٦

٦

14 0

بعد ثلاث أيام من الحمى العاصفة استيقظت آرسي أخيرا، لقد  عانت من كابوس متكرر طوال الأيام الثلاث: في حلمها كانت الملكة تتضخم في  لتصبح أفعى بفك ضخم ولسان طويل، تزحف ورائها فتركض أرسي عبر الغابات وتركض، مرتطمة بالأشجار متعثرة الخطى، حتى تجد نفسها تقف على رقعة شطرنج ضخمة فتلتهمها الأفعى  وتضع مكانها ابنتها التي تشبه الدمية،  ويتحول بطن الأفعى لغرفة مليئة بالحطام لتجد نفسها مكبلة بالحبال وأمامها الحارس الضخم، يقترب منها فيطبق على شفتيها حتى تتذوق طعمه النتن داخلها، ثم ينقض على ثوبها فيمزقه وتتطاير مع أشلاء الثوب كثير من الدماء،  وما إن تفتح عينيها من جديد تجد الرجل على الأرض ينزف جسده بينما قضيب حديدي مغروس في كتفه  وأمامه تماما في ضوء الشمس الباهر يقف زوجها على تلة من الأعشاب المتجمعة، يتطاير شعره بلونيه الأبيض والأسود وتلمع عيناه بغضب جم وهو يصيح بصوت راعد: «لا تلمس امرأتي»

وغالبا ينتهي حلمها فيتحول الرجل الضخم إلى حيوان لزج على يد زوجها ثم يكرر الحلم بطريقة مختلفة، لكن بنفس الترتيب المرعب، وعبثا صرخت، عبثا حاربت هذه الدوامة لكن شيئا لم ينقذها.

حال استيقاظها أخيرا، لبثت في سريرها لوقت غير محدد وهي تحدق في السقف الذهبي للغرفة ولنقوشه المزخرفة تحاول عبثا طرد خيال الكابوس من عقلها، سمعت الباب يفتح وتقدمت خطوات واثقة ومنتظمة نحوها، ورأت وجها مألوفا ينحني عليها.

كانت يده باردة حين وضعها فوق جبينها فأغلقت عينيها بارتياح جم ثم فتحتهما من جديد ونظرت عبر الضباب لوجه زائرها، تيبنت منه ابتسامته الرقيقة فبعث ذلك فيها نوعا من السلام، لكنها ما لبثت أن تذكرت الشعر الملون فقالت بصوت جاف:

«ساحر»

قهقه الطبيب ثم رفع يده عن جبينها:

«ليس هذا أول شيء قد ظننتك ستقولينه عند استيقاظك. ما رأيك في كأس ماء عذب؟ من المؤكد أن حلقك جاف»

حدقت به آرسي دون أن تنطق بكلمة، لكنه عندما وضع الماء عند طرف شفتيها شربته بنهم شديد في جرعات كبيرة كادت تعلق في حلقها.

مرر يده على شعرها وقال برفق:

«أحسنت، سأحضر لك بعض الطعام وقريبا ستصبحين بخير»

بعد يومين آخرين من الرعاية كانت آرسي قد استعادت معظم قوتها، مما مكنها من النهوض من السرير وأخذ حمام منعش.

لم تجرؤ على مغادرة الغرفة هذه المرة، وكانت ترتعش بشدة كلما وقع نظرها على حطام الحديقة، غير أنها كانت مطمئنة تماما خصوصا بعدما أعلمها زوجها بأنهما مغادران قريبا.

مضى على وجودهما في المملكة نحو شهر ونصف فقط، وتعجبت آرسي للسرعة التي تم بها الأمر رغم أنها سمعت كثيرا أن الطبيب يمكث مع مرضاه نحو ثلاثة أشهر حتى يتعافوا تماما.

كما أنها كانت تشعر بفضول كبير لمصير الرجل الذي اعتدى عليها، إذ أنها منذ تعافت من صدمتها لم تسمع له حسا ولا خبرا، وحين سألت زوجها قال  أنه أطلق سراحه وطلب منها ألا تشغل بالها به، ولكنها  تتبعت الأخبار وإشاعات الخادمات فعلمت أن زوجها لم يكتفي بإطلاقه حرا، بل وأخصاه، نعم تركه حيا لكنه ترك له نكبة لن يشفى منها أبد الحياة. الفكرة كانت مقززة غير أن  نفسها ارتاحت، وما عادت تشعر بكثير من الخوف.

أقبل يوم الرحيل أخيرا، بعد أسبوعان من الانتظار الشاق، بمجرد ان تعافت اختفى زوجها بغتة وكأنه لم يكن قط معها، لم تره إلا لماما في فترات متقطعة من النهار، ولأنها لم تخرج أيضا من الغرفة فهي لم تقابل لا الأميرة ولا الملكة، كانت الأولى قد زارتها مرة واحدة كمجاملة أم الثانية فهي لم ترها قط.

تمت تحية المغادرة على عجل، فالملكة لم تضف كلمة فوق شكرها، واكتفت الأميرة بهزة رأس مؤدبة. أما باقي الخدم فاصطفوا في صفوف على جانبي الطريق وأعينهم على الأرض.

رفع الطبيب زوجته على الحصان ثم أحنى رأسه بأدب:

«أسعدني يا مولاتي أن الملك أصبح بصحة جيدة، أرجو الإلتزام بمواعيد الأدوية وسيتحسن بسرعة. أنا في الخدمة دوما»

تمسكت أرسي بالمعطف أمام هذا الجمع الغفير، وارتعبت من منظر الرجال المتجمهر حول للقصر كل ينتظر فرصته لشكر الطبيب على جهوده معه، ولم تشعر بالارتياح قط حتى غادروا البوابة وابتلعتهم الغابة.

كانت ترتجف وتختنق رعبا كلما اقترب منهم رجل ضخم، تظنه سيلقي بهما من فوق الحصان ويحصل ما هو أسوأ، ظنت أنها تغلبت على خوفها لمجرد أنها تعافت من الحمى، لكن للأسف فهي لم تفعل.

«لماذا أنت متصلبة هكذا؟»

«لا شيء، أنا بخير»

ارتفع حاجباه بتعجب:

«هل أنت خائفة؟!»

«على الإطلاق»

شد على اللجام، فخفف سرعة الحصان، كان حائرا ما الذي يستطيع فعله للتخفيف عنها؟! وهل بعد ما حصل معها ستكون خائفة منه أيضا؟! هل يجرؤ على الاقتراب منها بعد كل ما حصل؟! ألم يكن ذلك خطؤه، فلقد أهملها.

من قبل رقص معها فوق التلال لكي يشعرها بجو رومنسي، لكي يبعث في نفسها الابتهاج، فكثيرا ما رأى أخاه يراقص زوجته، لكن ماذا كان أخوه ليفعل في هذا الموقف.

تعرقت يداه من كثرة التفكير، بلل شفتاه وقال:

«ستلتقين بعائلتي قريبا. ألست متحمسة؟»

رفعت رأسها فجأة، استدارت نحوه بنصف وجهها:

«هل ستعود بي لمنزلك؟»

ابتسم:

«نعم، لكنه سيصبح منزلك أيضا»

قضمت شفتيها، بدت حائرة، مترددة خائفة، أرسلت بصرها وحدقت في الغابة من حولهما ثم أخفت كل ذلك بسؤال مرتبك:

«وهل سنصل قريبا؟ أم سنخيم في الغابة مثل المرة السابقة؟!»

«سنخيم ليوم أو اثنين، قبل العودة للمنزل سأمر على قرية قريبة، سأشتري لك ملابسا جديدة فالجميع يتطلع لحضورك وأريدك أن تبدي جميلة أمامهم»

ارتفعت الحرارة لوجنتيها، شعرت بالخجل من هذا التصريح فمضت تلعب بظفيرتها الطويلة:

«إذا متى سنصل؟»

همهم ثم أجاب بشكل متقطع:

«لنرى…يومان في الغابة، وربما نقضي ثلاثة أيام أو نحو ذلك في القرية كاستراحة. ثم يومان آخران للطريق. إذا قد نصل بعد ثمانية أيام»

صمت للحظة ثم همس:

«ولكن..»

«ولكن؟»

«ألن تزعجك الرحلة؟ كنت منزعجة تماما في المرة السابقة»

تركت ظفيرتها تنسل من بين يديها:

«حسنا! يجب أن أعتاد أليس كذلك؟!»

ابتسم من خلفها، وشعت ابتسامته، ضمها بين يديه في قوة كي يوازن جسدها فوق الحصان:

«تمسكي إذا!»

شدت أرسي على شعر الحصان بقوة، أخذ جسمها يرتد صعودا ونزولا مع الوثب الشديد، وأخذت الأشجار تتوالى من حولهما في سرعة شديدة، أغلقت عينيها فأحست بالرياح الباردة تنسل عبر عنقها وتدغدغها، تجمد دمها في عروقها خوفا، ولم تعرف لماذا تشعر بكل هذا الرعب، فكثيرا ما ركبت الخيل وأسرعت به، فلم تخاف الآن؟

هل هي خائفة من سرعة الحصان أم من الصدر الصلب الذي يلتصق بها من الخلف.

أخذ قلبها يخفق ويخفق، يجب أن تتماسك، إن خافت من الشخص الوحيد الذي قد يمثل بر الأمان بالنسبة لها وسط بحر من الغرباء، فبمن ستثق؟!

لا، يجب أن تتحكم في مشاعرها، كل ما حدث قد مضى وقد رأت بأم عينيها كيف استحال زوجها أسدا هائجا دافع عنها بالدم والعنف، كيف استحال قاضيا وحشيا لا يعرف الرحمة، يقتص العدالة من فم النسور. لن تخاف، لن تخاف.

ولكن صورة الرجل الغاضب الذي يحمل قضيبا داميا ما فتئت تدور في رأسها وتدور، وتداخلت الصور في عقلها فصاحت به أخيرا:

«أوقف الحصان، أوقف الحصان!»

شد إيلاس اللجام بقوة، فاحتكت حوافر الحصان مع الأرض مصدرة صريرا مخيفا وقبل أن يتفوه بأي كلمة وجدت زوجته تجمع قدميها مع بعض وتقفز عن الحصان.

لاحظ ارتعاش قدميها، كيف خارت ركبتيها وسقطت أرضا ثم جثت على الأرض ترتجف وتبكي.

«أرسي! أرسيلا»

ققز عن الحصان بسرعة فانبعث الغبار من شدة وثبته، انحنى نحوها على ركبتيه وضم وجهها المبتل بين كفيه:

«ما الخطب؟ لماذا تبكين؟»

نظرت له بعينين مغروقتان بالدموع، برموش قد اشتدت حمرتها من الدموع وبشرة اصفرت من الخوف، حتى خيل له أن وجهها صار من زجاج يعكس كل ما تحته من شرايين وشعيرات دموية.

اكتنفه الرعب، واعتصرت قلبه قبضة باردة. ماذا يجدر به أن يفعل؟ لماذا هي تبكي؟ كيف يخفف عنها!

خفف نبرته العالية حين جفلت:

«لماذا تبكين؟ قولي لي»

غمرت وجهها بين كفيها وناحت:

«لا أستطيع فعلها، لا أستطيع أن أكون شجاعة. أنا جبانة، لطالما كنت»

تمتم بحيرة:

«هل تخافين ركوب الحصان؟ لكنك لم تخافي قط من قبل!»

لم تجبه ولم تبعد كفيها عن وجهها، أمسك أصابعها برفق وقال:

«دعيني أنظرك، دعيني أرى وجهك»

هزت رأسها بعنف وأحنت رأسها حتى كادت تدفنه أرضا، سحبها بقوة ثم أبعد يديها عن وجهها، انفلتت أعصابه بغتة:

«لماذا تبكين؟ قولي لي وكفي عن النواح!»

«لأني، لأني..»

«ماذا! إن كنت قادرة على التأتأة فقولي! مما تخافين، ما الذي يؤلمك»

صاحت:

«أنت»

حدق بها بحيرة:

«أنا؟ وما الذي فعلته لك؟»

«لماذا تصرخ بي»

«أنا لا اصرخ بك، أنا أحاول فهم ما بك»

حلت لحظة صمت، حدقت به لثوان طويلة، ثم حركت بصرها لخصلاته السوداء التي تتطاير بفعل الريح، فتمثل كابوسها أمام عينيها وحين بدأت عيناها تمتلئان بالدموع مرة أخرى، شدها من كتفيها وغرس أصابعه في لحمها:

«بالله يا امرأة! ما الذي دهاك!»

فلتت منها أنة خفيضة مشبعة بالألم فخفف يداه عنها، وهتف:

«قولي!»

قضمت شفتيها ثم أخفضت بصرها:

«أنا..حين كنت مريضة كان…كان لدي حلم»

«ما هو؟»

أعقبت بصوت باك:

«كنت أراك هناك يتطاير شعرك الملون وتحمل في يدك قضيبا داميا تضري به الرجل، كنت تبدو مرعبا بشدة. لم استطع أبدا اخراج الصورة من راسي»

زفر أنفاسه بحدة، رفع وجهها إليه:

«انظري، قولي لي هل أبدو لك مخيفا كالذي في حلمك؟»

حركت عيناها عنه بتردد، فأكمل باصرار:

«هل يبدو لك أنني سأؤذيك»

أجابت على مضض:

«لقد قلت أنك لا تحبني»

أخذ على حين غرة، تعلقت عيناه الذهبيتان بعينيها الباكيتان، تبا! إنه لا يجيد أبدا التعامل مع النساء.

«حسنا..»

صهل الحصان خلف رأسهما فالتفتا في آن واحد نحوه.

«سيهرب الحصان»

«دعيك منه. انظري إلي، انظري إلي يا أرسيلا»

حركت بصرها نحوه فابتسم لها برقة:

«من أنا بالنسبة لك؟»

ردت بصوت متردد:

«زوجي»

«وهل تظنين أن الذي يجمع بيننا يحتاج حبا؟ نحن نملك بعضنا يا أرسيلا، سنعيش مع بعض لآخر العمر، ستكون لنا أسرة موحدة ذات يوم. اطفال يخرجون من صلبي ليصبحوا ثمرة في رحمك. هل تظنين أن الحب لن ينمو بعد كل هذا؟»

«ولكن الآن..»

«الآن ما يجمع بيننا قد لا يكون حبا، لكنه أقوى من الحب. الاحترام، الثقة، المودة. ألا تظنين أن هذا كاف!»

حدقت به بتوتر، لم تقرأ شيئا عن هذا في الحكايات، إنها تريد حبا وهو لا يمنحها إياه، قرأ ما في عينها فأعقب:

«أرسي، يا زوجتي العزيزة. أنا بالنسبة لك كل شيء، إن لم تثقي بمن ستفعلين؟ إن لم أكن أنا حاميك وسندك من سيكون! أعرف أن هذا قاس قليلا يا عزيزتي، أعرف أن كل ما ترينه لا يلائم ما تريدينه، لكن الدنيا لا تجري كما يشته المرء! والغابات ليست قصورا. الحب لا ينمو كما في القصص الخيالية من نظرة»

«لكن أبي أحب أمي من نظرة»

زم شفتاه ثم تمتم بارتباك:

«حسنا، ليس كل الرجال كأبيك. أنا، لنتحدث عني»

«أنت؟»

«نعم، انظري إلي. إنني لن أحبك من نظرة واحدة، أنا بحاجة لأن أنظر لك كل يوم، لأن أراك تتألقين، أراك تحملين أطفالي ، وأراك من حولي كل يوم كي إحبك. أنا بحاجة لأن أفخر بك بين أهلي»

سألته على استحياء:

«ماذا إن أحببتك أنا قبلا»

ارتجف ثم تمتم:

«سأكون محظوظا إذا، محظوظا للغاية»

رفع يده فالتقط دموعها:

«لننظر للجانب المشرق يا عزيزتي. أنا لم أرى امرأة قبلك ولا أنوي أن أرى امرأة بعدك. حتى يوم مماتي سأكون لك وحدك. سأعاملك كجوهرتي الغالية، كعشبة نادرة وقعت عليها يداي، وسأحميك للأبد. لقد تخليت عن قصورك وحدائقك الغناء في سبيلي وسأتخلى عن حريتي لأجلك»

طبطب على خدها البارد كي يبعث فيه الدفئ وتمتم بمرح:

«ثم من قد لا يحبك! انظري لهاتين العينين البراقتين وهذا الشعر الأحمر المتوهج. ربما وقعت بالفعل في حبك لكن كبريائي المغرور يعميني!»

ابتسمت ضاحكة فارتسمت في عينيه نظرة حنان، أخفض رأسه إليها:

«الان قولي لي، هل تظننين أنني بعد كل هذا أجرؤ أن أؤذيك؟ هل تظنين أنني سأكون نفس الرجل من كابوسك؟»

هزت رأسها ببطء فابتسم، انحنى عليها ولثم جبينها، ثم نهض ورفعها إليه:

«إذا هيا يا عزيزتي، لنقتحم الصعاب. سأحارب العالم لأحميك وأنت حاربي قلبي ليحبك»

استأنفا رحلتهما بعد ذلك بصمت، أخذت آرسيلا تفكر فيما قاله لها، وأخذ إيلاس يفكر في كيفية التعامل معها، هل يعاملها برفقة كنبتة هشة؟ أم يعاملها كما يعامل زوجة أخيه؟ ولكنها ليست زوجة أخيه بل زوجته هو!

قطعا في رحلتهما أميالا عدة، وصارت المملكة خلفهما نجمة لا تكاد ترى، لم يكونا قد تناولا أي شيء بعد، وبعد شجارهما ذاك اتخذ كل واحد فيهما الصمت رداء.

بدأت الشمس تبرد استعدادا للمغيب، ومالت نحو الغرب منتظرة موعدها كي تغوص تحت البحر.

حث إيلاس الحصان كي يسرع فتمسكت أرسي بيديه في قوة، وحاربت نفسها كي لا تصرخ فيه من جديد.

أخيرا بعد ساعة من الركض المستمر توقف بهما الحصان على مقربة من بحيرة رقراقة، ينحدر الماء إليها عبر الصخور رقراقا عذبا.

نظرت أرسي باستفهام نحو زوجها الذي قفز من فوق الحصان، تبعته بتعجب:

«هل سنبقى هنا؟»

«نعم. لهذه الليلة.أتذكرين هذه البحيرة؟»

هزت رأسها ببطء:

«نعم، مررنا بها خلال رحلتنا السابقة، لكنك توقفت فقط لتملأ جراب الماء ثم استمررنا بالسير»

«صحيح، فقد كنت مستعجلا. أما الان فلا شيء يمنعنا من الاسترخاء قليلا بقربها، لطالما فعلت ذلك»

أسرع الحصان للبحيرة وأخذ ينهل من مائها العذب فيما وضع إيلاس حقيبته البيضاء على صخرة ملساء ثم أشار لها:

«تعالي إلى هنا»

تقدمت نحوه في تعجب، أجفلت حين سحب خنجره من الحقيبة ثم دسه في جيب سرواله:

«سأذهب لاصطياد شيء ما. ابقي هنا وانتظريني»

«وحدي؟»

نظر لها مستنكرا ثم تمتم:

«سيبقى كافروس معك»

نظرت له باستهجان:

«الحصان!»

«أجل. إذا حدث شيء امتطيه واهربي»

صهل الحصان قربهما فجأة، ثم قفز مبتعدا عن البحيرة، اقترب من إيلاس فأبعد هذا اللجام عنه بحركة تلقائية اعتادها، وفي لحظة مباغتة قفز بحماس ثم انطلق يعدو مبتعدا،  تبادل الاثنان نظرة طويلة، نظر إيلاس إلى اللجام الذي بين يديه ثم شتم:

«تبا. تعالي معي»

اشارت للأشجار باصبعها:

«لقد هرب الحصان»

«لم يهرب، بل ذهب ليلعب، ذاك الغبي. سيعود حين يحل الظلام»

«إذا لم يعد؟»

ترك إيلاس اللجام امام حقيبته، نظر لها وقال:

«حينئذ سنكمل رحلتنا مشيا، وفي الغالب لن نصل حتى العام القادم»

عبست ثم نظرت للأشياء التي وضعها فوق للصخرة:

«هل ستترك هذه هنا؟»

«لن يتم سرقتها إن كنت تخشين ذلك. ضعي حقيبتك أيضا وتعالي»

هزت أرسي رأسها نفيا وتمتمت:

«لا بأس، سأحتفظ بها»

لم ترد أن تتخلى عن الحقيبة، فهي ما تبقى لها من تلك الليلة المميزة، أما الفستان البني الذي أحبته فقد استحال خرقة ممزقة لا فائدة منه، وقد تركته خلفها.

تعمقا في الغابة بعيدا وقال إيلاس لها:

«في مثل هذا الوقت تخرج الأرانب لأجل الرعي، لذا هو الوقت المثالي للاصطياد»

حذت حذوه واستلقت على أجمة العشب، وراقبت الأرض من حولها بحذر، كانت أسفلهما تلة صغيرة ممتلئة بالعشب الأخضر الندي.

لفهما الصمت ولم يعد يسمع من حولهما شيء سوى حركة الريح وحفيف الأشجار، راقبت بعين مشدوهة الأعشاب التي تميل للاصفرار وهي تتحرك في تناغم مع الريح، وراقبت الأوراق الصفراء وهي تتمايل في الهواء لتعانق الأرض في حركة حانية خاطفة.

رأت العشب الصغير يتسلق بعضه بعضا، والبراعم تجاهد لتزهر في برد الخريف،  رفرفت فوق رؤوسهما موجة من العصافير، تدور حول نفسها مرارا وتكرارا، ثم تتجمع كسحابة ليس لها نهاية، سألت زوجها بصوت خافت وعينيها على العصافير المتجمعة:

«لماذا تفعل العصافير هذا؟ هل هي تلعب؟»

«لا، إنها تتجهز للهجرة»

«الهجرة؟»

«ألم تدرسي شيئا عن حياة الحيوانات في القصر»

تجعد جبينها الأملس في تقطيبة واسعة، وضاقت عيناها الواسعتان، تمتمت بتبرم:

«تعلمت أن أصب الشاي، وأرقص على أصابعي. تعلمت الانحناء للملوك، وتعلمت غزل الصوف. لكن أحدا لم يخبرني عن حياة العصافير»

«الحياة تجارب، وكل تجربة ستعلمك شيئا جديدا. لا بأس، لن أحد يولد عالما»

أشار للعصافير الصغيرة وأردف باسما:

«في الخريف تتجهز العصافير في سرب ثم تهاجر لمكان دافئ، فجلدها الرقيق لا يتحمل البرد»

«وأين ستذهب هذه العصافير الصغيرة؟»

«لعلها سوف تهاجر نحو الشمال، يكون الجو هناك أدفأ مقارنة بالجنوب. انظري جيدا، هذه العصافير تسمى الزرزوريات. وهي صغيرة الحجم»

«تبدو لي جميلة»

تمتم ساخرا:

«وهي أجمل حين تشوى»

امتعضت ملامحها:

«ظننتك ستعلمني حب الطبيعة، واحترام الحيوانات»

أفلتت منه ضحكة:

«بالطبع، لكن حين تدخل للطبيعة فلا بد لك بالمشي بقوانينها، وأهم قانون في الطبيعة هي أن يفترس القوي الضعيف. انظري للأعشاب التي استلقيت عليها، ألم تشعري بالشفقة عليها وأنت تدهسينها بجسدك هذا؟»

«أليس من المفترض بك أن تقول كلاما شاعريا رومنسيا بدلا من أن تشير الى كوني عديمة الضمير؟»

ابتسم ضاحكا:

«سأتذكر ذلك المرة القادمة»

راقتها ابتسامته، وشعرت كأن لضحكته الغليظة رنينا موسيقا، لكنه صمت فجأة ثم أشار باصبعه:

«آرسي، انظري هناك، انظري!»

«غزال!»

«صه! أخفضي صوتك! إن الغزلان ذوات سمع وإحساس حاد وإذا شعرت بنا فستهرب»

اقتربت منه كي ترى من زاويته فاضطر أن يرمي ذراعه فوقه ليوفر لها مساحة كافية، تحفز الغزال لعدة دقائق، رفع رأسه عن العشب وأخذت أذناه تدوران من حوله فلزم الاثنان الصمت التام.

وحين عاد الغزال يلتهم العشب تمتمت أرسي بصوت منخفض يكاد لا يسمع:

«هل ذاك صغير بجانبها! إلهي إنه كذلك»

ابتسم إيلاس:

«بلى، إنهما أم وصغيرها، لكن يبدو أن الصغير حديث الولادة إنه لا يجيد مضغ العشب بعد، انظري إليه كيف يقضم العشب ويبصقه»

قرقرت ضاحكت فزجرها لكي تصمت.

وضعت يدها على فمها وحدق به فابتسم:

«صوتك عال!»

هزت راسها ومضيا يراقبان الغزالين، الأم ترعى وأذناها تدوروان بتحفز فوق رأسها والصغير يحاول قضم العشب ويحاكي حركات أمه في المضغ والقضم. لكنه بغتة بصق كل ما في فمه ثم مضى فاندس تحت سيقان أمه وأخذ يرضع من ثديها، وهنا أفلتت من آرسي شهقة عالية، فأجفلت الأم وركضت مبتعدة يلحقها صغيرها قافزا.

مكثا في مكانيهما للحظات على أمل أن تعود الغزالة، لكنها لم تفعل.

رفعت آرسي عينيها ببطء نحو زوجها فوجدته يتأملها بنظرات طويلة:

«آسفة»

«أخبرتك أنها كائنات حساسة للأصوات»

«آسفة»

اتكأ على مرفقيه ونهض فقالت بعبوس:

«على كل حال هل كنت تنوي اصطياد الغزالة؟ ظننتك جئت من أجل أرنب»

«لم أكن أنوي اصطياد غزالة فلن أهدر كل هذه الكمية من اللحم على شخصين، ناهيك عن أنها مرضعة. انسي الأمر»

«أين ستذهب؟»

«سوف أصطاد أرنبا كما اتفقنا»

راقبته ينحدر عبر التلة:

«لماذا لا ارافقك؟»

نظر لها باستنكار:

«ماذا تقصدين؟ هل كنت تنتوين البقاء هناك؟»

نهضت بسرعة وركضت خلفه، كانت ترتدي ثوبا خفيفا خوخي اللون تمت خياطته على عجل من أجلها قبل المغادرة تعويضا عن فستانها الذي تمزق، ولحسن الحظ كان على قياسها تماما.

غير أن الحذاء الذي كانت ترتديه لم يكن طبعا يلائم الركض في الغابات، فقد كان حذاءا أنثويا له كعب صغير، ما كادت تقلد حركته وتنحدر عبر التلة الصغير حتى سبقتها قدماها، ولما ارتدت لتتوازن وجدت نفسها تنقلب كدجاجة للأمام.

كان ما حدث تاليا سريعا، حدق بها زوجها وهي تنقلب على وجهها عبر التلة في ذهول ثم  قفز خلفها كي يتفقد إن كانت حية أو ميتة.

«آرسيلا!»

وقف قربها ومد يده يتفقد نبضها، لكنه أجفل حين رفعت رأسها وبصقت من فمها بعض الأعشاب التي دخلت عنوة.

مرر عيناه عليها وعلى شعرها الذي تبعثرت بعض خصلاته، وإلى الرداء الذي التف حولها.

ساعدها لتجلس بشكل صحيح، ثم أخذ يزيل الحشائش العالقة بشعرها، تمتمت عابسة:

«اضحك، يمكنك أن تضحك»

ابتلع ريقه وألجم نفسه:

«لماذا قد أضحك؟ أوه انظري لهذا الخدش!»

«لماذا بادرت لتفقد نبضي قبل ان تحملني؟ هل ظننتي مت؟»

«حسنا، كان علي توفير الوقت وأبدأ الحفر بسرعة»

1

اتسعت عيناها

«تحفر ماذا؟»

«حفرة»

«هل كنت تخطط لدفني! ألم تعاهدني قبل ساعات على حمايتي والقتال في سبيلي»

«ليس إن كان موتك بسبب حركة خرقاء»

«لم تكن حركة خرقاء تعثرت في كعبي»

«ومن طلب منك أن تقلديني؟ هل أنت بهلوان!»

زمت شفتيها:

«بدت حركة سهلة»

«سهلة لأنني من قمت بها، وليس أنت»

«ولماذا لم تمسك بيدي وتنزلني إذا؟»

توقفت يداه للحظة عن ما كانت تفعلانه:

«هل ابتلعت القطة لسانك! أنت لست رجلا شهما»

«أنا طبيب. لم يسبق لي التعامل مع النساء»

«لكنك رقصت معي، وغازلتني»

نظر لها ضاحكا ثم مد إبهامه وفرك الجرح الذي في خدها بمادة لزجة:

«أعرف بعض الأساسيات، لكني لست متمرسا»

قاومت يده بامتعاض:

«ما هذا؟»

«دواء لجرحك. لحسن الحظ وقعت فوق عشبة مفيدة!»

حدقت بأصابعه التي اخضرت بسبب عصارة النبتة التي دعكها بين يديه، ولزمت الصمت، حتى وهما يتشاجران فكر بعلاج جرحها، أو لربما فكر بالعشبة. فيمن فكر اولا؟ فيها أم في العشبة التي سقطت فوقها! أثار ذلك غيظها فنهضت ساخطة:

«عليك أن تكون مراعيا في المرة القادمة»

اتكأ على ركبتيه وقال بتهكم:

«أنت من تريدين نيل حبي، ولست أنا»

سألته ساخطة:

«إذا ماذا يتوجب علي فعله؟»

«اطلبي اهتمامي»

«ماذا؟»

دفع خصلاتها المتمردة خلف أذنيها وابتسم، قال لها:

«قولي لي عانقني»

«عانقني؟ ما الذي تهذ…»

تسللت يده خلف خصرها وجذبها إليه في حركة أفقدتها توازنها، انحنى إليها وضمها بين ذراعيه، ثم همس عند أذنيها:

«هكذا يا زوجتي العزيزة! قولي لي احضني وسأحضنك، قولي لي أمسك يدي وسأفعل! قولي لي راقصني و سأراقصك. أنا عربتك وأنت السائق فقوديني كيفما تشائين»

ابتعد عنها فبقيت تحدق فيه بذهول:

«لا تنتظري اهتمامي، بل احصلي عليه»

راقبته لدقائق وهو يمشي مبتعدا ثم استفاقت من لوثتها وهرعت تركض خلفه.

في النهاية وبعد جهد مرير حصلا على أرنب بني سمين، بعدما كاد صبر إيلاس ينفذ من زوحته، فهي تارة تصدر صوتا يجفل الحيوان عن غير عمد، وتارة تروقها عينيه الجميلتان فتعطف عليه فتصدر الاصوات عمدا لكي يهرب الحيوان.

تبعته وهي تحمل ذيل فستانها:

«هل سنأكله حقا! إنه جميل ولطيف دعه يذهب. لعله أنثى لديها أطفال؟»

تمتم ساخطا:

«إنه ذكر»

«إذا لا بد وأنه ما يزال يريد إنجاب المزيد من الأطفال»

كانا قد وصلا للبحيرة من جديد، ولم تتبق سوى ساعة واحدة على غروب الشمس كما قدر إيلاس.

استدار نحو زوجته والغيظ مرتسم على ملامحه فابتلعت لسانها.

وضع الحيوان تحت قدميه وكاد يذبحه أمامها في نزوة غيظ، لكنه صاح بها في اللحظة الأخيرة:

«استديري!»

فهمت ما يرمي إليه فاستدارت بصمت، ارتعشت حين وصلها صوت خرير الحيوان المسكين، استدارت بحذر وراقبت زوجها يقوم بسلخ الحيوان في حركات غاضبة بخنجره، لقد استنفذت صبره ولعلها اخر مرة تذهب معه للصيد.

ذبح الحيوان وسلخه على بعد خطوات من موقعهما، ثم قام بوضع الصخور على كل تلك الأحشاء والدم ليخفيها وحمل الحيوان المسلوخ بين يديه.

ملأ الجراب بالماء ثم اشار لها بينما هو منهمك في تنظيفه:

«أحضري بعض الحطب. كما المرة السابقة»

هزت راسها واندفعت للغابة تجمع الحشائش الجافة وبعض الأغصان، ثم عادت له محملة بمجموعة كبيرة منها.

كان قد جمع كومة من العشب ووضع فوقها الارنب النظيف. أخذ منها الحشائش ثم أشعل النار بواسطة عود ثقاب يحملها معه دوما في علبة.

ما إن بدأت ألسنة النار تتصاعد حتى نهض واقفا، وضع المزيد من العشب فوق الأرنب المسلوخ ثم رفعه ووضعه فوق الصخرة الملساء:

«ألن تشويه؟»

«يجب أن أشويه فوق الجمر وليس فوق النار»

«ما الفرق؟»

تنهد:

«النار ملتهبة جدا سيحترق اللحم ولن ينضج. بينما الجمر ذو حرارة معتدلة لذا سينضح اللحم جيدا دون أن يحترق»

حدقت لألسنة النار المتصاعدة بحيرة ثم اقتربت منها، غير أنها توقفت للحظة وقد اشتعلت وجنتاها، صاحت في ذهول:

«ما الذي تفعله؟»

«سأغسل جسدي من الدم والغبار. وأيضا قميصي»

لوح بالقميص مازحا ثم رماه أرضا ومضى يخلع الباقي من ملابسه دون مبالاة، ثم غطس في البحيرة في قفزة حادة، وأصابها رذاذ الماء البارد.

مضت عدة لحظات لم يصعد فيها، فظنته قد غرق:

«إيلاس؟»

تبادر إليها صوت ركض سريع فتجمدت في مكانها خوفا، ارتفعت الفقاعات من تحت الماء وخرج الرأس المخطط من تحته، دفع شعره عن عيناه وحدق بها والماء ينزلق عبر فكه إلى صدره:

«ما خطبك؟»

«هناك صوت غريب»

أنصت للحظات ثم قال:

«إنه كافروس»

«من؟»

«الحصان ايتها البلهاء، لقد عاد»

عاد ليغطس في الماء فاخذت تنصت السمع في حذر شديد وقلبها يرجف، شعرت بالأرض تهتز تحت أقدامها ثم أخيرا ظهر الحصان أمامها وقد تعرق شعره وامتلأ جسده بالطاقة.

اقترب منها ثم وقف قربها فلزمت مكانها في حذر تخشى أن يؤتي بحركة عنيفة فيرمي بها في هذه البحيرة الواسعة، لكنه لحسن الحظ لم يفعل، بل شرب حتى ارتوى ثم  ابتعد، واتخذ له مكانا قرب النار ورقد.

رفع إيلاس رأسه من الماء مرة أخرى فاصابها الرذاذ المتطاير منه من جديد فعبست، أخذ إيلاس يسبح جيئة وذهابا فتعجبت لمقدار الطاقة التي يملكها، لقد سافرا فوق ظهر الحصان طوال نصف يوم، واصطاد ارنبا بعد حرب طويلة، أشعل النار وما يزال يملك الطاقة ليسبح بهذا العنف دون كلل وفوق هذا الماء بارد جدا بسبب هواء الخريف.

مدت يديها للماء وغسلت يديها ثم وجهها، في النهاية غمست قدميها في الماء وجلست تراقبه وهو يسبح، يغطس ويرتفع.

اقترب منها بغتة وقال:

«ألن تسبحي؟»

«لست مجنونة لأسبح في هذا الطقس البارد»

مرر يداه على وجهه فأشاحت بصرها عنه:

«ظننت الأميرات لا يحتملن الاوساخ»

«ذلك لا يعني أننا سنرمي أنفسنا في بحيرة متجمدة»

حدق بها بخبث تام:

«همم! حقا! إذا كوني زوجة لطيفة واغسلي قميصي المتسخ ثم انشريه فوق الأغصان ليجف. احتاجه بحلول الغد»

مررت بصرها على شعره والمياه التي تتساقط منه، ثم إلى كتفيه العريضتين وعنقه وقالت بتوتر:

«لا أجيد غسل الثياب»

«كل ما يجب عليك فعله هو أن تغمري القميص في الماء وتدعكيه بأصابعك قليلا حتى يتلاشى الدم. لست بحاجة لغسله بشكل مثالي»

اشار لشجرة خلفها ثم اردف:

«ثم ارميه فوق أغصان تلك الشجرة، وسيجف من تلقاء نفسه»

أدارت بصرها نحو القميص، سحبت قدميها من الماء ثم اتجهت نحو القميص، غمرته أمام بصره في الماء ثم بدأت تدعكه:

«نعم، هكذا، احسنت. سأسبح قليلا بعد ثم أعود»

غطس لقاع البحيرة فنظرت له بعبوس، لكنها ابتلعت كل ذلك ومضت تغسل القميص بحماس. على الاقل هذا ي

ذكرها بسندريلا التي كانت تكد وتعمل في قصر زوجة أبيها، واستذكار القصص الخيالية بعد طول غياب بعث في جسدها سعادة وطاقة غريبة.

نظرت لباقي الثياب فلاحظت أنها متسخة ببقع من الأعشاب وبالغبار، سيكون من الجيد أن يرتدي ملابسا نظيفة في الصباح.

نهضت بحماس الزوجة وحملت السروال وملابسه الباقية، غمرتها في الماء ثم أخذت تدعكها بحماس.

رفع إيلاس رأسه من تحت الماء، نظر إليها وابتسم فبدت ابتسامته مشرقة للغاية وشعرت أن يديها اضطربت.

عصرت الملابس ثم حملتها ووضعتها فوق الأغصان. نشرتها بكل حب مثلما رأت الخادمات تفعل، وتأكدت أنها ثابتة في مكانها كي لا يطير بها هواء الليل.

ثم عادت للبحيرة ركضا. كان إيلاس يتكئ للحافة وينظر لها بتحديق شديد، حين اقتربت منه سألها

«لماذا هناك الكثير من القطع المنشورة. ماذا غسلت بالضبط؟»

أجابت بابتسامة عريضة

«ثيابك»

قطب جبينه بحيرة، نظر حوله وهو يتمتم:

«تقصدين قميص…مهلا لحظة! هل غسلت كل ملابسي!»

«أجل؟»

سمعته يسنشق نفسا عميقا ثم قال ببطء

«اخلعي رداءك وأعطني إياه»

تمسكت بالرداء:

«لماذا؟»

«هل تريدين مني البقاء بجانبك عاريا طوال الليل؟ إن كنت تحبين الفكرة فأنا لا أحبذ التجمد بردا»

«ارتد ملابسك الأخرى»

«اي ملابس أخرى يا زوجتي العزيزة؟ هل نحن في قصر؟ اذا اذهبي واطلبي من الجارية أن تضع لنا العشاء»

صاحت بحرقة:

«لماذا تسخر مني؟ لقد كنت ترتدي ملابسا أخرى حين كنا في المملكة»

«نعم، وتركتها كلها هناك، مثلما فعلت أنت. والان توقفي عن الثرثرة وهات الرداء، لقد غربت الشمس وبدأ الجو يزداد بردا»

خلعت الرداء على مضض ثم سلمته له، خرج من البحيرة يقطر ماء، وضع الرداء فوق جسده ولفه بإحكام ثم نظر لها عابسا:

«هل يجب أن أدق عنقك؟ اخبريني»

تراجعت بضع خطوات للخلف:

«لقد كنت أفعل ما طلبته مني، أحصل على اهتمامك»

أجاب باستنكار:

«بتركي أتجمد بردا!»

صاحت بغضب:

«لم تقل لي!»

بادلها الصياح:

«هذه المشكلة، لم أقل لك أن تغسلي كل ثيابي، بل فقط القميص!»

«الأمر سيان، سواء أبقيت دون قميص أو دون سروال»

زم شفتاه ونظر لها:

«كنت سأرتدي الرداء فوق السروال»

«كنت تنوي سرقته على أي حال إذا!»

«إنه لي من الاساس»

«كان ذلك في الماضي، لقد قلت أنك ستشتري لنفسك غيره»

مرر يده في شعره المببلل وزفر أنفاسه في حدة:

«آه! من أجادل. ابتعدي عني طريقي»

دفعها بكتفه فانزاحت عن طريقه غاضبة، راقبته يضع الأرنب فوق الجمر، ثم جلسا هكذا لساعة كاملة حتى نضج اللحم.

فكرت أن تجادل وترفض طعام العشاء غير أنها كانت ستموت جوعا لذا تناولت ما أعطاها اياه بصمت.

وما هي إلا ساعة أخرى حتى كان الظلام قد لف الغابة، خلد كل من فيها للنوم وبدأت البرد يشتد، وعلى ضوء الجمر الخافت رأت آرسي زوجها يرتعش.

كان يملك لحافا صغيرا في حقيبته، غالبا يضعه فوق ظهر الحصان، نهض اليه وأحضره، ثم وضع مزيدا من الحطب في النار.

نظر لها وقال:

«خذي هذا وتغطي به. الجو بارد»

تناولت الغطاء الرقيق منه بصمت وأخذت تحدق به، فنظر لها متعجبا:

«ما خطبك؟»

احمر وجهها خجلا:

«ألن ننام معا؟ ظننتك كنت تقول أننا يجب ان ننام ملتصقين كي ندفئ بعضنا»

ارتفع حاجبه في تهكم:

«وانا ظننتك غضبى؟ ألن تستغلي الفرصة وتدعيني اتجمد بردا»

هزت كتفيها:

«لن استفيد شيئا إذا مت فأنا لا أعرف طريق الخروج من هنا. علي أن أبقيك حيا لمصلحتي»

بدلا من أن يغضب صدحت ضحكاته في الجو،  أخذ يضحك ويضحك حتى اختنقت أنفاسه، في النهاية تمتم بصوت لاهث:

«صحيح! يا لك من عبقرية. والآن تعالي إلى هنا و أدفئيني»

قبضت على اللحاف الخفيف ثم اقتربت منه، همت بفرده على كلاهما لكنه سحبها إليه، ووجدت نفسها حبيسة ذراعيه.

رفعت بصرها إليه فنفذت نظرته الناعسة إلى أعماقها، توسدت ذراعه ورفعت بصرها للسماء المتشحة بالنجوم، تمتمت بانبهار:

«لم أرى سماء متشحة بالنجوم لهذه الدرجة! إنها جميلة جدا»

«صحيح، لقد أعماك ضوء القصور والثريات فغفلت عن ضوء الطبيعة الحقيقي»

مرت بهما نسمة هواء باردة جعلتمها يسكنان للحظات، ثم قال إيلاس:

«كثيرا ما أنام خارج المنزل في الصيف، يكون الجو معتدلا ومن الرائع مراقبة النجوم ليلا»

«يبدو هذا شاعريا جدا. لم يسبق لي النوم في الخارج»

نظر لها مبتسما ودفع شعرها عن عنقها:

«لكل شيء مرة أولى»

شد الغطاء عليهما أكثر وألصقها به، وخفتت كلماته بعد لحظات فعلمت أنه غرق في نوم عميق، غير أنها لم تنم، ظلت عيناها معلقتان بالسماء الزرقاء التي تومض، فيما أنفاس إيلاس الساخنة تلفح رقبتها.

حين انتهت أخيرا من تأمل السماء عادت ببصرها نحو الأرض، كان كل شيء صامتا إلا من أصوات الغابة المرعبة، النار التي بجوارهما خفتت ولم يعد بهما سوى بعض الجمر الذي يبعث بدفئ خفيف نحوهما.

هذه الرهبة الجديدة التي لم تعشها من قبل جمدت جسدها خوفا، وباتت أشباح غير واقعية تظهر لها من بين جذوع الأشجار، فأخذت تحدق بها علها تهتدي لكينونتها، غير أن ضوء الهلال الخفيف لم يساعدها.

التصقت بزوجها لا إراديا، فتذمر في نومه وحين استمرت تلتصق به كالغراء وتدفع بكامل جسدها نحوه استيقظ، تمتم بصوت مخدر:

«ما خطبك؟ هل تريدين الذهاب للحمام؟»

أشارت نحو الكيان الغريب الذي يتحرك أمامها وقالت:

«ما ذلك؟»

رفع رأسه عن الأرض ثم قال:

«ثيابي، لقد نشرتها بيديك»

«وتلك؟»

«شجرة!»

«وهذه؟»

«إنه جذع. هل أنت خائفة؟»

رفعت عينيها إليه فقاوم الضحكات التي علقت في طرف حلقه، مد ذراعيه فأحاطها وشد اللحاف حولها من جديد:

«يقولون أن الأشباح لا تستطيع عبور الغطاء، فلا تقلقي»

مرر يده على شعرها فتثائبت:

«أغمضي عينيك ونامي، ولن تري هذه الأشياء المرعبة من جديد»

وقد كان كما قال، ولم تستيقظ من جديد إلا حين سمعت صهيل الحصان فوق رأسها مع أول إشراقة للصباح.

.

.......

بإمكانكم قراءة المزيد من الفصول على الواتباد

يوزر الكاتبة: ra-ch-ad-e

أو تنتظروا نشر الفصول ببطء هنا

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كركدية

المؤلف rana rachade
2025/12/09 مكتملة
قائمة الفصول (37)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة