٢٩

٢٩

12 0

تخيلوا شعوري وانا بكتب هذي للفصول الأخيرة،

🙂🥲

ما ظل كثير بس رغم اني متحمسة حزينة

وشفتو، صارت كركدية أطول رواية كتبتها في مسيرتي.

........

صمت مؤلم غلف الجو، وانتشرت رائحة البؤس في المكان. لم يملك أحدا كلمة ليقولها، ولا جملة مواساة يخفف بها عن ديلارا.

استمرت العربية بالتحرك حتى كادت تصل لمنتصف المملكة، بغتة، اهتزت بعنف شديد وتوقفت. مد إيلاس ذراعيه وأسند آرسي قبل أن يسقطها الاهتزاز المفاجئ للعربة. تبادل جميعم نظرة تساؤل، وبغتة ارتفع طرق على النافذة، فتحها إيروس لأنه كان أقربهم لها وظهر أمامهم آزر وهو يمتطي حصانا أشهبا من أحصنة القصر.

«طلبت من السائس أن يستدير بالعربة»

«لماذا؟»

حطت عينا آزر على ديلارا وقال:

«يريد الرجل مقابلتها من جديد»

انتفضت ديلارا في مكانها، حدق به الجميع في دهشة ممزوجة بالتساؤل لكنه لم يزد على قوله حرفا، انطلق بحصانه عائدا للقصر، واستدارت العربة لتتبعه.

طوال الرحلة القصيرة التي استغرقت سبع دقائق،  ظل أربعتهم ينتظرون في توتر، خصوصا ديلارا التي لم تحتمل قط فكرة العودة، ولم تعرف لماذا طلب منها العودة.

ربما لأجل ملابس آيرس؟ ربما ليعرف منها حاله؟ ربما لأي شيء، فبالطبع لا يمكن أن يعيد لها الطفل!

حال توقف العربة، خرجت ديلارا أولهم باندفاع، ووقفت أمام العربة تحدق بتوتر ولهفة للرجل الذي يتقدم منها وبين يديه آيرس الذي يبكي بشدة، بوجه محمر مجعد وفم مفتوح لا يصمت عن الصراخ.

مد يده فوضع الطفل بين ذراعي ديلارا، تمسكت به تلقائيا وضمته لحضنها، شم الصغير رائحتها، تعرف على دفئ حضنها فصمت وبقيت رموشه السوداء مبتلة بدموع الصراخ.

ابتسم الرجل بحزن:

«لم يتوقف عن البكاء قط منذ انطلقت العربة»

تممت ديلارا بصوت مهتز:

«كان كذلك حين ولد»

رفع الرجل عيناه إليها، وضع يده في يد الصغير وقال:

«لم أتوقع قط أني سأفعل المستحيل لأحصل على هذا الطفل ثم أتخلى عنه طواعية لغيري. لعلي أب جاحد للنعمة»

توقفت أنفاس ديلارا في حلقها، حين أكمل:

«ربما يكرهني حين يكبر ويعلم أن أباه تخلى عنه أليس كذلك؟»

قفز إيروس عن العربة وتدخل في الحوار:

«لماذا تعيده لنا؟ نحن لسنا بحاجة شفقتك يا سيدي، هذا ابنك وأنت أحق به منا»

نظرت له ديلارا بصمت، هزت رأسها ومدت الطفل من جديد لأبيه، تعلقت الدموع في عينها وقالت:

«أعرف أني بدوت غير عقلانية يا سيدي، لكني لن أحرم أبا من ابنه. ما أنا سوى مربية التقطته، أحبته وتمنته ابنا لها»

ارتجفت شفتاها:

«خذه، إنه يستحق أبا»

امتنع الرجل عن امساك الصبي:

«لا يا ابنتي، نعم هو يستحق أبا، لكنه يستحق أما أيضا. كانت أمه رحمها الله حنون جدا ووهي من كانت ستعتني به. حين انطلقت العربة أخذت أفكر إن كان بإمكاني أن أقدم له ما كانت ستعطيه أمه من حب، أنا مجرد حطاب متواضع، لا أملك وقتي كله لأهتم برضيع صغير قد يؤذيه نسيم بارد»

«لكن لكن إنك أبوه! …»

«نعم، وهذا الأب يريد الأفضل لابنه. بدلا من أن أدفع لمربية غريبة كي ترضعه وتهتم به، بدل أن يعيش الفقر والعوز مع أب كهل لا يملك الوقت ليحميه، فأليس الأفضل أن يحصل على أب وأم شابين، يملكان من الوقت والحب ما يكفيه!»

ابتسم ضاحكا:

«لا يبدو هذا منطقيا صحيح؟ لقد عشت شهورا وأنا أظنه ميتا، فكيف أتخلى عنه بعدما وجدته! لقد بذلت الغالي والنفيس في سبيله، لكني أعطيه لكما، ألا تحبينه؟»

«بل إني أفديه بروحي يا سيدي، آيرس قطعة مني»

ابتسم الرجل بحنان، مد يده فربت على شعر ديلارا:

«طوال هذا الوقت ظننتني أحارب لأجلي، لكني كنت أفعل ذلكما من أجلك. منذ اليوم الذي غرس آيرس في رحم أمه كان مقدرا له أن يكون ابنا لك لا لنا»

ضم يديها على الصغير وأضاف:

«خذيه، أحبيه واعتني به يا ابنتي. آيرس يستحق أما تحبه، وأنت أمه»

ارتبك إيروس، حين نظر له الرجل:

«هل أنت زوجها؟»

«بلى»

«أعتمد عليك في رعاية ابني كابن لك! كن له الأب الذي لن أكونه»

بغتة قطع إيلاس هذا الموقف الشاعري وقال بصرامة:

«نقدر تعاطفك يا سيدي، لكن ليكن بعلمك إن أخذنا الصبي الآن فلن نعيده. سنتبناه ليكون ابننا، ولن يكون لك حق فيه بعد الآن!»

أخفض الرجل بصره عيناه للطفل، ثم قال بهدوء:

«نعم»

أكد  إيلاس:

«لن تطالب بالصبي، ولن يعرفك ولا تعرفه»

«إنك تجعل الأمر قاسيا يا بني»

1

«إني أضع النقاط على الحروف، فهذا مستقبل طفل بريء وليس لعبة ليتنقل بين العوائل لأن والده ندم على فقدانه بعد شهر أو سنة»

تنهد الرجل، أخفض رأسه وقبل ابنه مرة أخيرة ثم ابتعد:

«نعم. لن أطالب به. وجميع من هنا شاهد على كلامي»

ضمت ديلارا الصبي لحضنها، واستدارت بصمت عقب كلامه، ركبت العربة دون كلمة، كانت تخشى أن يغير الرجل رأيه ولم تملك الشجاعة حتى لتشكره على النعمة التي قدمها لها.

جلست في مكانها في زاوية العربة، تحتضن الصبي بين ذراعيه وترتجف كأنما اعصارا أطاح بها.

ابتسم إيلاس نحو آزر وقال ممازحا:

«إذا لحقت بنا هذه المرة فسأدوسك بالعربة»

قهقه آزر:

«لا تقلق، لقد اكتفيت من الركض»

أغلق إيلاس باب العربة بعدما اومأ شاكرا للرجل أب آيرس، وانطلقت العربة هذه المرة دون أن يقاطعها شيء.

لم تخرج ديلارا من جمودها إلا بعد مضي ساعة حين ابتعدوا بما فيه الكفاية عن المملكة، وارتاح قلبها من أن يكون هناك من يلحق بهم من جديد.

كان آيرس قد نام في حضنها، لفته في شالها الصوفي وأخفت معالم وجهه، وطفقت تتأمله بصمت.

حين لاحظ إيلاس أن الجو صفا من الحزن قال:

«ستكون معاملات تبني آيرس صعبة. تعلمون أن تبني الأطفال عند العوام يأخذ وقتا طويلا. فالمحاكم لا ترضى بسهولة منح الأطفال للعوام، على عكس النبلاء»

تنهد إيروس:

«لم لا تتبناه باسمك؟ أنت نبيل الآن يا إيلاس»

«لكنه عمليا سيكون ابني أنا»

هز إيروس كتفاه بلا مبالاة:

«ابنك أم ابني، لا فرق. ألسنا نعيش تحت سقف واحد؟»

هز إيلاس رأسه:

«سيكون من الأفضل أن تتبناه باسمك يا إيروس تفاديا لأي مشاكل مستقبلية. إذا حصلت على وصاية من رجل نبيل رفيع يمكنك أن تتبنى الفتى دون مشاكل»

«وأين نجد هذا النبيل الرفيع؟ هل نعود لنطلب من الملك»

تدخلت آرسي بهدوء:

«سأكتب رسالة لوالدي، لن يمانع كتابة توصية لك»

صمت إيروس للحظة، ثم تذكر بغتة أن أب آرسي كان بدوره ملكا. انفرجت شفتاه في ابتسامة:

«بالطبع يا أميرتي، سأكون شاكرا»

نظر إيروس نحو زوجته وقال:

«ما رأيك يا عزيزتي»

بادلته نظرات تائهة:

«أنا…»

انفجرت عيناها بالدموع وشهقت باكية:

«أنا آسفة، أنا آسفة»

مدت آرسي يدها:

«على ماذا؟ لأنك أردت ابنا يا ديلارا؟ لماذا تأسفين لهذا؟ ليس ذنبك. انظري لقد انتصرت وحصلت على ما تريدين»

«لكني حرمته من والده»

«لو أن الرجل لم يرى فيك أما يستحقها ابنه لم يكن ليطلب عودتنا،  لم يكن ليمنحك هذا الطفل. ثم تذكري ما قاله، لقد كان آيرس ابنا لك قبل أن يولد، هذه قدره، منذ البداية كنت أمه.»

«أنا…»

هزت آرسي رأسها، مدت أصابعها لتمسح الدموع عن وجنتي ديلارا:

«لا ترهقي نفسك في التفكير فيم مضى يا عزيزتي. أنت الآن أم آيرس، وحدك. فكري بما هو آت»

صمتت ثم قالت:

«كيف سوف تفسرين الأمر لخالتي مثلا؟»

أجفل الرجلان في نفس الوقت، وظهرت علائم الارتباك على كليهما، أشاح إيلاس بوجهه فيم تمتم إيروس بارتباك واضح:

«آه، أمي، لقد كدت أنسى أمرها»

نظرت لهما المرآتان  بصمت، ثم انفجرت ديلارا في الضحك رغم دموعها، تحاول تلطيف الجو المكهرب:

«هناك الكثير جدا من الأخبار التي تنتظرها، وطبعا سوط الخالة المشهور ينتظركما»

أعقب إيروس

«لم يكن عليك تذكيرنا بذلك يا عزيزتي»

تبادل الأخوين نظرة ذات معنى،  وبغتة غرق الأربعة في الضحك، واستيقظ الصبي على إثر ذلك مذعورا باكيا.

……….

الإقطاعية التي حصل عليها إيلاس مع لقبه النبيل كانت اراض واسعة في أقصى شرق المملكة، بها عدد قليل من الناس، وكانت عالأغلب منطقة سياحية، فالمنظر فيها كان ساحرا.

بحر أزرق ضخم، غابات مطيرة خضراء يانعة، وقصر ابيض اللون يرتفع بشموخ فوق قبة صخرية عالية ترتطم الامواج على حافتها.

قصر صغير أشبه بفيلا بيضاء، تستقيم بشموخ فوق التلة، من خلفها أشجار خضراء تغطيها، وأسفلها بحر ترتطم أمواجه بعنف، وشاطئ ذهبي اللون يتألق في الشمس الحارة.

وقف الأربعة أمام العربة يحدقون بنفس الدهشة في جمال المكان، وسحرت آرسي بالبحر الذي تراه لأول مرة.

سألت بحماس:

«كم سنلبث هنا؟»

تنهد إيلاس:

«ليس أكثر من يومين، يجب أن نعود. لقد تركنا أمي وحدها بما فيه الكفاية»

ابتسم:

«حين يهدأ كل شيء، ربما نعود لقضاء إجازة مريحة هنا»

امتد صفان طويلان من الخدم أمام باب القصر الإبيض، ووقف على رأسهم رجل وامراة متوسطي السن، عرفا نفسهما برئيس الخدم، والمدبرة.

في ذات الوقت أقبل عليهم رجل أنيق الملبس، ذو حركات رزينة نبيلة، أنيق الطلعة، وعرف نفسه بالرئيس السابق للاقطاعية، كان نبيلا فقد لقبه بسبب الإفلاس، وهو يعمل الآن كمدير تحت امرة  الملك، ولكونه أقرب لعامل منه لرئيس حقيقي،  كان من السهل جدا تدبير رئيس جديد للمكان دون أن تحدث اي مشاكل سياسية.

أبدى سعادته بمقابلة إيلاس، قدم لهم الشاي، وجهز لهم غذاء فخما أسكت جوعهم الذي تفاقم خلال الرحلة التي دامت نصف يوم.

حل العصر سريعا، واستفردت المرأتان كل في غربة فخمة، تطل على البحر وعلى جمال الاقطاعية الخلاب.  فيم بقي الرجلان مع السيد ليناقشا امر الاقطاعية وتوقيع بعض الأوراق المهمة.

وهكذا انقضى النهار سريعا وحل الليل، حين دخل إيلاس لغرفته التي خصصت له، وجد زوجته تحضى بعناية خاصة من بضع جواري حسنوات، بدت سعيدة جدا بهذا الدلال الذي استفقدته مدة طويلة جدا، عبست في وجهه حين دخل وقاطع فترة استجمامها المريحة.

انصرفت الخادمات فيما تمطت آرسي فوق الكرسي الوثير التي تجلس فوقه، كانت ترتدي عباءة حريرية ليلكية غامقة اللون، تنزلق على جسدها بسلاسة تامة وتعكس توهج بشرتها بعد التدليل الخاص.

مدت يدها لكأس العصير الزجاجي وأخذت ترتشفه على مهل بينما تراقبه بطرف عينيها. مجددا ركنت للصمت معه ولم تبدأ محادثة.

لكنه حين سألها عما فعلت اجابت بهدوء واختصار مؤدب.

«ساعدتني الجواري في الاستحمام، واعتنين بي جيدا. طلبت منهن أن يتركن بعض الماء الساخن في الحمام لأجلك»

«فهمت»

لم تتحرك من مكانها قيد أنملة، تجلس جلستها تلك بينما ساقيها مفرودتان فوق مقعد فخم وشعرها منسدل على كتفيها، تناقض حمرته زرقة ما ترتديه.

نحيفة القوام، لا يبرز فيها شيء سوى بطنها، تستلقي بتكاسب تام وكأس العصير ملتصق بشفتيها المزينتان بأحمر الشفاه وعينان ناعستان.

ابتسم ساخرا، وحدث نفسه (بذلت الجواري كل جهدهن فعلا في تدليلها» 

حين عاد  من حمامه وجدها قد اختفت تحت البطانيات الوثيرة، سرقت كل وسائد السرير وأسندت بهم بطنها، ونامت في منتصف السرير دون أن تبالي به.

أشرف عليها من علو قامته بينما هي نائمة، ابتسم ضاحكا وهو يرى كل تلك الوسائد التي حشرتها هنا وهناك لتسند ثقل بطنها، وساقيها اللتان التفتا فوق الوسائد باحكام.

مضى نحو باب الشرفة المفتوح فأغلقه،  ثم مضى فحشر نفسه في المساحة الضيقة التي تبقت من السرير، ألقى يده على جسدها وأسند رأسه على ذراعه الأخرى، وقضى وقتا طويلا يراقب اهتزازات بطنها بينما طفلاه يتقلبان في الداخل، قبل أن يسرقه الكرى من نفسه أخيرا.

……..

انتصفت الشمس في كبد السماء، وسطعت أشعتها الذهبية مرسلة حرارة حادة في الأرجاء.

تألقت حبيبات الرمل  الذهبية  على الشاطئ اللماع، وتلألأ سطح البحر الفيروزي وكأن فوقه ألماس منثور.

على الشاطئ أقيمت مظلة بحرية ضخمة، بجوارها مائدة ممتلئ بالحلويات والمرطبات، وكراس فارغة.

على أطراف الموجة جلست آرسي مرتدية فستانا صيفيا خفيفا ابتل بالماء المالح، شعرها مبتل الأطراف، يلتصق برقبتها، وأصابعها مغمورة في الرمال الغارقة في الماء.

أما على بعد خطوات منها، كانت ديلارا ترتدي فستانا مماثلا وترفع شعرها الأسود فوق رقبتها، تضحك ملئ فمها وتصيح بينما تجاري تهور زوجها وتتسلق الأمواج العالية التي لا تلبث أن تقذف بكليهما للخارج.

كانا كالأطفال، يتسلقان الأمواج، فترميهما للخارج، ويركضان من جديد نحو موجة جديدة، لم يكن أي منهما قد رأى البحر من قبل لكن ذلك لم يمنعهما من اللعب في الماء ومحاربة الأمواج كيفما اتفق.

1

أما على بعد البصر، وفي أعماق البحر حيث تشتد زرقة المياه، وتهدأ الأمواج، كان إيلاس.

رأسه الأسود هو كل ما يظهر منه كل بضع دقائق، فلا يلبث أن يقفز في الماء برشاقة ويغوص للقاع ليظهر رأسه في مكان مختلف تماما.

قطبت آرسي جبينها، ومضت تتابعه بعينيها بحنق بالغ، ألا يخشى الغرق؟ أيظن نفسه في بحيرة صغيرة؟ هذا الأحمق يكاد يصل للطرف الآخر من العالم ومع ذلك ما يزال يتوغل دون أن يرهبه العمق.

عادت ببصرها نحو إيروس وديلارا اللذان يلهوان قريبا منها، كانت ديلارا قد تركت آيرس برفقة الخادمات بعد إقناع طويل، كانت تحتاج فعلا وقتا مستقطعا تلهو فيه بعيدا عن كل التوتر الذي عاشته في الفترة الأخيرة.

صدحت ضحكاتها وصرخاتها ممتزجة بصخب الأمواج، ومضى إيروس يحملها ثم يقذف بها في الماء ولا يلبث أن يلتقطها ليعيد الكرة.

أخفضت بصرها للرمل الذي غمر ملابسها ومضت تنفضه بلا جدوى، فكلما تحركت الأمواج امتلأت بالرمل أكثر فأكثر.

بغتة سقط فوقها ظل طويل، رفعت رأسها ووقعت عيناها على زوجها الذي يقطر جسده ماءا.

أعاد شعره للخلف وجلس بجانبها، مد ساقيه أمامها وأعاد رأسه للخلف ليستند على ذراعيه بينما يزفر أنفاسه في استرخاء تام، ثم ركن للصمت.

تحركت الأمواج من جديد لتغمر كليهما بالرمل، فتح إيلاس عيناه وحدق بتذمر في الرمل الذي تسلل عبر ثيابه.

التفت نحوها بضيق:

«لم تجلسين هنا؟»

«لأنني أردت أن أتبلل مثلكم»

«يجدر بك أن تتجاوزي أطراف الموجة على الأقل مثلما فعل إيروس وديلارا. أنت تجلسين في الرمل»

رمقته بنظرة غريبة، ثم تجاهلته ومضت تلعب بالرمل من جديد، ليس وكأنها لم ترد الدخول، لكن منظر الأمواج أخافها، لم يسبق لها أن دخلت البحر من قبل، وهي واثقة أنها إذا ما سقطت تحت الماء فلن يسعفها ثقلها لتنهض، ولا يمكنها أن تشغل إيروس وديلارا بها بينما يلهوان مع بعض.

1

لكنها لم تقل أيا من ذلك له.

نهض بغتة وركض بعيدا، قفز في الماء بلا تردد وغاص للحظات ثم اندفعت رأسه من تحت الماء، نفض شعره بقوة وعاد نحوها بعدما تخلص من الرمل العالق به.

انعكست الشمس على جسده المبتل، وتلألأت قطرات الماء العالقة بجسده. لم يكن يرتدي سوى شورت أبيض قصير، بينما يبدو جسده النحيف رشيقا.

حسنا، خلال هذه الأزمة لقد فقد وزنا ليس بالهين، ومعه اختفت تلك الكرش التي كانت تضحكها دوما.

ليس ذو بنية عضلية، لكنه رجل قوي، في الحقيقة إيروس يبدو متوازن الهيئة أكثر منه، لعل ذلك راجع لعمله في الورشة التي تعتمد على مجهود عضلي أكثر مما يفعل العمل في العيادة.

«تعالي»

رفرفت عيناها بتساؤل واضح، توقفت  عن تأمل صدره وحركت عيناها نحو وجهه، كانت عيناه حمرواتين من ملح البحر، لكن نظرته بدت متألقة ومرحة، انعكست أشعة الشمس في عينيه فتألقت بلون صاف كشهد العسل.

نفضت الرمل عن كفيها ومدت يدها نحوه، أمسكها بقوة وسحبها إليها، شد على خصرها ونظر بضيق لكمية الرمل التي علقت بجسدها:

«كاد أن يتم دفنك»

سحبها ببطء نحو البحر، يمشي وهي خلفه متمسكة بيده، تنظر برهبة للأموج، توقفا على مقربة من الثنائي، وبدأ يرش جسدها بالماء ليبعد الرمل عنه.

ارتفعت موجة عالية بغتة، فحدقت بها آرسي برعب بالغ، تشبثت بإيلاس بكلتا ذراعيها وهزت رأسها بعنف شديد حين أخذ يتوغل بها في الداخل، رمقها مبتسما:

«لا تخافي»

وقف مقابلا للموجة فخفف عنها قوة الارتطام، لكن الماء غمر كليهما حتى غطاهما، تبلل شعرها بالكامل وأحرقت ملوحة الماء عينيها.

ابتسم وأبعد الشعر عن عينيها، قال بمرح:

«لنبللك أكثر»

لم تملك وقتا للاعتراض، سحبها خلفه وتوغل بها في الداخل، متجاوزا الثنائي ومنطقة الماء الفيروزية الخفيفة، بدأت تحس أن الرمل تحت قدميها يتلاشى، والماء غمر نصف جسدها.

لم تعد تقوى على المشي على قدمها، وباتت تشعر أنها تمشي على أطراف أصابعها، شدت يده بقوة :

«لنتوقف هنا»

قال بهدوء:

«هناك بقعة رائعة هناك، المياه هناك  دافئة أكثر»

هزت رأسها نفيا:

«لا، دعنا نتوقف هنا»

التفت نحوها، قرأ الخوف في عينيها، نزل عند رغبتها مرغما، تراجعت به بضع خطوات للوراء، وظل يشدها للأمام فتشده للخلف، ولم ترتح حتى شعرت أنها تقف فوق الرمل باستقامة تامة، ذلك الشعور بعدم وجود أرض تحت قدميها بعث فيها قشعريرة باردة.

لم يبدو على وجه إيلاس الرضى، لكنه نزل عند رغبتها، كان الماء لا يزال يغمر جسديهما للمنتصف، رغم أن حدة الأمواج المتكسرة كانت أخف في تلك المنطقة مقارنة بالأطراف، كانت كل موجة ترفعها وتنزلها، تبعدها عن إيلاس فتعود هي لتقترب منه.

شابكت أصابعها بأصابعه ورفضت إفلاته رغم محاولته الجاهدة، قطب جبينه، بغتة شعرت بذراعه الأخرى تحيطها، رفعها دونما استعداد مسبق فتعلقت برقبته، عاتبها:

«قلت لا تخافي!»

«ماذا تفعل؟ أنزلني!»

ابتسم بعبث، أحنى ظهره ووضعها فوق الماء فتعلقت به كالقطة، ثقلها لم يكن مزحة، إنه يحمل ثلاثة أشخاص لا واحدا، وبذراع واحدة، جاهد ليبقى مستقيما في وقفته ولا يتعثر، وبخها:

«بربك! أفلتي عنقي يا امرأة!»

«أنت تنوي إغراقي!»

1

ابتسم ساخرا:

«لم تخطر هذه الفكرة لي قبل الآن، إن لم تفلتيني فقد أنفذها»

رمقته بنظرة شديدة العناد، زفر أنفاسه في وجهها:

«أفلتي عنقي وإلا غرق كلانا»

صمت وأضاف برقة:

«ثقي بي!»

تنهدت، فكت يدها عن عنقه، لكنها رفضت ترك  يده الأخرى، مددها على الماء فغرقت ساقيها، وغمر الماء نصف وجهها:

«ما بالك متشجنة! استرخي!»

«سأغرق»

«كفي عن التفوه بالتراهات، أغمضي عينيك ودعي الماء يحملك، تنفسي  وتوقفي عن حبس أنفاسك»

تمتمت بعصبية:

«لديك الكثير من الأوامر سيدي البارون»

جارها في صراخها، ذراعه التي تحت خصرها تخشبت من ثقل جسدها المتيبس:

«نفذي أمرا واحدا منها على الأقل  يا سمو الأميرة!»

تشابكت أعينهما في نظرة طويلة، زفرت أنفاسها بضيق شديد وفردت ساقيها تحت الماء، مضت تتبع تعليماته الهادئة واسترخت فحملها الماء.

«أغمضي عينيك»

«لا!»

زفر أنفاسه بضيق:

«يدي تحت ظهرك، وتمسكين الأخرى، هل يجب أن تمسكي بأنفي وشعري أيضا!»

تمتمت بغضب:

«الرجال لا تؤتمن!»

صفر فوق أذنها:

«هييه!»

أغمضت عينيها عن نظرة عينيه العابثة، وأنصتت لصوت الأمواج وصخب البحر، أصوات الطيور وصراخ ديلارا البعيد الذي يصل بشكل متقطع.

أحست بالماء تحتها كفراش وثير من الصوف، ناعم ودافئ، يغمر جسدها ويريح الألم الذي كان يضغط على فقرات ظهرها  بسبب ثقل الحمل.

شعرت بالأمواج كيد سحرية ترفعها تارة وتخفضها تارة، تهدهدها حتى أن النوم في ذلك الوضع استطاب لها.

خلال ذلك لم تشعر قط أن أصابعها أفلتت يد زوجها وغرقت في الماء، ولم تحس بكفه التي تسللت من تحت ظهرها مبتعدة عنها.

مضت دقائق ثلاث قبل أن تفتح عينها حين رفعتها موجة أعلى من سابقاتها، نظرت بغتة للسماء الزرقاء فأعماها الضوء الساطع بعد الظلام الذي غرقت فيه.

حركت رأسها لتنظر لزوجها فوجدته يقف على بعد خطوة منها، يربع ذراعيه على صدره وينظر لها مبتسما.

علق بذهنها شيء واحد خلال تلك اللمحة السريعة؛ إنه لا يمسك بها!

الرعب الذي شلها بدد الاسترخاء الذي كانت تحس به، تخبطت ساقاها في الماء وغرق جسدها نحو القاع، هب إيلاس نحوها ليرفعها لكنها تشبثت بعنقه في عنف شديد بسبب رعبها، ولم يكن هو مستعدا قط لتلك القوة العنيفة التي شدته بها للأسفل، ثقل جسدها وتخبطها لم يسعفه قط ليرفعها، ورأسه التي دفنت تحت الماء بددت توازن جسده فسقط ككلاهما تحت الماء.

كلما حاول رفع نفسه جذبته للأسفل أكثر، كانت تتشبث به لتنجوا، لكنها لم تعرف قط أنها كانت تساهم في إغراق كليهما.

بمعجزة خالق نجح في رفع رأسه من تحت الماء، تملص من ذراعيها وسحب نفسا عميقا بدد به الاختناق الذي عاشه، في نفس الثانية مد كلتا يديه فسحبها نحوه، ورفع جسدها حتى أوقفها على الأرض الرملية صاح بها بغضب:

«قفي، قفي على قدميك أيتها الحمقاء، تبا لك!»

حين أحست بقدميها فوق الأرض توقفت عن التخبط، مالت نحو صدره بانهاك وقد أشعرتها المياه التي ابتلعتها بتخمة غريبة وغثيان جارف، لم تلبث أن استفرغت كل ذلك في الثواني التالية، شعرت بملوحة الماء تحرق حلقها.

غسل إيلاس وجهها، حدقت به بارتعاش:

«لقد خنتني، قلت أنك لن تتركني!»

«اخرسي، كدت تغرقي كلينا أيتها الحمقاء! ولم يكن لينجوا منا أحد، حتى الأطفال»

تفجرت الدموع من عينها إثر قوله، هزت رأسها بعنف شديد:

«أخرجني، أخرجني»

شد على يديها بصرامة:

«لا! سنعيد الكرة»

«لن أفعل!»

غرس نظرته الحادة في عينيه، كرر بنفس الصرامة:

«لن أترك صدمة غبية ترهبك من الماء. سنعيد الكرة والآن!»

«في أحلامك!»

لكنها فعلت، استلقت من جديد فوق الماء، رضخت لصرامته وتركت الأمواج تلعب بها، لكنها تركت عيناها مفتوحتان كالبومة ولم تثق به من جديد، لا يلدغ المرأ من نفس الجحر مرتين.

ومضى نصف اليوم هكذا، حتى عندما خرجوا من الماء للراحة

وشرب المرطبات عادوا بعد ساعة، لعبوا بالماء حتى الساعات الأخيرة، وفي النهاية تشارك الرجلان لعبة كرة قدم فوق الشاطئ، بينما أخذت المرأتان تلعبان عند أطراف الموجة.

وفي الصباح التالي ورغم إنهاك السباحة والبحر، استقلوا العربة عائدين للديار، رغم أن نفسهم كانت تتوق لمزيد من اللهو في الماء الدافئة.

أما عن آرسي فطوال الرحلة نامت وكأنها جثة، إنهاك البحر والحمل في آن واحد لم يكن مزحة، وزوجها غدر بها أكثر من مرة داخل الأمواج..لم يكن يؤتمن حقا.

.......

ثلاث آلاف كلمة.

🌚❤️

الفصول القادمة ستتضمن العودة لروتين القرية الهادئ.

وولادة آرسي🌚🌚

وفصل سبرايز

ثم النهاية

وقررت أحط لكم فصل اضافي

🌚

ليش أشارككم المخطط؟

عشان تتحمسون معي، ولانه كثير سالوني متى تخلص الرواية، فقلت أوضح لكم.

يعني العودة أخذت فصل

وممكن ولادة ارسي فصل لانه عندي احداث كثيرة بمخي للولادة🌚🌚 بعمل لكم دراما، لاني ملكة الدراما.

وبعدها فصل سبرايز...بس بيقطر حب.

🌚🌚

والنهاية، نهاية تليق بهذه الرواية اللطيفة.

يعني مقدار خمس أو أربع فصول

حسب كمية الاحداث للي بقيت

🥹🥹🥹🩵

شجعوني لأكمل🌚🩵

1
الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كركدية

المؤلف rana rachade
2025/12/09 مكتملة
قائمة الفصول (37)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة