الفصل الثلاثون!
صراحة ما توقعت هاي الرواية تتجاوز اكثر من عشرين فصل
صح لما برجع أقراها بلاقي بعض العثرات فيها، بس ممكن يوما ما أرجع عدلهم.
استمتعوا بالفصول الأخيرة
قررت أنشر فصل اليوم لأني برجع للدوام بعد انتهاء الاجازة، وممكن أنشغل وأنسى ثاني احدث النشر
بس ححاول أختم الرواية هذا الأسبوع🩵🥹
........
و
صلوا للقرية مع أول خيط من خيوط المساء، جذب ضجيج العربة كثيرا من الناس نحوهم، وتفجر الجو الصمت بالصراخ، كانت شائعات المرض قد اجتاحت جميع المناطق، وتخطت الشائعات حدود المعقول، وما بين حذر ومشتاق تباينت ردود الفعل، ما بين دموع وضحكات، فوضى عارمة طغت على هدوء المساء وأصوات الطبيعة الرتيبة.
أكملت العربة سيرها حتى باب المنزل، يرافقها الجميع، على أعتاب الباب وقفت الخالة، وخلفها هارل -الذي كان يعتني بها في غياب العائلة تحت وصاية أخته ديلارا- بدت هزيلة من القلق، شاحبة الوجه، رسمت التجاعيد على وجهها كأحافير قاسية، وبدا جلدها متهدلا، عيناها حمروتان من طول السهاد والدموع.
نزل إيلاس مع زوجته، يتبعه إيروس وديلارا مع الصغير، وقف الخمسة وقفة صامتة، مررت الأم عينيها عليهم جميعا بدون استثناء، تنهل من ملامحهم. تقدمت خطوة للأمام فتعثرت قدماها في اللاشيء، ضعف ساقيها من فرط الهوان.
سارع الرجلان إليها في خط واحد، أسندها واحد من يسارها والآخر عن يمينها، دست رأس كليهما في صدرها، وبدأت تلثم رأس هذا وتقبل وجنة ذاك والدموع تتقاطر من عينيها، تشم ريح هذا وتتفقد الآخر في ريبة وقلق وتقبلهما.
«آه يا ولدي، يا فلذة كبدي. ما الذنب الذي اقترفته أمكما لتنال منكما كل هذه العقوق! أربعة أشهر وأيام طويلة! ألم يرأف قلبكما بهذه العجوز، فلا رسالة ولا حتى خبر!»
لمعت عينا كلاهما بالدموع، جاهد إيلاس لكبتها فاحمرت عيناه حتى استحال بياضها دما، ولم يجد إيروس حرجا في تركها تنزلق من محجريه لتبلل لحيته.
مد إيلاس يده فشد على يد أمه، فرك إبهامه على جلدها الرقيق، وضع شفتاه على أعلى رأسها وطبع قبلة طويلة، صامتة، حملها كل أسفه، كل حزنه، كل اعتذراته.
فيم رمى إيروس يداه حول عنقها ومضى يلثم أذنها وشعرها وهو يعتذر بصوت متحشرج.
ابعد إيلاس شفتاه عنها بهدوء:
«هانت يا أمي هانت. عدنا سالمين ووجدناك سالمة. اغفري لهذين الوقحين تقصيرهما في حقك»
وأعقب إيروس وهو يضع يدها على قلبه:
«أقسم أنك ما برحت عقلي يوما يا أمي، ولا حتى في أشد أيامي سعادة فكيف بأشدها بؤسا! إن العود مهما اشتد سيظل غصنا من شجرة! اغفري لي، اغفري لنا»
نظرت لهما والدتهما بصمت، ظلت دموعها تنزلق على وجنتيها بصمت، حين شبعت أخيرا من تأملهما، جففت دموعها بطرف كمها، وصفعت إيروس صفعة خفيفة:
«أتبكي! رجولتك تحتاج صيانة»
ابتسم إيروس بصمت، ودافع إيلاس عن أخيه:
«سنبكيك يا أمي دوما، في السعادة والبؤس، في الملل والمتعة. لا شيء بعدك ولا قبلك يستحق دمعة هذين الرجلين يا أمي»
رفعت الأم نظرها نحو المرأتين، أبقت ولديها في حضنها ومدت ذراعيها مبتسمة:
«ألن تأتيا؟ إني اشتقت لبناتي أيضا!»
اندفعت آرسي أوا، غرقت في حجر العجوز تبكي بحرقة شديدة تتمسك بثيابها وتدفع بوجهها في صدرها، تبكي ضعفها، تبكي خوفها، تبكي حزنها، تبوح لها بألم لن يحس به سوى قلب الأم.
ورغم أن ديلارا لم تكن أقل من آرسي دموعا وحزنا، لكنها على عكسها لم تصرخ، بل أخذت تهتز وتشهق، والطفل نائم بين ذراعيها.
صفعت الأم ولديها على التوالي وقالت:
«هذان السبب في هذه الدموع أليس كذلك؟ لا تقلقا يا قرتا العين، لن يفلتا من العقاب. من يجرؤ على إحزان بناتي له مني عقاب عسير»
بدأت تجفف دموع ديلارا فيم أبت آرسي أن تبعد وجهها عن صدرها، بغتة انطلق بكاء الصغير أيضا، استفاقت العجوز من لحظة المشاعر الملحمية هذه، أخفضت بصرها نحو أرسي ومدت يدها فوضعتها على بطنها ولم يخفى عنها ذلك التكور الواضح، حدقت بديلارا في صمت. إذا كانت آرسي لم تلد بعد، طفل من هذا؟!
احمرت وجنتا ديلارا بصمت، وهمست كأنها مذنبة أمام قاض:
«إنه لي»
حدقت بها بدهشة بالغة، سارع إيروس يحتضن كتفي زوجته، وقال مصححا:
«لنا»
نظرت العجوز للناس المتجمهرة، دفعت آرسي الباكية نحو زوجها الذي احتضنها ضاحكا، وأخذ يجفف دموعها المنهمرة كالسيل بكم قميصه.
نهضت العجوز من الأرض وقالت:
«لندخل، لنا بيت نتكلم فيه»
دفعت بجميعهم للداخل وبقسوة وصرامة أغلقت الباب في وجه الجميع.
انقلبت سحنة الأم مئة وثمانين درجة، كل الغضب الذي كان يغلي بداخلها انعكس على ملامحها المحتقنة، رمقت ديلارا بنظرة شديدة الصرامة، انتهى وقت الدموع وحان وقت السؤال:
«طفل من هذا يا ديلارا؟»
ارتجفت ديلارا خوفا، تشبثت بالطفل الباكي:
«طفلي»
«أتكذبين على أمك يا ديلارا؟»
ضاقت عيناها وكررت من جديد في حدة أقسى من سابقتها:
«طفل من هذا؟ آرسيلا تقف هناك ببطن يكاد يلمس أنفها، فإذا لم يكن الطفل هو طفلها المنتظر»
صمتت لثوان وأضافت:
«طفل من إذا؟»
أجابت ديلارا من جديد:
«طفلي»
صاحت بغضب:
«أتمزحين!»
حدقت نحو ابنها وسألت بغضب:
«أنت! هل هذا الطفل من صلبك!»
اصفر وجه إيروس، لقد سألته السؤال الخطأ، وأجاب بالإجابة الخطأ:
«لا…»
لم تمهله ليشرح، احمر وجهها غضبا:
«إن لم يكن الطفل طفلك، فطفل من إذا! هل …هل»
لم يجرؤ لسانها على النطق بالاتهام المكلل بالعار، شحب وجه ديلارا وهزت رأسها بعنف شديد، تفجرت دموع غريزة من عينيها، تدخل إيلاس بصوت هادئ:
«أمي، كوني عاقلة. خرجت ديلارا من عندك ببطن مسطح، هل هناك طفل يولد في ظرف أربعة أشهر؟»
هدأت أنفاس الأم الثائرة، عادت ببصرها نحو ديلارا:
«إذا من أين لك بالطفل؟»
قال إيروس بصوت حاسم:
«كف عن استجوابها يا أمي! الطفل لنا، أعطي لنا وسنربيه!»
«أعطي لكما؟ هل باتت الأطفال تعطى وتؤخذ!؟»
ضم شفتاه في عبوس شديد:
«نعم، أعتقد هذا»
تلفتت الأم حولها في جنون، كان صدمتها لفقدان ولديها مدة طويلة ورؤية الطفل قد أفقدتها كل اتزال عقلي، سحبت سوطها تنتوي شرا:
«أهو ابن زنا أم ابن مجهول النسب! كيف تدخلان لمنزلي طفلا مجهول النسب لتقولا عنه أنه طفلكما! ماذا سيقول الناس عني. سيلوك الجميع سيرتنا ونوصم بالعار»
«أمي، نحن سنتبناه، لم نسرقه!»
سقط السوط في حدة على ذراع إيروس فصرخ متألما، تمزق قميصه وساح الدم من جرحه، كانت تلك المرة الأولى على الإطلاق التي تضربه أمه بالسوط دون أن تقصد المزاح، كانت حقا ضربة سوط!
صاحت ديلارا برعب لمرأى الدماء، وتجمدت الأم من الصدمة لم اقترفته يديها، وألجم فم إيلاس فلم ينطق، بغتة وضع إيروس يده على جرحه وقال بهدوء بينما رأسه منكس:
«اضربيني كما تشائين، إن كان هذا سيخفف قليلا من غضبك لهجرنا لك، اضربيني حتى يشفى غليل قلبك»
رفع عيناه المنكسرتان بهدوء:
«لكن صدقيني يا أمي، هذا الطفل لن يخرج من هذا البيت إلا معي. فإما كلانا أو لا أحد»
لقد هددها بأكثر ما تخافه، وهو يعرف ذلك، أخوه أيضا يعرف، منذ موت أبيهما وهي تخشى فراق ولديها، لا يهنأ لها بال حتى تراهما، وكم سخطت على إيلاس لأنه كان دائم السفر والترحال، كان لديها خوف مستمر من أن تفقد أحدهما مثل ما فقدت والدهما.
انهال السوط على إيروس في ضربة مزقت ظهر يده، وسالت منها الدماء بغزارة. وصاحت:
«خسئت، خسئت!»
أسرع إيلاس فأمسك بطرف السوط قبل أن ينهال على أخيه من جديد، التف هذا على أصابعه بقسوة شديدة وأخذ إيلاس يجاهد كي يسحب السوط من أمه دون أن يؤذيها.
«حبا بالله يا أمي! دعي السوط! دعيه!»
«ابتعد عن طريقي، سأربي هذا العاق وأفعل ما فشلت أنت فيه»
شدت السوط أكثر فاصفرت أصابع إيلاس حين انقطع عنها الدم:
«ضحيت بروحي ودمي بعد موت والديكما لتربيتكما، وهذا جزائي! تدخل طفل زنى لمنزلي!»
صاح إيروس بغضب:
«ليس ابن زنى! آيرس ابني، ابني!»
«ومن أين لك هذا الابن أيها الوقح ثكلتك أمك! كيف يكون لك ابن وأنت عاقر لا تنجب!»
جف وجه إيروس من كل قطرة دم، وحاكى شحوبه شحوب الموتى. صحيح، لقد اكتشفت هذا من حوالي سنتان فقط، لقد كان هو العقيم وليس زوجه، لكن الوحيد الذي يعرف هذا السر كان إيلاس!
صاح إيلاس بشدة:
«أمي، عودي لرشدك!»
سحبت السوط بقوة فحررته من يديه:
« ولماذا؟ ابني وأعرفه. إن لم يكن العقم منه فمن من تظنه! أتظنني غبية كي لا أعرف نتائج علاجك له! عن من تخفي هذا السر بظنك!؟ عن أمك! خسئت أنت وهو»
«قبل لحظات كنت تسألينه إن كان الطفل من صلبه!»
تمتمت بغضب مكبوت:
«رجوت، وخاب رجائي! ابتعد يا إيلاس»
وقف إيلاس بوجهها وقفة ثابتة؛
«ما دمت مصرة، فاضربي كلينا. أنا أيضا مسؤول عن هذا الصبي، لن يخرج من هذا البيت بعدما دخله يا أمي. فاضربيني»
اشتعلت النيران في عيني أمه، ورفعت السوط حتى بان ابطها تنوي شرا به، بغتة انطلقت صيحة متأوهة بددت ذلك الصمت المشحون، التفت جميعهم نحو آرسي التي تستند على الباب، تمسك بطنها، وجهها محمر ومحتقن، وشعرها ينسدل على عينيها، تمتم إيلاس بجزع:
«آرسي؟»
صاحت من جديد، غرست أصابعها في بطنها بشدة:
«إلحقني يا إيلاس الحقني»
لقد طار، طار حرفيا ليكون بجوارها، مد كفيه فوضعهما على بطنها، وارتسم الفزع في عينيه:
«ما الخطب؟ ما الذي يؤلمك»
تمسكت به، دفنت وجهها في صدره وناحت:
«أشعر أن السكاكين تغرز في بطني، الحقني يا إيلاس…آه»
مضت تتأوه بين يديه، تشد على قميصه وتنوح، أسرع إيروس لهما، سأل بارتباك:
«ما خطبها»
كان الفزع ما يزال يجمد إيلاس، مرر كفه على ذراع زوجته:
«لا أدري. تنفسي يا عزيزتي تنفسي»
سقط السوط من يد العجوز، قالت:
«هل هي تلد؟»
صاح إيلاس بعصبية شديدة:
«أي ولادة يا أمي وهي بعد في شهرها الثامن!»
«كثير من النساء يلدن في الشهر الثامن. أجلسها»
التفتت نحو ديلارا وقالت:
«أحضري كوب ماء!»
«ح…حاضر!»
أخذت آرسي تتأوه من جديد، حملها إيلاس ووضعها على أقرب كنبة، ركع بجانبها، يمسح الدموع من عينيها ويحاول تجميع شتات تفكيره كي يفحصها بشكل صحيح، لكنه لم ينجح، تمتم بتوتر:
«قد يكون مجرد انقباض، تنفسي واسترخي»
مررت عيناها على وجهه، ثم هزت رأسها نفيا:
«إنه لا يذهب!»
«سيذهب، تنفسي يا آرسي أرجوك»
انفجرت الدموع من عينيها، فظن ألمها شديدا وبدأت تراوده الشكوك، هل حقا ستلد؟ ربما، فكل ما مرت به لم يكن هينا، لعل كل ذلك التعب تراكم. لكنه دعا ربه من أعماق ربه ألا تفعل، لم تكن لديه الطاقة ليعيش أزمة جديدة تتمثل في ولادة مفاجئة، ولطفلين في آن واحد.
عانقها فقالت:
«أريد أن أنام، أريد أن أرتاح، أرجوكم، يكفي! »
أمسك إيلاس كوب الماء من يد ديلارا ساعدها لتشرب القليل، مرر يده على شعرها:
«حسنا، اهدئي»
التفت للخلف، مرر يده في شعره وقال:
«أمي، سنناقش كل شيء غدا. سأشرح لك كل شيء حرفا حرفا. أرجوك ارحمينا ليلة واحدة! لم يعد أي منا يستطيع التحمل، نحن مرهقون!»
ضمت شفتيها في قوة، حدقت به بغضب:
«فقط لأجل هذه المسكينة! فقط لأجلها»
حملت السوط عن الأرض، رمقت إيروس بنظرة فظيعة ثم اختفت في غرفتها.
التفت إيلاس نحو أخيه وأومئ له بصمت، فابتعد إيروس مع زوجته وهو يضغط على جروحه الدامية.
دس إيلاس ذراعيه تحت زوجته وحملها، دفع باب الغرفة بقدمه ثم أغلقه بنفس الطريقة، وضع زوجته برفق على السرير، وضع يده على وجهها برفق ومسح دموعها:
«أ ما زلت تشعرين بالألم؟»
هزت رأسها:
«لا»
ابتسم، فرفعت له عينان زمرديتان تلمعان بالدموع، أكملت:
«لم أكن أشعر بالألم، لقد كذبت»
قطب جبينه:
«كذبت! وهل هذا موضوع يستحمل الكذب يا آرسيلا! لقد سقط قلبي»
أجابته بصوت باك:
«لم أجد حلا آخرا، كنتم تتشاجرون، وكانت خالتي ستضربك بالسوط أيضا. لم يكن بيدي حل آخر»
سحب نفسا عميقا وزفره في اهتياج:
«إذا لم يكن هناك ألم!»
هزت رأسها ببطء، رسم على شفتيه ابتسامة واسعة:
«حسنا سأسامحك، لقد أنقذتي ليلتنا رغم أني كدت أصاب بجلطة»
حدق في وجهها المحمر من البكاء، كان يظنه محتقنا بسبب الألم، لم يشك للحظة أن العكس هو الصحيح، ابتسم:
«إنك ممثلة ممتازة!»
بسط كفه على بطنها:
«ما دمت بخير، ما دام طفلينا بخير، فكل شيء في عيني يهون»
رفع رأسه لها ووضع كفه على وجنتها:
«لكن لا تفعليها مجددا بي»
ابتسم ضاحكا وأعقب:
«أو اغمزيني على الأقل!»
هزت رأسها بصمت، فجذبها لحضنه وضم جسدها في عناق صامت حمل الكثير والكثير من الكلمات، حمل خوفا، حزنا، وارتياحا، عناق كان الدواء المثالي لمثل هذه الليلة السوداء التي لن تمحى من الذاكرة مهما طال بهم الزمن.
استكانت آرسي بين ذراعيه، وأغمض هو عيناه في صمت وذقنه تضغط رأسها… لحظة هدوء…هذا كل ما يحتاجه، فقط لحظة واحدة يستجمع فيها شتات نفسه، إنه على شفا للانهيار!.
......
فصل قصير.
من البكاء للصياح
معنديش استراحة أنا😭😂😂
🤭🍯
rana rachade