرات نساء، ولسن كائنات قادمة من الفضاء»
انصرفت عنه قائلة أنها تود مساعدة ديلارا في تقديم الوجبة.
كانت الوجبة مرضية جدا، فقد تكونت من حساء اللحم الساخن، إضافة إلى صدر الدجاج المشوي، وبعض اللبن البارد. وقد أكل الجميع بشهية إلا آرسي التي اشمئزت من نكهة الدجاج المشوي، ورفضت الحساء، وقالت أن اللبن سوف يقلب معدتها.
دست في فمها بضع لقيمات من خبز الشعير بالجبن الأبيض، واكتفت بذلك.
وحين انتهى الغذاء ورفعت ديلارا الصحون الفارغة رمقت ارسي زوجها بنظرة ذات معنى، فتنهد، ونهض للمطبخ، ثم عاد برفقة ديلارا، وهو يحمل بطيخيتين من الثلاثة بين يديه، بينما حملت ديلارا صحنا مشكلا من الفواكه الأخرى.
وضع البطيخة على الطاولة، ثم شقها بالسكين، وقد كان من المخيب للأمال أن لونها باهتا وليس أحمرا زاهيا.
تمتم إيلاس:
«حسنا. توقعت شيئا كهذا، هذا ليس موسم البطيخ»
شق الأخرى بسرعة، فكانت أكثر احمرار من السابقة، لكن حين قطع ايلاس طرفا منها وتذوقه كانت وكأنها ماء بدون سكر.
نهض ايروس ليحضر البطيخة الأخيرة، بينما التقطت ارسي القطعة التي بين يدي زوجها وتذوقتها، حدق بها بترقب فقالت:
«ليست حلوة، لكنها مليئة بالعصارة ومنعشة»
«أخبرتك أننا لسنا في موسم البطيخ، لا تلوميني»
أقبل ايروس من المطبخ وهو يطبل فوق البطيخة الأخيرة بحماس، وقال:
«لها صوت مدوي، قد تكون أفضل من الأخريات»
رمقته أمه بهدوء:
«ما أدراك أنت في للبطيخ»
«لدي بعض المواهب المخفية يا أمي»
انفجرت ديلارا ضاحكة فيم تبادل أرسي وايلاس نظرة ساخطة، كان هو ساخطا على أخيه كالعادة، وكانت هي ساخطة على البطيخ.
لحسن الحظ، كانت البطيخة الأخيرة افضل قليلا من السابقتين، لم تكن زاهية اللون، ولا حلوة كالشهد، لكنها كانت بين هذا وذاك، وقررت أرسي أن ترضى بالموجود.
نهضت ديلارا وأحضرت علبة عسل ثم قالت:
«ستصبح أحلى إن صببت فوقها بعض العسل»
وبالفعل كانت، وشعرت أرسي أخيرا أن عطشها قد هدأ بعد أيام من الجفاف والعذاب المستمر.
اندلق ماء البطيخ فوق ثوبها، وساح على رقبتها، والتصق العسل بشفتيها وأنفها، ابتسم إيلاس وحمل منديلا ومسح به رقبتها المبتلة:
«رويدك، لا أحد سيسرق البطيخ بعيدا، سوف تختنقين»
رمقها الجميع بذات النظرة المتسلية فشعرت الاحراج، قد أعمي بصرها ولم تعد ترى سوى قطعة البطيخ بين يديها.
حاولت أن تأكل بحذر أكبر، ودون ان تبدو كمفترسة أمامهم، لكنها لم تستطع منع نفسها من أخذ قضمات كبيرة تتسع لفمها كاملا كي تهدئ روع مشاعرها المحترقة.
أكلت لوحدها أربع قطع من البطيخ، وليست أي قطع فهي اعترضت حين قطعها إيلاس قطعا صغيرة، وطلبت أن يبقي قطعها على شكل هلال ضخم يتسع في حضنها.
وعلى كل، أكلت حتى شبعت وحتى عافت نفسها البطيخ. أكلت حتى لم يعد بمقدورها حشر لقمة إضافية في فمها.
أكلت حتى امتلأت معدتها، وتقيأته كله بذات الليلة.
انزعج إيلاس من القيء الذي غمر ملابسه في منتصف الليل، لكنه لم يبنس ببنت شفة، حملها عن السرير نحو الحمام، وهو يفكر أنه على الأقل انتهت قصة البطيخ.
وريثما كان يغير ملاءات السرير ليعودا للنوم قالت له:
«أنا جائعة»
«معدتك مضطربة»
«ليست مضطربة، تقيات وحسب، لم أحس بالغثيان حتى، لقد اندفعت تلك الأشياء من فمي فجأة »
أغلق عيناه باشمئزاز صامت، وكور الغطاء المتسخ:
«هذا لأن معدتك المسكينة لم تقدر على هضم ذلك الشلال الذي أمطرتها به. من الجيد أنها لم تنفجر»
«كف عن التهكم علي. أنا جائعة فعلا»
سألها ساخرا:
«هل تريدين مزيدا من البطيخ؟»
أشاحت عنه بغضب فتنهد، دفعها للسرير فاندفعت تصيح بغضب:
«أنت تسخر مني بسبب أكلي للبطيخ! لا تنس أن ابنك هو السبب، أنا لا آكل من أجل نفسي!»
«اهدئي، كنت أمزح، ستوقظين المنزل»
أشاحت عنه، واندست تحت اللحاف النظيف، دفعت شعرها عن وجهها وأعطتها ظهرها بصمت.
ظلت يداه معلقتان في الهواء، ثم استدار وخرج من الغرفة.
عاد بعد لحظات وبين يديه صحن فواكه، كان قد نظفها وقطعها، هزها برفق:
«أحضرت لك بعض الفواكه، تعالي وكلي»
«لا أريد»
«لم تتناولي العشاء. هيا يا آرسي!»
«لا أريد. اذهب عني»
وضع الصحن على المنضدة المجاورة للسرير، ثم مد يداه بغضب، رفعها وأجلسها غصبا عنها، ثم مد يده ودس قطعة تفاح في فمها. هسهس:
«سوف تأكلين حتى آخر قطعة. أتفهمين!»
هزت رأسها ببطء فابتسم، وضع الصحن في يدها وجلس على طرف السرير يراقبها بينما تأكل بصمت.
ليس عليك مراضاة الأنثى دوما، بعض المواقف تتطلب رجولة.
********
هلاو❤️🌝
رغم إني كنت مطحون نفسيا بسبب الكتابة، وقررت بدي أرتاح شوي.
بس ما قاومت أكتب فصل جديد.
هاي الرواية بتطبطب على قلبي.
لو في قراء صامتين، من فضلكم اخرجوا عن صمتكم، التفاعل سوف يساعد هذه القصة على النمو.
ما رأيكم بالفصل؟
المفاجأة😂😂
البطيخ 🌚🌝🌝
إيروس؟
إيلاس🌚🌝
توقعاتكم للفصل القادم؟
🌝❤️
يلا اعملوا لي اغراءات.
.
rana rachade