.....
أزهر الربيع في القرية، وبدأت الأشجار تخضّر من جديد، وقد انتشر دفئ الشمس فوق الأرض الباردة بعد شهور الشتاء القارسة.
تحررت الجبال من الغيوم السوداء وبدأ جليد القمم في الذوبان، والأهم أن أرسي تحررت معه من دوار الصباح والغثيان المزعج.
بعد التفكير في الأمر كان لزوجها بعد نظر، فلو أنها ذهبت لزيارة والديها وهي ما تزال تعاني من تلك الاعراض المزعجة لما سنحت لها الفرصة لتمتع بالولائم اللذيذة والحلويات الشهية.
ولما استطاعت تحمل نظرات الحضور لها، لربما بسبب انفعالها كانت لتدس سكينا في عين أحدهم.
انفلتت منها ضحكة لهذا الخاطر المضحك، ثم مدت يدها لسطل الماء فأفرغت ما تبقى فيه فوق جسدها المليء بالصابون.
مررت كفها فوق وجهها وهزت رأسها قليلا لتطرد الماء من فوق رموشها.
بدأت تعصر شعرها الرطب بروية ثم جمعته فوق رأسها.
نفضت صندلها من الماء ثم خطت بعيدا عن بقعة الماء الكبيرة تحت قدميها واتجهت نحو المنشفة، لفتها حول جسدها وخرجت من الغرفة.
حين انتهت من ارتداء ثوبها دخل إيلاس للغرفة، كان هذا موعد عودته لأجل الغذاء، اتجه للحمام فغسل يديه ووجهه ثم عاد نحو الغرفة، جلس على طرف السرير وأرجع رأسه للخلف متنهدا. سألته بهدوء:
«ما الخطب؟»
مرر يده في شعره:
«لاشيء، فقط العمل»
«هل لديك حالات طارئة؟»
«لا»
ساد صمت قصير ثم التفت نحوها:
«تعرفين أني طبيب متنقل صحيح؟ أتلقى دعوات خاصة من المرضى النبلاء وأعالجهم.»
«بلى»
«حسنا، لقد مرت شهور طويلة منذ سافرت، لذا يجب أن أقرر سريعا أي دعوة أجيب»
«وهذا ما يزعجك؟ ألم تتلقى دعوة جيدة؟»
«لا، بل تلقيت الكثير, أجلت السفر بسبب حملك طوال الأشهر الماضية، لكنك الان بخير»
ضاقت عيناها عليه:
«قد اسافر بعد أسبوعين، ربما أقصد الشرق هذه المرة، سمعت بوجود ملك مريض هناك، وكذلك أعرف طبيبا متمرسا أريد النهل من علمه»
سألته بحذر:
«و؟»
استقام في جلسته، حدثها بشكل مباشر:
«ستبقين هنا»
أجفلت من صراحته، ومن حزم نبرته:
«لماذا؟»
«لأنك حامل»
«هذا ليس عذرا»
«قد أتأخر بضعة أشهر »
صاحت باستنكار:
«ماذا لو ولد الطفل وأنت بعيد؟»
«لا تتحامقي، ما يزال على موعد ولادتك خمسة أشهر ونصف، لم يسبق أن قضيت كل هذا الوقت مع مريض!»
