......
« أخبرتك إن لم ترد قطعها فسأفعل ذلك بنفسي يا آزر!»
عينا إيلاس المحمرتين بشدة وبشرته الشاحبة أظهرت بوضوح مدى سوء حالته.
كان قد خلع قميصه وترك جذعه العلوي عاريا وبدأ الهواء البارد يضرب جسده الملتهب بالحمى، يده اليسرى كانت تحمل خنجرا يملع نصله في الضوء الحاد لكنها مرفوعة عاليا بينما آزر يمسكها بقوة وقسوة، نطق هذا الأخير بصرامة:
«لا تتهور يا إيلاس! عد لوعيك، إنك مرهق من الحمى والعمل أنا أعرف. لكن لا يمكنك أن تقطع يدك! ليس بعد. امنح نفسك فرصة»
«كنت أنا من أصدر أمر قطع ساق الأمير، وقطع أطراف الناس، أتظنني عاجزا عن قطع ذراع!»
حدق به آزر في حدة:
«أنت لا تفهم أيها الغبي! لازال الناس تنظر لك كالمنقذ أما حين يرون ذراعك مقطوعة ويعلمون أن المرض طالك ستنهار ثقتهم بهم وينقبلون عليك من جديد. اصبر قليلا بعد»
هز إيلاس رأسه بقوة:
«أنا أكثر شخص يحتك بالناس، لم أعد أستطيع فحصهم بذراعي أخشى أن المرض ينتقل لهم مني. يجب أن أقطعها. انظر لها إن الجرح بقدر شبر، لقد مرت عشرون يوما»
شد آزر على ذراع إيلاس بقوة:
«خمسة أيام أخرى لن تضر أحدا. سوف نجد حلا، اصبر قليلا نحن في غنى عن تمردات إضافية فما نحن فيه كفاية»
أخذ منه الخنجر وأضاف:
«فكر أيضا في شعور عائلتك حين يصل لهم خبر قطع ذراعك، سيعلمون أن المرض أصابك وستزيد من قلقهم عليك»
زم إيلاس شفتاه بقوة، غارت عيناه في محجريها، ترك ازر ذراعه ببطء شديد وكرر:
«خمسة أيام، اصبر لخمسة أيام إضافية فقط يا إيلاس وبعدها أعدك سوف أقطع ذراعك بنفسي وأحرقها»
تراجع إيلاس في خطواته للوراء، مرر ذراعه اليسرى في شعره وبعثره، قال في احباط:
«أكثر من شهرين من البحث المتواصل بدون جدوى، أرواح ماتت، أطراف قطعت، والأمل يخبو، أتظن أن خمسة أيام كفيلة بتغيير هذا المصير يا آزر.»
«نحن نثق بك»
أغمض إيلاس عيناه بألم:
«لم أعد واثقا أن أستحق هذه الثقة يا آزر، لم أعد واثقا من شيء أبدا»
دفعه آزر ليجلس ووقف أمامه،. قال بنبرة حانية:
«نحن جميعا مرهقون يا إيلاس، الضغط، الخوف من البتر ومن الموت يرعبنا، نريد يوما عاديا خاليا من الدود، نريد العودة لأهالينا»
انحدرت عيناه لذراعه إيلاس العارية، حيث يمتد الجرح من عضلة من منتصف ذراغه حتى عظمة المرفق، طويل مثخن بالصديد والقيح، والدود.
«أنت أكثرنا إرهاقا يا إيلاس، أعلم أن الضغط كله يقع فوق كتفيك، أعلم أنك تكابد وحدك لتكون أهلا لهذه الثقة بينما تتمزق من جهة أخرى خوفا على عائلتك، وها قد ابتليت بمصيبة جديدة تمثلت في إصابتك. أعرف أنك متعب، أقدر هذا. لكن اصبر قليلا بعد، أرجوك»
أشاح إيلاس بنظره نحو مكتبه، وشرد في اللاشيء:
«أنت تطلب مني المستحيل يا آزر. حري بي أن أرفع راية الاستسلام وأتوقف عن منح الجميع أملا زائفا. لقد تعبت من كل هذا، إن كنتم تثقون بي فأنا لا أثق بنفسي، رجل مكسور لا يمكنه أن يحمل الاخرين، هذا مستحيل. »
صغط آزر على كتفه بقوة مشجعا:
«إذا كن رجل المستحيل الذي سوف ينقذنا. ثق بنفسك مرة أخيرة، فنحن جميعا نثق بك»
حملت عينا إيلاس تخبطا وإحباطا كبيرا، أعقب أزر:
«خمسة أيام فقط، أرجوك يا إيلاس»
تنهد إيلاس، زفر نفسا مثقلا وشعر ٱه يود أن يكون طفلا ويبكي كل هذا الثقل الذي يضغط على صدره، شعر أنه يريد الهروب وترك هذه المسؤولية الضخمة لمن يقدر عليها، تعب من المحاولة، تعب من الفشل، تعب من بذل مجهود فوق مجهود دون جدوى، ليتها كانت ليلة واحدة، ليتها كانت محاولة واحدة تلك التي فشلت، لكنها ليال ومحاولات لا تعد وتحصى، جسده أنهك وعيناه تتوقان للنوم، قلبه مضطرب ولا يدري على من يخاف، على نفسه أم على زوجته الحامل التي انقطع عن زيارتها؟! لم ير أخاه أيضا منذ مدة وانقطع بذلك خيط التواصل بينه وبينهم جميعا.
هل هم بخير؟ أم لعل العدوى أصابت أحدهم فجأة وهم يكتمون الخبر لكيلا يثيرو قلقه كما يفعل هو! لم يعد واثقا من شيء، ولم يكن يجرؤ على الذهاب لزيارتهم، خوفا من يطالهم المرض وخوفا من أن يجد أن الاحتمال الثاني صار حقيقة.
تنهد، رفع رأسه نحو أزر:
«حسنا، خمسة أيام إذا، ليكن»
اتسعت ابتسامة آزر وابتهجت ملامحه القانطة، شد على كتفه من جديد:
«شكرا لك»
لكن إيلاس تجاهل هذا الشكر، نهض بتباطؤ وتقدم من مكتبه، كان لديه مسحوق أبيض كالغمام فوق مكتبه، تقدم آزر منه وتساءل:
«ما هذا؟ رائحته نفاذة»
ابتسم إيلاس بتهكم:
«مزيج من الملح ومسحوق الشيح»
«الشيح!»
هز إيلاس رأسه ببطء:
«نعم، حين كنا صغارا وقبل أن تتخذ أمي الخياطة مهنة، كانت تعمل في أي شيء لتعيلنا وأخي، من بين الأعمال التي عملت فيها هي تجفيف الجلود.
كنت أرافقها لمسلخة في السوق حيث تأخذ جلود الماعز، دوما ما رأيتها تنثر الملح والشيح على الجلد لقتل الديدان العالقة به، ثم تجففها بالشمس، قبل أن تبيع الجلد للدباغين»
تراقصت ابتسامة ساخرة على شفتيه ولمس المسحوق بيده:
«تذكرت ذلك بغتة البارحة حين رأيت عشبة الشيح بين مكوناتي، كنت قد التقطتها من الغابة صدفة. حصلت على بعض المسحوق الجاهز من سوق في المملكة وقررت تجربتها، لكني كنت البارحة غاضبا جدا وأتلفت جميع عينات الديدان التي لدي»
قال آزر بتوجس:
«لا تقل لي أنك سوف تستعمل هذا الشيء على جرحك المفتوح»
استدار إيلاس نحوه بعزم شديد:
«سأفعل»
شحب وجه آزر، تمتم بفم جاف:
«الملح وحده يؤلم كالسعير فما أدراك لو أضفت الشيح! أنت مجنون»
حمل إيلاس المسحوق بأطراف أصابعه، طوى ذراعه اليمنى وبدأ ينثر المسحوق فوق الجرح الملتهب ليزيده التهابا:
«ليس لدي خيار آخر يا آزر، لم تعد لدي رفاهية الاختيار، جربت كل السموم، جربت كل شيء! عسى أن يكون هذا العمل التقليدي ذا نفع، ولو ضحيت بذراعي»
«ستحترق من شدة الألم»
تمتم إيلاس بلا مبالاة، استمر بنثر المسحوق فوق الجرح بسخاء تام:
«فلأحترق إذا! يقولون أن الشمس تحترق لتضيء نهارنا يا آزر، وأنا سأحترق لأضيء أمل البشرية»
تبادل الاثنان نظرة صامتة، راقبه آزر بتوتر شديد، وما هي سوى ثواني مرت قبل أن يذوب المسحوق في الجرح، ضغط إيلاس على شفتيه بقوة وشد على المكتب بقوة شديدة حتى بانت عروق رقبته منتفخة كالأفاعي، احمر وجهه حتى خيل لآزر أنه يختنق.
فقد آزر رباطة جأشه، أمسك بطشت ماء وهم بإفراغ الماء على الجرح، لكن إيلاس صاح به رغم المعاناة:
«إياك!»
لهث قليلا، استقام في وقفته:
«إياك»
مد يده للمسحوق فحمل حفنة جديدة منه ووضعها على جرحه سرعة ثم أطبق كفه فوق الجرح ليدفع بالمسحوق للأعماق.
فغر أزر فمه مشدوها، رمقه بعيون متسعة:
«أيها الملعون، ماذا تفعل؟ هل فقدت صوابك!»
ابتسم إيلاس، ابتسم رغم السعير الذي في ذراعه، ابتسم رغم طعم الدماء الذي يملأ فمه، لم ينطق ببنت شفة، ابتسم كمن فقد جنّ فعلا، ابتسم كأن لا شيء في العالم يهمه، وكانت تلك أبشع ابتسامة رآها آزر في حياته قط، ابتسامة رجل يحترق ولا يبالي.
دامت هذه المعاناة نصف ساعة كاملة، حفر فيها إيلاس خشب المكتب بأظافره، اجتمع العرق على جبينه وساح على ظهره، امتلأ فمه بالدماء لكثرة ما عض خده، واصطكت أسنانه ببعضها.
أخيرا بدأ الألم يخف رويدا رويدا حتى أصبح شبيها بلسع خفيف يمكن تحمله.
راقب آزر هذه المعاناة في صمت، ثم في النهاية تقدم إيلاس من النافذة بخطوات سريعة، فتحها فتدفق الضوء قويا للداخل، تبعه آزر وتبادلا نظرة مليئة بالتوجس قبل أن يسحب إيلاس كفه عن الجرح.
حدق كلاهما في الجرح المفتوح المليء بالبياض، ولم يميز أي منهما من المسحوق من الدود، ابتسم آزر:
«ربما نجحنا»
تنهد إيلاس
«وربما لا، حتى لو نجحنا في قتل الدود، فما تزال البيوض تسبب خطرا ولا يمكننا أن نعرض الناس لمثل هذا الألم الجحيمي في كل مرة، سيصاب أحدهم بسكتة قلبية ولن يتحمل، ناهيك أن بين المصابين أطفال»
كتف آزر ذراعيه، حدق في الجرح:
«إذا لننتظر حتى تنتهي فترة الحضانة»
سحب إيلاس نفسا عميقا وزفره:
«نعم»
ضحك آزر:
«أنت رجل مجنون»
«أعرف»
………
«ألن تأكلي؟»
رفعت آرسي عينان ذابلتين نحو ديلارا، حدقت في صحن الطعام الذي قربته منها، هزت رأسها نفيا:
«لست جائعة الآن، سآكل لاحقا»
ردت ديلارا في سخط:
«هذا ما عفكت على ترديده طوال العشرة الأيام الماضية، وفي النهاية بالكاد تبتلعين بضع لقيمات لا تكفي عصفورا!»
أشاحت أرسي وجهها عن ديلارا:
«لست جائعة»
«حتى وان لم تكوني جائعة فيجب أن تأكلي! ماذا سيحصل في المخلوقين الذين ببطنك إن جوعت نفسك! كفاك عنادا يا آرسيلا»
مدت آرسي أصابعها فلمست بطنها المنتفخة، ضغطت عليها قليلا وبغتة امتلأت عيناها بالدموع، علقت الغصة في حلقها، كررت في صوت مخنوق:
«سآكل لاحقا. أرجوك يا ديلارا دعيني، أرجوك!»
تفاعل الصغيران مع كآبة أمهما، فبدآ يركلان جدار رحمها احتجاجا، وضعت أرسي يدها عليهما واستندت على ذراعها ثم عادت لشرودها و أفكارها، تكاد الدمعة تطفر من عينيها، وقلبها يؤلمها وكأن النار اشتعلت به.
مرت عشر كاملة ولم تر وجهه قط خلالهما ولو صدفة، تجاهلها تماما وكأنه لم يكسر قلبها بتجاهله، علمت دوما أنه محب لعلمه ويفضله عليها، علمت أنها تزوجت رجلا منطقيا لا يوجد للحب حيز في حياته.
ربما هي المخطئة لأنها وقعت في حبه، لكنه حذرها، قال لها منذ وقت طويل أنه لا يؤمن بالحب وأن ما بينهما مودة واحترام، فالحب فقط في الحكايات.
ربما هي مخطئة فعلا، طلب منها أن توقعه في حبها، ربما لم تبذل جهدا كافيا، وربما هي ليست الشخص الذي سوف يحتل قلبه، ولن يحبها يوما.
أغمضت عينيها تنشد بعض السكينة، تحاول اجتذاب النوم لعينيها لعل تخرس الأصوات الصاخبة في عقلها، لعلها توقف الطاحونة التي لم تنفك تدور وتدور داخلها.
ولما بدأ النعاس يتعلق برموشها، وهدأت معه حركات طفليها الشقية، خمل جسدها وبدأت تتأرجح بين اليقظة والحلم، صدح صوت صراخ حاد في المكان، كأنه صوت قطة تشتكي، فاستيقظت مذعورة.
رفعت بصرها نحو الباب ووجدت ديلارا قد دخلت الغرفة وبين يديها رضيع مخضب بدمائه، حديث الولادة، يبكي صيحاته الأولى.
وذات الدهشة التي كانت مرتسمة في عيني ديلارا ارتسمت في عيني آرسي. رفعت يدها لعينيها وفركتها بقوة ثم عادت تنظر للمنظر الغريب:
«من أين أتى هذا الطفل؟»
تقدمت ديلارا في خطوات متعثرة من الصدمة وبين يديها الطفل يبكي ويصيح بصوت أشبه بالمواء، يحتج لخروجه من دفئ وأمان رحم أمه:
«دخلت امرأة ووضعته بين يداي وطلبت مني أن أعتني به لأن أمه مصابة بالوباء وغادرت»
أخفضت آرسي عينيها نحو الطفل، كان صبيا مكتمل النمو، لديه جميع الأطراف وشعر أسود غزير، ولونه محمر بشدة بسبب ولادته:
وضعته ديلارا برفق على الكنبة بجوار ارسي وجلست كلاهما تتأملانه بصمت بينما يبكي، وضعت ارسي يدها على بطنها في رهبة وسألت:
«ماذا ستفعلين به؟ هل تجيدين التعامل مع الأطفال؟»
هزت ديلارا رأسها:
«لقد ربيت شقيقي بعد ولادته، واعتنيت في غياب أمي»
دست طرف أصبعها في قبضة الرضيع الباكي فسألتها آرسي:
«هل ستتركينه يبكي هكذا؟»
انتفضت ديلارا بغتة، خرجت من دهشتها وأسرعت للخارج مهرولة تاركة الصغير أمام ارسي التي نظرت له بتوجس، ضغطت من جديد يدها على بطنها وروعتها فكرة أن أحشائها تحمل مثل هذا الصغير، بل اثنان منه.
لكنها لم تكن تملك الوقت لتعيش هذا الرعب المفاجئ اذ أقبلت ديلارا من جديد وبين يديها منشفة نظيفة وطشت ماء دافئ، قالت في سرعة:
«امسحي جسده من الدماء يا آرسي، سوف أبحث له عن بعض الثياب وحليبا يسكت جوعه»
وغادرت من جديد، بينما انحنت ارسي على الصغير، حملته بيدين ترتعشان وصعقت لخفة وزنه وشدة صغر جسده، وضعتها على بطنها وطفقت تتأمل أطرافه في عجب، من أصابعه المتنامية الصغر حتى شعر رأسه الغزير.
مدت يديها للمنشفة فغمرتها قليلا في الماء وبدأت تمسح من جسده بقايا أمه التي لم يرها.
سكت الصغير للحظات قصيرة بعدما حملته آرسي ونظفته، لكنه انفجر في البكاء من جديد محتجا وطفق يحرك يداه في عشوائية شديدة، وقفت آرسي على قدميها متحاملة على ثقل بطنها، وضعت الصغير العاري فوق صدرها وطفقت تمشي بيه جيئة وذهابا وهي تطبطب على صدره، شعرت بالرعب والتوتر الشديد حين لم يتوقف بكاؤه واستدارت نحو الباب تتطلع لعودة ديلارا.
تأخرت هذه خمس عشرة دقيقة كاملة، ثم ظهرت أخيرا عند الباب باندفاع، رفعت وجهها نحو ارسي وقد ارتسمت على وجهها نظرة انتصار.
أغلقت الباب خلفها وهرولت نحو الصغير، اختطفته من يدي ارسي، وضعته على الكنبة وغيرت له ثيابه فكست عريه، ثم لفته في وشاح صوفي دافئ ووضعته في حضنها، دست في فمه زجاجة حليب وابتسمت حين أخذ يمص الحليب بنهم شديد.
جلست ارسي من جديد وراقبت الصغير ثم قالت:
«إنه صغير جدا، وخفيف»
«جميع الأطفال يولدون صغارا، سيكون أطفالك هكذا أيضا»
«بهذا الصغر!»
«نعم، لكنهم سيكبرون مع الوقت فلا تقلقي»
حين انتهى الرضيع من طعامه بعد وقت طويل جدا، حملته ديلارا برفق فوضعته على صدرها وأخذت تطبطب عليه لتجشئه، وما إن انتهت حتى انطبقت جفونه واختفى بياض عينيه، وغرق في نوم عميق، تاركا المرأتان تتأملانه، إحداهن تنظر له بعجب ممزوج بالرهبة والأخرى تقاوم مشاعر أمومة جارفة أخذت تكتسح قلبها المحروم من سنين.
دهش إيروس بدوره حين وجد طفلا رضيعا بين يدي زوجته، تلاعبه وتلاطفه وتقبل ما بين عينيه، تطعمه وتهدهده فوق صدرها.
تساءل عن هويته فلم يعرف عنه أكثر مما عرفت زوجته، وهو أنه رضيع صغير طلب منهم الاعتناء بهم، وقد كان هناك الكثير مثله ممن يتم نقلهم للجناح الشرقي بعد ولادتهم بسبب اصابة أمهاتهم بالمرض.
لكن إيروس لم يكن مرتاحا تماما لوجود الصغير، خشي أن يتعلق قلب زوجته به وهو أعلم بحساسية روحها ومدى توقها لطفل تضمه وتقبله، وقد كان يرفض تلقي طلبات الاعتناء بالرضع لأجلها، حدق بها بتوتر وقال:
«ما رأيك لو أعطيناه لامرأة أخرى تعتني به، انك مشغولة بما فيه الكفاية بالاعتناء بارسي»
هزت رأسها نفيا:
«لست مشغولة، استطيع الاعتناء بكلاهما»
«لكنه يحتاج امرأة ترضعه»
«أطعمته حليب بقر ولم يشتكي، إنه مؤدب ولطيف»
تنهد:
«حبيبتي، يجب أن نعطيه لمن هو مؤهل للاعتناء به»
رفعت له عينان واسعتان،. حدقت به في رجاء صامت:
«لم لا يمكنني الاعتناء به؟ أ لست مؤهلة؟ سوف أكون حذرة جدا»
ارتجف قلبه بين أضلعه، فتح فمه لعله يجد عذرا جديدا لكن الكلمات خانته وماتت على شفتيه، سحب رأسها لصدره واتكأ عليه بذقنه، وشد ذراعيه على جسدها:
«يمكنك الاعتناء به، افعلي كل ما تريدين»
طفرت الدموع من عيني ديلارا، مسحت دموعها في قميصه وأخذت تحدق بالصغير:
«إنه طفل جميل»
علقت الغصة في حلقه، لكنه رد بهدوء:
«أجل»
أما ايروس فقد شعر أنه سيندم على استسلامه السريع، أغمض عيناه بشدة وأخذ يدعو من أعماق قلبه بصمت ودون كلام.
......
جميع قفلات الفصول تكون هادئة، رغم اني بحاول خليها مشوقة🌚
رأيكم بالرواية؟
rana rachade