.....
......
اقتيد إيلاس من فوره لغرفة الأمير، كان هذا الاخير شابا عشرينيا ذو وسامة يشهد لها، غير أن المرض أنهكه فشحبت بشرته وظهرت العروق الخضراء تحتها كأفاع ملتوية، وفاحت من جسده المنهك رائحة المرض، وكان من الواضح أن الجميع يفعل ما بوسعه لمنع تفاقم المرض، فالغرفة نظيفة تلمع وتم تهويتها بشكل جيد، وكل الأدوات التي تستعمل يتم تعقيمها بالكحول القوية.
كان هناك طبيب ملكي خاص يشرف على حالة الأمير، ويرافقه طبيب آخر جيء به لدراسة فكرة الجراحة، وتعجب إيلاس لعدم قدرتهما على معالجة الأمير.
أغلقت الخادمة الباب خلفه، ولاحظ أن كل من كان في الغرفة يعد على الأصابع، الملك الكهل، الطبيبان، وخادم خاص يرتدي بذلة سوداء وتبدو نظراته جادة وفارغة.
تقدم من الرجال الثلاثة، فيم تراجع الخادم للخلف ويداه خلف ظهره.
استقبله الملك بسرور بالغ:
«دكتور إيلاس، إنه لمن دواعي سروري أن أراك. أنا ممتن لإجابتك دعوتي»
ابتسم إيلاس ابتسامة خفيفة:
«إنه واجبي جلالتك»
صافحه الطبيبان الآخران برسمية وترحاب، لكن أيا منهم لم يتعمق في السؤال أو القيل والقال، استدار ايلاس من فوره نحو الأمير وابتسم:
«سرتني رؤيتك يا سيدي، كيف حالك؟»
ابتسم الأمير هازئا، كان يكابر رغم لهاثه.
«يقولون أني سأموت اليوم أو غدا. ما رأيك أنت؟»
بالنسبة لشاب في بداية عمره، فقد كان من الواضح أنه نشأ على تحمل المسؤولية وأجبر على أن يتصرف بقوة وصلابة، وقد كانت هذه نقطة لصالحه، فقد أعجب إيلاس ببأسه:
«لكنك فقت توقعاتهم»
«لن أموت بهذه السهولة»
تجهم وجهه للحظة واضاف:
«ولن أسمح لهم ببتر قدمي أيضا، لذا يا دكتور لا تطرح هذه المسألة مهما كان ما تراه أمامك»
مهما كان ما تراه! شوشت الجملة تفكيره وعاد الشك يتآكله، رفع بصره نحو الرجال الثلاثة وحين اومئ الملك برأسه مد الطبيب الملكي يده وسحب الملاءة الخفيفة بعيدا عن ساقي الأمير .
جمد إيلاس في مكانه للحظات، توقع رؤية كل شيء الا هذا، توقع رؤية جرح ضخم سببه سرج الحصان، توقع صديدا ودما ورائحة عفنة، توقع الكثير، لكن أيا مما يراه لم يكن ضمن ما توقعه!
كان هناك جرح طولي على ساق الأمير اليمنى، وقد كانت مليئة بالصديد والقيح بشكل طبيعي، ومحمرة بشكل طبيعي، ورائحتها كريهة بشكل طبيعي، لكنها كانت ممتلئة بالديدان!
ديدان صغيرة لزجة تغلي داخل حفنة الصديد والدم تلك، تنهش في اللحم بشراهة بالغة وتبتلع القيح.
بدى منظرها مقززا، حتى لشخص رأى اسوأ الجروح وتعامل مع أغرب الأشياء.
ابتسم الطبيب الملكي بتوتر، فيم تنهد الأمير وهو يسأله باندفاع:
«اذا ما رايك يا سيادة الطبيب؟ هل يجب أن تقطع ساقي! فهذان الوغدان أمامك لم يستطيعا التعامل مع حفنة من الديدان، أتراك تستطيع!»
أشاح إيلاس بصره عن الجرح، رسم ابتسامة عملية على شفتيه:
«سأفعل ما بوسعي»
«هه! يا لها من جملة رتيبة!»
«أنا بحاجة لمعرفة التفاصيل أولا يا سيدي، أعدك أن أفعل ما بوسعي»
تنحى بالطبيبان لطرف الغرفة فلاحقه الملك بنظراته، لكن أيا من الثلاثة لم يعبا. سأل ايلاس بصوت جامد:
«لم أتلقى تقريرا عن هذا!»
تدخل الطبيب الملكي بتوتر:
«قد كانت أوامر الملك، خشي أنك قد ترفض العمل لو علمت ذلك»
زم شفتيه بجمود، حسنا لم يكن ليتخل عن العمل تماما، لكنه كان ليربط زوجته الى عامود السرير شاءت أم أبت، فمن الواضح أن هذا العمل سيستغرق وقتا أطول مما توقع.
كان عليه أن يطرد صورة زوجته من عقله بحزم، وعاد يسأل:
«هل يمكنني الحصول على تقرير صادق الآن؟»
هز الطبيب الملكي رأسه:
«بالطبع، لقد نظمنا مسابقة خيل في الغابة، كان من المفترض أن يجتاز المتسابقون دورة حول الغابة ثم يعودون لنقطة الانطلاق، ومن يصل أولا يفز.»
صمت للحظة وأردف:
«كان الأمير من المشاركين، وبدلا من الدوران حول الغابة كما نفعل عادة اقتحمها ليختصر الطريق على نفسه، قال لنا أن افعى ظهرت أمام حصانه فاخافته، وسقط عن ظهر الحصان، ظلت ساقه معلقة في السرج الحديدي واللجام، مما تسبب له بجرح كالذي ترى»
اختطف إيلاس نظرة نحو الأمير الذي غطى ساقه متأففا:
«وتلك الأشياء؟»
هز الطبيب راسه:
«ظهرت بعد حوالي خمسة أيام، كان الجرح عميقا لذا لم يلتئم بسرعة، ثم بدات تظهر يرقات صغيرة داخل الدماء فكنت أنظفها بهدوء، لم أتوقع أن ستتكاثر، لكنها فعلت. بعدها حاولت قتلها عن طريق الكحول لكنها تختفي لبعض الوقت ثم تعود. قمنا بكيها بالنار فاختفت يومان ثم عادت، وبعد مدة بدأ الجرخ يتوسع من جديد بسببها ولاحظت أنها تنتشر في الساق كلها، لم تنفع معها سمومي، فقررت بترها واستدعيت آزر»
أشار للطبيب الأخر:
«إنه متخصص في الجراحة وبتر العظام، لكن ما إن علم الأمير مخططي حتى ثارت ثورته، يظن أن قطع قدمه سيجعله عاجزا وهو يكره أن يتسبب مثل هذا الجرح بعار العجز بالنسبة له»
ابتسم ايلاس:
«يبدو أنه ذو كرامة وكبرياء»
هز الطبيب ازر راسه:
«انه مجرد فتى أرعن، لقد غرس فيه والده مفاهيما عن القوة والرجولة لذا يظن أنه يجب عليه أن يكون قويا ومعضلا، إنه لا يترك هواية لا يمارسها ليقوي جسده، لكن ها أنت ترى، لقد بدأ هذا الجسد يذبل وإن لم نجري الجراحة سيموت»
هز ايلاس رأسه:
«لهذا تم استدعائي؟»
«انك من القلائل الذي انتشر صيتهم مؤخرا، وقد حصلنا على توصيات كثيرة من بعض النبلاء، كما أنك متخصص بالأعشاب لذا فكرنا أنه يمكنك المساعدة»
هز إيلاس رأسه ثم تركهما بغتة وتراجع بضع خطوات، واتجه نحو النافذة، وغرق في تفكير عميق.
طوال المدة التي أستأثرها لنفسه غرقت الغرفة في صمت مطبق.
ظل الرجال الأربعة يراقبونه من بعيد، ثم أجفل جميعهم حين اقترب منهم من جديد، رفع بصره للخادم وقال بهدوء:
«أفترض أنك الخادم المسؤول هنا؟»
ابتعد الخادم عن السرير وتقدم قليلا للوسط:
«نعم سيدي، أنا الخادم الشخصي للأمير»
«ما اسمك؟»
«جويس يا سيدي»
ابتسم إيلاس لثوان ثم غابت ابتسامته:
«حسنا يا جويس، أحضر لي قفازات وقطعة لحم طرية، احرص أن تكون مثخنة الدم وساخنة، نعم وملقطا»
رمش الخادم بتعجب ونظر له الباقون بذهول، شخر الأمير ساخرا:
«أنا لم أتحول لمصاص دماء سيدي، أؤكد لك أني ما زلت أحب اللحم المطهو»
افتر ثغر ايلاس عن ابتسامة، ثم قال بمرح:
«حسنا، حسنا! هذا يسعدني ابها الأمير. لكن لدي خططا أخرى عوضا عن دراسة أحوال شهيتك»
رفع نظره للخادم من جديد فأومئ بطاعة ثم أسرع للخارج لينفذ ما أمر به.
تقدم إيلاس من السرير ومد يداه فوق الملاءة، نبس بهدوء:
«اعذرني يا سمو الأمير»
ثم جذبها بسرعة كاشفا عن ساقيه، انحنى قليلا فقط بما يكفي ليرى بوضوح لكنه أبقى وجهه بعيدا عن الجرح، نبس بهدوء:
«سأحتاج مصباحا صغيرا، هل يتوفر واحد؟»
أسرع الطبيب الملكي يقول:
«لدي واحد في حقيبة ادواتي، سأحضره لك فورا»
تساءل الأمير:
«هل يجب أن أجلس؟ كي ترى بوضوح»
«لا، لا عليك»
صمت للحظة، ظلت عينان مركزتان على الجرح، وعلى الديدان التي فيه، كان لونها يميل للبني الفاتح، وهي صغيرة جدا، تشبه في تكوينها وحركتها ديدان الجثث البيضاء التي يضعها الذباب الأزرق، غير أنها تبدو حشرة مختلفة، قد تكون ذبابة من نوع مختلف.
من جهة أخرى الجرح يبدو ملتهبا بشدة وممتلئا بمزيج من الصديد الأخضر والدم المتجلط، وعليه آثار حرق حديثة هي ما تمنحه هذا الاحمرار الشديد، لعله آثر من آثار الكي السابقة، هل استعملوا الجمر؟ أم أداة ساخنة؟
لعل الديدان تأكل الأنسجة كلما تجددت وهذا ما يمنع التئام الجرح، ويبدو أنها قادرة على مضغ اللحم بشراهة، وربما لو تركت لمدة قد تتكاثر وتنتقل لأعضاء مختلفة.
الآن كل هذا الالتهاب الشديد يضعف مناعة الجسد، لعل هذا السبب في انهاك الأمير، ومثل هذا الالتهاب الخطير قد يكون فعلا سببا في الموت الوشيك لو لم يعالج بسرعة.
ابعد وجهه عن الجرح ووضع يداه خلف ظهره، تلبسته شخصيته الطبيب الجادة، فاختفى المرح من عينيه وانتشرت هالة من حوله، هالة ترغم أيا كان على احترامه.
«هل يؤلمك الجرح كثيرا؟»
امتعض الأمير وهو يجيب:
«حسنا هو يؤلم، لكن الطبيب يعطيني أعشابا مخدرة من حين لحين وهذا يخفف الألم لحد ما»
التوت شفتاه وهو يضيف:
«مع ذلك، أستطيع الشعور بتلك الأشياء داخل جرحي، وهذا ليس شعورا لطيفا، وهي تشعرني بالحكة الشديدة»
هز ايلاس رأسه بصمت وعاد ببصره نحو الطبيب الملكي:
«ما كانت أعراض الجرح؟»
«تقصد الآثار السلبية للالتهاب؟»
هز ايلاس راسه في ايجاز فصمت الطبيب للحظة استجمع فيها أفكاره ثم قال:
«الحمى الشديدة، بالكاد تنخفض قليلا خلال النهار وتحتد دوما خلال الليل بشكل خطير، الغثيان والقيئ، والاسهال الشديد، وجفاف الجسم»
رفع يداه وحركهما بعشوائية:
«استعملت الأفيون والحشيش لتخدير الجرح، والكحول المركز للتعقيم. أطعمته محلولا مالحا لتعويض الجفاف، وحاربت الحمى بالماء والكمادات، ومحلول ورق الصفصاف»
«انها أعراض التهاب عادية، ألم تظهر أي أعراض أخرى؟ شيء غير اعتيادي؟»
«غير بعض الحكة حول الجرح، والشعور بعدم الراحة فلم يشتكي من غير ذلك. صحيح يا سمو الأمير؟»
هز الأمير راسه بصمت، ابتسم ايلاس ابتسامة خفيفة:
«اذا كما توقعت»
نظر له الملك بلهفة:
«هل توصلت لشيء يا دكتور؟»
«ليس تماما، كنت أخشى أن الديدان تم انتاجها بشكل ذاتي من الجسم، هذا احتمال بعيد لكن كان يجب دراسته»
هز ازر رأسه:
«صحيح، لكن من الواضح أنه التقطها من مكان ما»
توهجت عينا ايلاس:
«بالضبط، لقد التقطها من الغابة، ولكن بما أنها تاخرت في الظهور فلعله التقط البيض وحسب، أو ربما يرقات غير ناضجة ماتت من فورها»
سأله الطبيب الملكي باهتمام:
«ماذا سنفعل الآن؟ لأكون صريحا لم يسبق لي التعامل مع جرح مملوء بهذا النوع من الديدان، فهي لا تموت مهما فعلت»
فتح الباب ودخل الخادم وهو يحمل صحنا، استدار ايلاس نحوه تماما والتقط الصحن من بين يديه شاكرا، نظر لقطعة اللحم المثخنة بالدم، كانت فخذا وما تزال العضلة تتحرك بارتعاش، مما يدل أن عملية الذبح تمت منذ وقت قصير.
ابتسم ايلاس بمرح:
«هل هذا أرنب؟»
«نعم يا سيدي»
استدار نحو الأمير:
«هل تحب الارانب يا سمو الأمير؟»
كشر الأمير في وجهه:
«أعتقد أني ساكرهها ابتداء من اليوم»
أطلق ايلاس ضحكة مرحة بددت الجو المشحون، كان يمزج بين الجدية والمرح ببراعة:
«أنا متأسف لذلك»
ارتدى القفازات البيضاء بسرعة، كانت مصنوعة من مطاط طبيعي وهي مشهورة جدا هنا في الشرق، وقد كان معها ملقط فضي يلمع.
حمل قطعة اللحم بالملقط وحرص على تمزيقها قليلا كي يندفع مزيدا من الدم عبر الانسجة، تلبس الأمير الفزع للحظة وهو يراه يقترب منه:
«ماذا ستفعل؟»
«ابق هادئا سموك، ابق هادئا»
انحنى ايلاس على قدميه ووضع قطعة اللحم على مقربة من الجرح المفتوح، وتركها هناك لدقائق طويلة، راقب الجميع هذه العملية الغريبة بدهشة وتجرأ آزر على السؤال:
«هل تحاول اطعامها؟ نحن لم نحضرك لتقوم بتربيتها بل لقتلها يا سيد…ماذا كان اسمك؟»
لم يرفع ايلاس بصره نحوه لكنه أجاب بهدوء:
«إيلاس، إيلاس كورتنيه يا سيد آزر»
أضاف بجدية:
«وأنا لا اقوم باطعامها، بل أحاول دراسة سلوكها. هذه الديدان تنجذب للحم والدم، وأخشى أنها قد تصبح عدوى سهلة الانتقال»
رفع بصره نحوه واضاف:
«يقولون إن عليك معرفة ما يفضله عدوك كي تستغله، وهذا ما أفعله»
تمتم الأمير بصوت مهزوز:
«إنها تنجذب فعلا»
عاد ايلاس ببصره نحو قطعة اللحم التي بين يديه، ولاحظ أن بعض الدويدات التصقت بها.
تركها هكذا لبضع دقائق، ثم وضعها في الصحن وأغلق عليها بالغطاء، ابتسم:
«ستكون هذه عينة جيدة لدراستها، وسأعود لآخذ المزيد لاحقا ان احتجت»
تمتم الأمير بامتعاض:
«خذها كلها إن أردت»
«يا للكرم!»
انفجر الأمير ساخطا
«عليك اللعنة!»
وفي نفس اللحظة تهاوت رأسه على الوسادة وارتفع صوت لهاثه في الغرفة، هرع طبيبه الملكي اليه وقال، حين رآه يشد على فمه بقوة:
«يبدو أن تأثير الجرعة المخدرة انتهى، كما أن حرارته بدأت ترتفع من جديد!»
لوى ايلاس شفتيه في بؤس ثم قال:
«سيكون من الأفضل أن نسرع. هل يمكنك التكفل بالأمر من هنا أيها الطبيب؟ سآذهب لدراسة العينة»
صمت للحظة واضاف وهو ينظر للملك:
«أنا بحاجة أيضا لزيارة مكان الحادث، فهل يمكنك أن توفر لي مرشدا جلالتك؟»
«بالطبع»
«وغرفة خاصة بعيدا عن الضوضاء»
«سأخبر رئيس الخدم ليجهزها من فوره»
هز ايلاس رأسه ثم خرج من الغرفة وهو يحمل بيده الصحن:
«إذا أعتمد عليك»
***
جهزت له الغرفة في وقت قياسي، كما طلب، بعيدة عن الضوضاء، هادئة، فارغة الا من طاولة وكرسي وبعض الأرفف، ورافقه آزر كمرافق، كان يبدو مشدوها بكل ما يرى، فرغم أنه يقارب ايلاس في العمر لكنه لم يتعامل سوى مع العظام والجراحات، لذا رؤية كل ذلك القدر من الأعشاب فوق الطاولة والاوراق الباهتة فاجأه، وجعله معجبا.
ترك ايلاس الصحن المشؤوم فوق الطاولة، ثم مضى ليرتدي قفازات جديدة ووضع لثاما على أنفه وفمه.
استخرج دودة من الصحن بحذر ووضعها في صحن آخر، وبدا يجرب قتلها، منيعة ضد الموت؟ هذه خرافة، لا أحد يهرب من الموت.
حمل الدويدات واحدة تلو الأخرى، أغرق احداها في الكحول، ورش في الأخرى محلولا ساما من الأعشاب المطحونة، وأغرق أخرى في زيوت القرنفل و الزعتر، والتي من المفترض أن لديها خاصية محاربة الميكروبات والطفيليات.
ثم أخذ واحدة أخرى وبدأ يعبث بها، لكنه مزقها عن طريق الخطأ فوضعها جانبا وعاد لأعشابه.
تمتم آزر ساخرا:
«لقد تكبدت عناء تعذيبها»
«هل تود إشعاري بتأنيب الضمير؟»
«ضد دودة؟ هذه ستكون سابقة لم يحدث مثلها في التاريخ
أردت فقط أن أشير لتفانيك»
ضحك ايلاس على نكتته الساخرة رغما عنه، فقد ذكره بمزاج أخيه الرائق، لعل ازر وايروس سيحبان رفقة بعض، يا للاسف.
عاد ببصره نحو تجاربه وهاله أن يرى دودتان في الصحن الفارغ الذي تركه، كان واثقا أنه ترك واحدة فقط هناك وقد قسمها نصفين، قسمها!
تجمدت تعابير وجهه، ورفع يده فأخرج قلادته من تحت صدريته وفتحها لينظر في الساعة، مرت حوالي خمس دقائق، ولقد تحول النصفان لدودتين!
«لماذا تبدو مفزوعا؟»
«انها تتكاثر عن طريق الانقسام أيضا!»
«أنت تمزح»
دفعه ازر بيديه وحدق في الدودتان اللتان بدأتا تنجذبان نحو قطعة اللحم والدم، وتخرجان من الصحن:
«انا واثق أن الطبيب الملكي اشار لوجود بيوض؟»
«نعم، انها تتكاثر عن طريق البيوض وكذلك الانقسام».
«هذه مصيبة جديدة من نوعها، لهذا كان عددها يزداد كلما حاولنا التقاطها بالملقط خارج الجرح»
«لعلها كانت تتمزق لنصفين، لها أسنان دقيقة وهي تتشببث جيدا بفريستها»
مرت رعشة خفيفة بجسد آزر وسأل:
«ماذا سنفعل؟»
«اشك في قدرتي على إيجاد حل بوقت قياسي، لكني سابذل جهدي»
سحب نفسا عميقا ثم أضاف:
«يجب أولا أن أعود لمكان الحادث، من حيث بدأ الداء»
تمتم ازر على عجل:
«سأرافقك»
هز ايلاس رأسه بصمت، ثم ركض خارج الغرفة دون أن يخلع قفازاته، استطاع الحصول على حصان فهو بسبب سرعة السفر لم يحضر حصانه الخاص، كافروس.
ولم يكن الطريق للغابة طويلا أو بعيدا فهي كانت تقع على مقربة من المملكة، وكان يمكن لأي شخص أن يمر منها وهذا أغضب ايلاس، فهم لا يعلمون بعد ما اللعنة التي تخرج من بين هذه الأغصان!
الخادم الذي رافقهما أخذها رأسا لمكان الحادث، ترجل ايلاس عن حصانه وأخذ يفحص الأرض من حوله.
لم تكن بقعة مميزة، تظللها أشجار الغابة وينتشر الشوك عليها، ككل الغابة، غير أنه كانت هناك بقعة طين لزجة فيها تمتد طويلا. قال الخادم بهدوء:
«تساقطت أمطار خفيفة قبل أيام، ولأن الغابة ترابها أحمر كالصلصال فهو لا يجف بسرعة»
«هل وقع الأمير بداخل حفرة الطين هذه؟»
«نعم يا سيدي، حين وجدناه كان مغمورا بالكامل بالطين، وكان جرحه ينزف»
لمس ايلاس بقعة الطين بيديه وتأملها، لم يعرف عما يبحث ولم يكن يملك نظرا خارقا ليرى ما يحتويه الطين بداخله، فهي أشياء لا يمكن رؤيتها بالعين فقط.
وضع بعضا منه في قارورة صغيرة لدراستها ثم نهض على قدميه:
«أفترض أن العدوى جاءت من هنا»
توقف ازر عن الدوران حول المكان وسأل باهتمام:
«هل سنعود؟»
«بل سألقي نظرة حول الأرجاء»
أشار للخادم كي يعود من حيث أتى ثم أضاف هامسا:
«الديدان لم تظهر من تلقاء نفسها، لعلها تكاثرت في مكان ما هنا في الغابة»
هز ازر راسه بصمت، تعمقا في الغابة بحذر وهما يدققان النظر لكل شيء، وبعد بحث مضن وجدا ما كان يبحثان عنه.
كانت هناك جثة متحللة لخنزير بري، وبين كومة من الدود الأبيض اللزج والحشرات المختلفة التي تنجذب للجيفة، استطاع ايلاس أن يرى الدود البني الصغير معهم.
دفع الجيفة بقدمه وحركها، كانت هناك مساحة ما تزال تنقط بالدم خلف ظهره، وكانت ممتلئة بالدود البني أكثر من باقي المناطق الجافة.
وضع ازر يداه على فمه بتقزز وقال ايلاس:
«يبدو أنها مصاصة دماء من الدرجة الأولى»
صمتا للحظة وهما يحدقان في الجيفة وقال ايلاس بغتة:
«اتصور وجود المزيد منها، لا شك أنها لا تنجذب للجيفة بل لكل ما له علاقة بالدم. لعلها تتغذى على المضيف»
تساءل ازر بدهشة:
«وهو حي؟»
«حسنا، بمجرد أن ينقطع الدم ستغادر على ما يبدو. انظر هذه المنطقة جافة من الدم لكنها لا تبدو مهتمة بها. أنها تتجمع حول المناطق الرطبة فقط»
مر من أمامهما سنجاب صغير فأجفلهما، وقرر ايلاس ان الوقت حان ليعود للمنزل، في الطريق قال لازر:
«من فضلك أوصل للملك رسالتي: يمنع الدخول للغابة على الإطلاق»
هز ازر راسه ثم ركض عبر الممر مشتتا جمعا من الخادمات اللواتي كن ينظفن.
وعاد ايلاس لغرفته فدفن نفسه بداخلها، ولم يعلم قط أن القادم أسوأ مما مضى…اسوأ بكثير.
........
فصل جديد🌚❤️ حتى انا ما توقعت بس لاني اخيرا وصلت لذروة الاحداث اللي صار لي شهور بفكر فيها كنت متحمسة أكتب.
الفصول مليانة تفاصيل من الان فصاعدا، ورح تصدع راسكم.
بس اصبرو
🌚❤️
جاية فصول حلوة 🤭
شو رايكم بالشخصيات الجديدة؟
طبعا هي مجرد شخصيات ثانوية لكنها تخدم هذه الاحداث، فأحبوها.
🤭❤️
ترقبوا فصلا آخر عم قريب، فلن أتأخر هذه المرة كثيرا.
دمتم بخير.
rana rachade