«ماذا لو تلقيت عرضا آخر؟»
«سأعود قبل ولادتك»
صمتت للحظة ثم أضافت:
«ألا تريد أن ترى الطفل يكبر؟ ستبتعد عن ابنك هكذا ببساطة؟»
رمش في وجهها بتعجب وسألها باستنكار:
«انه ينمو داخل بطنك، فكيف سأراقبه؟ هل تريدين مني مراقبة بطنك وهي تنتفخ، وأقيسها كل يوم؟»
لوت شفتيها بامتعاض:
«لم أقصد هذا»
«لا تتصرفي بطريقة درامية، ستكونين هنا بخير وسأعود قريبا»
«أنت زوجي، يجب أن أذهب معك»
«ماذا ستفعلين معي؟ ماذا لو ذهبت لمملكة أخرى تعاني من الحروب؟ أنت لا تجيدين العمل ولن تساعديني بشيء. فلم ترافقينني؟ لن يهتم بك أحد هناك كما حدث آخر مرة، ستشعرين بالملل وسأكون مشغولا طوال الوقت»
«وماذا سأفعل هنا؟»
«ستأكلين وتنامين، على الأقل لن أظل مشغول البال من أن تتسللي للخارج ويختطفك شخص ما»
زمت شفتيها بغضب:
«لماذا تشير لذلك؟»
«لأنه حصل لا يعني أنه لن يتكرر. أنت اميرة بدون حرس، سواء للضغط علي أو على أهلك، فكرة اختطافك مغرية»
ارتجفت؛
«أنت تحاول تخويفي فحسب»
همهم لها فرمقته بغضب:
«سأرافقك»
ابتسم:
«سنرى»
طرقت ديلارا الباب لتعلمهما بموعد الغذاء، ضيقت أرسي عينيها على زوجها وصاحت به وهو يخرج:
«سترى، لن تذهب بدوني»
تجاهلها تماما واتجه للخارج فتبعته مرغمة، لم تشر للموضوع خلال فترة الغذاء ولم يمهلها لتشير له بعد ذلك اذ غادر للعمل من فوره.
بعد يومين أعلم عائلته أنه سيسافر من جديد قريبا، وأشار ببساطة أنه سيترك أرسي هنا معهم، فثارت عليه، وتحول الأمر لشجار محتدم، رغم أن أرسي وحدها من كانت تصرخ، في النهاية تركت مائدة الطعام غاضبة وصفعت باب الغرفة في وجههم جميعا.
استدار ايروس نحوه وقال:
«يستحسن أن تأخذها معك»
«هل أنت أحمق؟ لا أعلم بأي بقعة سأجد نفسي ولا الناس الذين سأتعامل معهم، رافقتني مرة واحدة وما زلت نادما على ذلك»
«لكنها غاضبة»
هز كتفيه بلا مبالاة، سألته ديلارا بعد صمت قصير:
«هل قررت أين ستذهب؟»
دس لقمة في فمه بهدوء ومضغها بروية:
«تلقيت دعوة من ملك في الشرق، يبدو أن الأمير أصيب أثناء مسابقة للخيل»
«لديهم اطباء جيدون في الشرق لماذا يريدونك»
«لقد جاء فارس خاص قبل أيام لمقابلتي، وقال أنه لا بد لي من السفر وسيدفعون أي ثمن. لا يريدون بتر قدمه لان ذلك سيعجزه، ويظنون أن مهارتي في صنع الأدوية قد تفيد»
قال ايروس بهدوء:
«صحيح، الشرق مشهور جدا بالجراحات»
«اجل انها فرصة للتعمق في ذلك»
ضيقت الام عينيها:
«أرسلو فارسا خاصا، هل الأمر خطير؟»
هز كفتاه باستهجان:
«قال لي الفارس أن الجرح تعفن، وأنهم يخشون على حياة الأمير، وهو يرفض أن يبتر قدمه»
ابتلع لقمة جديدة:
«سأذهب وأعود في وقت وجيز، لربما شهران أو ثلاثة فحسب، لقد تعاملت مع الجروح المتعفنة كثيرا، لن يستغرق الأمر وقتا.»
سألت ديلارا هامسة:
«ماذا عن أرسيليا؟»
رد بحزم:
«لقد قلت، ستبقى هنا. أنا لن أناقش أمر أخذها معي من جديد»
نفض يديه من الفتات ثم نهض:
«سأعود للعيادة، فلدي عمل متراكم يجب أن أنهيه قبل سفري»
***
خلال الأيام التالية غاب إيلاس عن المنزل كثيرا وظلت أرسي غضبى فتجاهلها تماما ولم يحاول مراضاتها، لقد قرر ولن يدع امرأة تتدخل في قراره.
عاد الفارس من جديد لزيارته في العيادة وقد أحضر معه رسالة خاصة تستوجب حضوره على وجه السرعة، فمدة أسبوعين كانت طويلة للغاية، والسفر يحتاج يومان، بل لقد تم إرسال عربة خاصة مع جياد أصيلة فخمة، وسائس.
وطلب منه الفارس أن يغادر معه على وجه السرعة لأن حالة الأمير ساءت وتوقع الأطباء أنه لن يعيش طويلا ان استمر التعفن، ورغم أن الشكوك ساورته من هذه السرعة الكبيرة والإلحاح الذي بدا على الفارس، لكنه لم يعلق كثيرا عن الأمر ففي النهاية هو طبيب ويعلم أن الالتهابات والتعفنات يمكنها أن تتسبب في الموت فعلا.
ولم يكن ذلك إلا بعد ثلاثة أيام من شجاره مع زوجته، ولما عاد للمنزل على وجه السرعة ليحضر أشيائه تعجب منه الجميع، فسر لهم على وجه السرعة ما حصل وقال أنه مضطر للسفر في الحال، كانت أرسي في المطبخ وبيدها صينية ممتلئة بالقمح تقوم بتنقيته، وذلك كي يتم طحنه.
نهضت بارتباك:
«الان؟ تقصد الان؟»
«أجل. أين وضعت حقيبتي البيضاء؟ لم أرها منذ أسبوع!»
وضعت الصينية من يديها بارتباك فسقطت بضع حبات من القمح على الأرض لم تبال بجمعها، ركضت خلفه للغرفة وراقبته بارتباك وهو ينبش في الخزانة ليغير ملابسه.
كرر من جديد بالحاح:
«أين حقيبتي؟»
نظرت حولها بتوتر ثم اتجهت نحو ادراج المنضدة فأخرجتها من احداها، وقد كانت قد غسلتها منذ فترة.
خلع ايلاس قميصه بسرعة وارتدى واحدا غيره وفيما يزرره قالت بارتباك:
«لكنك قلت سترحل بعد أسبوع على اقل تقدير!»
«لقد طرأ أمر عاجل، أتت عربة خاصة من أجلي. سنغادر من فورنا»
حشى حقيبته بقميصين آخرين، ثم ببعض الأشياء الأخرى التي أحضرها معه من العيادة.
بحث عن حذائه الجلدي ثم انتعله بسرعة وحين كان يشد الخيوط طلب منها أن تحضر له ردائه القديم، تحركت بتوتر نحو الخزانة وسحبته، وحين استقام ليأخذه منها تشبثت به، نظر لها بتعجب:
«هل تريدين الاحتفاظ به؟»
ظلت عيناه معلقتان عليه فسحب الرداء من جديد لكنها أبت أن تتركه:
«هيا يا أرسي، لدي عمل مستعجل»
«خذني معك»
توقفت أصابعه فوق ذراعيها، ولم يعد يحاول تخليص الرداء منها، انتفض غاضبا، وقال بحدة:
«ظننت أننا ناقشنا الموضوع وانتهينا»
«نحن لم ننتهي من شيء، لقد رفضت الاستماع لي أصلا»
«ليس هناك ما نناقشه، هذه المسالة ملغية!»
صاحت بانفعال:
«أترى، إنك تفعلها من جديد! من حقي أن أرافقك، أنا زوجتك»
سحبت الرداء بعنف فتشبثت به:
«وأنا الزوج هنا، وقد قلت لا. دعي هذا الشيء اللعين من يديك»
غرست أصابعها في الرداء الجلدي الباهت وقالت باصرار:
«سأذهب، لن تمنعني!»
«هل جننت؟»
«لماذا لا تريد مني أن أرافقك؟»
«أنا ذاهب للعمل وليس للتنزه. لن أكون متفرغا لك إطلاقا»
زمت شفتيها بتوتر ثم هسهست:
«وستكون متفرغا لتقابل الأميرات في ذلك القصر البعيد»
من شدة صدمته نسي كيف يتكلم، فغر فاه بصدمة وهو ينظر لها، فيم تلون وجهها بلون أحمر قاتم.
تمتم بذهول:
«ما الذي…عفوا!»
همست
«لقد سمعتني»
«أظنني لم أسمعك جيدا، من أين أتيت بهذه الفكرة الغبية؟»
«وما أدراني أنا بنواياك؟»
«أنا ذاهب للعمل»
«يمكنك أن تقابل النساء بحرية دون علمي»
«متى قابلت امرأة خفية عنك؟»
لوت شفتيها بامتعاض:
«لم تفعل بعد، لكنك لم تكن تمتنع عن تملق النساء حين كنا في قصر والدي، حتى أنك مدحت أختي وخضت معها في حديث طويل»
«كان ذلك ضروريا، أتريدين أن أشهر بوجههن سيفا فيظنك الجميع تزوجت بربريا؟»
ساد صمت قصير ثم صاحت من جديد:
«والأميرة هينا! أنا لم أنسى لك ذلك»
احتاج دقيقة كاملة ليتذكر هذا الاسم البعيد:
«وما دخل تلك الشقراء في حديثنا؟»
اندفعت تصرخ:
«ما تزال تتذكر أنها كانت شقراء إذن»
زفر أنفاسه باهتياج:
«يارب العالمين!»
مسح على وجهه، ثم زفر أنفاسه بهدوء، رفع لها عيناه فنظرت نحوه بترقب:
«ماذا تريدين الان؟»
«أريد الذهاب معك. أنا لن أبقى هنا وحدي»
«هذه عائلتك، هذا منزلك، أنا لم أرميك في غابة موحشة! أين تعقلك؟»
تمسكت بالرداء بقوة وقالت:
«أعرف ذلك، لكني ما زلت أريد الذهاب معك»
«لماذا؟ لن تجدي هناك شخصا تعرفينه، قد تتلقين معاملة موحشة، حتى الطعام قد يكون مسموما»
كررت بعناد:
«سأذهب، سأذهب، مهما تقول»
سحب الرداء من يديها في حركة عنيفة، ثم حمل حقيبته:
«في أحلامك»
تبعته على عجل:
«أنت لم تتزوجني لتتركني خلفك كلما ذهبت لمكان ما»
فتح باب الغرفة بعنف وتجاهلها، فصاحت من جديد:
«لقد قلت أنك ستأخذني معك لكل مكان»
رد عليها بصبر نافذ:
«أنا لم أقل هذا يوما، كفي عن تأليف القصص»
«أنا زوجتك»
استدار نحوها بغضب فارتطمت به على حين غرة، كان صوته أجشا من الغضب:
«زوجتك، زوجتك، زوجتك! ولانك زوجتي سوف تبقين هنا!»
«لا!»
أشهر سبابته في وجهها:
«اسمعي يا امرأة، لا تثيري أعصابي. يجب على الزوجة أن تسمع كلام زوجها»
صمتت للحظة، ثم قالت من جديد:
«لا»
«لقد وعدت أن تكوني مطيعة»
كررت كلامه:
«لم أقل هذا يوما»
زفر أنفاسه باهتياج واضح، لاحظ أن عائلته تجمعت حوله فصاح بها لمرة أخيرة:
«لن تذهبي، على جثتي!»
حدجته بنظرة ساخطة:
«اذن أفضل أن أراك ميتا على أن أدعك تسافر بدوني»
تدخلت ديلارا بحذر:
«ما الذي يحدث؟»
دفعها نحوها وقال:
«أمسكي هذه المجنونة عندك يا ديلارا قبل أن أخنقها بيداي»
صاحت ارسي بصوت عال هز المنزل:
«لن تذهب من دوني»
أمسكتها الخالة بعنف فتلوت من الألم، زجرتها:
«اصمتي»
نظرت نحو ابنها؛
«ما الذي فعلته؟»
«ولم قد يكون خطئي! انها من تظنني سأقابل النساء من وراء ظهرها»
ابتسمت والدته ساخرة:
«أنت! لو ارتمت عليك نساء الأرض كلهن، ستبيعهن مقابل عشبة، لولا زواجك لشككت في رجولتك»
أصابه هذا في الصميم لكنه على الأقل هدأ من ثورة المجنونة التي أمامه، صر على أسنانه بقوة واستدار على عقبيه، تاركا زوجته بين المرأتين، فالنساء تفهم بعضها.
كانت العربة بجانب المنزل تنتظره، رأى أخاه بجوار الفارس يتكلمان وحين رآه قال بمرح:
«لقد تأخرت، هل كان توديع زوجتك صعبا!»
تمتم بغضب:
«كالجحيم»
ارتفع حاجب ايروس ساخرا ثم قال:
«يبدو أن الجحيم ما يزال يتبعك»
استدار بعنف فرأى ارسي عند الباب وقد احتقن وجهها واحمر، اندس داخل العربة بسرعة وقال للفارس:
«هيا بنا»
نظر الفارس نحو النساء الثلاث عند الباب، كانت أرسي تحارب لتتخلص من يدي ديلارا التي تحاول اقناعها وبدأ صراخ الاثنتبن يزداد
«ألن..»
«قلت لك تحرك»
صهلت الخيول في استعداد المغادرة، ابتعد ايروس عن طريقها وهو يلوح لأخيه بمرح.
اختلط صراخ الأحصنة بصراخ آخر، وأجفل ايلاس بسبب ذلك. نظر له الفارس بارتباك فهز له رأسه بصمت وأكملت العربية دورانها باتجاه الطريق.
كان الصراخ في الخارج يزداد، ورأى أخاه يتحرك نحو المنزل، شاستدارت العربة تماما واستطاع أن يرى زوجته بين يدي ديلارا وايروس يقف أمامها يحاول تهدئتها.
فجأة احتدم الشجار بين المرأتين، فرفعت ارسي يديها ودفعت ديلارا بعيدا، حينها تقدم ايروس وامسكها بين يديه رغم غضبه مما فعلت لزوجته، لكنها صفعته وكرد فعل تلقائي رد الصفعة لها.
ويبدو أنه استوعب ردة فعله متأخرا، فقد جحظت عيون ارسي وهي تحدق به، رفع يداه عنها فتقدمت خطوة للأمام، وقد تلبسها الكبرياء، صفعته مرتين متتاليتين….
استدارت العربة تماما فلم يعد يراهم.
ولم يفهم ايلاس اطلاقا لم تتصرف أرسي بهذه الطريقة الطفولية المبالغ فيها، ولماذا تدع الأمر يصل لهذه الدرجة من المبالغة، ليس وكأنه سيتخلى عنها.
هدأ الضجيج بغتة، ولم يطمئنه هذا على الإطلاق، وبعد شد وجذب من نفسه صاح في الفارس ليوقف للعربة، ثم قفز منها بسرعة، وركض عائدا للمنزل.
كانت والدته تقف قرب باب غرفته وهي تمط شفتيها باستياء بينما ايروس وديلارا في الداخل.
كانت أرسي تبكي بحرقة والدموع تتساقط من عينيها في شلال منهمر، وقد رمت فوق السرير أحد صناديقها وبدأت تحشيه بثيابها بعشوائية تامة:
«لست أنا التي يتم تحقيرها بهذه الطريقة، لربما نسيتم لكني لم انس أني ملكة ابنة ملك، وأنا لن أسمح لأحد باهانتي»
ومضى ايروس يردد كالببغاء:
«أرسيليا اسف، أنا لم صفعك عن عمد كانت ردة فعل تلقائية، أنا آسف، حين رايتك تدفعين ديلارا كنت غاضبا»
رفعت بصرها نحوه وقالت:
«حسنا، أنا أعرف»
توقفت ديلارا عن شد االملابس من بين يديها:
«اذن لماذا تبكين؟»
اشارت نحو ايروس وقالت:
«لقد غضب زوجك لاني دفعتك وأنا امرأة مثلك، وهو..هو رآه يضربني فلم يهتم. أتظنين أني بلا مشاعر! ان كان لا يبالي لأن أخاه صفعني وتركني ورائه أتخبط كالسمكة، فاي رجل هذا الذي أئتمنه على نفسي وعلى ولدي!»
«أنت تبالغين!»
وضعت المزيد من الثياب في صندوقها ثم أغلقته بعنف، تشبثت ديلارا بالصندوق وظل ايروس يتخبط بينهما كالأبله.
«حسنا، يمكنه أن يجد امرأة غيري لا تبالغ ولا تفتعل الدراما في منزله. فليجد امراة غيري تطيعه في كل حرف وتسمح له بتركها خلفه كالبهيمة»
تمتم ايروس باندهاش:
«لماذا تريدين مرافقه لهذه الدرجة»
«لانه زوجي، ألا يحق لي أن أذهب معه! أكنت لتترك زوجتك خلفك يا إيروس، أكنت لتفعل!»
تمتم بارتباك:
«هذا وضع مختلف»
سحبت الصندوق من يدي ديلارا بعنف وقالت:
«وأنا لي نظرة مختلفة أيضا، سأعود لمنزلي، سأتزوج أميرا أحمقا، أو أتعفن في القصر، لا يهم»
سالتها ديلارا بحذر:
«والطفل؟»
رفعت ارسي عيناها للباب وكادت تخطو خارجا، ارتطمت بجسد ايلاس بينما تصيح:
«انه طفلي أنا»
ماتت الكلمات الأخرى على شفتيها، حدجها ايلاس بنظرة حادة:
«ما تزالين تصرخين؟»
انسابت الدموع من جديد على خديها المحمرين فزم شفتيه، رفع نظرة ساخطة نحو أخيه لكنه لم يجد الوقت لينطق بأي كلمة لأن أمه تدخلت بسخط:
«بما أنك عدت، فخذ زوجتك وانقلع»
تمتم بغضب
«أنا لم أعد لأخذها»
«حسنا، اذن يجب عليك أخذها، فلقد اكتفيت من للصراخ، أنا امراة عجوز وقد اكتفيت من الضجيج، اريد بعض الهدوء»
اردفت ساخرة:
«ولن يقدر أحد عليها، لذا خذها معك وأرحنا»
رفع بصره نحو أخيه وزوجته فلم ينطق أي منهما بكلمة وعلم أن كلام أمه صحيح، ستظل تبكي طوال الوقت او تفتعل مشكلة، وعلى الأغلب سترسل رسالة لأبيها فيرسل لها عربة تعيدها للمنزل.
نظر لها ساخطا:
«ألا يمكنك البقاء هادئة!»
«إن لم تكن تريدني فسأعود لمنزلي! أنا لن أتذلل عليك»
سحب الصندوق من يديها ثم قبض على رسغها بعنف:
«من حشى مخك بهذه التراهات. فلنذهب»
لم يتوقف حتى ليودع عائلته من جديد، جذبها خلفه طوال الطريق كيفما اتفق، وقد كانت في حال فظيعة، وجهها أحمر، شعرها قد تدلى على ظهرها ووأصبح أشعثا، وفستانها انكمش.
دفعها لتركب في العربة فأجفل الفارس، رمى الصندوق عند قدميها فأجفلت، لم يكلمها لكنه حدجها بنظرة لا تستساغ ونهر السائس لينطلق بالعربة.
وطوال ساعة بعد ذلك استمرت ارسي في البكاء دون توقف.
استغرب الفارس الذي رافقهما البرود الذي انتهجه ايلاس ضد زوجته الباكية لكنه علم أن التدخل آخر خيار فكل ما يحدث ليس من شأنه، جلس متخشبا بجوار ايلاس وهو يحدق بالفتاة الباكية.
بدأ نشيجها يخفت شيئا فشيئا حتى تحول لشهيق متقطع، ثم توقف صوتها تماما وظلت الدموع متعلقة بعينيها، عبثا حاولت مسحها فالمزيد كان ينهمر من عينيها الزمردتين.
بعد حوالي نصف ساعة أخرى هدأت تماما وتوقفت مآقيها، وبمرور نصف أخرى بدأت تتلفت حولها، مسحت الكحل الذي ساح من عينيها ورتبت شعرها بيديها ثم جمعته فوق راسها وربطته ببعضه البعض.
جذبت فستانها البني ورتبت تجعيداته، ثم استندت بمرفقها على حافة النافذة ولم تتحرك من جديد.
لم تتحرك اطلاقا، ولم تصدر أي صوت. لم تطلب طعاما ولا ماءا ولم تفعل شيئا سوى النظر خارج النافذة. بدت كدمية جميلة صنعت من الخزف، لا تنطق ولا تعي، اختفى احمرار وجهها رويدا رويدا وعاد وجهها للونه الطبيعي.
استمرت على هذه الحال لمدة أربع ساعات، ثم انتبه أنها بدأت تقضم شفتيها بتوتر، وتغلق قبضتها ثم تفتحها، شحب لونها بشكل فظيع وكان واضحا أنها تعاني.
جذبت بصرها بعيدا عن النافذة ثم ثنت مرفقها فوق حافة المقعد ووضعت رأسها فوقه، أغمضت عيناها وعادت لسكونها.
بالنسبة لامراة دخلت العربة بحالة يرثى لها، فقد غلفها خلال لحظات هدوئها كبرياء ليس له مثيل، ولأن أخبار زواج إيلاس لم تكن قد انتشرت لنطاق واسع جدا كي تشمل الشرق، فالفارس لم يظن قط أن زوجته أميرة، واستعجب من صمودها ومن هذا الشموخ الملكي الذي كلّلها.
****
دامت الرحلة، بالرغم من سرعة العربة، نهارا وليلة، ولم يصلوا إلا في صباح اليوم التالي.
لم يتوقفو خلال ذلك الوقت قط، وقدم لهم الفارس بضعة قطع من الفواكه لتناولها خلال الرحلة، بيد أن أرسي لم تقرب منه، فمعدتها كانت في حلقها بسبب اضطراب العربة ولم ترد أن تخاطر بالتقيء في مثل هذا الجو المشحون.
وبمعجزة نجحت في ذلك ووصلوا على خير.
تم استقبالهم على وجه السرعة من طرف رئيس الخدم، ورغم اندهاش هذا الأخير من وجود امراة ترافقهم غير أنه كان من اللباقة بحيث لم يشر للموضوع، بل كان استقباله لهم ملكيا يليق بسمعة للقصر الضخم الذي توقفو بقربه.
اقتيدت ارسي لغرفة خاصة مع خادمة صغيرة، بينما اتجه ايلاس على وجه السرعة لغرفة المريض كعادته.
ولم تكن ممتنة في حياتها لشيء مثل امتنانها لرؤية سرير مبطن بالريش، خصوصا وجسدها يستغيث بسبب انهاك الرحلة.
خلعت صندلها الخفيف ورمت جسدها فوق السرير وغابت من فورها في نوم عميق.
............
عدنا لكم بعد غياب.
أشعر ان الرواية انفلتت من بين يداي، بعض الفصول حذفت ودخلت مباشرة في ذروة الأحداث.
قد تشعرون أن الفصل مبالغ فيه قليلا، لكن تذكرو أن ارسي مجرد أميرة مدللة، وهذا سيتضح في الفصل القادم، وكل هذا الحوار المحتدم جزء من شخصيتها
قررت أن أنهي الرواية كيفما انتهت، ثم أعود لتعديلها
لا تنسوني من أرائكم❤️
والنجمة
rana rachade