رفعت آرسي شعرها عاليا، وحدقت بزوجها الذي كان يغلق النافذة بإحكام تام من خلف ظهرها، ثم أمسك رداءه القديم فارتداه، حدقت به بتعجب:
«لماذا ارتديت ردائي؟ هل سأخرج أنا بدون رداء؟»
نظر لها بتعجب وأشار للرداء الجديد ذو الجودة العالية فوق الطاولة:
«اشتريت لك واحدا جديدا»
نظرت ارسي للرداء للحظات ثم مدت يديها له، ارتدته بحركات بطيئة، كان دافئا، ناعما ونظيفا.
دست يداها في جيوبه فلم تخرج أصابعها متسخة بالتراب، لكن بطريقة ما لم تحبه، لربما بسبب رائحة الجلد القوية التي تفوح منه، أو لأنه كان على قياسها تماما بعدما اعتادت الرداء الفضفاض. نظرت نحو إيلاس الذي رتب ياقة قميصه، دس بعض القطع الذهبية في جيبه وأمسك مفاتيح المنزل، لم تجسر على التذمر:
«هيا»
انتعلت حذائها الذي نظفته البارحة وركضت خلفه، لم تكن الساعة تتجاوز السابعة صباحا، وأخبرها إيلاس أن الصباح هو أنسب وقت لترى القرية في أبهى حلة، ففي الظهيرة ينام الجميع وكذلك تخفت التجارة، ولا تنشط من جديد إلا ليلا.
خرجا من المنزل فوقفت على العتبة، كان الجو مشمسا وجميلا بالرغم من الرياح الخفيفة التي تهب، والسماء ممتلئة بالغيوم البيضاء التي تغطي زرقة السماء.
رمى إيلاس المفاتيح في جيبه، ثم نزل الدرجات التي تفصل العتبة بالأرض فتبعته، مشيا بين المنازل الترابية البسيطة مسافة لم تكن بالقصيرة، كان لا بد من أن يكون أمام كل منزل شجرتان على الأقل تعطيان الثمار، وما بين كل عشرة منازل هناك بئر.
عندما تتحرك الريح يمتلئ الجو بالغبار الأحمر، وبالأوراق المتطايرة، وعند كل مسافة كان الأطفال يركضون أمام أبائهم، وبدا أن الجميع نساء ورجالا يقصد ذات المكان الذي يقصدانه.
تركا القرية خلفهم، وظهرت أمامهم أرض منبسطة ضخمة فيها بيوت صغيرة من الطين، وخيام منصوبة في كل مكان، والجميع منشغل بفض سلعه والنداء عليها، أو فتح محلاته الصغيرة.
زارت لمرة واحدة من قبل سوق أحد المدن في المملكة، كان بالتأكيد أكبر من هذا، يعج بالناس وبالمحلات التي تبيع أجمل وأجود السلع والتحف، من حرير دمشقي، الديباج والقطن والكتان، عدا عن الحلي والجواهر البراقة، وكذلك البهارات وأجود أنوع الفواكه والخضروات.
أما سوق القرية فكان نسخة مصغرة عن المدينة، يتطاير فيه الغبار الأحمر، وتتداخل فيه خيم السلع بجودات مختلفة، من الرخيصة حتى الأغلى ثمنا، لم يكن السوق ممتلئا للغاية بعد، فتركها إيلاس تفعل ما تشاء. لاحظ حيرتها ودهشتها وهي تنقل نظرها بين السلع وأوجه التجار بصمت بالغ. لو أنه برفقة أمه أو زوجة أخيه لسارعت كل منهما نحو التجار لتنقتنص أجود السلع وتحارب لأجل خفض الثمن، أما زوجته فبدت غافلة تماما عن هذا، وكأن بحر الألوان الذي أمامها قد أغرقها.
سألها بعد برهة:
«أتريدين شراء شيء ما؟»
«أشتري؟»
«ألا تحب الأميرات شراء الأقمشة والفساتين الجميلة؟»
تمتمت بارتباك وهي تقترب منه متحاشية عربة جرها أحد الصبيان:
«لم أشتر شيئا من قبل، كل ما كنت أريده كان يصلني جاهزا، وتأتي الخياطة مرتان كل شهر لقصرنا لتحضر لنا الأثواب وتأخذ قياستنا وتصلنا معها المجوهرات. أما الطعام فلطالما أكلت ما قدم لي وحسب»
بدت مرتبكة ومحرجة وهي تقول هذا، سألها من جديد:
«ألم تزوري السوق من قبل»
«فعلت، مرة واحدة وحسب وقد كنت مع أمي وأختاي. أخذتنا لخياطة جديدة واشترت لنا بعض القماش الجديد، ثم عدنا من فورنا للقصر. لم أرى الكثير إلا ما يسمح به زجاج العربة»
زفر نفسا عميقا فرفعت بصرها إليه بتساؤل، وضع يديه على كتفها ودفعها نحو أحد التجار، جذب القماش الذي كان موضوعا على خشبة طويلة وعالية، ووضع طرفه بين يديها:
«هذا حرير. أتستطيعين الإحساس به؟ هذا حرير أصيل»
جذب ثوبا آخر ذو لون أزرق لماع:
«وهذا حرير أيضا، لكن خلال غزل الخيوط تم إضافة نوع جديد من القماش له، هذا ثمنه أقل ولا يعتبر حريرا أصليا تماما»
حاول البائع أن يقتنص الفرصة فأشار لها للثوب الذي بين يديها:
«نعم يا سيدي، إني مندهش من دقة نظرك وواسع معرفتك. انظري إلى هذا النسيج يا سيدتي، ألا ترين كيف يعكس الضوء وكأنه ماء ينساب تحت أشعة الشمس؟ هذه الزخارف ليست مجرد نقوش؛ إنها قصة تحكي عن تراث دمشق العظيم. لقد حصلت على هذه الحرير بعد طول بحث وتعب ولكنني سأبيعه لك بثمن مناسب لن تجدي له مثيلا في السوق كله»
ارتبكت آرسي فتركت القماش يسقط من يديها، حدق إيلاس للبائع الذي يتفاخر ببضاعته وسأل:
«وبكم تبيعه؟»
«أبيع الذراع الواحد بقطعة ذهبية يا سيدي»
حدق به أثير مشدوها:
«ذهبية كاملة!»
«غيري يبعيه بقطعتين يا سيدي، هذا القماش لا يضاهى، إنه ناعم كنسيم الربيع، لكنه قوي كالصخر ولا يتمزق بسهولة، ويمكنه أن يدوم لسنوات طويلة دون أن يفقد جماله أو رونقه. أتعلم لماذا؟ لأن الحرير الدمشقي ليس مجرد قماش؛ إنه مزيج من الفن والصبر»
حدق به إيلاس وقد ارتسمت السخرية في عينيه:
«إن هذه ليست أول مرة أشتري فيها قماشا يا سيدي!»
ضحك التاجر وأضاف:
«الجيد لا يُباع بثمن زهيد، ألن تكون سعيدا وانت ترى هذا الثوب الجميل يلف جسد زوجتك الرقيقة! إنه يعكس جمال المرأة وأنوثتها، صدقني»
أحنى إيلاس رأسه لآرسي التي عادت بعد تردد قصير تمسك الحرير بين يديها، وليس وكأنها اول مرة لها تمسك بها حريرا، فقد ارتدت طوال حياتها ثيابا من أجود أنواع الحرير، لكنها فقط أحبت إحساس لمس ثوب معروض للبيع.
«أتريدين شراءه؟»
رفعت بصرها فتلاقت عينيها بنظر البائع المتلهف، نظرت لزوجها وتمتمت بعد لحظة من الارتباك بصوت خفيض
«لا أعتقد أني سأحتاج ارتداء الحرير، لدي الكثير من الملابس منه في صناديقي»
همهم لها، فجميع صناديق ثيابها لاشك قد وصلت لمنزله، ولا شك أنها مثقلة بالثياب كما قالت، ضيق عينيه:
«على كل، لا أعتقد أن أيا من تلك الثياب التي لديك سيكون مناسب للحياة القادمة. ستحتاجين على الأقل ثوبا أو اثنين لترتديهم بثقة عندما نصل»
مرت أمام عينيها صور ثيابها المنتفخة ذات المشدات القاسية، تمتمت بارتباك وفهمت تماما ما يرمي إليه، لن ترتدي بالطبع فستان ذو تنورة ضخمة وسط قرية تعج بالناس البسطاء، ستبدو كبهلوان وحسب:
«لكن أليس ثمنه غاليا؟»
علم تماما أنها لا تميز بين الغالي والرخيص، وأن قطعة ذهبية، أو حتى عشرين لا تشكل بالنسبة لها اي فارق، إنها فقط تردد كلامه كالببغاء:
«وهل تظنين أني غير قادر على دفع ثمنه؟»
أخفضت بصرها محرجة، طلب إيلاس من البائع أن يضع لها ألوانا مختلفة، وكذلك أنواعا أخرى من القماش، وما بين الليلكي والأرجواني والأزرق السماوي غرقت آرسي وقد أبهرتها الالوان، كانت تعي أنها يجب أن تختار قطعة واحدة وحسب، بينما شخصية الأميرة في داخلها تبكي في صمت، فهي لم تضطر يوماً للاختيار حين كانت تعيش في كنف أبيها، كان يمكنها أن تهرع لأبيها باكية لتمزق فستانها فيحضر لها بدل الواحد عشرة.
لاحظت أن إيلاس أمسك بيديه ثوبا ذو لون أحمر صارخ، وفكرت آرسي ان هذا اللون الجريئ قد يناسب هينا ذات الجسد المكتنز، أما هي ذات الأضلاع الناتئة فلن يناسبها قط، سألها:
«لماذا لا تأخذين هذا اللون؟»
حدقت في الثوب الذي بين يديه بفزع:
«إنه لا يناسبني»
«لماذا؟ إنه يناسب لون شعرك للغاية وبشر…»
قطع كلامه وحدق في البائع الذي ينصت لهما بتركيز تام، يحاول اقتناص الفرصة لكي يقنعهما أكثر بجودة أقمشته:
«الا يمكننا الحصول على بعض الخصوصية في الاختيار يا سيدي؟ سنخبرك حتما إن قررنا الشراء»
احمر وجه البائع إحراجا أمام نظرات إيلاس الحادة، تمتم بضع كلمات تنم عن أسفه ثم اتجه ليرتب أثوابه، ففي هذا الصباح الباكر لم يكن هناك من زبون سواهما. تعجبت آرسي وتمتمت:.
«لماذا طردته؟ لم نكن نتحدث عن شيء مهم»
تمتم إيلاس بصوت لم تخفت حدته:
«وليس كأنني مستعد لوصف ما يناسب بشرتك من ألوان أمامه. هل ستأخذين الأحمر أم لا؟»
ارتجفت من نبرته الحادة، التقطت الثوب من يديه واؤمئت له بالايجاب، سحب إيلاس نفسا عميقا:
«لا أريد أن أجبرك على اختياراتي، لكنه لون جميل. لماذا لا تحبينه؟»
«قلت لك أنه لا يناسبني»
«لم؟ أرى أنه رائع»
اشاحت عنه وتمتمت بارتباك وصوت منخفض:
«إنه لون صارخ، يحتاج…يحتاج..يحتاج جسدا من نوع خاص»
جسدا من نوع خاص؟ كرر إيلاس الكلمات في عقله عدة مرات حتى استوعب ما تقصده، لماذا بحق الله تنظر لنفسها هكذا؟ هل كل النساء مصابات بعقدة النقص ناحية اكتناز أجسادهن من عدمها! سحب الثوب من يديها ونادى على البائع:
«أريد خمسة أذرع من هذا اللون»
«بالطبع يا سيدي، بالطبع!»
نظرت له مدهوشة، ثم للبائع الذي أخذ مقصا ضخما بدأ يقص به القماش بمهارة:
«لماذا؟»
تمتم بحدة:
«اختاري لونا اخر. هذا اللون سآخذه انا»
نظرت له ببلاهة:
«هل سترتديه؟ هل تحب ارتداء الحرير؟»
رغما عنه انفلتت منه ضحكة، دفع خصلات شعرها داخل طيات الرداء ليخفيها وتمتم:
«ستعرفين في الوقت المناسب»
حدقت به بفضول فتجاهلها، وطلب منها ان تختار بسرعة لونا آخر، فقالت:
«بما أنك أخذت الحرير الأحمر. فانا أريد هذا»
اشارت لثوب بني فقال البائع:
«هذا من أجود انواع الكشمير لدينا يا سيدتي، أهنئك على ذوقك الرفيع. كما أنه قماش دافئ، لقد أحسنت الاختيار»
تجاهل كلاهما في ذات اللحظة ثرثرة البائع، وقاطعه إيلاس:
«أعطني خمس أذرع منه أيضا؟ كم ثمنه؟»
«خمس فضيات يا سيدي للذراع»
زفر إيلاس أنفاسه، كان البائع يبيع القماش أغلى من أي تاجر آخر، لكنه يعرف السوق ويعرف أنه لا يوجد حقا من يملك قماشا ذو جودة جيدة في هذا السوق غيره. تناول القماش ثم نقد البائع الثمن.
ثم غادرا، سألته:
«ألا تريد الحصول على شيء لأجل والدتك؟ أو زوجة أخيك؟»
هز كتفاه:
«لدينا سوق خاص في القرية، وتستطيعان الحصول على ما تريدان»
«إذا لماذا اشترينا الأثواب من هنا؟»
ابتسم:
«لأنها كانت تجربة جميلة. أولم تكن؟»
اومئت بخجل، لقد فعل كل هذا لأجلها.
قادها بعد ذلك نحو سوق الحلي مباشرة فتعجبت، دخلا محلا صغيرا، كان صاحبه يجلس فيه وهو يشرب الشاي بأريحية، وصدمت آرسي حين اكتشفت أن التاجر لم يكن سوى ناجد، صديق إيلاس الذي استقبلهما في بيته قبل يوم واحد. لقد قال لها أنه تاجر لكنها لم تظنه تاجر مجوهرات:
«صباح الخير»
ابتسم ناجد بلطف:
«صباح الخير. هل جئت من أجل طلبك؟ لقد عمل الصائغون لدي طوال الليل ليجهز، ففي النهاية لا يمكنني أن أرد طلبا لك»
طلب؟ لقد قضى ايلاس طوال ما بعد العصر مع ناجد، فماذا طلب منه.
لاحظت أن الذهب قد وضع في صناديق زجاجبة تكشفها، رأى إيلاس دهشتها فقال؛
«ناجد من أشهر تجار الذهب هنا في الشمال، لديه متجر ضخم في المدينة يديره ابنه حاليا. أما هو فقرر التقاعد وإدارة متجر أصغر حجما في القرية، يعيش هنا مع زوجته وابنه الاصغر. بينما يعيش ابنه الاكبر في المدينة مع زوجته»
قهقه الشيخ بخفة:
«لا يمكنني أبدا أن أعيش في المدينة، أحب الهدوء وأحب هذه القرية المسالمة»
سحب ناجد علبة مخملية خضراء من إحدى الصناديق، فتحها فظهر فيها خاتمين، أحدهما فضي بسيط، والآخر ذهبي عبارة عن محبس رقيق من الذهب الخالص، ومزين بفصوص من الألماس الأبيض البراق.
لم يكن به ألماسة ضخمة في راسه او أي جوهرة اخرى، مجرد محبس صغير، قد زين بحبات صغيرة من الماس.
أخرج إيلاس الخاتم الفضي وقال متعجبا:
«لم أطلب خاتما فضيا!»
«إنه إضافة مني، جميع الرجال الان يرتدون محبسا فضيا، إنه موضة جديدة»
ابتسم إيلاس عابثا، دس المحبس في يده فوجد أنه يناسب قياسه بشكل صحيح، حدق نحو المحبس الذهبي ثم رفعه وعاد ببصره نحو آرسي التي تراقب كل شيء بدهشة وفضول، جذب يدها إليه فارتجفت، راقبته بقلب خافق وهو يدفع المحبس الصغير في اصبعها ثم تأمله برضى:
«إنه يناسبك، لقد خشيت أن قياساتي لن تكون دقيقة»
فرك الخاتم في اصبعها وهو يتأمله ثم سألها بابتسامة:
«ما رأيك به؟ اخترت خاتما ذو تصميم بسيط ليناسب حياتك الجديدة. أم أنك تفضلين ألماسة أكبر؟»
أخفضت بصرها للخاتم وتمتمت باختناق:
«هذا لي؟»
«بالطبع! أعرف أنني كنت لئيما جدا ولم اشتري لك خاتما عندما تزوجنا، لكنني لم أكن لأرتاح قط ما لم أضع لك خاتما في اصبعك، كان هذا السبب الرئيسي الذي دفعني للتوقف هنا قبل مواصلة الرحلة»
تدفقت الدموع من عينيها بغتة، فأصابه الجزع:
«ما خطبك؟ لماذا تبكين؟ هل هو ضيق للغاية؟ هل يؤلم اصبعك؟»
رفعت أصابعها وأخذت تمسح الدموع عن عينيها بسرعة:
«لا شيء، لا شيء. أنا آسفة»
تمتم التاجر ضاحكا:
«إنهن النساء، يبكين كلما قدم لهن الرجل شيئا جديدا. ما تزال زوجتي تفعل ذلك رغم أننا متزوجان من ثلاثين سنة»
ابتسم إيلاس ضاحكا:
«حقا! هل تأثرت؟ رغم انه ليس هدية حقا، إنه حق من حقوقك»
أشاحت وجهها عنه، فقهقه الرجلان بصخب، وبعد قليل أنصب إيلاس اهتمامه على التاجر وسأله بجدية:
«كم سأدفع؟»
زوى التاجر ما بين حاجبيه:
«عيب عليك! إنه هدية مني لزواجكما»
«إنه جزء من مهر زوجتي، لا يمكنني أن أقبل أن يدفع أحد آخر مهرها حتى لو كان بدافع الصداقة»
ازداد تقطيب التاجر وقال برفق:
«إذا ماذا عن خصم؟ خمسين في المئة جيدة لغرورك؟»
«لا، خمسين في المئة! هل تمزح!»
حدق به التاجر غاضبا:
«لم أرى أحمقا غيرك يساوم تاجرا ليرفع ثمن البضاعة»
ابتسم إيلاس:
«قلت لك أنه مهر، هل تريدني أن أساوم في مهر زوجتي! سأكون خسيسا. قل لي كم ثمنه»
بدى التاجر اكثر عنادا:
«إذا اسمح لي بتقديم هدية أخرى لكما»
«أعرف أن هديتك ستكون أغلى من الخاتم ذاته»
حدق التاجر بآرسي التي كانت ما تزال مفتونة بالخاتم وسألها:
«ما رأيك بهذا، ستختار زوجتك الصغيرة قطعة من عندي، إن كانت رخيصة أخذتها، وإن كانت ثمينة أخذتها، لن أجادلك. ما رأيك يا سيدتي»
حرك إيلاس بصره نحو آرسي، نظرت لهما بدهشة، وكرر لها ما قاله التاجر فارتكبت.
انزاح التاجر للخلف قليلا وقال بتسلية:
«اختاري أي قطعة تشائين يا سيدتي»
نظر له إيلاس غاضبا:
«أحذرك، إن زوجتي من أصول نبيلة، لعلها ستختار قطعة تسبب في إفلاسك»
هز التاجر كتفيه بخيلاء:
«لكم يعجبني هذا. هيا يا سيدتي الجميلة، اختاري»
حدق بها الرجلان في ذات اللحظة فانكمشت على نفسها، للمرة الثانية في هذا اليوم تضطر للاختيار، وكم تكره هذا.
الشيء الوحيد الذي اختارته بكامل إرادتها كان زواجها، وظنت أن ذلك سيكون نهاية الأمر، لكنها من جديد تجبر على الاختيار.
نقلت بصرها بين القطع البراقة، ألماس مصقول، وجواهر لماعة تخطف الأنظار بألوانها، وفضة تلمع، كانت كل قطعة تتكلم عن نفسها، وتسحر اللب ببريقها الفتان. لكن عليها اختيار قطعة رخيصة صحيح؟ لكي لا تسبب الإحراج لزوجها، ولكي لا يظنها أي منهم أميرة مدللة تعش الجواهر.
لكن ماذا تختار؟ وأيهم أغلى العقيق الأحمر أم الياقوت؟ وكم ثمن الألماس؟ وهل الفضة أثقل أم الذهب!
لعل اللؤلؤ خيار جيد، لكن حسدها لا يوافق هذا الاختيار.
مررت عينيها على جميع الرفوف، فتح لها التاجر جميع صناديقه، وأخذ يغريها بنظراته في صمت لكي تختار أغلى القطعة، فيغمز نحو عقد ثقيل من الياقوت، أو يتثائب مشيرا باصبعه نحو قرطان من الألماس المبهر.
ارتجفت وكأنها قطة، وشعرت أن وقت ترددها طال ونظرات زوجها ازدادت عبوسا.
«أريد هذا»
حدق كلاهما باتجاه اصبعها، وحلت لحظة صمت على الاثنين، فازدادا ارتباكها ولم تعرف إن اختيارها موفقا أم لا.
لم تكن حلية، عقدا أو قرطا. بل زينة زجاجية لامعة، وقدرت آرسي أن الزجاج مهما غلا ثمنه لن يكون أغلى من الذهب والياقوت. كما أن لديها مجموعة هائلة من الجواهر في صناديقها ووجدت أن الزينة الزجاجية شيئا مختلفا.
سأل إيلاس بتعجب:
«تريدين هذه؟»
هزت رأسها بصمت:
«لماذا؟»
«لأنها جميلة»
تحرك البائع من خلف صناديقه، وسحب الزينة من القفص الذهبي الذي كانت به.
لقد كانت عبارة عن عصفور زجاجي نحت بإتقان تام، يفرد جناحية وذيله، ويحدق نحو السماء.
وحين وضعه التاجر لاحظت بصدمة أن عيناه عبارة عقيق من الزفير الأزرق.
أما ذيله وجناحيه فقد كانا يتألقان بلون أخضر فاتن، كلون العشب الندي. وتتفرع الأوراق الزجاجية من الغصن الفضي الذي يقف فوقه مستعدا للطيران.
تمتمت بارتباك:
«أليس جميلا؟ هل أختار غيره؟»
هز إيلاس كتفاه:
«ولماذا تختارين غيره؟ إنه رائع، نادر وثمين ومذهل»
تأمل الطائر من جديد وقال بابتسامة:
«كنت أعلم أن للأميرات ذوق راق، لكني لم أتوقع أن يكون لهذه الدرجة!»
ابتسم التاجر:
«إنه قطعة فنية ليس لي غيرها في هذا المتجر، ليس هنالك الكثير من الناس مهتمين بشراء الزجاج في هذه القرية الصغيرة. وقد أحضرته من متجري الكبير للزينة وحسب لم أتوقع أن أحدا سيريده أو يشتريه»
تمتمت بصوت هامس:
«هل هو ثمين جدا؟»
سحب التاجر صندوقا خشبيا صغيرا، وأخذ يحشوه ببعض القطن الأبيض:
«إنه ثمين جدا بما أنه سيكون هدية مني لكما. اعتني به جيدا يا سيدتي»
رفع الطائر ووضعه بحذر داخل الصندوق ثم أقفله وهو يبتسم:
«أنا منبهر مثل زوجك من هذا الذوق الرفيع الذي لديك»
كانت تعرف أنهما يبالغان في مدحها لكن حرارتها استمرت بالارتفاع، واحمر وجهها حتى أصبح كحبة طماطم، سحب طرف القلسونة فوق وجهها فتشارك الرجلان ضحكة مرحة.
بعدما نقد إيلاس التاجر ثمن خاتمها، حمل الصندوق وخرجا من المحل، مع دعوة للغداء معه في اليوم التالي.
أكملا جولتهما في السوق حتى وقت متأخر من ظهيرة ذلك اليوم. تجولا بين خيام الخضر والفواكه، واشتريا تفاحا طازجا أحمر اللون، شبهته آرسي بتفاح بياض الثلج السام.
أدخلها لحانوت بهارات وتوابل فاختنقت بسبب الرائحة القوية، وذهلت من أسماء التوابل العديدة التي عدد لها إيلاس، ودهشت أيما دهشة حين علمت ان القرفة يتم حصادها من شجرة، وأن الزنجبيل ليس ثمرة بل جذور نبتة خضراء بهية.
وأن السكر الذي تحبه يتم إنتاجه من القصب.
وعدد لها منافع الينسون والحلبة، وبدا مغرما على وجه الخصوص بوردة حمراء مجففة، لكن لم تتح لها الفرصة لتسأل عن اسمها.
خرجا من عند العطار وقد حصل لها على بعض البخور النفاذة، وعلبة مسك صغيرة برائحة ورد الليمون.
امتلأ السوق بالناس، اشتدت الحرارة وثارت الرياح، ولاحظت آرسي أن بعض الزوابع الصغيرة كانت تدور بغضب قرب قدميها وهي تقف بجوار إيلاس وهو يشتري لها حلويات غريبة ذات لون بني فاتح.
وضع قطعة في يدها وطلب منها تذوقها، تمتمت باندهاش:
«كراميل!»
ابتسم إيلاس معجبا:
«تعرفينها؟»
«نعم تذوقتها سابقا، لقد أحضرت لنا أمي طباخة خاصة لتعدها لنا. واشتهرت في قصرنا، كان الخدم يسمينها الحلوى الذهبية، وتقفزن فرحا كلما أعطيت لهن حبة منها»
«فهمت. إنها حلوى مصنوعة أساسا من السكر المذاب، لذا لا يستطيع كثير من الناس شراءها»
«لماذا يبعيونها هنا اذا؟»
«لقد بدأ السكر بالانتشار، لم يعد محتكرا على طبقة النبلاء، ما يزال ثمينا، وخمس قطع من الكراميل يتم نقدها بخمس فضيات. لكنها تستحق»
هزت رأسها بمتعة، وقبلت بصدر رحب قطعة أخرى منه، ابتعدا عن البائع فقالت:
«لقد أعدت لنا الطباخة حلويات كثير بالسكر، كانت تصنع لنا كعكا وتضع فوقه طبقة ذهبية من السكر، أو تغلف لنا الفواكه به، لقد كان لذيذا»
نظر لها بصمت، تتحدث عن حلويات السكر والكراميل وكأنها شيء عادي، بينما ما يزال بعض الناس يحاربون لأجل تذوق قطعة صغيرة منه. ابتسم، إنها أميرة حقا، لقد نسي هذه الحقيقة تماما وهو يشتري لها الكراميل، وتلهف لرؤية نظرات وجهها المندهشة، فقابلته بهدوء شديد خيب أماله.
ووجد نفسه محتارا، لقد أحب نظرة الدهشة في عينيها وهو يريها التوابل التي تعرف عنها شيئا، وأحب التصاقها به وهي تمشي وسط جمع غفير تحتك به للمرة الأولى، وشعر أنه يريد رؤية المزيد من هذه النظرات في عينيها.
أحب كيف تتسع مقلتيها، ويتباعد جفناها، ويلمع البريق الخافت في خضرواتيها، أحب كيف يتألق وجهها، وتحمر خدودها كلما شعرت بالحماسة والفضول، وكيف تتضارب حمرة شعرها مع بشرتها المتوردة، وكيف تجف شفتاها من الحماس فتبللهما بطرف لسانها.
شرد في أفكاره، وعيناه عليها يراقب خطواتها وهي تدور بين الخيم المنصوبة، تحدق في السلع بفضول وتشعر بالحماس كلما اتضح لها أنها تعرف بعضا منها، تحدق به وتسأله «هذه كمثرى أليس كذلك؟ هل هذا بقدونس؟ هذه كزبرة؟»
هبت رياح قوية حركت الغبار المتناثر، وحملت معها أطنانا من العجاج، لاحظ قبل أن يغلق عينه غصبا الفستان الأخضر وهو يلتف حول ساقيها، وقلسونتها تسقط عن رأسها ليتطاير شعرها الأحمر كألسنة النيران من خلفها، وسمع ندائها له حين اندفع كل منهما لجهة مختلفة بسبب العربة التي مرت بينهما بسرعة مرعبة.
حك عيناه بقوة وقد انتبه للضجيج الذي علا في المكان، رفع عيناه نحو صاحب العربة الذي تحكم أخيرا في حصانه الثائر، وراقب الناس تجتمع حول مكان ما.
دفع الحشود بيديه غاضبا، ينبض قلبه بذعر وتحرقه عيناه المملتئتان بالغبار.
ورآها في آخر وضع تمنى أن يراها به.
لقد سقطت على الأرض جالسة بسبب اندفاع الحصان أمامها، فدفعت بجسدها مجموعة من الصناديق لتسقط جميعها على الأرض بدوي هائل وتنتشر الألوان التي كانت بها عليها.
أحمر، أخضر، أصفر … مجموعة من الألوان كانت تغطيها من رأسها حتى أخمصها، بينما تدور بعض الزوابع الملونة أمام يديها وكأنها أتتها صاغرة.
ابتسم، كانت الصناديق تحمل غبار ملونا لصباغة الثياب، يتم بيعه بالجملة لأصحاب القماش، وقد أتلفتت بسقوطها أربعة صناديق.
أخيرا ارتفع صوت البائع شاتما، وصاح بها:
«أيها الصبي الأبله ألا ترى أمامك! هل ستدفع ثمن كل هذا؟»
هزت رأسها فتطاير الغبار عن ملامحها، وظهر لون شعرها المحمر، وحين ضمت ركبتيها تنفضهما لاحظ الرجال جميعهم أنها ليست صبيا أحمق، بل أنثى.
نهضت، فتراجع إيلاس في خطوته حين دفعه شخص ما، نفضت ثيابها وقالت بارتباك:
«أنا أسفة، لقد دفعتني العربة رغما عني»
احتدت نظرات البائع، وقال بشرز وهو يحدق بسائق العربة الذي ما يزال يحدق في مكانه بدهشة:
«لا يهمني من كان السبب، أنت أو هو. فلتدفعا ثمن ما تم إتلافه، أتظنون أنه السهل الحصول على هذه الصباغات! إنها صندوقا واحدا يحتاج شهورا من العمل المتواصل!»
حدقت بالسائق فنظر لها بارتباك، لم يكن سوى صبيا صغيرا، ولعله كلف بمهة نقل البضائع:
«وكم ثمن كل هذا؟»
«وهل تستطيع سيدة فقيرة مثلك أن تدفع؟ لم أرك من قبل، هل جئت بحثا عن عمل في البيوت؟»
رمشت بعينها فتساقط الغبار عن أجفانها، نظرت حولها وثم أشارت نحو شخص واحد:
«هو سيدفع»
ضيق إيلاس عينيه، لقد تمنى رؤية أنثى تصيح على الرجل، تؤنبه أو تهدده كما قد تفعل زوجة أخيه في هذه المواقف، أو انثى مرتبكة خائفة، صحيح أنها كانت مرتبكة قليلا من حدة صوت البائع، لكنها بدت غير مبالية، وأشارت له بهدوء وكأن هذا أبسط شيء في العالم لتقحمه في هذه المعمعة.
حسنا، هو بالتأكيد من سيدفع، لكن…يا خيبتاه، إنها تعامله ككيس ذهب متنقل.
رفع البائع بصره نحو إيلاس، فتقدم متنهدا، علم أن الصبي معدم من نظرة واحدة فلم يقحمه بالمقايضة الشرسة التي حدثت.
وبعد شد وجذب منه، وتدخل العديد من الأطراف، دفع ثلاث فضيات كثمن للصناديق، وأكمل إيلاس الحرب حين تقدم للصبي فأسمعه تقريعا لم يكن لينساه طوال حياته.
وهكذا فضت المشادة واتجه كل منهم لعمله. تقدم إيلاس من آرسي التي كانت ما تزال تنفض ثيابها، أمسك رسغها بحدة وجذبها خلفه نحو بئر كان في منتصف السوق، وقد ربط أمامه حمار وبقرة ضخمة أرعبت الفتاة المسكينة.
أدلى إيلاس الدلو في الماء غاضبا، وسحبه ثم وضعه امام أرسي وقال بصوت راعد:
«اغسلي وجهك»
نظرت له للحظة، لاحظ ارتجاف جسدها، لكنه لم يخفف من حدة نظراته، أغرقت يديها في المياه الباردة وبدات تغسل وجهها، امتزجت الألوان بالماء وأخذت تتحرك على وجهها فأشاح إيلاس وجهه بعيدا.
سحب منديله من جيبه وأعطاه لها، فجففت وجهها ويديها وانهمكت في تنظيف ثوبها من جديد.
سألته بحيرة:
«لماذا أنت غاضب؟»
«لست غاضبا»
«حاجباك يلتقيان. أنت تفعل ذلك حين تكون غاضبا»
وجد نفسه يبتسم، ليس هناك من مبرر لغضبه على كل حال، لا يمكنه ان يقول لها أنه منزعج لكونها تعاملت مع القضية بهدوء شديد ثم عاملته كخادم يجب أن يدفع ثمن أخطائها.
عادا للسوق لأجل الجولة الأخيرة، لم يشتريا شيئا لكن قادها إيلاس نحو ركن صغير كان تقف عنده امرأة تشعل تنورا وتضع فوقه قدرا ضخمة، بينما يتجمع أمامها الأطفال وبعض الرجال.
أجلس إيلاس زوجته على كرسي خشبي صغير، دائري الشكل، ثم ذهب وعاد بصحنين من الخزف، بداخلهما حساء أبيض، مزين ببعض العسل والجوز.
وضع الصحن الساخن على حضنها ومد لها ملعقة خشبية صغيرة:
«ما هذه؟»
«عصيدة القمح. أنا واثق أنك لم تأكليها سابقا»
نظرت له بحيرة، حركت المعلقة في الصحن، لم تكن هناك رائحة بارزة جدا، وبدا القوام ثقيلا ولزجا.
وضعت بعضا منه في فمها فلم تستسغ الطعم كثيرا، ضحك إيلاس على التعبير الذي كسى وجهها، حمل العسل الذي كان فوق صحنه ووضعه في صحنها:
«قد لا يكون طعمها جيدا من المرة الأولى، لكنك ستحبينها ما إن تعتاديها. إنها طعام مشهور ويحبه الجميع. كما أنها رفيقة المرض والحمى لدى كل الأمهات»
راقبته وهو يغرف من صحنه ويتناول العصيدة بنهم، متلذذا بكل ملعقة دخلت فمه.
حركت العسل جيدا في المزيج، ثم حملت ملعقة أخرى لفمها، كان طعمها ثقيلا جدا، لزجا ويمنحها العسل حلاوة خفيفة،اما الجوز فيكسر قليلا من حدة لزوجتها.
لم تكن سيئة جدا، لكنها لم تكن جيدة، وبعد الملعقة الرابعة قررت أنها لن تحبها، ناولت صحنها لزوجها، فابتسم:
«هل تريدين بعض البطاطا المشوية؟»
هزت رأسها بصمت، فنهض وأحضر لها حبة بطاطا ضخمة، ساعدها على تقشيرها ورش لها بعض الملح فوقها، ثم راقبها وهي تأكل. سألته وهي تشير لصحن العصيدة التي بين يديه:
«مما صنعت؟»
«من دقيق الشعير، والحليب بشكل أساسي. يضاف لها العسل أحيانا أو التمر، لكن لا يملك جميع الناس ثمن هذه الإضافات»
هزت رأسها بصمت، تناولت قطعة جديدة من البطاطس ثم تنهدت:
«يبدو لي هذا غريبا»
«ما هو؟»
«حسنا، كنت أعرف أن هناك ناس لا يملكون الثراء الذي عشت به، يعيشون في أكواخ بسيطة ويتناولون شيىا بسيطا كعصيدة الدقيق. لكن…حسنا، لم أتوقع الأمر بهذه الطريقة»
«لهذا المهارات التطبيقية أهم من النظرية»
نظرت له للحظة، فابتسم وأعقب:
«لا يعيش الجميع كما في القصص الخيالية، لكن ذلك لا يعني أن حياة البسطاء تعيسة. كل شخص لديه حظ من السعادة فيما يعيشه، لا يهم إن كان فراشه من ريش أو تبن»
«ما هي السعادة؟ إن كان طعامك كله عبارة عن عصيدة ثقيلة، ولا يمكنك حضور الحفلات وارتداء الأثواب الجميلة، ولا يمكنك تذوق السكر لأنك لا تملك ثمنه»
دس الملعقة في فمه، حدق في السماء التي ازدادت كثافة الغيوم فيها. لا شك أنها ستمطر قريبا:
«لا تتلخص السعادة في القصور أو الأكواخ، بل في العائلة. الأشخاص من حولنا هم من يصنعون السعادة والذكريات. عندما تتعلق ببيت فهذا لأنك عشت في أجمل لحظات حياتك برفقة أناس أحببتهم، وحين تأسرك رائحة فهي حتما رائحة شخص يملك في قلبك حيزا»
نظر لها وأضاف:
«كنت تكرهين حياة القصور لأنك شعرت أنها سجن لك، لكنك بمجرد أن غادرتها شعرت بالوحدة والوحشة؟ لماذا؟»
سحبت قشر البطاطا وقالت:
«اشتقت لعائلتي»
«نعم، بالضبط، لكنك الان تملكين عائلة جديدة، سيتلاشى شعور الغربة وتبدأ الذكريات الجديد تجد لها حيزا في قلبك.هكذا تمضي بنا الحياة يا عزيزتي. لابد لنا من الترحال ولا بد أن نلتقي بأشخاص جدد، قد يكون بعضهم أشرار وبعضهم صالحون، لكن لن تمضي بنا الحياة إن أحطتنا نفسنا في غرفة بيضاء خالية من الوجوه، سيصبح الليل والنهار سواء، ستنعدم الذكريات ويخبو الشغف، وسنموت كمدا»
قضمت ما تبقى من البطاطس وهي تهز كتفيها، تناول منها بقايا القشور ثم قال مبتسما:
«الاعتياد يجعل كل شيء ممكن في هذه الحياة، لو لم نكن نعتاد لما تقبلنا ملابسنا التي فوق جلودنا، ولما فرحنا بخروجنا من بطن أمهاتنا لحياة جديد. شيئا شيئا ستصبح هذه الحياة شيئا لا يتجزأ منك، وستجدين نفسك تحنين لها كما تحنين لقصرك الكبير وفراش الريش الوثير»
نهض فأعاد الصحون لصاحبتها ونقدها ثمن ما أكلا، ثم أشار لها فتبعته وعادا للمنزل.
مرت اليوم في هدوء تام، جلسا على طاولة المطبخ لاحتساء الشاي، وانشغل إيلاس بتدوين بعض الأشياء على ورقة بردي صفراء، وانشغلت أرسي تنظر لطائرها الزجاجي وقد شردت بأفكارها.
في اليوم التالي استيقظا على مهل، تناولا الفطور ثم اتجها لمنزل التاجر لتلبية دعوة الغذاء.
استمتعا بطعام زوجة التاجر اللذيذ وأكلا حد التخمة، ثم قضيا المساء كله برفقتهما، ودارت بينهم أحاديث مختلفة، لكن كان نصيب الرجلين من الثرثرة أكبر.
وانتهى المساء سريعا، فعادا للمنزل مع الغروب، حزما الأمتعة ورتبا كل ما اشترياه في حقيبة صغيرة ثم خلدا للنوم.
وبمجرد أن أشرقت الشمس في اليوم التالي كان الاثنان قد انتهيا من تناول الإفطار، انشغل إيلاس في تفقد المنزل وإطفاء نار التنور وجهزت أرسي نفسها بتوتر، ففي مساء هذا اليوم ستلتقي عائلة زوجها.
كانت تعلم أن الرحلة ستستنزف طاقتها، لكنها عملت بجد، ارتدت ثوبها الجديد الذي نالته من زوجة التاجر كهدية، كان ثوبا دافئا خفيف، ذو لون برتقالي هادئ، ويمر فيه حزام أسود رقيق، وقد زين كمه بأزرار سوداء لامعة.
ظفرت شعرها الطويل في ظفيرة واحدة وربطته باحكام، ثم بخجل تام مررت على شفتيها بعضا من الزيت لتجعلهما يلمعان، واشتاقت في تلك اللحظة لصندوق أدواتها التجميلية، لعل أمها تكون قد حزمته برفقة باقي الصناديق.
ركضت بسرعة حين ناداها إيلاس وتبعته خارج المنزل، واستمتعت قليلا بهواء الصباح البارد قرب العتبة، ريثما جاء خادم صغير يجر خلف حصان إيلاس البني، أعطى إيلاس مفتاح للخادم وطلب منه أن يوصل تحياته لسيده، ثم ربت على عنق حصانه بحنان.
انشغل للحظات بتثبيت الحقيبة المحشوة بالمشتريات فوق السرج، ثم امتطى الحصان بحركة سريعة ومد يده ليرفع زوجته من على الارض
غمرتهما الشمس تماما بمجرد ان تجاوزا حدود القرية وانغمسا بين الأشجار الخضراء.
كان الجو مشمس ولطيف برغم الرياح الباردة التي تهب من حولهما والتي تثير الرجفة، وبدت السماء ساطعة بزرقتها وقد انتشرت فيها سحب ضخمة بدت لأرسيلا ككريما البيض المخفوق.
وظلت الشمس طوال رحلتهما تشرق عليهما تارة بضوء ساطع يبدد البرودة القارسة، وتارة تختفي في شقاوة خلف الغيوم البيضاء لتكتسي الأرض بظل بارد يثير القشعريرة.
لم يتوقفا للراحة، استمرت الرحلة على قدم وساق وبدا أن الحصان قد استفاد من أيام الراحة الطويلة فلم يظهر عليه التعب قط، واستمر يمشي بهما بلا كلل.
كان غذاءهما فوق ظهر الحصان عبارة عن بعض التفاح الذي أخذاه معهما من المنزل، اضافة لحفنة من اللوز وشربة ماء، ورغم أنه كان طعاما خفيفا، لكنه أمدهما بالطاقة اللازمة حتى نهاية الرحلة.
ومع حلول المساء اشتد البرد في الجو، واشتدت معه الرياح، فباتت الأشجار تتحرك في عنف شديد وهي تزوم، وبدأ كل شيء يتطاير، ولا تمر لحظات من الهدوء حتى تعود الرياح الغاضبة بقوة أكبر.
شدت ارسي الرداء الدافئ من حولها، وانكمشت على نفسها، فيما بدأ شعر الحصان الطويل يتطاير أمامها ويعيق رؤيتها.
مالت الشمس نحو المغيب، واكتست السماء بمزيد من السحب الكبيرة التي ينافس بياضها زرقة السماء الناصعة، ومن بعيد بدأت تلوح سحب أخرى اكتست بلون رمادي فاتح، وبدأت تشق طريقها في السماء لتطارد الغيوم البيضاء في حزم. تمتم إيلاس:
«لعلها ستمطر من جديد اليوم»
ثم عاد لصمته، كانا قد تبادلا بضع كلمات وجمل متفرقة حول هذا وذاك، لكن لم يتعمقا في أي موضوع. يمسك لجام الحصان بارتخاء تام وعيناه على الطريق يفكر في عائلته وردة فعل والدته بعدما يصل، وكانت متوترة، كل عصب في جسدها يخزها وبدأ الرعب يتسلل لها، فهي ستقابل أناس جدد، من المفترض أن يكونوا عائلتها الجديدة وستعيش معهم سنوات أبدية حتى تشيخ.
إنها أميرة مدللة وهم ناس بسطاء، كيف سيتعاملون معها؟ هل سيظنونها متعجرفة؟ هل ستضطر للعيش في كوخ بسيط من القش! هل سيكرهونها! هل لدى أم زوجها فكرة تزويج ابنها من امراة أخرى؟ هل ستكرهها لهذا السبب؟ ألن يظنها ناس القرية أميرة مدللة متغطرسة؟!
أصابتها حمى التفكير بالدوار، وكادت أن تصرخ في زوجها كي يعودا للقرية الهادئة التي كانا فيها، لكنها وبصعوبة بالغة تمكنت من أن تضع حدا لمخاوفها، وأشغلت نفسها بالنظر لشعر الحصان المتطاير، ولأشجار الغابة التي تتراقص أغصانها في سرعة وعنف.
أوقف إيلاس الحصان بغتة فوق ربوة عالية، وسمعته يزفر أنفاسه بعمق فلم تعرف إن كانت زفرة ارتياح أم زفرة تعب وتوتر كالتي تحتبس في صدرها.
أبعدت عيناها عن الأشجار وحدقت للأسفل، حيث وعلى بعد مسافة قصيرة تظهر بوضوح منازل قد انتشرت بشكل عشوائي حول بعضها البعض وقد أحاطتها الأشجار وقطع الأراضي الخضراء، وكان بإمكانها أن تسمع صوت الحياة يدب فيها وصراخ الأطفال كذلك وعلمت ولا شك أنها القرية المنشودة.
استدارت بطرف رأسها نحو زوجها فابتسم لها:
«أهلا بك في منزلك الجديد»
«وصلنا؟»
لم يجبها، بل حرك الحصان الذي انشغل بقضم العشب، ودفعه لينحدر عبر التلة العالية بسرعة شديد دفعتها للتمسك بشدة.
وما إن دلفوا محيط القرية واتضح الحصان براكبيه للناس حتى ترك بعض الأطفال ما كان في يدهم من حجارة، وركضوا بشكل متفرق حول البيوت وهم يصيحون بفرحة، وكأن العيد أقبل عليهم:
«عاد الطبيب إيلاس، عاد العم إيلاس!»
ندت عن زوجها ضحكة مرحة وقال:
«يا لهؤلاء الأشقياء، لا يمكن مفاجأتهم قط»
توقفت الناس عما كانت تفعل، ورفعوا أياديهم، نساء ورجالا ليلقوا التحية على إيلاس، وبعضهم أخذ يصيح بكلمات مرحة للترحيب وأخرى بدت متهكمة تحمل نبرة وعيد دفعت إيلاس ليقهقه بصخب أدهشها.
بعد لحظات توقف الحصان من تلقاء نفسه في منتصف القرية تماما، وتجمع بعض الناس من حولهما، فقفز إيلاس عن الحصان واندفع يحضن هذا ويصافح ذاك، يحي تلك ويبتسم للأخرى.
ولما رأت أنه وفي خضم المعمعمة تم تجاهلها استغلت الفرصة فنزلت عن الحصان في حذر وتوقفت ملتصقة به تنظر لمن حولها بحذر، ولم يفصح الرداء الذي ترتديه عن هويتها.
بعد لحظات شقت الجمع امرأة عجوز، تجعدت بشرتها الرقيقة وظهرت فيها عروق خضراء ملتوية، كانت تلف فوق شعرها الرمادي خرقة صغيرة، ويبدو فستانها الأسود ممتلئا بالطين اللزج عند ركبتها وكأنها كانت عاكفة على زراعة شيء ما حين قوطعت.
لكن كل هذا لم يدهش ارسي اطلاقا، بل ما أدهشها هو ذلك السوط الطويل الذي كانت تلفه بإحكام حول قبضتها، والشرر الذي تطاير من عينيها الرماديتين الضيقيتن.
على التعبير الذي كسى وجهها، حمل العسل الذي كان فوق صحنه ووضعه في صحنها:
«قد لا يكون طعمها جيدا من المرة الأولى، لكنك ستحبينها ما إن تعتاديها. إنها طعام مشهور ويحبه الجميع. كما أنها رفيقة المرض والحمى لدى كل الأمهات»
راقبته وهو يغرف من صحنه ويتناول العصيدة بنهم، متلذذا بكل ملعقة دخلت فمه.
حركت العسل جيدا في المزيج، ثم حملت ملعقة أخرى لفمها، كان طعمها ثقيلا جدا، لزجا ويمنحها العسل حلاوة خفيفة،اما الجوز فيكسر قليلا من حدة لزوجتها.
لم تكن سيئة جدا، لكنها لم تكن جيدة، وبعد الملعقة الرابعة قررت أنها لن تحبها، ناولت صحنها لزوجها، فابتسم:
«هل تريدين بعض البطاطا المشوية؟»
هزت رأسها بصمت، فنهض وأحضر لها حبة بطاطا ضخمة، ساعدها على تقشيرها ورش لها بعض الملح فوقها، ثم راقبها وهي تأكل. سألته وهي تشير لصحن العصيدة التي بين يديه:
«مما صنعت؟»
«من دقيق الشعير، والحليب بشكل أساسي. يضاف لها العسل أحيانا أو التمر، لكن لا يملك جميع الناس ثمن هذه الإضافات»
هزت رأسها بصمت، تناولت قطعة جديدة من البطاطس ثم تنهدت:
«يبدو لي هذا غريبا»
«ما هو؟»
«حسنا، كنت أعرف أن هناك ناس لا يملكون الثراء الذي عشت به، يعيشون في أكواخ بسيطة ويتناولون شيىا بسيطا كعصيدة الدقيق. لكن…حسنا، لم أتوقع الأمر بهذه الطريقة»
«لهذا المهارات التطبيقية أهم من النظرية»
نظرت له للحظة، فابتسم وأعقب:
«لا يعيش الجميع كما في القصص الخيالية، لكن ذلك لا يعني أن حياة البسطاء تعيسة. كل شخص لديه حظ من السعادة فيما يعيشه، لا يهم إن كان فراشه من ريش أو تبن»
«ما هي السعادة؟ إن كان طعامك كله عبارة عن عصيدة ثقيلة، ولا يمكنك حضور الحفلات وارتداء الأثواب الجميلة، ولا يمكنك تذوق السكر لأنك لا تملك ثمنه»
دس الملعقة في فمه، حدق في السماء التي ازدادت كثافة الغيوم فيها. لا شك أنها ستمطر قريبا:
«لا تتلخص السعادة في القصور أو الأكواخ، بل في العائلة. الأشخاص من حولنا هم من يصنعون السعادة والذكريات. عندما تتعلق ببيت فهذا لأنك عشت في أجمل لحظات حياتك برفقة أناس أحببتهم، وحين تأسرك رائحة فهي حتما رائحة شخص يملك في قلبك حيزا»
نظر لها وأضاف:
«كنت تكرهين حياة القصور لأنك شعرت أنها سجن لك، لكنك بمجرد أن غادرتها شعرت بالوحدة والوحشة؟ لماذا؟»
سحبت قشر البطاطا وقالت:
«اشتقت لعائلتي»
«نعم، بالضبط، لكنك الان تملكين عائلة جديدة، سيتلاشى شعور الغربة وتبدأ الذكريات الجديد تجد لها حيزا في قلبك.هكذا تمضي بنا الحياة يا عزيزتي. لابد لنا من الترحال ولا بد أن نلتقي بأشخاص جدد، قد يكون بعضهم أشرار وبعضهم صالحون، لكن لن تمضي بنا الحياة إن أحطتنا نفسنا في غرفة بيضاء خالية من الوجوه، سيصبح الليل والنهار سواء، ستنعدم الذكريات ويخبو الشغف، وسنموت كمدا»
قضمت ما تبقى من البطاطس وهي تهز كتفيها، تناول منها بقايا القشور ثم قال مبتسما:
«الاعتياد يجعل كل شيء ممكن في هذه الحياة، لو لم نكن نعتاد لما تقبلنا ملابسنا التي فوق جلودنا، ولما فرحنا بخروجنا من بطن أمهاتنا لحياة جديد. شيئا شيئا ستصبح هذه الحياة شيئا لا يتجزأ منك، وستجدين نفسك تحنين لها كما تحنين لقصرك الكبير وفراش الريش الوثير»
نهض فأعاد الصحون لصاحبتها ونقدها ثمن ما أكلا، ثم أشار لها فتبعته وعادا للمنزل.
مرت اليوم في هدوء تام، جلسا على طاولة المطبخ لاحتساء الشاي، وانشغل إيلاس بتدوين بعض الأشياء على ورقة بردي صفراء، وانشغلت أرسي تنظر لطائرها الزجاجي وقد شردت بأفكارها.
في اليوم التالي استيقظا على مهل، تناولا الفطور ثم اتجها لمنزل التاجر لتلبية دعوة الغذاء.
استمتعا بطعام زوجة التاجر اللذيذ وأكلا حد التخمة، ثم قضيا المساء كله برفقتهما، ودارت بينهم أحاديث مختلفة، لكن كان نصيب الرجلين من الثرثرة أكبر.
وانتهى المساء سريعا، فعادا للمنزل مع الغروب، حزما الأمتعة ورتبا كل ما اشترياه في حقيبة صغيرة ثم خلدا للنوم.
وبمجرد أن أشرقت الشمس في اليوم التالي كان الاثنان قد انتهيا من تناول الإفطار، انشغل إيلاس في تفقد المنزل وإطفاء نار التنور وجهزت أرسي نفسها بتوتر، ففي مساء هذا اليوم ستلتقي عائلة زوجها.
كانت تعلم أن الرحلة ستستنزف طاقتها، لكنها عملت بجد، ارتدت ثوبها الجديد الذي نالته من زوجة التاجر كهدية، كان ثوبا دافئا خفيف، ذو لون برتقالي هادئ، ويمر فيه حزام أسود رقيق، وقد زين كمه بأزرار سوداء لامعة.
ظفرت شعرها الطويل في ظفيرة واحدة وربطته باحكام، ثم بخجل تام مررت على شفتيها بعضا من الزيت لتجعلهما يلمعان، واشتاقت في تلك اللحظة لصندوق أدواتها التجميلية، لعل أمها تكون قد حزمته برفقة باقي الصناديق.
ركضت بسرعة حين ناداها إيلاس وتبعته خارج المنزل، واستمتعت قليلا بهواء الصباح البارد قرب العتبة، ريثما جاء خادم صغير يجر خلف حصان إيلاس البني، أعطى إيلاس مفتاح للخادم وطلب منه أن يوصل تحياته لسيده، ثم ربت على عنق حصانه بحنان.
انشغل للحظات بتثبيت الحقيبة المحشوة بالمشتريات فوق السرج، ثم امتطى الحصان بحركة سريعة ومد يده ليرفع زوجته من على الارض
غمرتهما الشمس تماما بمجرد ان تجاوزا حدود القرية وانغمسا بين الأشجار الخضراء.
كان الجو مشمس ولطيف برغم الرياح الباردة التي تهب من حولهما والتي تثير الرجفة، وبدت السماء ساطعة بزرقتها وقد انتشرت فيها سحب ضخمة بدت لأرسيلا ككريما البيض المخفوق.
وظلت الشمس طوال رحلتهما تشرق عليهما تارة بضوء ساطع يبدد البرودة القارسة، وتارة تختفي في شقاوة خلف الغيوم البيضاء لتكتسي الأرض بظل بارد يثير القشعريرة.
لم يتوقفا للراحة، استمرت الرحلة على قدم وساق وبدا أن الحصان قد استفاد من أيام الراحة الطويلة فلم يظهر عليه التعب قط، واستمر يمشي بهما بلا كلل.
كان غذاءهما فوق ظهر الحصان عبارة عن بعض التفاح الذي أخذاه معهما من المنزل، اضافة لحفنة من اللوز وشربة ماء، ورغم أنه كان طعاما خفيفا، لكنه أمدهما بالطاقة اللازمة حتى نهاية الرحلة.
ومع حلول المساء اشتد البرد في الجو، واشتدت معه الرياح، فباتت الأشجار تتحرك في عنف شديد وهي تزوم، وبدأ كل شيء يتطاير، ولا تمر لحظات من الهدوء حتى تعود الرياح الغاضبة بقوة أكبر.
شدت ارسي الرداء الدافئ من حولها، وانكمشت على نفسها، فيما بدأ شعر الحصان الطويل يتطاير أمامها ويعيق رؤيتها.
مالت الشمس نحو المغيب، واكتست السماء بمزيد من السحب الكبيرة التي ينافس بياضها زرقة السماء الناصعة، ومن بعيد بدأت تلوح سحب أخرى اكتست بلون رمادي فاتح، وبدأت تشق طريقها في السماء لتطارد الغيوم البيضاء في حزم. تمتم إيلاس:
«لعلها ستمطر من جديد اليوم»
ثم عاد لصمته، كانا قد تبادلا بضع كلمات وجمل متفرقة حول هذا وذاك، لكن لم يتعمقا في أي موضوع. يمسك لجام الحصان بارتخاء تام وعيناه على الطريق يفكر في عائلته وردة فعل والدته بعدما يصل، وكانت متوترة، كل عصب في جسدها يخزها وبدأ الرعب يتسلل لها، فهي ستقابل أناس جدد، من المفترض أن يكونوا عائلتها الجديدة وستعيش معهم سنوات أبدية حتى تشيخ.
إنها أميرة مدللة وهم ناس بسطاء، كيف سيتعاملون معها؟ هل سيظنونها متعجرفة؟ هل ستضطر للعيش في كوخ بسيط من القش! هل سيكرهونها! هل لدى أم زوجها فكرة تزويج ابنها من امراة أخرى؟ هل ستكرهها لهذا السبب؟ ألن يظنها ناس القرية أميرة مدللة متغطرسة؟!
أصابتها حمى التفكير بالدوار، وكادت أن تصرخ في زوجها كي يعودا للقرية الهادئة التي كانا فيها، لكنها وبصعوبة بالغة تمكنت من أن تضع حدا لمخاوفها، وأشغلت نفسها بالنظر لشعر الحصان المتطاير، ولأشجار الغابة التي تتراقص أغصانها في سرعة وعنف.
أوقف إيلاس الحصان بغتة فوق ربوة عالية، وسمعته يزفر أنفاسه بعمق فلم تعرف إن كانت زفرة ارتياح أم زفرة تعب وتوتر كالتي تحتبس في صدرها.
أبعدت عيناها عن الأشجار وحدقت للأسفل، حيث وعلى بعد مسافة قصيرة تظهر بوضوح منازل قد انتشرت بشكل عشوائي حول بعضها البعض وقد أحاطتها الأشجار وقطع الأراضي الخضراء، وكان بإمكانها أن تسمع صوت الحياة يدب فيها وصراخ الأطفال كذلك وعلمت ولا شك أنها القرية المنشودة.
استدارت بطرف رأسها نحو زوجها فابتسم لها:
«أهلا بك في منزلك الجديد»
«وصلنا؟»
لم يجبها، بل حرك الحصان الذي انشغل بقضم العشب، ودفعه لينحدر عبر التلة العالية بسرعة شديد دفعتها للتمسك بشدة.
وما إن دلفوا محيط القرية واتضح الحصان براكبيه للناس حتى ترك بعض الأطفال ما كان في يدهم من حجارة، وركضوا بشكل متفرق حول البيوت وهم يصيحون بفرحة، وكأن العيد أقبل عليهم:
«عاد الطبيب إيلاس، عاد العم إيلاس!»
ندت عن زوجها ضحكة مرحة وقال:
«يا لهؤلاء الأشقياء، لا يمكن مفاجأتهم قط»
توقفت الناس عما كانت تفعل، ورفعوا أياديهم، نساء ورجالا ليلقوا التحية على إيلاس، وبعضهم أخذ يصيح بكلمات مرحة للترحيب وأخرى بدت متهكمة تحمل نبرة وعيد دفعت إيلاس ليقهقه بصخب أدهشها.
بعد لحظات توقف الحصان من تلقاء نفسه في منتصف القرية تماما، وتجمع بعض الناس من حولهما، فقفز إيلاس عن الحصان واندفع يحضن هذا ويصافح ذاك، يحي تلك ويبتسم للأخرى.
ولما رأت أنه وفي خضم المعمعمة تم تجاهلها استغلت الفرصة فنزلت عن الحصان في حذر وتوقفت ملتصقة به تنظر لمن حولها بحذر، ولم يفصح الرداء الذي ترتديه عن هويتها.
بعد لحظات شقت الجمع امرأة عجوز، تجعدت بشرتها الرقيقة وظهرت فيها عروق خضراء ملتوية، كانت تلف فوق شعرها الرمادي خرقة صغيرة، ويبدو فستانها الأسود ممتلئا بالطين اللزج عند ركبتها وكأنها كانت عاكفة على زراعة شيء ما حين قوطعت.
لكن كل هذا لم يدهش ارسي اطلاقا، بل ما أدهشها هو ذلك السوط الطويل الذي كانت تلفه بإحكام حول قبضتها، والشرر الذي تطاير من عينيها الرماديتين الضيقيتن.
...
حاولت نشرها دفعة واحدة فكان صعب
لذا اقوم بالتدرج في النشر
لا أعرف عدد الفصول التي سأنشر كل يوم، لكني سأنشر حتى أصل للفصل الذي توقفت فيه على الوات ربما، هذا اذا وجدت التفاعل.
لان هذا التطبيق غريب علي.
rana rachade