لم تصدق آرسي ما تراه منعكسا أمام عينيها، تمايلت لليمين واليسار وهي تحدق بنفسها في دهشة، هذه هي الصورة التي لطالما تخيلتها عن بطلات القصص الخيالية اللواتي يجبن البقاع بحثا عن المغامرات، هل أصبح حلمها حقيقة؟
نظرت لنفسها وقد امتلأت زهوا، الفستان الترابي يلائم جسدها الصغير، فتبدو فيه كطفلة في السابعة عشرة من عمرها، والزهور المعلقة به تضفي عليه بريقا مشرقا يجعلها تبدو حيوية، والدانتيل عند عنقها يبرز رشاقة رقبتها ولونها اللماع.
رفعت شعرها الكثيف على شكل ذيل حصان وتركته يتدلى على عنقها، وضعت حقيبتها البنية على كتفيها وقد تعلقت بها دميتها الزرقاء العابسة.
تمايلت يمينا وشمالا، وهي تنظر لنفسها. دخل إيلاس للغرفة فاستدارت نحوه وهي تكاد تقفز من الفرح، تأملها مليا ثم قال:
«تبدين جميلة جدا، يناسبك هذا اللون»
نظر حوله ثم قال:
«حسنا هل أنت جاهزة؟ لنذهب»
كانت قد سهرت طوال الليل فأرغمها على النوم طوال فترة الصباح، ورغم أنها أرادت رؤية الغابة في الصباح إلا أنه لم يرضخ لها، وقد قال أنها ستتاح لها الكثير من الفرص لترى الغابات مادامت معه.
انتعلت حذاءا جلديا ذو رقبة طويلة، وعانت بينما تشد الخيوط وتربطها بشكل محكم. لقد تعودت على أحذية الكعب العالي، الأحذية الأنثوية اللماعة التي تمنح قدمها منظرا مغريا.
ظلت طوال الأيام الماضية ترتدي أحذية الأميرة التي لا تتسع لقدميها، وكثيرا جابت أروقة القصر حافية لايحمي قدميها سوى بعض الجوارب الخفيفة.
«لا تنسي الرداء»
نظرت للرداء الملقى باهمال على طرف المشجب، وتمتمت باستنكار:
«تريدني أن أرتديه فوق فستاني؟ لكنه سيخفي كل شيء!»
توقفت أصابعه فوق مزلاج الباب، استدار إليها بنظرة صارمة:
«إما الرداء وإما الجلوس هنا. اختاري»
«لكن لقد تعبنا كثيرا في خياطة هذا الفستان، كيف تريدني أن أغطيه بهذا الرداء العفن الممتلئ بالوسخ!»
نظر نحو ردائه الأسود، اشتعلت عيناه بغضب صامت:
«أنا آسف يا أميرة، لا يوجد غيره في الوقت الحالي»
تقدمت نحوه:
«لن أرتديه»
دفع الباب بقدمه فأغلقه، عقد يديه على صدره ونبس بكل هدوء:
«دعيني أوضح لك القواعد من جديد، إما الرداء وإما لا خروج»
«لكنه سيغطي الفستان! فستاني الجميل»
«لأجل من ترتدين هذا الفستان؟ من هناك في الخارج لتعرضي عليه جسمك في الفستان؟»
أخذت على حين غرة بهذا السؤال، حركت بصرها في الغرفة ثم رمته عليه من جديد:
«لأجلك؟!»
فتح الباب وقال:
«حسمت المسألة إذا، لقد رأيت الفستان. ارتدي رداءك»
تقدمت إليه وحملته بين يديها، التصق الغبار بأصابعها وضربتها رائحة الأعشاب العميقة الملتصقة به، تمتمت بعبوس:
«لكنه يحتاج للتنظيف»
«لقد ارتديته سابقا ولم تعترضي حينئذ»
«ذلك…ذلك»
«وقتي ضيق، هل نذهب أم لا، أنت من تقررين»
قضمت شفتيها، نظرت عبر النافذة فسحرتها أشعة الشمس الدافئة، وألوان الخريف. ألقت الرداء فوق جسدها مرغمة ووضعت القلسونة فوق رأسها فأخفت شعرها:
«لقد انتهيت»
«أحسنت»
تبعته على مضض إلى خارج القصر، التقيا بالأميرة في الطريق، حدقت بها أرسي والغيظ يأكلها فقد بدت براقة في فستان أخضر فاخر، وشعرها الأشقر اللماع يرتفع فوق رأسها في تسريحة معقدة ساحرة، وتفوح منها رائحة المسك والعطور، بينما تزين عنقها بعقد من الزمرد الأخضر، وامتلأت أصابعها بخواتم وأساور من الذهب، ولمعت الأقراط الثقيلة في أذنيها:
«لماذا أنت في عجلة من أمرك يا سيدي؟»
توقف إيلاس عن المشي، نظر لها بابتسامة مشعة حتى ظنت أرسي أن شفتيه ستتمزقان، مدت الأميرة يدها في طلب واضح تجاهله، وضع يده على صدره وقال:
«حياك يا آنستي، إني في طريقي للغابة»
استعادت الأميرة يدها لجنبها في إحراج، حركت مروحتها حول وجهها في حركة سريعة في أغلقتها:
«إننا نرهقك يا سيدي. ما رأيك بأخذ استراحة من العمل وحضور جلسة شاي معي في الحديقة؟ لقد تم إصلاحها مؤخرا وأؤكد لك أن المنظر هناك خلاب. أترافقني؟»
«لكم تسعدني وتشرفني هذه الدعوة يا آنستي النبيلة، لكني أبجل عملي، ولا يمكن أن يغمض لي جفن حتى يستعيد جلاته صحته»
«إن تفانيك هذا يجعلني أزداد إعجابا بك يا سيدي»
«هذا أكثر مما أستحق»
انظرو لهذا البرغوث وهو يتلاعب بالكلمات، بينما كان ليقسم الباب فوق رأسها قبل ثوان لأنها رفضت ارتداء ردائه العفن.
كانت الغيرة تحرقها وهي تحدق في ثوب الأميرة الساحر، ويديها اللماعتين، وجسدها المكتنز الغض، هي التي تشبه عود خيزران يابس، كيف يمكنها أن تتتحمل رؤية فتاة في مثل سنها متفتحة كوردة، يانعة كثمرة، منعشة كالماء العذب.
لكن فوق كل هذا، هي ليست فقط نحيفة هزيلة تشبه السرعوف، بل تقف أمام هذه الأميرة المتعجرفة في أسوأ منظر قد تراها به قط، متلحفة في رداء أسود يخفيها تماما، تنتعل حذاء رجاليا طويل الرقبة، لا حلي تزين جيدها، ولا أساور ترن في معصميها.
شعرت بالدموع تحرق مآقيها وتمنت لو تنشق الأرض فتبتلعها. إنها تبدو كصبي رث، لا يعرف ظهره من بطنه.
تحركت قليلا لتنهي حوار المجاملات هذا، فلفتت هذه الحركة انتباهما، استغل إيلاس الفرصة، قبض على رسغها بغتة وقال:
«إعذرينا يا آنستي الجميلة، نحن في عجلة من أمرنا»
نظرت له بتعجب:
«هل ستأخذ زوجتك معك للغابة؟»
نظر إيلاس لزوجته ثم ابتسم:
«بما أنها زوجتي، فيجب أن تشاركني في عملي»
فتحت الأميرة مروحتها الخضراء من جديد، لكن لتخفي وجهها، بيد أن آرسي التي عاشت بين النبيلات عشرين سنة تحفظ تماما هذه الحركات، ولم تحتج الكثير من الذكاء لتعي أن ما يرتسم في عيني هذه الحرباء هو سخرية مطلقة، وكأنها تقول لها: كنت أميرة مدللة في منزلك وأصبحت الآن في مقام خادمة حقيرة.
حررت معصمها من قبضة زوجها، وبدلا من ذلك دست أصابعها في أصابعه، شبكتهما مع بعض وأحكمت قبضتهما، تمتمت بصوت ناعم:
«إعذرينا سموك، نحن حقا في عجلة من أمرنا، أنا متشوقة جدا لرؤية الغابة رفقة زوجي. لن يمكنك أن تتخيلي كم أن الورود هناك رائعة الجمال، ولا كيف أن منظر الغروب من فوق ظهر الحصان بديع! لا أطيق صبرا»
«صحيح؟ أعتقد أنني من النوع الذي يحب الألماس أكثر من الوورد»
قهقهت بخفة وأردفت:
«إني آسفة لو بدوت مادية جدا، لكن هذا ما عشت عليه طوال حياتي. على كل لن أؤخركم كثيرا، فلتستمعا برؤية الغابة، لا أريد للشاي أن يبرد»
هل خسرت توا! لا يعقل!
سمعت ضحكة مكتومة فاستدار رأسها بسرعة شديدة نحو الطبيب، وضع يداه على شفتيه وابتلع لعابه:
«دعينا نذهب»
«كنت تضحك، صحيح؟ رأيتك! رأيتك تضحك»
«لم أفعل»
«بل كنت تضحك، أقسم أنني رأيتك وسمعتك»
«لعلك أخطأت السمع، لقد كنت أسعل»
سحبها لخارج القصر في سرعة، حركت بصرها نحو ظهر الأميرة التي اختفت خلف ظهور جواريها الأربع، اشتعل الغيظ في قلبها، لو أنها كانت تحضر حفلات الشاي وتستمع لهراء النساء فيها بتركيز بدل الشرود في القصص الخيالية لاستطاعت تلقين هذه الحرباء درسا لن تنساه.
كان القصر عبارة عن خراب، لكن تم إصلاح نصفه، والنصف الآخر كان في طور الإصلاح.
قادها زوجها للاصطبل حيث حصانه البني اللامع، صهل الحصان بصوت عال فور أن دلفا للإصطبل، مرر إيلاس يده على رقبته ثم مد يده في السلة التي كان يحملها وأخرج بضع جزرات أطمعهن للحصان.
فتح باب المقصورة فخرج الحصان بحماس، تحرك في المكان سعيدا بحريته، قام بدورة كاملة حول نفسه، حرك رأسه فتبعثر شعره الطويل على رقبته الملساء، قفز عاليا ثم عاد لسيده لكي يداعب عنقه، وضع إيلاس اللجام للحصان بروية، ثم أطعمه جزرة أخرى، نظر نحو آرسي وقال:
«تعالي»
اقتربت بحذر شديد ووقفت أمامه فنظر لها بتعجب:
«أتخافين من الأحصنة؟ ظننتك تحبين ركوب الخيل؟ لقد رأيتك في القصر سابقا تمشطين شعر فرس شهباء»
«أنا لا أخاف منها، ليس كلها. لكن حصانك هذا حاول عضي حين داعبته عندما كان في قصرنا»
قهقه إيلاس بمرح، مرر يده على الحصان وداعبه وجهه:
«لا تقلقي، لا شك أنه تعود عليك الآن، لن يؤذيك. إنه فقط حساس قليلا مع الغرباء»
«ولم تظنه لن يفعل»
مد يده فجأة فالتقط يدها، رفعها ببطء ووضعها على أنف الحصان، اشتمها هذا لدقيقة ثم أشاح عنها، أخذ إيلاس يمرر يدها فوق شعر الحصان الطويل ثم أبعد يده رويدا رويدا وراقبها بينما تداعب الحصان وقد انجلى حذرها:
« أرأيت؟ حصاني لن يؤذي زوجة سيده أبدا!»
حدقت به آرسي لمدة دون أن تشيح بعينها عنه، تألق وجهه الأسمر في الشمس وبدت عيناه أفتح بكثير مما تذكرهما، تشبه لون الطين اللزج.
باغتها فجأة وأمسك بها من خصرها، رفعها أمامه، فتدلى شعرها حولها في الهواء، وضعت يديها على كتفيه وحدقت لوجهه من علوها، ولسبب ما تمنت لو تظل كذلك للأبد، معلقة بين يديه تحدق به. وضعها فوق ظهر الحصان ثم بقفزة واحدة كان خلفها، وضع السلة بين يديها ثم شد اللجام بيديه، وكز الحصان وكزة خفيفة فانطلق.
لم تكن تلك أول مرة تركب فيها الحصان معه، لكنها لم تتأمل سوى الآن يداه، حدقت بالجروح الحديثة التي بها، وبأظافره النظيفة، رغم أنها توقعت أن تكون تحتها أطنان من التراب.
كان كم قميصه الأسود مشمرا، وشعر يداه الكثيف يتمايل مع الهواء، وفجأة انتبهت إلى أنها مأسورة بين هذين الذراعين القويتين، لم تشعر بمثل هذا التوتر قط إلا في ظلام مخدعهما، لكنها تحدق به الآن في ضوء النهار وقلبها ينبض كالطبل! ما الذي يحدث؟
وبدل أن تستمتع بالهواء البارد الذي يضرب وجهها، أو تفزع من مناظر الخراب بالمدينة، وجدت نفسها تجلس بتوتر وهي تحدق بشعر الحصان، وكأنها تجلس فوق عش من الشوك.
استمر الطبيب يحيي الناس وهما في يتقدمان نحو البوابة، وخرجت من شرودها متعجبة لعبارات الشكر التي أمطروها به:
«شكرا لعلاج جرحي يا سيدي الطبيب، لقد تماثل للشفاء»
«لقد عاش ولدي يا سيدي، عاش ولدي!»
نظرت لرجل كهل يقف على عصا، بينما إحدى قدماه تختفي تحت ساق سرواله الطويل:
«لقد تركت لأتعفن لكنك أنقذتني، أنا ممتن لك طول الحياة يا سيدي، سأفديك بروحي»
نظرت لجموع الناس التي تتدفق من حولهما، ذاك يشكره وذاك يدعوا له بحرقة كأنه ابن من صلبه، ذلك طفل غطيت عيناه برقعة بيضاء يقفز فرحا، وذاك شاب تقطر عيناه دمعا وهو يحتضن أمه العجوز.
ابتسم لهم إيلاس واستمر في التقدم ببطء حتى بلغ البوابة، نظر الحارس الغليظ نفسه وقال ببشاشة تعجبتها منه، فلقد عاملها بقسوة شديدة حين وطئت قدمهما المكان لأول مرة:
«حياك الله يا سيدي، هل ستخرج من جديد؟ رغم أنك خرجت هذا الصباح؟»
وكز إيلاس الحصان ليتوقف وقال:
«هذه المرة سأذهب في نزهة قصيرة»
حدق الحارس في خصلات الشعر التي تظهر تحت الرداء الوسخ لأرسيلا، غمز بعيناه، فُتحت البوابة في صرير مزعج غطى على كلمة نابية نطقها الحارس:
«بالتوفيق لك يا سيدي!»
حدق به إيلاس ساخرا:
«إنها زوجتي أيها السفيه!»
ابتسم الحارس:
«تظل من جنس النساء. لازلت سأدعوا لك بالتوفيق!»
حركت أرسي رأسها بتعجب:
«ماذا؟ ماذا كان يقول عني؟»
«لا تهتمي لأمره، إن الحرب لوثت أفكاره»
«بالمناسبة لم أرى كثيرا من الفتيات هنا؟»
«لقد كانت هنا حرب يا عزيزتي، وآسف على قساوة ما سأتفوه به، لكن معظم الشابات تم اغتصابهن من قبل جنود العدو، كثيرا ماتو، كثيرات فقدن عقولهن، وكثيرا انتحرن بسبب العار، والباقي منهن هربن مع أبائهن وأزواجهن. المرأة هنا تعد كنزا الآن»
«والأميرة؟»
«أعتقد أنها نالت حظها، لكن الآن لن يقترب منها أحد بعدما سويت الحرب»
شهقت أرسيلا بصوت عال:
«تم الاعتداء عليها؟»
زوى إيلاس ما بين حاجبيه:
«لا أستطيع. أن أجزم بهذا، لكنها رأت ما لايجب لأميرة أن تراه. أنا معجب بصمودها»
«أنت ماذا؟!»
«معجب بصمودها»
«معجب بها؟»
«بصمودها»
«هل تعجبك هذه الأميرة؟ نعم ولم لا! إنها مكتزة الجسد، بيضاء البشرة، تتزين بالحلي والحلل! نعم ولما لا تعجبك؟!»
«قلت أني معجب ب صمودها، صمودها!»
«وأنا ألا يعجبك صمودي؟ أحضرتني إلى هنا بصفتي زوجتك ورميتني خلفك عدة أيام وقد نسيت أمري! أم أنني لست جميلة كالأميرة هينا! ليست لدي مفاتن تأسر الرجال الشهوانين أمثالك! وإذا لماذا اتخذتني زوجة؟ كان لك أن تأتي إلى هنا وتأخذ هينا الجميلة المليئة بالدهون! أو دعني أقل لك، خذها زوجة ثانية»
صهل الحصان بصوت عال حين شد إيلاس على اللجام بشدة:
«يا للنساء!؟»
شدت يديها على ردائها وقد ابتلعت غصة، ومضت بضع لحظات طويلة من الصمت ثم قطعها بصوته الرخيم:
«أنا آسف، لن أكرر هذا»
«أنت آسف الآن؟ كان يجب أن تعتذر سابقا»
حدق في شعرها بدهشة:
«أو لم أفعل؟!»
«ليس بالطريقة الصحيحة، وها قد أهنتي أمام تلك الأميرة المتعجرفة. بدوت أمامها كصبي متشرد»
تحشرج صوتها وأضافت بهمس بكاء:
«أنا أيضا أميرة»
لم يكن إيلاس يجيد التعامل مع النساء، ولم يعرف ما قد يفعله في هذا الموقف، ولم يجد عقله حلا، رفع يده فوضعها على شعرها وكرر:
«آنا آسف، سأعوضك عن كل هذا. أعدك»
لاذ كلاهما في الصمت، وكل منهما يفكر كيف يجب أن يتعامل مع الآخر، الآن هما ليسا مجرد غريبين قد التقيا فجأة، بل يجمعهما رباط خاص، قد لا يرى بالعين المجردة لكنه يحس، ويلمس بالمشاعر.
ولكي ينجح هذا الزواج عليهما أن يبنياه معا، لبنة لبنة، إن أخطأ أي منهما أو تعثر سينهار كل شيء، عليها أن تعتمد عليه ويجب عليه أن يحتويها، عليه أن يلوذ إليها، ويجب عليها أن تخفف عنه، هذا هو الزواج، لا يبنى على علاقات جسدية فاترة، أو رغبات سوف تذبل، لا يبنى على الجمال لا على الجسد والقوة، بل على الصدق، المحبة، الاحترام، المودة، التفاهم.
ومنذ اللحظة عليهماأن يتعرفا على بعضهما البعض خطوة خطوة فلا رجعة.
توقف الحصان بهما بغتة فخرج كلاهما من غفلتهما، قفز إيلاس من فوق الحصان ثم حملها إليه، أنزلها على الأرض بروية ثم أزال اللجام عن الحصان وتركه يعدو، نظرت آرسي للغبار الذي خلفه الحصان خلفه بدهشة:
«تركته يذهب؟ لماذا؟ كيف سنعود؟»
أمسك يدها بيد والسلة بالأخرى:
«سوف يعود. حصاني لا يضيع عني أبدا. لقد ربيته مذ كان مهرا»
تبعته بهدوء:
«هل سميته؟»
«من؟ الحصان؟ إن لديه أسماء عديدة، كل من يراه يناديه باسم مختلف»
«بماذا تناديه أنت؟»
«عادة لا أستعمل معه الاسم، فهو لكثرة ما يملك من أسماء أصبح يطنشني ولا يستمع إلي. إذا أردته ناديته بالصفير وحسب، هكذا»
وضع إصبع الابهام والسبابة تحت لسانه وأطلق صفيرا مدويا كاد يصم أذنيها، مرت عدة ثوان من الصمت ثم سمعت خبب الحصان، وما هي سوى لحظات حتى كان قد صعد التلة من جديد واقترب من إيلاس، وضع هذا يده على رقبة الحصان وقال:
«أرأيت؟ لنا لغة خاصة لا نحتاج فيها الأسماء»
تقدمت آرسي بحذر من الحصان، لمست شعره الطويل وعبست:
«لكنه يحتاج اسما يميزه. هل يمكنني أن أسميه؟»
هز كتفاه دون اكتراث، فابتسمت، حدقت لعيني الحصان الواسعتين وقدحت زناد فكرها، افتر ثغرها عن بسمة واسعة:
«سوف أسميه: كافروس»
نظر لها إيلاس بدهشة:
«هل اخترعت اسما خياليا لتوك؟»
أخفت نصف وجهها في شعر الحصان:
«إنه حصان مميز وأصيل، يحتاج اسما مميزا مثله، لم يسبق لغيره أن حصل عليه»
حدق بها لبضع ثوان، ثم قال بغتة:
«هل تعرفين ما يعنيه اسم أرسيلا؟»
«هل عدت لاختباري من جديد؟»
أمال رأسه:
«ربما!»
خطى عنها مبتعدا فتركت الحصان وتبعته ركضا، أجابته وهي تلهث:
«إنه اسم أندلسي، يعني الكنز والجواهر الثمينة»
«نعم، كنز»
استدار بغتة وتوقف عن المشي، دفعت الرياح شعره المخطط، ولمعت عيناه المحمرتان بضوء ساحر:
«وكأنك كنز اقتيد إلي أنا دون سواي، لكن لماذا يا أرسي؟ لماذا اخترت هذا الرجل الطاعن في السن، أكاد أبلغ الاربعين بينما أنت بالكاد تخطيت العشرين، إن ما يفرق بيننا ليس سنة أو اثنتان، بل أكثر. كان بإمكانك الحصول على أمير شاب لا يكبرك سوى بأربع أو خمس!»
تجمدت في مكانها عاجزة عن الجواب، فمد يده وختطفها في حضنه، وضع السلة أرضا، وأحاطها بذراعيه، رفع يدها في السماء وشد على خصرها، وراقصها على التلال.
أدارها بين يديه فانتفخ ثوبها البني بالهواء، وانفتح رباط الرداء الأسود، تألق شعرها في ضوء الغروب وتوهجت بشرتها الناعمة:
«قولي لي يا أميرتي هل تشتاقين لوطنك؟ هل تشتاقين للقصور والجواري؟»
«لا»
«حقا! لكني أرى في عينيك نظرة حرقة مشتعلة كلما نظرت للأميرة هينا. أتراك تشتاقين ليوم كنت فيه أميرة مدللة تنامين على أفخم الأسرة؟ تدلك أياديك الجواري ويراقصك الأمراء؟ أشتاقين لارتداء التنانير المنتفخة و الجواهر؟»
عضت شفتيها، أشاحت بوجهها عنه، كانت خطواتها تجاري خطواته السريعة، تدور بين يديه كفراشة، تتألق بين يديه كجوهرة، لفها في حركة سريعة بين يديه، وضع يده على ظهرها وسحبها أمامه في حركة ساحرة، بغتة رفعها بين ذراعيه عاليا وحدق بها:
«تكذبين من البداية؟»
تعلقت يداها بكتفيه ورددت بعناد:
«لا»
أنزلها على الأرض، لفها بين يديه في سرعة شديدة بينما يتوغلان بين الأشجار، بدت الفروع الصفراء كأنها ستارة ربانية تحيط بهما، وأصوات الأوراق وهي تتكسر تحت أقدامهما الراقصة سمفونية خاصة لا يستمتع بها سواهما، انتشر تغريد طير في المكان، وارتفع صهيل الحصان من خلفهما:
«لم تحصلي على حفلة زفاف تليق بك، لا خاتم يزين اصبعك الجميل، ولم تزفي في ثوب أبيض يخطف الأبصار. تخليت عن العز والدلال ورميت نفسك بين يداي! سوف تعيشين في الغابات، ولن تركبي سوى الحصان. ليس لك عربة مخملية تقطع بك الرحلات الطويلة، ولا طعام لذيذ يسمن عظامك الرقيقة. لماذا تضحين بكل شيء في سبيل العيش مع رجل زاهد في الدنيا؟»
توقفت للحظة عن الرقص، تعثرت خطواتها بخطواته السريعة، داست على قدميه وهوت على صدره، وبغتة اختل توازنهما فتدحرجا فوق الارواق الصفراء حتى وصلا لآخر التلة. احضتنها بيديه في قوة يحمي رأسها وذراعيها، وركض الحصان بجوارهما. وجدت نفسها بغتة في سهل منبسط لا تزينه سوى الحشائش الصفراء، وضعت يديها على صدره ورفعت رأسها:
«لأن لا مكان لي بينهم! لا مكان للأنثى وسط قصر من المرمر والزمرد، لا مكان للأنثى في منزل أبيها بعد سن العشرين. هذا ما لقنته»
«ولماذا لم تختاري أميرا يمطرك بالدلال!»
«أميرا؟ وما شأني بأمير سوف يعتبرني بضاعة لينال بذلك احترام والدي، يتخذ من العاشقات ما شاء، ولست بالنسبة له سوى بقرة تنجب له وريثا جديدا يمشي على خطاه وخطى أجداده. ستذبل روحي بين الجدران، سيعدم شبابي في التنانير المنتفخة وتتمزق شفتاي من الابتسامات الكاذبة. سأعاني داخل مستنقع من النفاق!»
استوى جالسا، أشار حوله:
«وهل هذا ما أردته دوما؟ أن تكوني مع رجل غريب وسط الحشائش الشائكة؟»
نظرت حولها، أطبق عليها الهدوء ولم تسمع صوتا غير صوت أنفاسها، وكأن الطبيعة كلها قد خرست فجأة لتسمع جوابها، نظرت له بارتباك، شبكت يديها في حضنها ثم فكتهما، همست بصوت منخفض:
«لا أعرف، لا أعرف إن كان هذا ما أردته، لكن أليس هذا الهدوء أفضل لي من صوت النفاق؟ أفضل من أنعت بأميرة عانس كأختي الكبرى؟»
مد يده وأخذ يزيل الحشائش من شعرها:
«وإذا؟»
سحبت عودا يابسا من لحيته، تأملته في يديها للحظة، ابتسمت بارتعاش:
«لا عودة للوراء صحيح؟»
أشرقت عيناه:
«لا عودة»
«سوف أكون زوجتك للأبد»
«أجل، ستكونين زوجتي للأبد»
خرج من فمها زفير طويل، نهض ونفض ثيابه في حركة عنيفة سريعة، وضع يدا خلف ظهره وأخرى مدها إليها:
«إذا يا أميرتي، هل يمكنك أن تكوني زوجتي؟»
نظرت له، لساقيه الملتفتان حول بعض في حركة أنيقة، لشعره الغريب الذي يتلاعب به الرياح، للحقيبة البيضاء الرثة المعقودة على صدره، وضعت يدها في راحته ونهضت ببطء:
«نعم من فضلك، اجعلني زوجتك»
..........
فصل جديد💛 استمتعت بكتابته جدا الصراحة، جدا جدا🌸🌸🌸.
آمل أنكم سوف تحبونه، لا تنسوا التصويت للفصل🌸💛.
rana rachade