كان أول ما فعلته أرسي بمجرد أن استيقظت صباحا هو فتح صناديقها المكتظة بالثياب والمجوهرات ولأحذية.
ما هي سوى لحظات حتى غرقت تحت موجة من التنانير المنتفخة المتخمة بروائح العطور، كان بعضها قديما، من ثيابها المعتادة وبعضه جديد تماما علمت تماما أن من اشتراها والدها، فقد كانت هذه التنانير الفخمة تشبه ذوقه العشوائي تماما.
لكنها دهشت تماما حين فتحت أحد الصناديق ووجدت فيه فساتينا عادية تماما، لا يشدها مشد ولا تنتفخ معيقة الرؤية أمام وجهها، فساتين صنعت من أثواب فاخرة كالحرير والكمشير، القطن والصوف. ثياب بدت أنيقة ورقيقة مناسبة تماما لتكون ثياب أميرة تزوجت طبيب أعشاب.
صندوق كامل مثقل بهذه الفساتين الجميلة، ومعها أحذية ذو كعب خفيض وأحذية جلدية أنيقة لكن بسيطة.
احتقنت عيناها بالدموع فلا شك أن أمها من اشترت لها هذه الثياب الجميلة، كي تساعدها على الانسجام مع محيطها الجديد بسرعة، وكأنها بفطنتها علمت أن جميع هذه التنانير الضخمة لن تفيدها قط.
فتح الباب فأسقطت الثياب من يدها وحدقت في ايلاس بوجه مفزوع فقد كانت غارقة في أفكارها، نظر لكومة الثياب دون ان يميز احدا من الاخر عابسا وقال:
«ما هذه الفوضى؟»
«أعمل على ترتيبها»
هز رأسه وقال:
«تلك الثياب المنتفخة كثياب البلهوان دعيها في الصندوق أو احرقيها!»
«لا تكن ضيق التفكير، سأحتاجها حتما إذا ما زرت أهلي يوما ما! أظنني سأضعها في صندوق وأحفظها بعيدا»
رمش للحظة:
«اه! اجل صحيح. لقد نسيت انه يتوجب عليك زيارتهم من وقت لاخر»
حدقت به في استنكار، فجلى حلقه بارتباك وفر هاربا:
«سأنادي لك ديلا لتساعدك فهي ماهرة في طي الثياب»
سمعت صوته وهو ينادي زوجة أخيه، ثم دخلت ديلارا للغرفة مبتسمة:
«هل تسمحين؟»
ابتسمت لها أرسي فدفعت الباب خلفها وجلست بحماس على الارض أمام كومة الثياب، بدأت ترفع الأثواب الفاخرة أمام عينيها وتحدق بها بذهول وتتشممها.
«هذه قطع فنية لم يسبق لها مثيل. سأصدق الان انك اميرة فعلا»
ضحكت ارسي:
«اعتقد أنني لم أكن ابدو كذلك في الثياب المغبرة»
احمرت وجنتا ديلارا، ثم هزت رأسها:
«ربما، لكن بشرتك الصافية وكلماتك، حركاتك ورزانتك تثبت حتما أنك أميرة»
هزت أرسي رأسها بصمت، لم تعد تعرف ما قد تضيفه، وابتسمت ديلارا لها:
«على كل من الأفضل أن ننتهي بسرعة، الساعة تكاد تتجاوز العاشرة ويجب أن نجهزك قبل حلول المساء»
تركت ارسي الثوب ينزلق من بين يديها وتساءلت:
«تجهزنني؟ لماذا؟»
نظرت لها ديلارا بتعجب:
«أليس هذا واضحا؟ لحفل زفافك! أتظنين أننا سنستقبلك في بيتنا بدون حفلة نجمع فيها كل أهالي القرية؟ إن من تزوج هو طبيبنا المشهور ولا بد لنا من الاحتفال»
«أليس هذا لأنكم تريدون فقط سببا للاحتفال؟»
استدارت ديلارا نحو إيلاس الذي دخل للغرفة وأخذ سترة صوفية:
«وكيف تنوون إقامة زفاف في هذا الجو المتجمد؟ الأرض غارقة في المياه بسبب أمطار ليلة البارحة»
أشهرت ديلارا اصبعها في وجهه وقالت في تهديد:
«اصمت ولا تتدخل، ألا يكفي أنك منعتنا من إقامة الوليمة في الموعد الصحيح، وستمنعنا الآن!»
قفزت على قدميها ثم دفعته للخارج في غلظة:
«ولا يجب على العريس أن يرى عروسته قبل ليلة الزفاف»
شخر ايلاس ساخرا:
«حقا! لعلمك لقد تأخرت جدا على هذا»
ارتسمت على شفتي ديلارا ابتسامة عابثة ثم ركلته بشقاوة:
«لا يهم، ستكون ولدا مطيعا وتفعل ما نريد. والآن انقلع»
صدحت ضحكة ايلاس خارج الغرفة، وعادت ديلارا نحو ارسي وهي تبتسم باتساع، ثم تحولت أمام عيني الفتاة المسكينة لآلة سحرية تشفط كل شيء، أمسكت الثياب جميعها ووضعت التنانير المنتفخة في الصناديق، ثم رتبت الأخرى في ترتيب متقن داخل الخزانة، حتى أن ارسي خيل لها أن الملابس عبارة عن أوراق رقيقة رتبت بتنسيق تام.
فتحتا حقيبة الأحذية ومنعت ديلارا نفسها بصرامة من أن تقع ضحية الدهشة وهذا الجمال الخلاب لكل هذه الكعوب والأحذية المزينة، دفعت بها في رف خاص في الخزانة.
ثم جاء الدور على حقيبة المجوهرات وأدوات الزينة، وكان لابد لأي امرأة من أن تنهار هنا.
حدقت أرسي في قطع الماس والياقوت التي تحدق بها ديلارا مفتونة، بينما لم تشكل بالنسبة لها أي شيء، فقد اعتادتها.
أطلقت ديلارا تأوها:
«هذه القطعة رائعة الجمال»
حدقت ارسي في عقد الياقوت الدموي الذي بين يديها، كان عقدا بسيطا في تصميمه، مجرد خرز من الياقوت الدموى ترتبط ببعضها البعض في سلسلة رقيقة من الذهب الخالص، ويفضل بين كل حبتين من الياقوت حبة ألماس صغيرة وتتدلى منه في النهاية حبة ياقوت أكبر حجما من الأخريات.
«أرى أنك تحبين الأشياء البسيطة في التصميم»
«ربما، أجد أنه ساحر فهو يزين الجيد لكن لا يغطي على تفاصيله»
«خذيه»
امتدت لحظة صمت طويلة بين المرأتين، ثم صاحت ديلارا بارتباك لم يتملكها مثله من قبل:
«إلهي العزيز.. لا، لا أريده! أقصد..إنه جميل…بل…لا يمكنني أخذه!»
حدقت بها ارسي للحظات في جمود، لم تكن خادماتها يظهرن كل هذا الكبرياء حين تعطيهن قطعة من حليها بل كن يطرن من الفرحة ويقبلن يديها ويمطرنها بالمدح…لكن مهلا هذه ليست خادمة لديها بل زوجة اخ زوجها، سلفتها.
تركت ما بيدها وتقدمت فأخذت العقد من بين يديها، فتحت قفله الصغير ثم وضعته على رقبة ديلارا المتخشبة.
«إنك لك جمالا غجريا ساحرا يا ديلارا، سمرتك فاتنة وشعرك لم أرى ألمع ولا أطول منه في حياتي»
دفعتها نحو المرآة وقالت:
«انظري، هذا اللون يناسبك جدا. ثم إنه لا يناسبني حتما ولن احتاج إلى ارتداء المجهوهرات هنا!»
وضعت يدها على كتفها وأردفت:
«اعتبريه هدية محبة بيننا ولا ترفضيه! ألسنا شقيقات الآن؟ وكيف يمكن للشقيقة أن ترفض هدية من أختها؟»
احمرت وجنتا ديلارا حتى طغت على سمرتها، ثم أسرعت تداري خجلها في ارتباك وهي تصيح:
«فلنسرع، الوقت يداهمنا!»
قرقرت ارسي ضاحكة، وأخذت منها العقد لتضعه في علبته المخملية بجوار قرطين يشبهان نقطتين من الدم.
بفعل مهارة ديلارا وجدارتها انتهيتا في وقت قياسي من ترتيب كل شيء في وقته المناسب.
ثم مدتها بالماء الساخن وقالت في صرامة:
«خذي حماما طويلا ومنعشا، لا تستعجلي واجعلي نفسك بهية. سوف تعود خالتي بعد لحظات من السوق وسوف تبدأ النساء بعدها في التدفق للمنزل. لذا يجب أن تكوني ساحرة!»
وهكذا مرت فترة الصباح، انشغلت ديلارا مع خالتها وبضع نساء تقدمن للمساعدة في ترتيب المنزل وإعداد بعض الوجبات الخفيفة، فالرجال هم من يتكلفون في قريتهم بتجهيز طعام الولائم وذبح الأضحية، وسيبدأ الحفل رسميا بعد العصر.
من الجهة الثانية، أقفلت عليها ديلارا غرفتها ورفضت أن تدخل أي امرأة، لكي تطبخ فضولهم، فلم تتح للكثيرات منهن رؤية ارسي ليلة البارحة في ظلام المساء، واللواتي فعلن لم يبصرن جيدا.
ولذا لم تجد ارسي بدا من أن تأخذ حماما طويلا جدا، امتد لساعتين ونصف، ثم خرجت لغرفتها وانتقت بعض الثياب لترتديها، وجلست على كرسي منضدة الزينة تجفف شعرها على مهل.
إنها عروس، لم تشعر بهذا الشعور حتى وهي في بيت والدها، فقد أقيمت مأدبة صغيرة جدا تضمنت أخواتها فقط ووالديها ثم غادرت برفقة ايلاس، ولم تتح لها الفرصة قط لتكون عروسا، لهذا ثرثرة النساء في الخارج وصياح الأطفال يشعرها بالقلق والارتباك، فهناك الكثيرات ممن يتطلعن لرؤيتها خارجا، وكما عادة جميع النساء مهما اختلفت ظروف عيشهن، فهن سيعشن على سيرتها شهرا أو أكثر من ذلك، وستلوك كل امرأة خبرا وشائعة عنها. فما هي الشائعات التي ستنطلق عنها بعد هذه الليلة؟
طرق الباب ودخلت ديلارا بسرعة، فرأت ارسي عيون النساء الفضولية التي حاولت أن ترى ما في داخل الغرفة.
تركت ارسي المنشفة من يديها وحدقت في ارتباك نحو ديلارا التي قالت:
«لقد اقترب موعدك. هيا لنجعلك متألقة!»
رنت ببصرها لما تحمله في يديها، وشعرت بالدهشة حين فردت أمام عينيها فستانا قديما، أبيض اللون، لديه كمان طويلان شفافاين، ويتزين صدره بقطع من الدانتيل الثمين، فيسندل عليه بشكل مثلثي كالشال حتى الخصر، بينما تلتصق به طرحة طويلة مزوجة، ثقيلة وتتزين بتطريزات دقيقة لورود بيضاء.
وقد كان الثوب باليا يميل لونه للاصفرار لكن من الواضح أنه حفظ في مكان خاص وبكل عناية، فلم تكن به طية أو تمزق واحد، وتفوح منه رائحة غريبة وقوية من الكافور والمسك.
وضعت ديلارا الفستان الثمين فوق السرير بعناية، ثم مدت يدها نحو أرسيلا بطريقة مسرحية:
«هيا يا عروستنا الجميلة، فلنبدأ بتجهيزك»
ابتسمت أرسي، حدقت في ثوب ديلارا الأسود الذي ييتلف بجسدها الطويل بليونة، بينما شعرها الطويل قد وجد حريته من عقدته الضخمة فافترش ظهرها وغطى فخذيها، وتألق لونه الأسود تحت ضوء الشموع، بينما بدت عيناها الواسعتين المرسومتين بالكحل غجريتان تخطف الألباب، وتألقت بشرتها السمراء فازداد حسنها حسنا.
علمت ارسي تماما لم إيروس كل ما نظر لزوجته لمعت عيناه، فمن ذا الذي يملك هذه الأنثى الفاتنة وتبدو عيناه باردتان؟
ولو أنها ارتدت فستانا أكثر فخامة، لبدت كالأميرة المتوجة، فلها جمال يخطف الأبصار، جمال ساحق، على عكسها هي التي تتميز بجمال ناعم وهادئ، جمال لم يتألق إلا بسبب العناية المكثفة، بين كان جمال ديلارا بربريا.
شمرت ديلا يديها وأمسكت أرسي فأجلستها غصبا على كرسي التسريحة، وبدأت ترتب شعرها:
«كان لدي العديد من الشقيقات لذا أنا ماهرة جدا في تصفيف الشعر»
ابتسمت قليلا وأضافت:
«لكني لا أجيد زينة الوجه، قد أحولك لساحرة»
ابتسمت ارسي وحدقت في وجهها بالمرآة:
«لا عليك، سأهتم بذلك بنفسي»
«سأساعدك قليلا، فأنا ماهرة في رسم الكحل»
وهكذا قضت المرأتين وقتا طويلا في الغرفة، تساعدان بعضهما وكل واحدة ترشد الأخرى، وارتدت أرسي الفستان الأبيض، وبينما كان ديلارا تسحب الخيوط لتشد خصره فوقها قالت:
«كان هذا فستان زفاف خالتي، وقد ورثته من أمها. في قريتنا يعتبر فستان الزفاف مقدسا لذا تنفق الزوجة الأولى في العائلة مبالغا طائلة لشراءه كي يدوم مدة طويلة. وهذا الفستان كان في زمانه أغلى ما بيع في سوق الثياب»
شدت الخيوط بقوة فزمت ارسي شفتيها وتمتمت بصعوبة وهي تجاهد لتتنفس:
«وهل يجب أن أشتري فستانا لأورثه لأولادي؟»
«فقط اذا اهترأ الفستان القديم وتمزق، لكن ما دام صالحا للاستعمال فسوف يورث من زوجة لأخرى»
ابتسمت قليلا وهي تربط الخيوط بمهارة:
«تأخذه دوما زوجة الابن الأكبر»
ارتبكت أرسي واستدرات لتحدق فيها:
«لا يمكنني أخذه!»
تمتمت ديلارا باصرار:
«بل يجب عليك هذا، يعد توارث الفستان تقليدا مهما»
«ماذا عنك؟»
هزت ديلارا كتفيها:
«ارتديته في زواجي، لكني أعدته لخالتي، واليوم سترتدينه ويبقى معك للأبد حتى تلبسه بناتك»
صمتت للحظة ثم اضافت:
«كما أنني لا أملك بناتا لأورثها لهن، فالأجدر به أن يكون من نصيبك»
«لك…»
قاطعتها ديلارا بصرامة:
«كفى»
أدارتها نحوها تماما، وبدأت ترتب الفستان، ثم هرعت نحو صناديق المجوهرات فالتقطت عقدا من اللؤلؤ ووضعته على جيدها، ثم زينت أذنيها بقرطين مشابهين.
ابتسمت ورفعت اللثام الشفاف الصغير:
«هذا ليحفظك من العين، لا يجب أن تكشفي وجهك تماما إلا لزوجك في يومك الأول»
رغم أنه لم يكن كذلك، بل إن ليلتها الأولى قد مرت منذ شهور، حيث قفزت لمخدع زوجها، وظل كلاهما يحدق ببعضهما في صمت من خلال ظلام المخدع، وكأن كليهما حائران إن كان يجب عليهما أن يكملا الزواج أم لا؟
شعرت بالارتباك، إنها حقا عروس! عروس ترتدي الأبيض بينما تتألق عيناها الخضرواتين بنور ساحر، وقد أصبحت عيناها مرواغتين كعيون الغجريات، بعدما أجادت ديلارا رسم الكحل فيهما، فجعلت من عينيها عيني امرأة شرسة لا فتاة حالمة تفكر بالحكايا، ويمنحها الوشاح الشفاف الذي يغطي نصف وجهها سحرا أخاذا، وهيبة.
بدت في فستانها المصفر، عروسة بحق، عروسة بريئة وكأنها لم تلمس! عذراء بهية تأسر الألباب.
ارتفع شعرها الأحمر فوق رأسها ككومة نار مشتعلة، بينما انفلتت منه بعض الخصلات على بشرتها الناصعة التي بدأت تميل للاسمرار من الشمس، ولم تضف لها السمرة إلا حُسنا.
وتضاربت حمرة خديها الطفولية مع النظرة الشرسة التي تألقت بها عينيها، وحين تحركت لتقف أمام الباب أخذ قلبها يدق كالطبل في صدرها، اختلست نظرة للوراء فحدقت في عصفورها الزجاجي الذي يستعد للطيران، وكأنه يهمس لها لتكون شجاعة، أن تلقي عن كتفيها لقب الأميرة المدللة وتنطلق للعالم فلا تخشى شيئا، تعيش الحلو بحلاوته، وتتجرع المر رغم حدته، فكل شيء يمر، والزمان لا يقف عند ما يعجبنا ولا عند ما يبكينا.
انسلت ديلارا من خلف الباب بمهارة وقد تألق عقد الياقوت على نحرها، دفعت الباب برفق لترفع نسبة الفضول في عيني النساء المتجمعات، وبدأت صاحبة الشرف تظهر من خلف الباب رويدا رويدا حتى اتضحت لهن جميعا.
ودهشت حين وقفت جميع النساء وعلا صوتهن بالغناء والصياح، وكأنما هي إشارة فقد صدح صوت الطبل عاليا من خارج المنزل فارتجفت بارتباك!
ما الذي يحدث؟ ظنت أنها ستقابل النساء وتجلس بصمت معهن تستمع لمدحن ولكلمات لا ترجى منها! فما الذي يحدث!
تقدمت منها الخالة، وقد ارتدت ثوبا بنيا غامقا، وغطت شعرها بمنديل مطرز، وامتلأ رسيغها بأساور ذهبية مجلجلة، كانت بيدها صينية ذهبية، بها مسك حر، وبيضتان.
أمسكت البيضة الأولى، فرمتها عليها بقوة فهلعت ارسي وانحنت بشكل تلقائي، وارتطمت البيضة بباب الغرفة وانزلق منها الصفار، ثم كسرت الثانية بنفس الطريقة.
أمسكت الخالة مرشة المسك فأغرقت العروس بها، وتقدمت فتيات كثيرات شابات كثيرات، من بينهن ديلارا وأغرقتهن الخالة بالمسك ذو الرائحة الفواحة جميعا، وهن يتضاحكن.
وأمسكت بها ديلارا من طرف يدها وقادتها نحو الخارج، حيث جهزت ساحة واسعة تم تنظيفها وملأها بنشارة الخشب لتمتص الماء عن الأرض.
وهناك وقف جمع غفير من الرجال يحملون طبولا تقليدية صنعت بالجلد، يقف في وسطهم رجل يتعلق بعنقه طبل ضخم، يضرب بالعصاتين عليه بقوة فتكاد الأرض تهد من أسفله.
وتوقفت الفتيات عند الباب ورفعن صوتهن بالغناء، ثم اندفعت المجموعتان للساحة، وتحلق الرجال حول ايلاس الذي كان يضحك، بينما عصبت عيناه برقعة سوداء، وقد ارتدى ثيابا سوداء بالكامل زينت بنقوش ذهبية فبدا مميزا وسط الرجال جميعهم، وتعلق بظهره رداء أبيض لم يناسب ملابسه، بينما تلك الرقعة على عينيه بدت محيرة لأرسي، لم قاموا بتغميضه؟
ظلت المجموعتان تتصايحان في لحن صادح، وكل منهما يريد من الآخر أن يتنازل ويقدم العروس، أو العريس، وبدت النساء طبعا أكثرهن عنادا رفضن تقديم العروس، وتحلقن حولها في دفاع محصن.
استمروا بالغناء حتى توصل الطرفان لحل وسط، فافترق دالرجال كالفراش وتقدم من بينهن ايلاس وشعره المخطط يتطاير بفعل الريح، وابتسامته مرسومة على وسعها
اما أرسي فقد رمت فوق رأسها إحدى النساء طرحة طويلة شفافة غطت رأسها حتى صدرها، فبدى كل شيء من حولها مشوشا، لكنها لمحت كل الفتيات وقد ارتدين طرحة مشابهة، وبدأن يحركن الأساور في أياديهن في نغم ترافق مع ضرب الطبول الذي عاد يصدح بقوة، وشكلن جميعا حلقة متساوية كانت هي طرفا فيها وبدأن يدرن حول العريس وهن يغينين ويحركن الأساور يمينا وشمالا، وايلاس وسطهن يقف بجدية وقد اختفت ابتسامته، يتتبع حركات الأساور، ويحاول أن يرى عروسه من خلف عيناه المعصوبتان.
وتفرقت الحلقة أخيرا فاتسعت، وتوقف الغناء وصمت كل شيء، فحبست أرسي أنفاسها.
ظل إيلاس يقف في مكانه بصمت ما يقارب الدقيقة حتى صاح به أخوه:
«يا رجل، تجمدت أقدامنا بردا، جد عروسك ودعنا ننتهي»
ابتسم ايلاس هز شعره، بدأ يمشي من فتاة لأخرى، ويتوقف عند كل منهن وقتا قصيرا، وكأنه يفتش فيها عن علامة ما، مدت ديلارا يدها بشقاوة فسحبت ثوبه، قهقه ايلاس ضاحكا ثم أطبق على يدها وجذبها خارج حلقة الفتيات، فصاح ايروس مازحا:
«أيها الأحمق، هذه زوجتي أنا!»
دفعها نحوه بقوة، وقال:
«أعلم، لذا أمسكها»
حلت لحظة صمت أخرى وتقدم ايلاس فتوقف قرب ارسي تماما، وظل كلاهما صامتا، بينما حبست هي أنفاسها ترقبا، تحرك مبتعدا عنها نحو فتاة أخرى ففعل المثل، صاح ايروس:
«هل تحصي أنفاسها؟ يا رجال هذا غش، الطبول، الطبول»
ارتفع صوت الطبول عاليا، وتداخلت النغمات، وقد كان ايلاس يقف بقربها فسمعته يشتم:
«تبا لذلك الحشري»
تحركت الفتيات من جديد من حوله، كل واحدة تحرك رسغها فترن الأساور الذهبية فيه، وبدأن بالتصفيق، نغزتها فتاة في خصرها، فرفعت ارسي يديها بارتباك وبدأت تصفق، لكن تصفيقها لم يوافق النغمة التي اتبعتها الفتيات ووجدت نفسها تسحب من الحلقة في حركة سريعة جعلتها تشهق، واقتلع ايلاس الرداء الأبيض من فوق ظهره فرماه على ظهرها.
وارتفع الصياح من جديد، وبدأت الفتيات ترقصن من حولهما في سعادة.
همس لها ايلاس:
«تصفيقك سيء!»
انفلتت منها ضحكة، فاتسعت ابتسامته، وظلت ذراعاه الباردتان بفعل هواء الليل ترسلان شرارات لظهرها فتتجاوز قماش الفستان الرقيق.
اختلط الحشد ، وتوسعت الحلقة من حولهما، فدفعها ايلاس للرقص.
أخذ يديرها بين يديه بمهارة رغم عماه، يضرب الارض بقدماه في قوة فتتطاير نشارة الخشب من حولهما، سقطت الطرحة من فوق رأسها فاتضحت لها الرؤية، ولاحظت وهي تدور بين يديه أن الأمطار الرقيقة بدأت تنهمر فوقهما مختلطة ببتلات الورود والنباتات العطرية التي رمتها النسوة فوقهما.
وازداد الطرح سخونة، وتدخل الرجال جميعهم، أخذو يضربون بالطبل في قوة، تزامنا مع حركة أقدامهم العنيفة على الأرض، ودار حولهم العديد من الأطفال وهم يصفقون، وعلا نغم الأساور اللاتي حركتها النسوة في أياديهن.
تطايرت نشارة الخشب، والورد، والطين، تطاير كل شيء واستمر الرقص واستمر، حتى شارك فيه الجميع، الكبير والصغير.
حل الصمت بغتة، وانقطع المطر الهتون، وكأنه مشارك في هذه المؤامرة، أمسك ايلاس بكفيها فحملهما لرأسه، وضغط عليهما برقة وهو يتمتم:
«فكي عمى عيناي، وأعدك ألا تبصر عيني سواك!»
كادت تفعل بتلقائية لولا أن ديلارا نغزتها وهمست لها:
«تدللي يا روح أمك، ما هذا الخنوع! تدللي!»
ابتسم ايلاس ساخرا، فصمتت ارسي وظل الجميع يرتقب كلماتها، ففي هذه اللحظة يمكنها أن تحكم على زوجها كي يظل أعمى حتى يوم غد ما لم يعطها شيئا ثمينا، أو تفتح عصابة عينيه فتمني عليه بنظرة إليها.
«وهل علي أن أفتح عصابة عيناك وسط جمع من الفتيات»
تأفف بغضب
«يا عزيزتي، وجدتك من بينهن وأنا معصوم العينين، فهل سأرى سواك وأنا أبصر؟»
اقترب منها وهمس لها:
«فكي، فكي، عيناي تؤلمانني يا امرأة..ارحميني»
وصاحت ديلارا:
«لا!»
رد ايلاس في سخط
«امسك امراتك ايروس، أو سأعلقها»
غرق الجميع في الضحك، وتمتمت ديلارا في غضب:
«وماذا ستعطيها أيها البخيل؟ هذه ليلتها!»
«وهل أنا خارج المعادلة؟ إنه زفافي أيتها العفريتة السوداء!»
«خسئت، أيها البخيل»
واحتجت جميع الفتيات في صوت واحد:
«أعطها، أعطها، أعطها»
قطب جبينه في غيظ شديد، ومدت أرسي يدها في حركة سريعة فأنارت عتمته، وقفت على أطراف أقدامها وطبعت قبلة خجول على طرف فكه:
«ولماذا أريد هدية، وأنت أغلى ما أملك؟»
رمش ايلاس عدة مرات ليرى بشكل صحيح، ثم ليستوعب مغزى كلامها، وكانت ديلارا بالقرب منها فسمعت كلامها تمتمت ساخرة:
«وقعت الفراشة في حب الصقر فالتهمها»
ابتسم ايلاس ساخرا:
«ألست محظوظا لحصولي على فراشة؟ بينما حصل أخي المسكين على دبور يعض»
«من هو الدبور يا قملة الغابة؟»
رفعت ثوب فستانها لتقفز فوقه غاضبة، فأمسكها ايروس:
«اهدئي يا دبوري الحبيب»
«نعم؟»
«أقصد يا نحلتي الحلوة»
أمسك ايلاس عروسه، فرماها فوق ظهره كشوال بطاطس، وانقلبت الرؤية في عينيها، أشار لهم ضاحكا:
«إلى اللقاء»
وركض فتبعه الجميع وهم يصيحون، لأن لا عشاء بدون عروس.
وشهدت القرية أغرب مطاردة في تاريخ البشرية، جمهور جائع قدم العروس لعريسها وها هو يركض خلفه ليستعيدها كي يسمح له بتناول العشاء.
***********
جلس ايلاس على طرف السرير يلتهم قطعة كعك محلى بالعسل بشهية مفتوحة، بينما أخذت ارسي تحدق في الستارة البيضاء التلي علقت فوق سريرهما، وللورود الحمراء التي تزين بها المفرش الأبيض.
رفع الصحن أخيرا من يداه، ووضعه على طرف خشب السرير، عاد ببصره نحو زوجته وتعجب كيف لها أن تبدو أجمل في كل لحظة.
كان صوت الحديث والفوضى ما يزال يرتفع خارج غرفتهما، ورائحة اللحم المطبوخ ملأت المكان كله، فقد قدم العشاء قبل لحظات، وانشغل كل الحضور في الطعام والحديث، بينما سمح لهما أخيرا بالانفراد في الغرفة.
«ما رأيك بزفافك؟»
نظرت له ثم تقدمت وجلست بجانبه، ضمت يديها لحضنها وتمتمت:
«غريب»
همهم لها فأعقبت:
«أقصد، توقعت شيئا معتادا، أقدم للضيوف وأجلس لنأكل الكعك بينما تدور صحون الحلوى من حولنا، هذا تقريبا ما يحصل في أعراسنا، نستمر في الحديث وقد نرقص قليلا، ثم نقطع كعكة كبيرة ويغادر كل واحد لمنزله»
صمتت وأضافت:
«أعراسنا أشبه باستعراض للمجوهرات والثياب، كل فتاة تريد أن تنافس العروس في جمالها»
ابتسم:
«وهنا؟»
شهقت ضاحكة، ولمعت عيناها بالحماس:
«كان كصندوق سحري انفجر في وجهي، كسرت خالتي بيضتان فوق رأسي…»
«الأولى للبركة في الزواج، والثانية لأجل الأطفال»
هزت رأسها:
«ورشتني بالكثير من المسك»
«كي تبعد عنك أعين الحساد»
«ثم رشت باقي الفتيات»
ضحك:
«كي أضيع رائحتك المميزة في اللعبة»
هزت راسها بحماس أقوى واستدارت نحوه بكليتها وبدت تشير بيديها:
«بدأو يساومون بيننا، ثم وضعوا فوقي طرحة ودفعوني وسط الحلقة، لتبحث عني وأنت معصوب العينين!»
ابتسم برقة:
«يجب أن أستحق عروسي، ولعلمك لو أخطأت فيك لضربتتي النساء بالنعال»
شهقت برعب فضحك:
«لحسن الحظ لم يحصل»
«لكنك أمسكت ديلارا»
«لم أضع فوقها الرداء»
هزت راسها بتفهم، وقالت:
«الرقصة كانت ساحرة، كل شيء، الورد، نشارة الخشب، والمطر، شعرت أني في مهرجان»
مد يده فأبعد خصلاتها التي بدأت تسقط من تسريحتها المرتخية:
«وجدت عروسي، لذا كان علي أن أحتفل»
رنى نحوها بحنان:
«هل سعدت؟؟»
زفرت نفسا عميقا وابتسمت بنعومة:
«للغاية، لم أكن لأحصل على زفاف أجمل»
«أنا سعيد لسعادتك، ليتني فقط رأيت نظراتك طوال الوقت»
ابتسمت بخجل:
«لماذا؟»
«تعجبني نظرة الدهشة والحماس في عينيك، أشعر أن لاشيء يليق بهما غير ذلك»
أخفضت بصرها في خجل وركنت للصمت فالتقط شعرها وهو يسقط من تسريحته، خلل أصابعه فيه وهو يبتسم، سألته:
«لماذا عصبوا عينيك؟»
«كي أشتاق لعروسي، وأبرهن حبي لها، فهي كعيناي، ولن أرى الدنيا بدونها….أو شيء من هذا القبيل. عندما خرجت من عندك صباحا وحتى رحمتني….يوم كامل من الظلام»
«هذا قاس»
«لكنه تقليد، ونحن نحترم التقاليد فهي أساس وروح القرية.»
رفعت شعرها فوق أذنيها:
«وماذا كنت ستعطيني لو أصررت؟»
استفاق من نسيانه، مد يده في صدر قميصه فأخرج أساورا رقيقة ذهبية، حوالي عشرة، وضع خمسة في كل رسغ.
«إنه تقليد، ترتدي كل متزوجة أساورا من زوجها يعطيها لها في ليلة الزفاف، وكان يجب أن أعطيها لك عندما تصرين لكنك كنت بريئة جدا»
اتسعت ابتسامتها:
«الفتيات! كن جميعا متزوجات؟»
«نعم، وإلا ما كن شرسات هكذا يا عزيزتي، فقط المرأة المتزوجة يسمح لها أن تقدم الزوجة لعروسها، وتدافع عنها، فهي مرت بالتجربة وتعرف كيف تهزم الرجل»
انفلتت منه ضحكة:
«أو هكذا يقلن، لكننا هزمناهن. أرأيت كيف استطاشت ديلارا غضبا؟ ظنت أنني حصلت عليك بسهولة تامة فأرادات تصعيب الأمر علي. لم أخشى شيئا طوال اليوم إلاها، علمت أنه ستنقلب قطة شرسة وتمنعني عنك»
«لماذا سحبت رداءك؟»
«أخبرتك أنها شقية، كانت تنتوي سحب الرداء مني، ولو نجحت كانت النساء ستضربنني»
«اوه!»
مرر أصابعه بين الأساور وتأملها قليلا، مال نحوها مبتسما:
«لكنك كنت رائعة، لكم أحببت أنك لم تتخلي عني لهن. ظننتي فقدتك!»
ضحكت:
«شعرت أنك تعاني، فرحمتك»
لمعت عيناه بشقاوة:
«ارحميني الآن!»
نظرت نحوه وابتسمت، هزت رأسها منه وقفزت:
«حان الوقت لأتدلل!»
نهض ايلاس على قدميه فقبض عليها قبل أن تهرب للحمام، وسمع الجميع صوت ضحكاتها تصدح بشكل عال داخل الغرفة.
*******
فصل جديد❤️🥳
ما رأيكم به؟
ما رأيكم بالعرس؟
اللعبة؟
أعجبكم الفصل🌚🪷؟
rana rachade