فصل جديد
.............
تحبه؟ ما معنى ذلك؟ إنه لا يفهم!
يعرف أن أمه تحبه، وأن أخاه يحبه، وأن ديلارا أيضا تحبه، لكن ما معنى أن تحبه زوجته؟ هل هو ذات الحب الذي تكنه له ديلارا؟
لكن ديلارا تكن له حبا أخويا، وهو أدرى بهذا، فما معنى أن تحبه امرأة لكونه رجلا، لا لأنه طبيبها، لا لأنه أخوها ولا لأنه ابنها، بل لكونه زوجها، رجلها.
هذا الحب لا يقتصر على ابتسامات ودودة فعلاقتهما أبعد ما تكون عن مجرد ابتسامات وإلا لما كان هناك توأم حي يكبر يوما بعد يوم داخل بطنها وينازعان بعضهما لأجل أن يحتلا مساحة رحمها الضيق.
حب؟ ما معنى هذه الكلمة؟ بل ما العهود الذي يجب أن يؤديها ليكون أهلا لها!
كان لا يزال مثقلا بالتفكير في هذا حين توقفت قدماه أمام غرفة الأمير، سحب نفسا عميقا وشد أصابعه في قبضة قوية ليسيطر على الانفعال القوي الذي زعزع ثباته الضعيف، الصداع كان يضرب أطراف رأسه بلا رحمة وعيناه بدأتا تطرفان بدون إرادة منه.
كلمات آرسي، منظرها المهزوم، دموعها، كل ذلك كان يتكرر أمام عينيه في مشهد لا ينقطع وبغتة تحولت الصدمة لغضب جارف.
دفع الباب بدون طرق، كان الأمير يستلقي فوق سريره شاحب الوجه، هزيل الجسد. قدمه المصابة عارية، الجرح امتد من ساقه السفلى لفخذه، الديدان ازداد عددها وازدادت شراهتها، أصبحت الساق كلها عبارة عن جرح ضخم يملؤه الصديد والقيح والدود.
على مقربة جلس الخادم جويس يقرأ للأميرا كتابا، حاله لا تقل عن حال الأمر فمن اصبعه امتدت الاصابة لتشمل ظهر يده لكن لم يكن هناك مجال لتغيير الخادم وفضح سر الأمير…لحد الآن.
فور دخول ايلاس استدار الاثنان نحوه، ابتسم الامير له وحياه بصوت ضعيف يكاد لا يسمع:
«مساء الخير يا منقذنا! هل جئت تطمئن علي، أم لعلك جئتنا ببشارة»
وقف إيلاس على بعد خطوات من المنظر، بسبب ضعفه واضطرابه، ولأول مرة منذ سنوات، شعر بغثيان قوي جراء النظر لمثل هذا الجرح البشع، ولثانية غطى الضباب بصره وشعر أنه سيهوي أرضا. «لأنني أحبك» فقط هاتان الكلمتان أخرجتاه من حالة الشرود التي باغتته، غرس أظافره في راحة يده بقوة شديدة. تبسم مرغما:
«لا يا سموك، ما جئت لأطمئن وما جئتك ببشارة. جئتك بأمر لا طلب، أمر من طبيب تتعلق في رقبته الأرواح، لا مجرد عامي لا يرقى لك»
تجلس الأمير في مكانه بتوتر، حرك قدمه المصابة فأشاح إيلاس بصره عنها حين شعر بأحماض معدته تتدافع لحلقه.
«ما نظرت لك يوما يا سيدي بدونية ولا قارنت منصبك بمنصبي. خيرا يا سيدي، بم تأمرني؟»
سحب إيلاس نفسا عميقا، رفع إصبعه فأشار نحو ساق الأمير قال بشكل قاطع:
«هذه الساق يجب أن تقطع وتحرق»
انسحب الدم من وجه الأمير، ازرقت شفتاه:
«لكن يا سيدي..لقد وعدتني!»
نظر له إيلاس بحدة، تمتم ببطء شديد:
«لم أعدك بعدم قطعها، وعدتك ببذل كل ما بوسعي، صدقني بذلت فوق الجهد أضعافا وأنا أقف أمامك متحاملا على نفسي تمنعني عزة نفسي من أن أرمي نفسي على الأرض وأخر صريعا أمام قدميك»
«لكن، لكن، ماذا عني، ماذا عن حياتي بهد هذا!»
«هل أنت واثق من قدرتك على العيش لترى المستقبل الذي تخال نفسك فيه؟ حالك تسوء كل يوم لا يغرنك حلاوة لسان طبيبك وتراهاته عن الشفاء. أنت قيد قوس من الموت»
رفع بصره لعيني الأمير أعقب:
«صدقني، لو كنت مكانك سأختار حياتي على ساق عفنة. حتى لو وجدنا علاجا يقتل هذه المخلوقات لن نجد علاجا يعيد ساقك لسابق عهدها، قطعها من عدمه لا يشكل فارقا»
اضطرب الأمير، هز رأسه بقوة:
«لا! أرفض! أفضل الموت على العيش عاجزا!»
بدأت الحمم تغلي في رأس إيلاس، لكنه حافظ على ضبط أعصابه:
«سموك، ما ما معنى الرجولة بالنسبة لك؟ صدقني لا تتجلى الرجولة في جسد ضخم وساق قادرة على العدو، الرجولة ليست عضلات ولا سباق خيول، حتى لو أنجبت لهذه الدولة مئة طفل في ليلة واحدة، فهذه ليس برجولة»
حرك يده مشيرا للنافذة:
«ما لا يقل عن مليون نسمة في مملكتك يا سموك، منهم آلاف الأطفال تقل أعمارهم عن خمس سنوات، أطفال لم يعرفوا حتى ما معنى كلمة رجل، لا يهمهم من الحياة سوى اللعب، إذا كنت قادرا على التضحية بساق عفنة لأجل حيواتهم فتلك قمة الرجولة!»
ضغط الأمير على المخدة بجواره تمتم بعناد رغم ارتجاف صوته، أما الخادم فكان ما يزال يقف بوجوم، يسمع ولا ينطق، كان يجيد التقدير وعلم من نظرة أن هذا نقاش له يحق التدخل فيه.
«كيف سينظرون إلي بعد هذا! أقف أمامهم متشبثا بعصا ونصف ساق!»
«صدقني ستكون نظرتهم تلك أفضل من نظرتهم لك حين يعلمون أنك السبب في موت فلذات كبدهم وأحبائهم، لن يتبقى لك مقدار ذرة من المعزة في قلوبهم حين تنجلي الأسرار ويتضح أن تهورك من قادهم لهذه المصيبة القاضية!»
«لا! أمنعك، إياك أن تفعل. مهما قلت لن اقطع ساقي»
استدار إيلاس نحو الباب
« للأسف لست أنت من يقرر! كان هذا أمرا لا طلبا وسينفذ رغما عن أنفك»
نادى:
«ادخل يا آزر»
وللعجب كان مع آزر الذي كان يتنصت خلف الباب الملك، دخل كلاهما للداخل في صمت، وبدأ الأمير يسترجي أباه:
«أبتاه! أسمعت ما قال؟ أخبره يا أبتي، أخبره أن لا طاقة لي بهذ…»
قاطعه الملك بهدوء:
«للأسف يا بني ما قاله الطبيب أمر لا نقاش فيه»
صاح:
«لا يمكنه أن يأمرني أنا أمير!»
رد عليه الملك بصوت قاطع:
«إذا فسوف يكون الأمر مني إذا، أمر ملك لأمير يدنوه»
فغر الأمير فمه في دهشة!
«حتى أنت يا أبتي!»
لانت نظرات الملك:
«بني، …»
سحب الأمير خنجرا من تحت مخدته، وضعها على عنقه فاضطرب الرجال جميعهم، كان الخادم أقربهم إليه لكن حين حاول سحب الخنجر طعنه في يده، تمتم بلهاث:
«منذ بدأ كل هذا علمت أنكم سوف تقدمون على هذا القرار الخائن للعهود! أخبرتكم وسأكررها: أفضل الموت على العيش عاجزا! »
بغتة ووسط تجمد الجميع جراء انفعال الأمير المفاجئ، قفز إيلاس فأمسك يد الأمير بقوة، كانت الخنجر ما تزال في يده، تقطر الدماء منها فوق جرحه، الديدان داخله بدأت تتحرك بسرعة أكبر لتمتص الدماء المتقاطرة.
ضغط إيلاس على رسغ الأمير بقوة شديدة، ولما أن الأمير كان ضعيف الجسد فقد أسقطت يده الخنجر جراء الضغط القوي:
«اسمعني جيدا أيها الوغد الأرعن، أيا كانت الترهات التي حشى أبوك رأسك بها في صغرك فهي لا تهمني، ولست مستعدا للموت في سبيل أفكارك العوجاء! لولا رفقي بك، ولولا أني طبيب ذو سمعة لما امتنعت عن قتلك بيداي»
زاد من شدة الضغط، بدأ الأمير يئن، هسهس إيلاس:
«هناك مليون شخص يعاني بسببك. مئة، مئتان، ربما أكثر غيرك سنقطع أطرافهم، بسببك! آخرون سيعجزون بسببك، وبعضهم أطرافه تساعده على جني لقمة العيش فإن فقدها فقد حياته. أما أنت حتى وإن فقدت أطرافك الأربعة ستجد أفخر الطعام يدس في فمك دون أن تسعى»
تمتم الأمير متألما:
«كيف سيراني أهل مملكتي حين أحكمهم! كيف سيراني أطفالي في المستقبل!»
اشتعلت النار في عيني إيلاس، امتدت يده الأخرى لتمسك فك الأمير بقوة، صاح بصوت أرعبهم جميعا:
«كل ما تفكر فيه هو كيف سيراك الآخرون! انظر إلي! أنا الذي أمام عينك مقدر لي أن أصبح أبا، لم أسعد يوما في حياتي كمثل سعادتي بهذا الخبر، والآن أنا لست واثقا حتى من قدرتي على رؤية اطفالي، أخشى من أن يسلب هذا المرض اللعين عائلتي الوحيدة مني»
توقف للحظة ملتقطا أنفاسه, وأكمل:
«لدي زوجة حامل ها هنا مهددة بسببك! أطفالي لم يروا النور بعد ولدي كوابيس متواصلة من أن هذه الدودة اللعينة تسللت لهم وهم ما يزالون في أحشاء أمهم! أخي، زوجته، زوجتي وأطفالي. لا أملك في العالم كله عائلة أخرى وجميعها هنا لإنقاذ مملكتك اللعينة. أنت تخشى التضحية بساق عفنة بينما أنا أضحي بما هو أثمن من ذلك بكثير؛ روحي، جسدي وعائلتي بأكملها!»
ابتعد عنه بغتة وقال:
«أناني حقير مثلك مستعد ليموت الناس في سبيله لا يستحق أن يكون ملكا ولو على قطيع من الكلاب!»
استدار نحو آزر وقال بحدة أجفلته:
«اقطعها، لن أخرج من هذه الغرفة إلا وأنا أحمل هذه القطعة العفنة»
أصدر الأمير صوتا فاستدار إيلاس نحوه، أخرسه بنظرة واحدة، فيم تهاوى الأمير أخيرا على سريره.
كانت العملية سريعة جدا، وحشية جدا. خلالها تناول الأمير جرعات مكثفة جدا من الأعشاب المخدرة أدخلته بحالة هلوسة ونوم، فيم استعمل آزر أدوات حادة جدا كمطرقة ومنشار لقطع العظم وفصل اللحم، تم كي الجرح بعد البتر ووضعت الساق في كيس خاص.
خلال هذه العملية المرهقة، انصرف الملك لأنه لم يتحمل سوء المنظر، فيم صرف إيلاس الخادم وطلب منه أن يشعل فرنا بأكبر قدر من النار خارج القصر.
في النهاية أخذ الساق بنفسه وخرج بها من الغرفة، مشى في ممرات القصر ببطء وخطوات مترنحة، ووقف لحظات طويلة بجانب النار، حتىى جذب له أنظارا فضولية لكن أحدا لم يعرف ما الذي كان يحمله في الكيس الأسود.
أما هو فكل ما استطاع أن يراه هو ألسنة النار الحمراء التي تشبه شعر زوجته الغجري، اهتزت ذراعه حينما رمى الساق داخل النار، وربض هناك لنصف ساعة كاملة، حتى تأكد من أن كل شيء احترق وأبيد عن بكرة أبيه دون عودة، ولم يبق من الساق سوى عظم متفحم طلب دفنه في أبعد منطقة من المدينة.
عاد أدراجه بنفس الترنح، ودب صوت رنين حاد في أذنيه، فتح باب غرفة أبحاثه ودخل، امتزج كل شيء ببعضه أمام عينه ولم يعد يميز شيئا مما حوله، أخذ يبحث متخبطا عن كرسي ليجلس عليه لكن الباب الذي فتح فجأة منعه من ذلك.
استدار ببطء، حدق بضياع في الشخص الذي دخل، ارتفع صوت آزر يقول بحماس:
«لقد حققت حلمي، ماذا تريد كهد…»
تلاشت الكلمات، صدرت عنه أنة خفيضة وسمع صوت آزر وهو يناديه بتوجس لكن دفاعاته كانت قد انهارت مسبقا، تهاوى جسده المرهق ككيس طحين وارتطم بالأرض بعنف شديد كان له دوي في أرجاء الغرفة الصامتة، ثم غطى الظلام كل شيء.
…..
السماء تمطر في الخارج بغزارة ، أما هو فكان ينام في غرفته بالمنزل بجانب زوجته، شعرها الأحمر كان كالعادة مرمي فوق وسادته وجسدها مدسوس في حضنه، بينما تضع رأسها على ذراعه متجاهلة وسادتها. استفاق من نومه وهو يشعر بذراعه تؤلمه من ثقل رأسها وبدأ يحاول إبعاد رأسها عن ذراعه المتخشبة دون أن يوقظها
لكنه حين وضع يده على عنقها شعر بملمس طري للغاية ولزج، حدق به فوجد ثقبا ضخما في عنقها والديدان تتحرك بداخله، نهض مذعورا وأبعد الغطاء عن جسدها وارتجف جسده لروع ما رأى، فبطنها المكورة كانت مفتوحة وأمام ناظريه جنين صغير ممتلئ بالديدان، الرعب من المشهد دفعه للصراخ رغما عنه.
شعر بغتة بيد تشد على ذراعه وتثبته:
«اهدأ يا رجل! من أين لك كل هذه القوة وأنت مثل المومياء المحنطة!»
زالت الغشاوة عن عينيه أخيرا، حدق في وجه آزر بتشتت ثم مرر عيناه حوله، زفر نفسا عميقا محملا بالارتياح حين أدرك أن كل ما عاشه كان كابوسا، لكنه كان كابوسا حيا لدرجة أن الرعب الذي عاشه ما يزال يسري في جسده كالكهرباء.
ابتسم آزر بهدوء، أبعد يده عنه حين عاد إيلاس للاستلقاء:
«ماذا حدث؟»
«فقدت وعيك لخمس ساعات. ظننتك قد مت»
تنهد:
«لعلي كنت مرهقا، لقد سببت لك الازعاج يا آزر»
شخر آزر ساخرا:
«مرهقا! أخبرتك أنني ظننتك ميت! إنها لمعجزة أنك ما تزال تتنفس يا رجل»
لم يملك الطاقة ليبتسم فحدق في وجهه بوجوم:
«حسنا، لا تنظر إلي هكذا. عد للنوم فإني لا أريدك ميتا»
بدأ يحاول النهوض فدفعه آزر بقسوة فوق السرير:
«أعرف ما ستقوله، دع العمل ونم وإلا فإنك ستلقى حتفك فعلا! سأنوب عنك في كل واجباتك الليلة، فقط نم!»
استلقى إيلاس باستسلام، لم تكن لديه الطاقة ليجادل ويشعر أنه ما يزال مرهقا، تمتم بتثاقل:
«حسنا…فقط ليلة واحدة»
زفر نفسا ساخنا، أعقب بلسان متعثر الكلمات:
«أخي، لا تخبر..»
قاطعه آزر بملل:
«نعم نعم. لن أخبر أخاك أنك انهرت وكدت تدق عنقك، نعم، ولا حتى زوجتك. لن أخبر أحدا. نم واعفني من هذيانك»
رفع إيلاس عيناه إليه، حدق به لوقت قصير ونجح أخيرا في رسم ابتسامة ذابلة على شفتيه:
«أنت رجل جيد يا آزر»
«نعم، أعرف أني رجل جيد ووسيم. ألن تنام؟»
لم يكن إيلاس بحاجة لأن يأمره آزر بالنوم مرة أخرى، انطبقت رموشه على بعضها البعض وغرق في نوم عميق خال من أية كوابيس أو أحلام.
….
ليلة واحدة من النوم كانت كافية لكي يستعيد إيلاس طاقته، استيقظ في الصباح التالي تمام التاسعة صباحا نشيط، رغم أن نفسه كانت تتوق للبقاء للفراش لكنه حفز نفسه وطرد عنه الكسل.
اغتسل بسرعة شديدة وارتدى ملابسا جديدة ثم عاد لعمله بعزم أكبر.
خلال ذلك اليوم، أشعلت نار عظيمة في باحة القصر الأمامية، وصدر أمر صارم في جميع الأرجاء؛ كل جرح يزيد طوله عن شبر سوف يتم بتره.
بعض الناس اعترضت على القرار، لكن الأمر كان قاطعا وصارما ولا مجال للتذمر، وبدأ جميع أطباء المملكة يعملون بجد لبتر الأطراف وكيها بسرعة شديدة قبل أن يتسبب الدم المتدفق في مزيد من الجروح.
خلال خمسة أيام كاملة تم القيام بحملة شاملة على جميع المرضى وقطعت الأطراف وتم حرقها في نار شديدة الحرارة لم تنطفئ لخمس أيام وليال، كان مجرد الاقتراب منها يصيب الناس بلهيب حاد وحرارة لا تطاق.
بسبب هذه العملية الصارمة -الوحشية- تم السيطرة على المرض من جديد وتقلص عدد الإصابات للنصف، لكنها كانت مسألة أيام حتى تكبر الجروح الصغرى، وبدأت الناس تخشى على أطرافها من البتر وازاد العويل والتذمر في القصر، فوقع ضغط جديد على كتفي الأطباء وخصوصا إيلاس، لم يكن بإمكانه أن يقطع الأطراف هكذا بدون هوادة ويحرم الناس من نعمة لن تعوضها أموال.
لكن ذلك كان في جهة، والقلق الذي انتاب إيلاس في جهة أخرى تماما..
قلق لا يتعلق بزوجته، ولا بالمرضى في القصر، لأول مرة منذ بدأ المرض شعر بالقلق على نفسه.
شعر بالحكة في ذراعه منذ مدة فلم يبال بها، اليوم حين كشف عن ذراعه اليمنى وجد جرحا صغيرا بقدر عقلة الاصبع، بثرة صغيرة ممتلئة بالقيح والدم، داخلها ثلاث ديدان صغيرة أزعجته طوال ثلاثة أيام من العمل.
حين سقط مغمى عليه جرح ذراعه في مسمار على الأرض، جرح صغير لم ينتبه له أزر، ولا حتى هو، لم ينتبه له قط إلا حين انتقلت له العدوى.
قد يكون صغيرا اليوم، لكن الديدان تحتاج مدة يومين لتفقس، غدا سيجد أكثر من هاته الثلاثة في جرحه، وسيبدأ الجرح بالامتداد.
ارتمى على الكرسي وقد خارت ركبتاه، ماذا يفعل! لم يعد طبيبا يبحث عن علاج مرضاه، أصبح هو أيضا من ضمن المرضى!
فقط خمسة عشر يوما، خمسة عشر يوما أو أقل وسيمتد الجرح لأكثر من شبر وسيضطر للتخلي عن ذراعه.
هذا الشعور وحده أشعره باختناق شديد لا يطاق، احمرت عيناه وضم كفاه أمام وجهه:
«رحماك ربي!»
......
لا تنسوا التعليق على الفصل
دمتم سالمين
rana rachade