١٦

١٦

11 0

.....

صدر صوت قوي بدد هدوء المساء اللطيف، وحملت الرياح باقي نشارة الخشب في زوبعات صغيرة متفرقة. حدق بها إيلاس بعبوس ثم عاد ببصره نحو أخيه الذي كان منكبا على قطع الحطب من أجل إعداد سياج جديد للغرسة الصغيرة التي أمام البيت.

«وماذا ستفعل إذن؟»

زفر إيلاس أنفاسه بقنوط، مد ساقيه فوق الأرض:

«لا أدري. بالله عليك من أين سأحضر بطيخا أحمر في هذا الجو؟ حتى لو زرعته بيدي فلن ينمو»

حرر إيروس الفأس من قطعة الخشب الضخمة ثم رفعه عاليا وهوى به عليها من جديد، فدوى صوت الفرقعة ذاته وانقسمت القطعة لنصفين جديدين.

«وإذا؟ هل ستتركها على هذا الحال؟»

ضحك وأردف:

«سيولد ابنك بوحمة كبيرة على رأسه وهذا كله سيكون بسببك»

برطم إيلاس:

«وفر علي مزاحك الثقيل»

«هل تواصلت مع التجار الآخرين؟»

«سألت بعضهم، لكن لا أحد منهم يملك ولو حبة بحجم توتة. لعل الناس ستظنني مجنونا، من يبحث عن البطيخ والسماء ما تزال تمطر! »

«نحن في الربيع، قد تكون محظوظا وتجد البعض»

«إذا لا شك أني أنحس أهل الخليقة»

سحب إيروس قطعة خشب جديدة وثبتها فوق الأرض ثم رفع فأسه:

«لو كنت مكانك لجُلت كل بقاع العالم بحثا عن البطيخة. تستحق زوجتي أن أدللها»

1

نظر له إيلاس بعبوس تام وهسهس غاضبا:

«جميعكم تتصرفون كما لو أنني أعلقها رأسا على عقب وأجلدها باليل والنهار! يا رجل أين أجد البطيخ أين!»

توقف إيروس عن العمل للحظة، استند على فأسه وقال:

«فهمت، لا تصرخ»

ركن كلاهما للصمت بضع ثوان، ثم سأل إيروس في مرح:

«ولكن لماذا البطيخ بالذات؟ ألم تجد شيئا آخر؟»

نهض إيلاس واقفا وصاح ساخطا:

«الجلوس معك يصيبني بالصداع. ملعونة الدقيقة التي فكرت فيها بمشاركتك همي!»

انفجر إيروس ضاحكا:

«وهذا الهم بكبره وهامته: بطيخة!»

بلغ إيلاس من السخط ما دفعه ليشد شعره بيده ثم أفلته مستلما حين أحس بالألم، رفع عيناه للسماء الغائمة:

«أرسلت رسالة لتاجر أعرفه، سأنتظر الجواب منه»

«لكن الرد قد يتأخر»

زم إيلاس شفتاه ثم خطى مبتعدا، صرخ فيه إيروس ليعود لكنه رفع يده بلا مبالاة ودار حول المنزل ليدخله.

وجد ديلارا تجلس أمام المدفأة وهي تحيك شيئا ما، ابتسم لها:

«ماذا تفعلين؟»

نظرت له بحماس وهي ترفع القطعة الصوفية التي تتدلى منها الخيوط:

«أتدرب على حياكة ملابس صغيرة. أريد ضبط المقاسات قبل الولادة»

رقت نظرته:

«ما يزال الوقت باكرا على حياكة الثياب!»

هزت كتفيها:

«لا بأس. أنا أتدرب وحسب»

هز رأسه بصمت ولم يشأ أن يزعجها، يعلم أنها متحمسة اكثر منهم جميعا لحمل أرسي وأنها تتوق لولادة الطفل، الحب الأمومي الذي في قلبها تراكم عبر السنين لدرجة أنها تعطف وتحب جميع الأطفال، وإن رأت رضيعا تلتهمه بعينيها وتظل تفكر فيه لأيام.

يعلم أنها سعيدة لكن الدموع متجمعة خلف هذه السعادة، ويعلم أنها تقاوم ردات فعلها الطبيعية كالغيرة والحسد، وتفعل كل ما بوسعها لدعم أرسي.

نظر نحو أمه التي تجلس وبيديها كوب شاي دافئ، حدجت ديلارا بنظرة خاطفة ثم قالت:

«بدلا من تضييع وقتك على هذه الخيوط، اكملي العمل الذي معك. لن تنتظرك زبونتك كثيرا»

«لا بأس، سأنهيه لاحقا. ما يزال معي يومان»

هز رأسه لهما ثم اتجه نحو غرفته، فتح الباب بهدوء ووقع بصره على السرير حيث كانت آرسي تحدق بشرود في الطشت التي بين يديها، تقدم نحوها ثم نظر لم تنظر له، فهاله أن يجد بقعا من الدم تطفو فوق الرغاوي، مختلطة بالقيء الذي خرج من معدتها:

«ما هذا؟»

تمتمت بهدوء:

«دم»

أزعجته ردة فعلها الباهتة، هل هي مرهقة لدرجة أن انفعالها المعتاد تبخر!

رفع الطشت من يديها ووضعه على الأرض، ثم وضع يده تحت عنقها ودفع رأسها للخلف بحزم لكن دون عنف:

«افتحي فمك»

أصدرت أنينا متذمرا لكنها أذعنت حين رأت نظرة عينه الحادة، أخذ يحرك فكها في اتجاه الضوء ثم حدق بتمعن بداخل فمها.

«هل يؤلمك حلقك؟»

اومئت ببطء فتركها، حملت نظراته تقريعا صامتا:

«لم لم تخبريني بأن حلقك يؤلمك؟»

«وماذا كنت ستفعل؟ تطعمني المزيد من الأعشاب؟ هذه الأشياء تثير غثياني»

نظر لها بحنق:

«لم أطعمك سوى بعض الزنجبيل واليانسون، كفاك مبالغة»

«والليمون»

تنهد:

«لقد خففته بالماء من أجلك، وهذا كله لكي تهدأ معدتك قليلا»

مدت يدها لحلقها:

«أشعر أن حلقي جاف للغاية وفوق هذا يؤلمني»

تجهز لينهض:

«سأحضر لك حليبا ممزوجا بالعسل»

أخفضت بصرها بقنوط:

«لا أريد حليبا، أنت تطعمني إياه دوما»

استدار نحوها نصف استدارة، زوى ما بين حاجبيه:

«لأنك ترفضين أكل أي شيء آخر!»

تدلت شفتيها في عبوس ونظرت له بقنوط فابتسم:

«القليل فقط حسنا؟ هل أحضر لك بعض التفاح بدلا عنه؟»

هزت رأسها رفضا:

«لا أريد شيئا»

مد يده فلمس وجنتها الشاحبة، بدت نظرته يائسة:

«بالكاد تتناولين شيئا يا أرسي! أنت لست نبتة تعيش على الطاقة الشمسية، يجب أن تتغذي»

أشاحت عنه بارتباك، ثم بعد لحظة نظرت له بترقب:

«هل وجدت البطيخ؟»

قطب جبينه، ليتها تتناسى الموضوع! حاول أن يلين كلامه ويلطفه:

«عزيزتي، لا يوجد بطيخ في هذا الوقت. أعدك أن أحضر لك منه قدر ما تشائين حين يحين موسمه»

«ومتى ذلك؟»

لوى شفتيه قليلا وقال:

«ربما بعد أربعة أشهر، ستكون شهيتك قد تحسنت وحينها تأكلين منه قدر ما تشائين»

«لكني أريده الآن!»

ربت على وجنتها وحاول مراضاتها:

«اصبري قليلا فقط»

هزت رأسها بقوة واغرورقت عيناها بالدموع:

«أنت لا تفهم، أريده الآن. أشعر أني أجن إن لم آكله»

«ربما أنت عطشى وحسب، سأحضر لك بعض البرتقال إذا»

دفعت يده عنها وصاحت:

«لا أريد برتقالا، لا أريد حليبا. لا أريد شيئا!»

ضم شفتاه بعبوس:

«فقط البطيخ؟»

انزلقت الدموع على وجنتيها وقالت ببكاء:

«أنت لا تصدقني!»

«بل أصدقك»

مد أصابعه فالتقط دموعها:

«هل هذا صعب جدا؟»

رفعت عيناها اللامعتان نحوه:

«أخبرتك مرارا، أشعر أن حلقي جاف ويحترق، وعقلي لا ينفك يفكر في البطيخ وطعمه. أكاد أتذوقه بلساني الآن! ورائحته عالقة في أنفي»

التقطت أنفاسها ثم احمرت وجنتيها بحرج:

«أشعر أني ممسوسة»

دفعها لتستلقي وتمتم بحنان:

«فهمت. سأبحث مجددا وأحضره لك. حسنا؟ ارتاحي قليلا»

تعلقت عيناها به:

«هل تعدني؟»

«سأحاول قدر استطاعتي، هل يحق لي أن أكون بعلا إن كنت عاجزا عن الحصول على حبة بطيخ!  نامي، نامي يا آرسيلا»

أغمضت عيناها حين انحنى ليلثم جبينها المتعرق، تمتمت بانزعاج:

«رائحة الخشب عالقة بك»

رفع طرف قميصه ليشمه، ثم هز كتفاه:

«كنت أساعد إيروس قليلا في الخارج. لم لا تنامين؟»

«كل ما أفعله هو النوم والأكل»

ابتسم مازحا:

«أليس هذا ما تفعله الأميرات؟»

طار النعاس من عينيها بغتة، ثم نهضت فأجفل من حركتها السريعة:

«هل هي نوبة أخرى؟»

راقبها وهي تبتعد عنه نحو المنضدة، أمال رأسه بتعجب وهو يراها تبحث في الدرج بشكل محموم، بينما شعرها الأحمر الأشعث يتحرك ببطء مع حركة يديها السريعة، وثوب نومها القصير يتألق في شعاع الشمس الذي ينعكس من النافذة:

«عن ماذا تبحثين؟»

سحبت ورقة من الدرج، وبدأت تعافر لفتح الشمع المختوم، لكنها في النهاية مزقت الورقة من الأسفل، نهض ببطء ويداه في جيب سرواله البني الواسع، ووقف خلفها تماما ليحدق لما تحمله بين يديها.

كانت رائحتها مزيجا من العرق بسبب النوم في السرير، ومن رائحة الصابون الذي تستحم به عادة، عدا عن الأعشاب الذي تشربها.

رائحة بدت له غريبة حقا، ليست بالمستساغة وقد تبدو منفرة قليلة، لكنه معتاد على أغرب الروائح بحكم عمله، وللغرابة وجد الرائحة مثيرة.

أسند فكه على كتفها ومضى يقرأ الرسالة التي بين يديها بصمت:

(عزيزتي أرسيلا، آمل أنك بخير وتتأقلمين مع حياتك الجديدة بشكل جيد. آمل أن الطبيب لطيف معك ويحنو عليك، وآمل أنك لا تزعجينه بقصصك الخيالية وبأمانيك المستحيلة.

تلقينا آخر رسالة منك منذ شهور، واختفى أثرك تماما، لذا كنا ووالدك قلقين جدا عليك.

فإذا وصلتك رسالتي عسى أن تطمئني قلوبنا عليك.

كما أننا هنا قد اشتقنا لك كثيرا، ويريد والدك رؤيتك، فهو لا يتفهم بعد أنك ذهبت بلا عودة، وأن مصيرك ارتبط برجل غيره.

لذا إن كان زوجك راضيا، نرجوا أن تزورينا برفقته لقضاء أسبوع معنا، وكذلك لحضور خطوبة أختك ريهان.

قد يكون الخبر صادما لك، لكن ألكسس الذي كان ينوي خطبتك تقدم لخطبتها ولم نجد أنا ووالدك سببا للرفض، فنحن ننوي دمج العائلتين، وأعرف تماما أنك ما كنت تطيقين الكسس أصلا، لذا اعذري وقاحة أمك..

وفي النهاية، نأمل أن تصلك الرسالة وأنت بأتم الصحة.

كلنا مشتاقين لك كثيرا.

من والدتك وأبيك، مع خالص حبنا.

ملاحظة: الخطوبة ستتم في الأسبوع الأخير من هذا الشهر، نرجوا أن تزورينا)

رفعت أرسيلا رأسها بغتة، حدقت بطرف عينها في زوجها بصمت. دفع شعرها بعيدا عن جبينها:

«متى أرسلت آخر رسالة؟»

«لا أذكر، ربما قبل شهرين…أو أكثر»

قهقه بمرح:

«كنت تكتبين ثلاثة رسائل بالأسبوع، هل اعتدت على المكان أخيرا؟»

تلون خداها إحراجا:

«أنا فقط انشغلت هنا وهناك، ثم أصبحت حاملا…لم أجد الوقت»

ابتسم، ثم تمتم مفكرا:

«إذا الحفل بعد أسبوعين تقريبا، لست واثقا إن كنت ستتحملين السفر بالعربة، والحصان مستعبد أيضا، سنفكر بهذا لاحقا. اكتبي رسالة وسأرسلها»

اتسعت عيناها دهشة:

«أنت لا تقصد أنك ستمنعني من السفر لحضور حفل أختي!»

«على خطيبك السابق؟»

تمتمت بغضب

«لم يكن خطيبي، لم أكن أطيقه»

تركت الرسالة من يديها واستدارت إليه:

«وماذا يهم إن كان خطيبي؟ أنا متزوجة الآن»

أردف بمكر:

«وحامل»

«وإذا؟ هل ستمنعني لسبب تافه كهذا؟»

مط شفتيه:

«لقد فقدت وعيك في الحمام قبل البارحة لأن زلزالا صغيرا ضرب، ماذا سيحصل لك حين تركبين العربية فوق طريق مهترئة مليئة بالحفر! »

ضربت قدمها في الأرض وألصقت وجهها في أنفه بتحد:

«سأكون بخير»

دفعها عنه:

«سنفكر بهذا لاحقا»

«لا يمكنك منعي من زيارة أهلي هذا اختطاف!»

«لا تجنحي بأفكارك مجددا، أنا زوجك يا حمقاء»

«ويخول لك هذا منعي من زيارة عائلتي؟!»

أمسك ياقة فستانها:

«يحق لي سجنك في المنزل أيضا ومنعك من رؤية العالم»

«هذه سادية وليس زواج!»

«إذا لا تكوني نسوية متطرفة، إذا تحسنت صحتك سنذهب. وإن لم تحضري الخطوبة يمكنك حضور الزفاف»

أحس ببوادر الغضب تجتاحها وقبل أن يصبح الأمر جنونيا هتف:

«البطيخ أم الخطوبة؟»

رمشت بصدمة، تجمدت يدها فوق يده ثم صاحت بغضب:

«هذا ليس عدلا!»

«لم لا؟ قد خيرتك فاختاري»

زمت شفتيها:

«أريد رؤية عائلتي»

«حسنا، اتركي طفلي هنا واذهبي»

1

«هل أصاب عقلك لوثة!»

راوغ:

«لن تأخذي شيئا يخصني»

«ظننتك طبيبا عاقلا، ما هذا الهراء؟»

زم شفتيه بشدة، وظلت عيناه مغروسة في عينيها، شعر أنها قد تقضم رأسه في أي لحظة فرفع يده عنها وترك ثوبها يسقط من بين يديه:

«حسنا»

تمتمت باستنفار:

«ماذا؟»

«سأحضر  البطيخ»

راقبته وهو يمشي مبتعدا:

«لم أختر البطيخ»

«أنا لا أحضره من أجلك. قال إيروس صباحا أن الطفل سيولد بوحمة، أريده أن يكون وسيما كأبيه»

ما خطب المواضيع لدى هذا الرجل! لقد شتت مخها.

ظلت متجمدة في مكانها لثوان ثم استدارت نحو الحمام، ستأخذ حماما قبل أن تتجهز لحرب أخرى معه، ستذهب ولو اقتضى الأمر أن تدوس فوق جثته. من يظن نفسه؟!

***

الشيء الإيجابي الوحيد الذي ربحه إيلاس من هذا الشجار هو خروج أرسي من الغرفة، فقد كانت تتبعه في كل مكان، وتترصده كما لو كان فريسة.

غير ذلك، فقد كانت كالعلقة الناشبة، وأصابه الصداع من طنينها، وللعجب أصبح ممتنا لنوبات الضعف والتعب التي تصيبها فتجعلها تطبق وتخرس للصمت.

وعلى كل إذا وجدت أن شجارها عن الرحلة فاشلا  تبدأ بالشجار حول البطيخ، وأصبحت تغير بين الموضوعين ببراعة تامة.

وقد كان لديه اليوم حالة مستعجلة، واضطر أن يجري جراحة لاستئصال زائدة دودية، وبسبب أن الجراحة لم تكن شائعة جدا في هذا الوقت، ومخاطرها كثيرة جدا فقد  أخذ منه الأمر وقتا طويلا،  وقضى ليلته كلها في العيادة ليطمئن على حالة مريضه الحرجة.

بالنسبة للناس ما زال بعضهم يعتبر الجراحة فعل ساحر ولا يؤمنون بها، بل بالعلاجات الطبية العشبية فقط، لكنه كطبيب لم يحاول ابدا أن يبقي علمه محدودا في ما عرفه عن أجداده، وقد كان قد تعرف على المزيد من المعلومات الطبية خصوصا الجراحة حينما سافر للغرب قبل سنين، وهذا ما ساعده كثيرا في تطور طبه وجعله مشهورا.

كان يعتمد على الطب التقليدي، لكنه لم يكن رجلا تقليديا في تفكيره قط، وإلا لما ذاع صيته وصار بهذه الشهرة، حتى أن كثيرا من الناس تسافر مسافة طويلة كي تأتيه..

مسح على وجهه بتعب، و أغلق دفتي الدفتر الذي كان يكتب فيه، حانت منه التفاتة نحو النافذة فهاله أن الشمس بدأت تشرق، نهض مسرعا عن مكتبه نافضا مخالب التعب التي تعلقت به بقسوة، فتح باب الغرفة المجاورة وتطلع للداخل باهتمام، وقصد بدون تردد مريضه الذي لم يتوقف عن العناية به طوال ليلة كاملة.

وجده نائما فانحنى برفق ورفع اللحاف عنه كي يتفحص جرحه، يتمنى لو أن المستقبل يأتي بتطور أكبر في الطب حتى لا يظل المرضى يعانون بسبب جرح بسيط كهذا، ولا تظل نسبة الموت في الجراحة عالية.

حاليا وفي عصرهم، خطر الجراحة يضاهي الموت.

أنّ المريض قليلا، وتفصد جبينه عرقا بسبب الحمى، فأسرع  إيلاس يبلل منشفة ومسح بها على جبينه، سقاه بعضا من الماء رويدا رويدا.

ثم تركه لينام من جديد.

دخل هارلان من الباب وحياه ببشاشة:

«ما رأيك أن ترتاح قليلا. يمكنني أن أعتني بالمريض»

ابتسم إيلاس برفق، ثم اقترب ووضع يده على كتف هارلان:

«لا بأس، ما يزال الوضع حرجا لذا سأبقى في العيادة بعض الوقت. رتب لي المرضى الذين قد يأتون»

ضيق الشاب الصغير عيناه بشك:

«هل تستطيع معالجة أي شخص بعدما حرمت ليلة كاملة من النوم»

«هل تشكك في مهاراتي؟ هيا ابدأ العمل أيها المشاغب، الشمس قد أشرقت»

عبس هارلان بطفولية، ثم سارع أمام نظرات إيلاس الحادة للعمل. فتح نوافذ العيادة كي يدخل هواء جديد للمكان وتختفي رائحة المرض العفنة، ونفض الملاءات، غير الفراش وكنس الأرض، ثم أشعل بخورا خفيفا.

وهرع للقائمة كي يتأكد من عدد الزوار قبل أن يخرج ليستقبل أول المرضى ويفرزهم كالعادة.

حاول إيلاس ذلك اليوم قدر استطاعته أن يعالج أكبر قدر من المرضى، بينما في نفس الوقت يعتني بمريض الجراحة ويحاول تخفيف الحمى عنه، ومعالجة جرحه الذي بدأ يلتهب قليلا.

لم يفته أن هارلان يبذل قصارى جهده للمساعدة، لكنه ما يزال شابا صغيرا ولا يستطيع أن يمنحه حالات مستعصية للعمل عليها، فإما يتفرغ لتدريبه بشكل جاد أو يحصل على طبيب مساعد، فكلما ازدادت شهرته ازداد الضغط عليه.

عدا أن العيادة صغيرة وتحتاج توسيعا كي تسع كل هذا القدر من الناس..

انكبت المصائب عليه دفعة واحدة وبدأ يعمل على قدم وساق ودون استراحة ليوفق بين كل هذه المسؤوليات الجديدة كلها، لذا حين عاد للمنزل في اليوم الثالث للحصول على قيلولة قصيرة، سقط كالقتيل..

خرجت آرسي من الحمام وهي تضغط المنشفة فوق شعرها المتبل، كان الوقت ظهرا، والشمس قد انتصفت في السماء، ولم تظن قط أن إيلاس سيعود، ليس بعد أن سمعت أنه مشغول جدا، لذا أخذت على حين غرة حين رأته ملقى على السرير كالجثة.

ينام على بطنه ويدفن وجهه في السرير حتى يخيل لك أن نفسه انقطع، يداه مفرودتان على السرير، وقدماه تتدليان على طرفه.

اقتربت منه بحذر ورفعت شعره المخطط عنه وجهه، انحنت لتراه عن قرب فوجدته نائما بعمق ولن يستيقظ حتى لو انفجر بركان تحت قدميه.

تركت المنشفة من يديها وحاولت رفعه قليلا على السرير كي لا تظل ساقاه متدلية في الهواء وما كادت تفعل حتى انقطعت أنفاسها، كم يزن هذا الغول؟!

خلعت عنه حذائه وجواربه، ثم أخذت لحافا نظيفا من الخزانة ورمته فوقه.

جلست على طرف السرير وأكملت تجفيف شعرها على مهل وهي تحدق به، مررت عيناها على رموشه وعلى بشرة وجهه السمراء، وفكرت بمرح: لو حملته على حاله ووضعته في عربة ثم ذهبت به لقصرها فلن يحس، ولن يستيقظ إلا أمام الأمر الواقع، لكن للأسف ليس لديها ما يكفي من العضلات كي تختطفه.

بعض الرجال لا يليق بهم سوى الاختطاف لأن رؤوسهم أقصى من الصخر، وتعرف يقينا أن إيلاس لن يسمح لها بالذهاب للحفل، فقد اشترط عليها كي تذهب ألا تتقيأ ليوم كامل، وكان هذا من سابع المستحيلات، خصوصا وأنها ما تزال تعاني من غثيان الصباح وتنفرها الروائح، ولا يمر الطعام إلى معدتها إلا وعاد من حلقها.

طرق الباب فنهضت لتفتح وقابلتها ديلارا وهي تحمل بين يديها حزمة، حدقت بها أرسي في فضول:

«ما هذا؟»

ابتسمت ديلارا بمكر، ودفعت الحزمة بين يديها:

«اكتشفي بنفسك»

وضعتها بين يديها بسرعة وأردفت:

«لدي طعام فوق النار، أمسكي بسرعة»

استدارت بسرعة لتغادر فلم تجد أرسي الوقت لتستوقفها، حدقت بالحزمة المغطاة التي بين يديها ثم أغلقت الباب، اتجهت للسرير ووضعتها عليه، وبدأت تفتح خيوط القماش الأبيض لتكشف عما بداخله.

انفلتت منها شهقة ووضعت يدها على فمها بدهشة تامة، تململ إيلاس في نومه فحدقت نحوه بحذر لكنه عاد لنومه سريعا وتجمد كاللوح.

عادت أرسي ببصرها نحو المفاجأة المذهلة التي فوق السرير، وانحنت تحملها بين يديها، وتتفحص تفاصيلها.

كانت قد نسيت أمر هذا الشيء في غمرة الحياة ومشاغلها..لم تتوقع رؤيته الآن!

وتحركت الأنثى الخجول التي في أعماقها فاختطفت نحو زوجها النائم نظرة طويلة، وقد احتوت عيناها على نظرة لو رآها إيلاس لأصابته نوبة.

*******

هلو...

🌚🤭

شوية تعليقات على ذا الفصل عشان أعرف في ناس أحياء هون.

منشن شخص تحبه تعرفه على الرواية، عشان تكبر العيلة ❤️🥹

شو وجدت أرسي ياترى؟

تتوقعون إيلاس بيخليها تروح عند عيلتها؟

🤭🤭❤️

والبطيخ🌚؟!

فصول قليلة وبتدخل الرواية في أجواء مختلفة، أجواء الشدة والصعوبة...والحب🌚🌚🌚

ترقبوا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كركدية

المؤلف rana rachade
2025/12/09 مكتملة
قائمة الفصول (37)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة