٢

٢

14 0

في الأيام التالية قضت آرسي أيامها ملقاة فوق السرير الفخم في غرفتها، وكلما خرجت لرواق القصر للتمشي تهامست حولها الخادمات، وإذا التقت بالأميرة الوحيدة للمملكة أو أمها نظرت كلتاهما إليها بابتسامة مترفعة وعيون ملأى بالاحتقار، لم تدري لذلك سببا، فقد عاشت محاطة كل حياتها بجميع أنواع الحب، لم ترى نظرة الكره في عيني أحد ولم يسبق لشخص أن عاملها بانتقاص، وبالرغم أنها عانت دوما لأنها اعتبرت أقل جمالا من شقيقاتها، وبالرغم أنها اعتبرت أميرة طائشة في مملكتها، لكنهم جميعا كانوا يحترمونها، يبتسمون في وجهها ويحيونها بحرارة، لقد كانت أميرة لم تحرم من شيء قط، لذا مع مرور الأيام وجدت نفسها تنزوي تلقائيا في غرفتها، تتجنب الخروج، تتجنب اللقاء بالملكة أو ابنتها، وتخشى الاستماع لهمس الخادمات عنها.

«هل رأيتنها؟ كم هي هزيلة الجسم!»

«ترى كيف أعجب بها الطبيب وهي كالسرعوف الأخضر!»

«لا أكاد أرى لها فتنة، وما خطب ذاك النمش الذي يغطي وجهها؟ إنه قبيح!»

«شعرها منتفخ كالتنورات، لقد قمت بتمشيطه لها لكنه أبى أن ينسدل!»

«لو رأيتن جسمها! لقد حممتها بنفسي ولا يكاد يكون في جسمها لحم!»

«لما لا يتزوج الطبيب أميرتنا؟ إنها مكتنزة جميلة، شقراء يانعة!»

وجدت نفسها تمتنع عن خدمة الخادمات، تدلك جسدها بنفسها، وتمشط شعرها المتلولب بيديها، لم تلائمها ثياب الأميرة الواسعة واضطرت كل الوقت إما لشدها بحزام، أو ملازمة غرفتها في ثوب نوم وردي لا يدرأ عنها برد الليالي القارسة.

الأقل جمالا، الأميرة النحيفة التي مهما ابتلعت لا تسمن، الأميرة الطائشة التي تهرب من القصر ومن حصص الأميرات، الأميرة التي تكره المشد وتفضل ركوب الأحصنة على حفلات الشاي، هذا ما كانته، وهذا ما سمعته طوال حياتها، لكنها لأول مرة تسمعه بطريقة مختلفة، بطريقة أشد قسوة! بكلمات عارية تخترق الوجدان.

أما عن زوجها المزعوم فلم تره إلا أياما معدودة، خصصت له غرفة في أقصى القصر لأبحاثه، فكان من الغابة لغرفة أبحاثه، ومن غرفة أبحاثه لغرفة الملك المريض، ومنها للغابة.

ولا شك أنه انغمس في عالمه فنسي أنه متزوج، وأن هناك امرأة ضئيلة الجسم، لامعة العينين، تنتظره في غرفة بائسة متحلفة بثوب وردي رقيق.

عكفت على حياكة بعض الورود الصغيرة، وعلى تشكيل الخيوط على أشكال دمى وألعاب مختلفة، كعجوز هرمت وفقدت ضياء شبابها، تتدحرج منها البكرات فتحمل أطراف ثوبها الطويل وتركض وراء الخيوط الهاربة.

لم تكد تمر بضعة أيام أخرى حتى شعرت بالضيق وبالدموع تحرق مآقيها، رغم كل شيء كان هناك في قصر والدها من تكلمه فيستمع لثرثرتها، وكانت إذا جاعت لا تشعر بالحرج من اقتحام المطبخ بحثا عن ما يؤكل، وإذا أعرضت عن الأكل الذي لا يروقها لن تموت جوعا، نسيها طبيبها فتناساها أهل القصر، سجنت نفسها في غرفتها فلم يبحث أو يسأل عنها أحد.

شعرت بالوحشة تكتنفها، وبالغصة تلتهب في حلقها حتى استحال اللعاب في فمها حجارة. إنها مجرد ضيفة غير مرغوب فيها هنا، لا حرية لها لتركض، لتأكل، لتمرح وتغني. إنها امرأة حكم عليها بالدفن حيا وسط غرفة هي من أفخم الغرف في هذا القصر المدمر المجهول. ووجدت نفسها تتساءل، هل أحسنت صنعا حقا بالزواج من إيلاس؟ ألم يكن الأمير الذي تقدم لخطبتها قبل شهر فقط أفضل منه؟ جمالا، غنى ووسامة، وما كانت لتكون هنا مرمية وحدها، بل في حفلة تضج بالناس وبالضحكات.

فتح عليها باب الغرفة ذات عشية، سحبت بصرها عن الشمس الغاربة ونظرت بجزع للرجل الذي اقتحم عليها خلوتها، ضمت أطراف ثوبها على صدرها وأخذ فؤادها يصدح كطبل العيد.

مررت عيناها عليه، من شعره الأشعث إلى لحيته الشائكة، فثيابه المغطاة بالغبار والمبقعة بعصارة الأعشاب والنباتات. وظل كلاهما لعدة ثوان يحدق كل بالآخر في حيرة ودهشة.

كان يحمل في يده سطلا ضخما ممتلئا بالماء، يتصاعد منه البخار، دفع الباب بطرف قدمه وتقدم نحو بقعة الضوء فشدت على ثوبها أكثر:

«أرسيلا؟»

«نعم..نعم، إيلاس؟»

جابت عيناه عليها ثم سحبها عنها ونظر للغرفة وقال:

«لم تجلسين هنا؟ لماذا الغرفة باردة؟ ألم تشعل لك الخادمات المدفأة؟»

تركت يدها تهوي، جذبت دمى الخيوط التي صنعت وضغطتها بين يديها، تحارب كي لا تبكي أمامه، أن تصرخ فيه وتطالبه بإعادتها لمملكتها، لقصرها، لأبيها، لغرفتها الدافئة.

«لا...لا، أحضرت لي الخادمة بعض الطعام وغادرت»

مد يده فأمسك طرف ثوبها:

«ما خطب هذا الثوب الرديء! هل ارتديت هذا طوال ما مضى! في هذا الجو الذي يزداد بردا كل يوم!»

نظرت له غضبى:

«لم تعطني الأميرة المدللة غيره، ولست متسولة لأطلب من متعجرفة طويلة الأنف أن تمنحني ثيابها»

أشاحت عنه وقد ارتفع ذقنها في شموخ، لكنها نظرت له من جديد وقالت بغل:

«وخطأ من هذا؟ أنت الذي رفضت أن أحضر صناديق ثيابي معي، بسببك أنا أبدو أمام الخادمات كمتسولة لا تملك قرشا، بينما أنا ملكة ابنة ملك!»

«صناديقك؟! تلك الصناديق الثمانية الضخمة؟ ولو أنك اشتريت ثوبا كل يوم منذ ولادتك ما جمعت كل ذلك الكم من الثياب! وكيف لي أن أحملها على حصاني؟ بل كيف لتلك التنانير المنتفخة والحلي البراقة أن تنفعك وسط الغابات؟!»

هزت كتفيها

«كانت لتدرأ البرد عني على الأقل»

نظر ليديها وقال:

«لو كان لك ذرة عقل لفكرت في صنع وشاح دافئ من خيوط الصوف هذه بدلا عن صنع الدمى»

نظرت ليديها، فتحت قبضتها ونظرت لدمية الخيوط الزرقاء الصغيرة، بغتة رمتها عليه فارتطمت بوجهه ثم ارتدت لتسقط في سطل الماء وسريعا غاصت للقاع، ضيق إيلاس عينيه وبدت عيناه مرعبتان، نهضت بسرعة ودست يدها في سطل الماء الحار وجذبت دميتها ثم عادت لمقعدها وقد استحال لون جلدها أحمرا.

وضع إيلاس السطل من يده مرعوبا، جذب ذراعها وحدق بها:

«هل جننت؟ لقد احترقت بشرتك!»

«لم تحترق، ليس بعد»

«بحق الله، لأجل دمية؟!»

سكتت لهنية ثم نظرت له:

«ولماذا تركتني؟ قلت أنك ستعود كل ليلة لتطمئن علي! لم تعد، ليلة ثم اثنتتان، انتظرت كل يوم لكنك اختفيت كفرقع لوز!»

ضم شفتاه في عبوس، حدق في الماء ثم لبشرتها التي بدأ يخف احمرارها، سحب يده عنها حين تيقن أن الأمر ليس خطيرا، زفر أنفاسه

«أنا آسف، لقد نسيت»

«نسيت ماذا؟»

أغمض عيناه ثم تمتم بحذر

«نسيت أنني متزوج»

توقع منها أن تثور، أن تمسك سطل الماء فتهرقه فوق رأسه، هذا ما بدا له أن شخصا منفلت العقال مثلها قد يفعل، هذا ما توقعه من أميرة ولدت بملعقة ذهبية، لكنها لم تفعل، ضمت ركبتيها لجسدها وقالت:

«علمت هذا، علمت أنك ما أحضرتني إلا لتنساني»

لم يكن لدى إيلاس خبرة بالنساء، لقد زرع نباتات شتى، تعلم السموم وراقب الحشرات أيضا لكنه لم يراقب امرأة قط، ليتها تتحول أمام عينيه لعشبة نعناع، أو لوردة كركدية حينها يستطيع التعامل معها.

«انا اسف، حقا. لقد حدث كل شيء بسرعة، ثم انغمست في عملي كثيرا لم أملك الوقت لأفكر»

فيك، لم أملك الوقت لأفكر فيك، أيجرؤ على قولها؟ انحنى نحوها فتمتمت:

«إليك عني، رائحتك كريهة»

أمسك سطل الماء الذي فتر، نظر لوجهها الساكن تارة ثم للماء تارة أخرى

«سوف أعود سريعا»

«فهمت»

تنهد وابتعد عنها، وضع سطل الماء في الحمام الفاخر وأخذ يمزج الحار بالبارد، وبينما كان يريق الماء على جسده ما انفكت صورتها تظهر أمام عينيه، اعتصرت قلبه قبضة قوية، كيف له أن يفعل ما فعل! لقد تخلت عن عائلتها، عن قصرها، عن العز والدلال لأجله، تخلت عن مستقبل مضمون لتتبعه نحو عالم مجهول لا تعرف عنه شيئا، الآن وسط هذا العالم الجديد ليس لها إلاه، وحتى هو ما يزال كالغريب بالنسبة لها.

لو أنها رفضته، فقط لو أنها قالت «لا» ما كان لهذا الزواج أن يتم، ولكانت في غرفتها الفاخرة تتنعم بالحرير والحلي، لكنها لم تفعل، دوما تبدو الحياة خارج الأسوار مشوقة لمن لا يعيشها ولعلها ظنت أن ما ستجده خارجا هو ناس بوجوه مبتسمة على الدوام، زهور تزهر فوق الصخور الشاهقة، وجبال متزينة بكلل من الثلج! وماذا وجدت؟ مملكة خربة، يتحلق حولها الأعداء، وملكة كالأفعى تحاول تهميش صورتها في عينيه ليأخذ ابنتها مكانها.

أغمض عيناه، تدلى السطل الفارغ بين يديه، هذه مشكلة أخرى! لا تنفك هذه المرأة المجنونة من الدوارن حوله وعرض ابنتها كل ثانية بزي مختلف، بالنسبة لمملكة على وشك الانقراض يبدو التحالف مع طبيب مطلوب في كل البقاع فرصة لن تعوض! لقد كان سمكتها الذهبية ورغم انه سمكة عالقة في صنارة أخرى، لكنها تعمل بكل جد كي تفك وثاقه وتلف حوله شبكة صيد مختلفة.

سحب الثياب النظيفة من فوق الذهبي، حدق لوهلة في انعكاسه المشوه عليه ثم أشاح بصره، لعل حل هذين المشكلتين هو واحد لا غير! نعم هو واحد!

ليبرهن لزوجته الفاتنة ذات الشعر المتلولب المنتفخ أنه زوج! وليبرهن لتلك الملكة الشمطاء أنه سمكة قد اصطيدت ولن تعود للمياه من جديد.

خرج من الحمام منتعشا، حدق في زوجته التي ما تزال على وضعها، تقدم بثبات نحوها وجذب كرسيا فجلس بجوارها:

«هل تراقبين الغروب؟»

همهمت له، فابتسم:

«وهل يعجبك؟»

همهمة أخرى:

«يبدو المنظر أجمل من الغابة، أتحبين رؤيته؟»

حركت بصرها نحوه وتمتمت بعبوس:

«لكنك قلت أن سأعيقك»

«لقد أنهيت الجزء الصعب، أنا فقط بحاجة للعودة للغابة لأحضر كمية جديدة من الأعشاب، سيكون الأمر سهلا»

ضغطت يديها على دميتها الزرقاء فانزلق الماء منها إلى ثوبها:

«هل ستأخذني؟»

مد يده وسحب الدمية بحذر من يديها، تأملها:

«نعم سآخذك. بالمناسبة هذه الدمية متقنة الصنع! إنها جميلة للغاية. هل تجيدين الأعمال اليدوية؟»

هزت رأسها ببطء وعيناها معلقتان بدميتها:

«نتعلم جميع الأعمال اليدوية في القصر، تقول أمي أن من الواجب على الزوجة أن تجيد الأعمال اليدوية كي تسعد زوجها وأطفال...أطفالها»

ابتسم لاحمرار خديها :

«ماذا تجيدين غير الحياكة؟»

«التطريز والخياطة»

هز رأسه بتعجب:

«وتجيدين القراءة والكتابة؟»

رفعت رأسها له بتعجب:

«بالطبع! كيف أكون أميرة ولا أجيد القراءة والكتابة؟ لقد تعلمت جميع أنواع الأدب، والرياضيات. وتعلمت التكلم ببعض ألسنة أهل الجنوب، لكني لست متمرسة جدا»

نهض فأجفلها، تراجعت برأسها للخلف، وضع الدمية على حافة النافذة لتجف، حدق فيها وقال

«أظنني حصلت على كنز حقيقي»

«ما هو؟ هل وجدت عشبة نادرة»

حدق بها متفاجئا، لم تفهم مغزاه، قهقه ضاحكا:

«نعم، عشبة في غاية الندرة!»

مرر يده في شعره الكثيف، ثم حدق فيها للحظة، مرر عيناه على ثوبها فأخفضت بصرها، استدار عنها بكل بطء ثم خرج من الغرفة.

مرت دقيقة، وأخرى ولم يعد، عادت أرسي لجلستها، ضغطت ذقنها على ركبتيها وبدأت تحدق في الظلام الذي بدأ يدهم.

لقد ظنت لوهلة أنه أراد التعويض عن ما اقترفه في حقها وقضاء بعض الوقت معها، لعلهما يتعرفان على بعض، لكن لا، إن لدى الرجال أشغال أهم من أن يستمعوا لشكاوى النساء، ليتها كانت تحضر مجالس شقيقاتها وباقي الأميرات لعرفت الكثير عن الرجال، ولعرفت كيف تتعامل مع برغوث الغابة الذي حصلت عليه.

1

سحبت نفسا عميقا، زفرته على مهل، نعم لقد دخلت بيديها لهذا القفص وليس لأحد أن يخرجها...

فتح الباب فجأة ثم أغلق في حركة عنيفة رن صداها في المخدع، حدقت نحو المقتحم برعب وتعلقت عيناها بزوجها الذي حمل على كلتا يديه سلتين من الدوم، مليئتان بالأثواب والصوف.

اقترب منها، ووضع حمله على الكرسي الذي كان جالسا عليه، ثم استقام ومر على فوانيس المخدع فأشعلها، ترنحت أضواء الشموع على الجدار بفعل الرياح الخفيفة التي خلفتها حركاته، وراقبت أرسي ظله العملاق على الجدار بحيرة واستغراب:

«ما كل هذا؟»

تقدم نحوها وقال بمرح:

«فكرت أنه سيكون من الممتع أن أختبر مهارات زوجتي!»

فكت يديها من عقدتها، سحبت قطع الحرير والكتان ولمستها:

«هل تريدني أن أخيط ثوبا لك؟»

«آه، أنا لا أرتدي الحرير! بل هي لك»

«لي؟»

هل أميرته غبية؟ لعلها كذلك. إن استيعابها بطيء.

« يا أميرتي! يا زوجتي! هل تريدين الذهاب للغابة بثوب هو ضعف حجمك خمس مرات، وفوق هذا منفوش كشوك القنفذ!»

«لا يمكن؟»

هز رأسه بشكل قاطع:

«لا!»

سحب من السلة قطعة حرير بلون أخضر لامع وحدق بها:

«ستبدو هذه رائعة عليك!»

نظرت له وقالت بهدوء:

«لكن الحرير زلق!»

استغرق منه الأمر لحظة ليستوعب قصدها، جذبت قطعة كتانية ترابية اللون، وقالت:

«أحب هذه، لطالما أردت أن أرتدي شيئا مختلفا عن الحرير حين أذهب للخارج»

«تحبين الكتان؟»

«أجده جميلا»

ترك قطعة الحرير تهوي من يديه وتلمس بيده ثوب الكتان، كان خشنا قليلا فقال:

«ماذا عن تبطينه ببعض الحرير، قد يكون خشنا على بشرتك ويؤذيك إن علق به شيء ما؟»

هزت رأسها

«نعم، يمكن ذلك»

جذبها لتقف، وأمسك خيط قياس فاقع اللون وقال:

«إذن لنأخذ القياس»

عبر قياسها في سرعة ودقة حتى أنها تعجبت منه، وحين تولى تفصيل قطع الثوب بدلا منه راقبته مشدوهة:

«تجيد الخياطة أيضا؟»

«لا، لكن أمي تفعل، ولطالما ساعدتها في التفصيل، لدينا ورشة خياطة صغيرة في المنزل. هل هذا جيد؟»

نظرت للقطع المفصلة، وأمسكتها، اعتراها الحماس:

«نعم، انها مثالية»

أدخل لها الخيوط في الإبر وقام بشبك القطع ببعضها بشكل سريع، ثم تركها تعيد الخياطة خلفه بدقة واحتراف، وبينما كانت هي منكبة على قطع الحرير وتشركها مع ثوب الكتان كان هو يمسك أطراف الثوب لها، كانت يدها سريعة جدا، ماهرة جدا، وقد توقع أنها ستصاب بالعديد من نغزات الإبر لكن ذلك لم يحصل، وكأنها خاطت قبل هذا أنواع شتى من الثياب:

«هل فعلت هذا من قبل؟»

«نعم، أمي صارمة جدا، كلما تهربت من فصل الأداب جعلت عقوبتي هي الخياطة، لقد ابتكرت وصممت العديد من الأثواب للخادمات ولي»

رفعت وجهها فوجدته يحدق بها بنظرات متفحصة، ارتجفت يداها فدخلت الإبرة اصبعها، نظر لها ضاحكا:

«أعتقد أنك ما زلت بحاجة للمزيد من التدريب!»

«لقد تشتت انتباهي»

أخذ منها الإبرة فأدخل فيها خيطا جديدا، ثم راقبها للحظات:

«ما هو ناتج ضرب تسعة في ثمانية؟»

رفعت عينيها عن الثوب، وحدقت به:

«اثنان وسبعون. لماذا؟»

«صحيح، ماذا عن ناتج خمسة في ستة»

«ثلاثون»

«ما ناتج مئتيه وخمسون تقسيم اثنان؟»

كانت تنظر له بعجب، لماذا يسألها كل هذا؟

«مئة وخمسة وعشرون»

وضع يده على فكه، حدق في قطعة الثوب الممتلئة بالدبابيس:

«صحيح! كلها صحيحة!»

«إذا، مملكة أبيك تبعد عن هنا مئة وثمانين ميلا، ونحن قطعنا هذه المسافة على ظهر الحصان خلال خمسة أيام تقريبا. كم كانت سرعتنا ونحن نمشي؟»

أدخلت الإبرة في الثوب ثم سحبتها ببطء وهدوء:

«لقد قطعنا ستة وثلاثين ميلا كل يوم»

«كم ميلا في الساعة؟»

«ميل ونصف»

«إن لم نكن نرتاح أو ننام في كم كنا سنقطعها؟»

«ثلاثة أيام»

«بكم؟»

«بستين ميلا في اليوم، كل ساعة ميلان ونصف»

أخذ منها الإبرة الفارغة، جذب بكرة الخيوط نحوه ورنى إليها بنظرة فخر:

«صحيح، صحيح! كم أنت ذكية!»

نظرت له بحيرة بالغة، تناولت منه الإبرة:

«هل كنت تختبرني؟»

ارتفع حاجباه الكثان في عجب:

«لماذا؟»

«لأرى إن كنت ستهزمينني»

أخذ منها الثوب فقلبه، أشار للجزء الجديد الذي يحتاج خياطة وقال بمرح:

«دعيني أسألك شيئا آخر، هل تجيدين الشعر؟»

«قليلا، لست مهتمة به لهذه الدرجة»

«أعطيني بيتا عن الفقدان»

«لا أظنني جيدة كفاية لذلك»

«حاولي»

ضمت شفتيها في شدة، نظرت ليديها ثم تراءت لها صورة قصر والدها الضخم، تحيط به الحدائق الغناء، نظرت ليدي زوجها الخشنتين ومضت:

«غَابَ الأهلُ عني، واحتملَ القلبُ الجُرحَ،

وغَدتْ الأميالُ قيدًا، والذكرياتُ طيفًا بعيدًا.

أشدو عنهم في الليلِ، وهم في القلبِ ذكرى،

والدمعُ يَجري على خدّي، لا يُسأل عن السببِ.

ألا ليتَ دمعي، هل يعودُ الطيرُ الشريدُ؟»

اشتبكت نظراته بعيينها، التمعت مقلتاها وكاد الدمع ينهمر منهما، أحنت رأسها للخيوط ومضت تغرز الإبرة وأصابعها ترتجف، قال لها بمرح:

«ماذا عن الحب؟»

نظرت له لوهلة، ثم قالت بضيق وقد ذبل حماسها:

«ألا يمكنك أنت فعل ذلك؟»

انحنى نحوها، سحب الخيط الذي تعاند لقطعه ووضع طرفه على أسنانه بينما لا يزال نصف الخيط عالق بين أسنانها، ارتطمت وجنته بخدها وتمزق الخيط بغتة فافترقا:

«في عينيها سرٌ، كأنّ الزمانَ غابَ،

وشعرُها نارٌ، أضاءَ قلبي والدربَ.

أهيمُ بحبّها دونَ أن أفهمَ السبَبَ،

كأنّها غيمٌ قد أمطر، والشوقُ في قلبي نارٌ تتأججُ»

مرت بها رعشة هزتها، سقطت الإبرة من يدها وضاعت على الرخام الأبيض، أضاءت ابتسامة وجهه المسمر، وتحركت الخصلات المخططة فوق رأسه، وتوهجت عيناه المحمرتان في ضوء الشموع، حدقت في قطرات المياه التي ما تزال متعلقة بأطراف شعره، وبالبقعة الرطبة فوق عنقه, انحنى أمامها على ركبة واحدة فتراجعت في رعب:

«ماذا تفعل؟ لا تنحني!»

نظر لها بتساؤل

«أنا التقط الإبرة»

نعم، نعم، إنه ليس أميرا، ليس رجلا تجري بعروقه دماء النبلاء، لن ينحني لها على قدم واحدة ويخرج من خلف ظهره علبة مخملية بها عقد ألماس ضخم، ولن يهديها مجموعة ضخمة من ورود الأقحوان التي شاع حبها لها، لن يلثم أصابعها في حركات بطيئة تثير أعصابها، بل سوف ينحني ليتلتقط الإبرة، وسوف يحضر لها أكوام من الأثواب ليخيطا معا فستانا، وسوف يحملها فوق ظهر الحصان ليعبرا الغابات، وسوف يجعلها تنام أرضا بينما تتسلل إليها الحشرات، وسوف يلقي فوق رأسها رداء أسودا ممتلئا بالوسخ...

وضع الإبرة في علبتها، ثم حمل الثوب بيديه وتفقده تحت الأضواء.

«يبدو رائعا، لا أكاد أصدق أننا أنهيناه في ظرف ساعات قليلة، أنت ماهرة جدا يا آرسي، لكن...»

نظرت له بجزع:

«لكن؟»

«صدره واسع جدا، لربما الصدر المثلثي ليس مثاليا لمثل هذه الثياب»

حدقت في التجاعيد التي ملأت جبينه، ولحاجبيه الكثين اللذن التقيا في تقطيبة عابسة، نظرت للسلة فجذبت منها قطعة دانتيل ملفوفة، فردتها بين يديها فقال:

«الدانتيل؟ نعم، سيكون رائعا. أعطينيه، سأقصه لأجلك»

اختطف القطعة من بين يديها، قصها باحتراف وما كاد يسلمها لها حتى طرق الباب، نظر خلفه ثم ترك ما بيده وتقدم ليفتح الباب، وقف في الشق الصغير، تاركا كل الباب مغلقا، دون أن يسمح للطارق برؤية ما بداخل الغرفة:

«ما الخطب؟»

«لقد اشتدت الحمى لدى جلالته يا سيدي»

«أعطيته الدواء؟»

«فعلنا، لكنها لم تخف ولو قليلا»

«فهمت، اسبقني سآتي خلفك»

أدار طرفه إليها وقال:

«هل يمكنك أن تنهي ذلك بدوني؟ سأعود سريعا»

نظرت للقماش الذي بين يديها، هزت رأسها ببطء فابتسم:

«لن أتأخر»

وكما جاء اختفى، ولم يعد يسمع في الغرفة سوى صرير الريح، تمايلات أضواء الشموع على الحائط، حدقت بظلها في شرود، فقبل لحظات لم تكن ترى سوى ظله، ضخما تتمايل فيه الخصلات.

جلست على طرف السرير ووضعت الفستان في حضنها وبدأت تخيط قطعة الدانتيل على العنق على مهل، عندما أنهتها رفعت الفستان وتأملته، كم يبدو رائعا! مثاليا وكأنه صنع على يدي خياط ملكي ماهر، لعله أجمل فستان قد صنعت قط.

جالت ببصرها فوقعت عيناها على ورود الصوف الملونة التي حاكتها خلال وحدتها، نهضت إليها فجمعتها وبدأت تضيفها للثوب لعلها تمنحه جمالا فوق جماله.

مرت ساعة وإيلاس لم يعد، جمعت الخيوط والإبر ووضعت الفستان على طرف الفراش وبدأت تنظر له، تلتهما الرغبة في تجربته، لكن...إنها تريد أن يراها تلبسه! لماذا؟ لم تظن قط أنها تريد أن يراها شخص بفستان كهذا، يظهر نحافة جسدها وضموره، لكنها تريد لزوجها أن يفعل، لا تريد أن تختفي من عينيه تحت طيات التنورات والمروحات المزخرفة.

أغلقت النافذة حين بدأت الرياح تصرصر، إنه تشرين الثاني، وفصل الخريف بدأ يكتسح المكان، بدأت حرارة الصيف تبرد، وبدأت الأوراق الخضراء تصفر، وبدأت برودة المساء تزيد.

اندست في الفراش ووضعت بين يديها إبرة الصوف،وأخذت تحيك وتحيك، تعلق النعاس برموشها وصارت حركة يديها أبطأ وأبطأ، سقطت رأسها عن كتفيها العديد من المرات، وتدحرجت منها خيوط الصوف وبدأ الليل يطوى، والطيور تتملل في أعشاشها استعدادا لاستيقاظ الطبيعية، وما هي سوى سويعات حتى ولج النهار الليل، وانكسر الديجور بشعاع أبيض لماع.

رفعت آرسي الحقيبة الصغيرة التي حاكت بين يديها وحدقت فيها بفخر، الآن أصبح لديها حقيبتها الخاصة التي تشبه حقيبة زوجها، سوف تعلقها برقبتها كما يفعل، وتتبعه أينما ذهب.

فتح الباب في صرير هادئ، وانطفأت شعلة الشمعة الأخيرة حين هب الهواء عليها، ذوت مقاومتها ولم يتبق منها سوى خيط رفيع من الدخان، انتشرت رائحة الشمع في الغرفة بينما تعلق نظر آرسيلا بزوجها، وارتجفت حين دخل البرد بين عظامها.

.............

مساء الخير، مساء الفرح والسرور، تحمست كثيرا لكتابة هذه القصة، ووجدتني أكتب فصلا أطول مما خططت، فأحبوها💛.

1

لا تنسوا التصويت للفصل💛 وتذكروا أن تنشروه بين أصدقائكم💛.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كركدية

المؤلف rana rachade
2025/12/09 مكتملة
قائمة الفصول (37)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة