١٣

١٣

13 0

أمطرت مطرا شديدا في الأيام التالية، ولم يكن المطر ينقطع إلا سويعات ثم يعود بقوة شديدة.

وتوقفت أشغال الجميع أمام هذا الإعصار المفاجئ الذي لزم القرية.

أغلقت الأسواق وجميع المتاجر، وظلت الماشية والأحصنة في الزرابي والاصطبلاب.

شعر حصان إيلاس بالضجر فأخذ  يصهل ويجلجل في غضب وينفخ أنفاسه بغضب، وبسبب استمرار المطر لم يكن إيلاس يتركه يخرج فازداد غضبه.

وطوال هذه الأيام الكئيبة ظلت أرسي غاضبة على زوجها، فكلامه المهين لم يفارق بالها وظلت الكلمات تدور في رأسها مرارا وفي كل مرة يصبح وقع الكلمة أقسى.

شعر إيلاس بالحرج، فرغم محاولته لتطبيق نصائح أخيه لم ينجح في إسعادها، ولم يعد الأمر متعلقا به فقط، بل مرت خمس أيام وزوجه تنام في مخدع ديلارا، وبدأ إيروس يشعر بالانزعاج والسأم لبعده عن زوجته، وما انفك يضغط على إيلاس وينهره لم سببه لهم جميعا من مشاكل.

ومساء ذلك اليوم، أبرقت السماء وأرعدت، وقد كانت أرسي قد غادرت لتوها للاصطبل كي تضع العلف لكافروس وتغير له الماء، غير أنها تأخرت  فلقلقت ديلارا على غيابها الطويل.

حملت ذيل ثوبها وبحثت عن شال خفيف لتغطي به خصلاتها وكادت تخرج بحثا عنها، اصطدمت في الباب بإيروس الذي عاد توه من الورشة بعدما أغلقها.

أخذ ينفض الماء عن ثيابه، ويهز شعره:

«ناوليني منشفة يا ديلي»

«أنا مشغولة، خذها من المطبخ بنفسك»

نظر لها بتعجب:

«أين ستذهبين في هذا الجو المشؤوم؟»

«أرسلت أرسيليا للاصطبل ولم تعد بعد، لا أثق في ذلك الحصان الملعون»

هز رأسه متفهما وقال:

«سأذهب بنفسي، لا داعي لتبللي نفسك، المطر شديد. إنه كالودق»

عصر طرف ثوبه ثم استدار ليخرج من الباب لكنه توقف حين لمح إيلاس قادما بدوره من بعيد، يضع يده على رأسه ويركض بينما يحتضن حقيبته البيضاء المميزة التي يضع فيها الأعشاب والجرعات.

ابتسم ثم صاح:

«إلهي، ها أنت ذا يا إيلاس، أسرع يا رجل»

توقف إيلاس عند العتبة ونظر بقلق لوجهي الاثنين:

«ما الخطب؟ هل ازداد الزكام عند أمي سوءا؟»

هزت ديلارا رأسها نافية:

«بل هي أرسي، أرسلتها للاصطبل ولم تعد بعد. كان حصانك الهمجي ذاك غاضبا جدا هذا الصباح ولم ينفك عن محاولة تقطيع الحبل ليخرج»

زم شفتاه:

«أعلم، يصبح كافروس عنيفا جدا عندما لا يخرج في نزهة»

دفع بالحقيبة نحو ديلارا وقال:

«لا بأس، سأتفقد ذلك بنفسي»

استدار بسرعة ثم اختفى خلف سحب الضباب التي بدأت تجتاح القرية.

نظرت ديلارا لزوجها الذي يبتسم ولوت شفتيها بانزعاج:

«أنا حقا قلقة على الفتاة، فلم تبتسم كالأحمق؟»

ابتسم بانشراح ومد يده فاحاط كتفيها:

«لربما هذه هي الفرصة الوحيدة لهما لكي يتصالحا»

التوت شفتاه في تبرم وأضاف:

«وقد مللت من النوم بجوار إيلاس. إنه يشخر كالبهائم»

ابتسمت ديلارا قليلا:

«هل حقا يشخر؟»

أجاب بمرح:

«مثل البقر.  لا أعرف كيف تتحمل فتاة صغيرة ومسكينة مثل أرسي هذا الصوت المرعب كل ليلة. لعلها ليست غاضبة منه حقا، بل أرادت الهرب من صوت شخيره»

انفلتت منها ضحكة، ورفعت بصرها لعيني زوجها:

«أنت تشخر أيضا أيها المتحاذق»

ارتخت يداه من فوق كتفيها وحدق بها مدعيا الصدمة:

«ماذا تقولين! إني أنام كالملاك»

********

كان المطر شديدا، وبدأ الضباب يزداد حتى غطى كل شيء، فكاد يتوه في غياهبه.  سمع صراخا قادما من بعيد، رافقته جلجلة حصان قوية فوقع قلبه بين أضلعه ووجد نفسه يتخلى عن محاولة حماية نفسه من المطر بينما يندفع كالأعمى لداخل الاصطبل:

«أرسيليا!»

رفعت أرسي عينيها لزوجها ثم أشاحت عنه، تقدم منها بسرعة وهو يمرر عيناه على جسمها ليتأكد من سلامتها، لاحظ أنها تمسك إحدى يديها بالأخرى، فسحبها نحوه بعنف، حدق في الأثر الأحمر الطويل الذي انطبع فوق راحة يدها الرقيقة وحتى على رسغها.

«كيف حصل هذا؟»

حاولت تحرير يدها منه وهي تصيح:

«وما الذي يهمك في هذا؟ دع يدي»

ضغط على التورم بقوة فأطلقت صيحة متألمة،  هسهس بغضب:

«لأنك زوجتي، فكل شبر فيك يهمني، من رسغك حتى قدميك. كفي عن تمثيل دور المرأة الغاضبة لأني اكتفيت»

زمت شفتيها، ثم أخفضت رأسها في عبوس، أشارت للحبل المتدلي من شكيمة الحصان:

«حاولت إصلاح العقدة فسحبني بقوة. التوى الحبل على يداي»

تركها، انحنى فربط الحبل بنفسه ووضع العلف للحصان، مرر يداه على عنقه وحاول تهدئته، كانت تستطيع سماع همسه الحاني حتى لو لم تصلها الكلمات.

في النهاية أخفض الحصان أذناه، صهل بصوت عال وأغرق نصف وجهه في العلف.

استدار إيلاس إليها فأجفلت، ضمت يدها لصدرها وبدت مترددة، حمل الكيس الفارغ من العلف وسحبها خلفه دون أي كلمة، تعثرت هي بأذيال ثوبها الأرجواني وكادت تهوي على وجهها:

«مهلا، إلى أين تأخذني؟…انتظر»

****

بداخل المنزل توقفت ديلارا عن تجفيف شعر زوجها متفاجئة، حدقت بإيلاس الذي دخل كإعصار للغرفة بينما يسحب في يده أرسيليا، وكلاهما يقطران بالماء.

تبادلت وإيروس نظرة حائرة، بينما كشرت الأم بعبوس حين صفع إيلاس باب الغرفة خلفه بعنف  اهتز له المنزل كله، برطمت:

«بئسا، يشبه أباه حتى في أعصابه»

قهقه إيروس؛

«وهل كان والدي رحمه الله يسحبك من يدك هكذا وهو غاضب؟»

«كان ينظر لي كما لو ينوي قتلي في التو واللحظة. لم أكن أجرؤ على إثارة أعصابه»

«عجبا، مع أنك تقولين أنه كان حليما ومراعيا جدا. وأنك لم تتزوجي من بعده لأنك لم تجدي رجلا مثله»

لوت شفتيها بعبوس، حدقت في الباب المغلق وهمست:

«لهذا يقولون أن عليك اتقاء شر الحليم إذا غضب. الأشخاص الأغبياء مثلك يا إيروس يعبرون عن غضبهم ولا يقومون بتخزينه، وهذا يجعل التعامل معهم سهلا. لكن أخوك يتحكم بأعصابه دوما ويظل يجمع ويجمع بداخله حتى ينفجر»

رفع رأسه بغتة:

«لماذا تصفينني بالغبي يا أمي؟»

صفعته ديلارا على رأسه:

«اهذا كل ما استرعى انتباهك!»

تنهدت وأضافت:

«ازداد قلقي ضعفين. يا للمسكينة»

«لن يأكلها حية فلا تخافي»

*******

ظلت أرسي تنظر لزوجها كسنجاب حذر، أو كغزال صغير ينظر لمفترس شره.

أجلسها على السرير فلم تجرؤ على التحرك يمينا أو حتى يسارا، وحين أخذ يمرر المرهم ذو الرائحة القوية والمزعجة على جرحها الصغير لم تنبس ببنت شفة، وحتى حينما شد الضماد بقوة على يدها كتمت تألمها.

أغلق غطاء علبة الدواء وقال:

«لا تقتربي من الحصان، إنه منفعل هذه الأيام»

أومئت بصمت، حدق بها لوقت قصير ثم وضع اصبعيه على أنفه، تقدم فجلس بجانبها:

«ما الخطب؟ هل أنت غاضبة؟»

«انت الغاضب»

ابتسم، مد يده فأبعد الخصلات المنزلقة من فوق عينيها:

«أنا لست غاضبا»

«لقد عاملتني كقطعة خردة»

«أي رجل في مكاني كان ليفعل ذلك. لقد حاولت مراضاتك لخمس أيام متتالية، لم أترك طريقا إلا سلكته! الكلام الحلو، والورود، وحتى جهزت لك الشاي، ورتبت ثياب الخزانة من جديد بنفسي! لكنك أعند من البغال!»

صاحت:

«ها أنت تهينني من جديد»

«عذرا، المقصد أني سئمت من هذه اللعبة، كما أننا جعلنا ايروس وديلارا طرفا في شجارنا، وهذا لا يصح»

ضمت قبضتها بقوة، استدارت نحوه:

«لقد وصفتني بأوصاف مهينة، وأشرت بكل وضوح لكوني أميرة مدللة وأني مغرورة. انا لست كذلك»

سحب يدها ووضعها بين يديه، غطاها بيده الدافئة:

«أنا أسف، كنت غاضبا»

صمت قليلا واضاف:

«عشت نصف عمري وأنا لا أفكر في الزواج، لذا لم أجد داعيا للتعامل مع النساء وتجنبتهن. أخبرتك سابقا أني سأحتاج الكثير من الوقت، فاصبري علي»

نظرت له بتوبيخ:

«وقلت أنك ستحترمني وتحميني. لكنك انتهزت أول فرصة لتصرخ في وجهي وتقلل من قيمتي»

رفع يدها المصابة فلثمها، تساقطت القطرات من شعره المبتل نحو يدها:

«أنا اسف، أعدك ألا أكررها»

ابتسم بحنان:

«إذا هل سامحتني؟»

نهضت بسرعة وهزت كتفيها:

«انا لن أنساها لك، لكني سأسامحك فقط لأجل ديلارا وإيروس»

وقف بدوره، اقترب منها بضع خطوات:

«هذا يكفيني»

أسرعت نحو الخزانة فسحبت منها فوطة بيضاء وأسرعت للحمام وهي تبرطم:

«سأغير ملابسي قبل أن أصاب بالزكام»

ابتسم إيلاس ثم مرر يده في شعره المبتل، زفر أنفاسه ببطء شديد. لقد استنفذ قواه وهو يحاول مراضاتها حتى فارت أعصابه، لكن في النهاية كان الأمر انتهى كل شيء على ما يرام.

«النساء لا تتشابه حقا. ليتها كديلارا ترضى بوردة وكلمة حلوة»

مرت الأيام بعدها بانسيابية تامة، وأشرقت شمس فصل الربيع أخيرا بعد أيام متواصلة من الأمطار والعواصف ذات البرد القارس.

كان خيل لأرسي أن السماء لن تشرق أبدا وأن تلك الغيوم السوداء سوف تطبق عليهم، وستضيع القرية في غياهب الضباب فلن يجد الناس لهم طريقا.

أرعدت السماء تارة، وأبرقت وزأرت الرياح بصوت مرعب، حتى أن بعض أشجار الغابة الطريقة انكسرت ومالت من سدة الريح، وتوقفت جميع الأعمال.

خلال هذا الجو الكئيب أصيب جميع من في المنزل بالزكام، بل شغل إيلاس نفسه بصنع عقارات مضادة للزكام والسعال طوال فترة الشتاء، فقد كان جميع أهل القرية بحاجة لها.

ولكن حين نال المرض من إيلاس،  كان علاجه الوحيد هو عصيدة القمح التي صنعتها له امه، وشراب الزنجبيل الحار الذي تعده ديلارا، أما إيروس فكان يقصد الغرفة كي يطمئن عليه ويرهقه بنكات لا معنى لها، أو يغمزه بشقاوة كلما رأى أرسي تقوم على رعايته.

تجربة رعاية شخص آخر كانت لطيفة للغاية، لكنها مزعجة.  لحسن الحظ لم يكن إيلاس مريضا صعبا، وكان يقضي غالب وقته نائما، ولم يرفض الدواء والأكل، لذا سرعان ما تعافى.

أما في هذا الصباح، فقد اشرقت الشمس، وتزينت السماء بسحب بيضاء لامعة، وبدا الجو صحوا ودافئا بالرغم من الرياح الخفيفة التي تهب من الحين للآخر، وشعرت ارسي بالسعادة فاردت ثوبا خفيفا بلون الخريف، وكانت سعادتها أكبر لتخلصها من الشال الضخم الذي رافقها طوال فترة الشتاء.

كما سعدت لانها استطاعت الخروج بدلا من أن تظل جالسة بالساعات قرب المدفأة تغزل الصوف وتحيك الثياب بجوار ديلارا وأمها،  بينما يتقارع الرجلان تارة في مباراة شطرنج حامية، وتارة في مصارعة للأذرع.

مررت ارسي عيناها على بشرتها المتوردة المنعكسة في المرأة، ثم سحبت الرباط المطاطي من فمها فربطت ظفيرتها الحمراء الطويلة. حانت منها التفاتة للرجل الذي يستلقي خلفها وعبست، لقد أيقظته عدة مرات لكنه يأبى النهوض، تعرف أنه ما يزال مرهقا من الحمى التي عصفت بجسده، لكنه من قال أن عملا مهما ينتظره.

تقدمت إليه وسحبت الغطاء من فوقه بعنف فأصدر أنينا متذمرا:

«أنا مستيقظ، أعيدي الغطاء لمكانه»

«هذه حيلة قديمة ولن تنطلي علي. إذا لم تنهض من فورك فسوف أستدعي خالتي»

فتح عيناه بصعوبة، كانت جفونه ملتصقة ببعضها وعيناه مسحوبتان بسبب النعاس، بينما بدت نظراته خاملة.

لاحظت مؤخرا أن الشعر الأسود كان يغلب على الخصلات البيضاء التي في رأسه، ولكنه لن يفرح بسواد شعره طويلا، فالشيب سيناله بعد سنين معدودة.

            وضعت يدها على خصرها وانحنت عليه:

«هل انت مستيقظ فعلا؟»

صدر عنه صوت زفير أجش:

«أتمنى لو انام سبع سنوات»

قهقهت:

«هذا سبات شتوي وليس نوما. هل تنوي أن تنقلب إلى دب؟»

«لو كان هذا سيمنحني بعض السلام، فلم لا»

«لا أصدق أن مثل هذا القول يصدر عنك! ألست الطبيب المكد المجد؟ لطالما تخيلت أنك تستيقظ قبل زقزقة العصافير»

استوى جالسا، دفع خصلاته الطويلة بعيدا عن عينيه:

«هل خيبت أملك؟»

وضعت اصبعها على طرف فكها بتفكير، ثم ما لبثت أن ابتسمت:

«لا. أظنني أفضلك هكذا، شخص كسول يحب النوم كثيرا، ويفضل البقاء مستلقيا في سريره. تحب عملك وتقدر حياة الناس، لكنك تشعر بالسخط أيضا وتتمنى لو تصبح نجارا عاديا. تستيقظ وشعرك الطويل في فمك، وتشخر ليلا»

ضيق عينيه وهو ينظر إليها فابتسمت:

«لست مثاليا كتمثال من الشمع، تعاملك مع النساء أخرق وتنطلي عليك ابسط الحيل، وانت أخرق حين يتعلق الأمر بتنظيم الملابس أيضا والبحث عن الأشياء الضائعة»

«هذه كلها سلبيات لا إيجابيات!»

«نعم»

«أليس هناك شيء واحد جميل فيّ! وسامتي مثلا!»

غمزته:

«ومن قال إنك وسيم. كما تقول خالتي انت تشبه المشعوذين بشعرك المخطط، وضرسك المخلوع يجعلك تبدو كعجوز هرم»

مد ذراعه بغتة يود لو ينقض عليها لكنها قفزت من أمامه بسرعة، ووقفت بعيدا وهي تضحك.

أمسكت مقبض الباب وأضافت:

«لعلك استيقظت الآن تماما، سأذهب لأساعد ديلارا في تجهيز الفطور»

ظل يرمقها بنظرات غاضبة فغادرت وهي تضحك، وسمع صوتها وهي تنادي ديلارا بمرح.

إنه الأول من نيسان، ولقد مر على زواجهما ما يناهز خمسة أشهر كاملة. وكم كان تأثير الشهور الثلاثة الأخيرة عليها مذهلا!

لقد تأقلمت تماما، وبسبب الأمطار والملل في خلال الأيام الممطرة تعمقت علاقتها بديلارا، فأصبحت تقلدها في شخصيتها بشكل لا إرادي، وكلما خلا بها لا تنفك تتحدث عنها، لقد سلبتها ديلارا عقلها، وأصبحت في موضع الأخت والصديقة لها، بل أكثر من ذلك.

أحب هذا التحول المبهج في شخصيتها، وعلم كم كان مخطئا حين ظنها مجرد أميرة مدللة تحب جمع المجوهرات.

كانت رقيقة وعفوية وكأنها لم تولد في قصر من الذهب، وبدا أنها عشقت حياتها الحالية اكثر من حياتها السابقة.

أما علاقتها به فقد قفزت قفزة واسعة، كانت أحيانا تعاني من الكوابس بسبب الحادثة القديمة التي تعرضت لها فترفض أن يلمسها وتخشاه، فكان في كل مرة يضمها إليها ويمرر كفه على شعرها مواسيا، ينسى ما كان يود فعله ويجذب مواضيعا مختلفة ثم يتركها تمسك مقاليد الحديث.

هذا التعاطف من ناحيته جعلها تستكين إليه أكثر من السابق، ولم تعد علاقتهما مبنية على الاحترام فقط، ولا هي مبينة على علاقة حقوق زوج وزوجة، بل كان يرى في نظراتها حنانا، وبهجة.

وأصبحت تناكشه وتشاكسه كطفلة صغيرة. واحيانا تنفرط مقاليد الامور من يديها فترفع راسها بشموخ وتتحدث بكلام النبلاء، وتتصرف كنبيلة طائشة.

فتذهل الجميع أحيانا وفي تارة أخرى تتسبب لنفسها بالحرج خصوصا حين يتخذ إيروس من موقفها موضع سخرية.

نهض ببطء وتمطى قليلا، مرر عيناه في الغرفة الهادئة وتشمم رائحة العطر المنعش الذي ما يزال عالقا في الجو ثم ابتسم، ونهض ليستحم.

******

أقبلت أرسي على ديلارا في المطبخ ووقفت بجوارها قائلة بحماس:

«هل ستعلمينني اليوم خبز كعك القرفة من جديد»

قهقهت ديلارا:

«ألم يقل لك إيلاس ألا تحاولي الطبخ من جديد؟ في آخر وجبة صنعت أضرب عن الطعام يوما كاملا بسبب آلام المعدة»

نفخت خديها في غضب ثم هزت كتفيها:

«هو من قرر أن علي تعلم الطبخ في البداية، على كل واحد منا أن يتحمل مسؤولية أقواله. وأنا أحب هذا فلم استمع لكلامه»

ضحت ديلارا وهي تحرك الشاي فوق النار:

«أنت تتخذين منه فأر تجارب»

«لن يموت مادام يعالج نفسه بالأعشاب»

ابتسمت ديلارا لها وقالت:

«حسنا، حين نعود من النهر سوف أعلمك من جديد»

«رائع! وستعلمينني صنع العصيدة أيضا!»

حدقت بها متعجبة:

«العصيدة؟ ولم؟ ظننتك تريدين تعلم ما يحبه إيلاس»

«إنها يحبها»

رفعت ديلارا راسها بتنهد:

«فقط إن كانت خالتي من طبخها»

أطرقت أرسي لوهلة وثم قالت:

«صحيح، عصيدة خالتي لذيذة حقا»

استدارت نحوها بتعجب:

«ظننتك لا تحبينها؟  رفضت تناول أي شيء منها خلال الشهور الماضية وخلال مرضك بالحمى»

ابتسمت بحرج:

«تذوقت قليلا من عصيدة البارحة التي أعدتها خالتي لإيلاس، بضع معالق فقط وأحببتها»

ليست بضع معالق في الحقيقة، لقد تناولت نصفها حتى أن إيلاس تعجب حين قدمت له الصحن فارغا حتى نصفه. فقالت له على عجل أن القمح نفذ لذا لم تصنع الخالة الكثير.

«فهمت، لعلك بدأت تعتادين على طعامنا. سأعلمك صنعها لكني لا أعدك أنها ستكون بجودة ما تعده خالتي»

«لا بأس معي بذلك»

أقبلت الخالة من الحديقة عليهما، كان ثوبها مبقعا بالطين اللزج، غسلت يديها في طشت قدمته لها ديلارا ثم جلست تثرثر عن محصول البازلاء الذي بدأ ينضج وقالت أنها ستبدأ في حصاده بعضه قبل نهاية الأسبوع كي يبقى حلوا وطريا.

تمتمت ارسي بسعادة:

«رائع، بازلاء؟ لم يسبق لي أن رأيتها سوى في الأطباق»

نظرت لها الخالة ثم قالت:

«أحسبك تعيشين في عالم مناف لنا»

رفعت  ديلارا الابريق من فوق النار ثم قالت:

«الفطور جاهز. هل أيقظت إيلاس؟»

«تركته مستيقظا. لا أظنه عاد للنوم»

كتمت ضحكتها فابتسمت ديلارا:

«هل ازعجته من جديد؟ إنك تسببين له المشاكل ولا ينفك هذه الأيام يقول أنني السبب وأنني أفسدك بتصرفاتي»

«ليس له أحقية الاعتراض»

نظرت لها الخالة ساخرة:

«ما دمت ستطبخين له طعاما صالحا للاكل فلن يعترض»

جمدت ابتسامتها ثم قالت بخفوت:

«سأتعلم!»

هزت ديلارا رأسها:

«نعم، لا تقسي عليها يا خالة. إنها تتحسن»

رفعت العجوز رأسها وقالت:

«حسنا. إن كان هذا ما تقولين. لست مستعدة لدفن ولدي بسبب تسمم في الطعام»

رفعت أرسي صوتها:

«إنك تبالغين يا خالة. قلت لك أنني سأتعلم»

حدجتها بنظرة ساخطة:

«غيرك يتعلم وهو في السادسة عشر، إنك على أعتاب الثانية والعشرين»

«التعلم لا يتعلق بعمر محدد»

«تعلمي قبل أن أموت إذا، لأني أخشى ترك ابني في عهدتك، سيموت جوعا على هذه الحال»

انتفخت اوداجها غضبا:

«سترين، سأصبح طباخة ماهرة، وسوف تعترفين بذلك»

نهضت  الخالة

عن الكرسي الذي كانت تجلس فوقه وهمهمت:

«حسنا. عجلي»

خرجت من الباب وأضافت:

«ضعي الافطار يا ديلارا، انا في غنى عن سماع زقزقة هذا السنجابة المزعجة»

«لست سنجابا!»

زعقت العجوز في وجهها:

«ماذا تكونين إذا؟ جروا. حتى السنجاب يجيد جمع حبات الصنوبر عكسك»

أفلتت من ارسي صيحة غاضبة، ثم شدت شعرها بقوة، فرمقتها العجوز باحباط:

«أمامك الكثير يا فتاة…الكثير»

وقف إيروس في الباب وهو يضحك فشدت العجوز شعره وجذبته خلفها، ووقف إيلاس بعيدا وهو يزرر قميصه وتقطيبة واسعة رسمت على جبينه.

تقدمت أرسي منه وقالت:

«أمك تشبه زوجة أب سندريلا المريعة. إنها مشعوذة»

«أنا أسمعك ايتها الكلبة الحمراء. دعي عنك القصص الخيالية وضعي الفطور على المائدة»

صاحت أرسي:

«أنا لست كلبة! اه سحقا، أريد العودة للمنزل»

«فات اوان الندم بعدما تزوجت ذاك المخطط، ضعي الطعام على المائدة وإلا سحبت السوط وجلدتك»

اندفعت ارسي للمطبخ فحملت سلة الخبز ومضت وهي تبرطم عن قسوة حماتها وأنها تشبه الساحرات.

وظل إيلاس عند الباب يحاول عبثا تزرير معصميه، رفع نظره لديلارا وابتسم، فتقدمت منه لتساعده، لأنه بكل الأحوال لم يكن ليطلب مساعدة ارسي وهي هائجة.

«لا أفهم لم تتعمد خالتي إغضابها»

تمتم إيلاس بهدوء:

«تحاول وضعها تحت الضغط لتقييمها. انت تعرفين عادات أمي السيئة»

«لكن ارسي ليست مثلي، هادئة وصبورة، إنها ترد الكلمة بعشرة»

ابتسم ايلاس وركن للصمت، فأضافت ديلارا وهي تبتعد عنه:

«لكن خالتي تحب هذا، أعتقد أنها تجد في شخصية ارسي المتمردة شيئا يشبهها»

«ربما»

اومئ لها شاكرا ثم اتجه نحو غرفة مائدة الطعام فاتخذ له مجلسا على الكنبة. وبعد لحظات أقبلت ديلارا وهي تحمل ابريق الشاي.

وأخذ الجميع يتناول الفطور بصمت، بينما ظلت ارسي ساخطة على حماتها.

***

مساء ذلك اليوم وبعدما انتهت المرأتين من غسل الثياب ونشرها، اتجهتا للمبطبخ لإعداد الغذاء.

تكفلت ديلارا بإعداد الطعام بينما سحبت ارسي حلة من الخشب وبدأت تكسر فيها البيض وتضيف الزيت والسكر وكذلك الحليب.

وظلت ديلارا ترشدها وتساعدها طوال فترة الخبز، ولكن رغم أن شكل الكعكة كان رائعا ويبشر بالخير، ورغم سعادة أرسي العارمة بها فقد كان طعمها فظيعا.

كانت حلوة جدا، وطعم القرفة فيها بارز زيادة عن اللزوم، ولم تنتفخ جيدا لذا بمجرد أن بردت أصبحت قاسية كالصخر، والتصقت بالصينية التي طبخت فيها.

رغم ذلك ظلت ارسي متشبثة بموقفها وقالت أنها صالحة للأكل، فوضعت قطعة منها لإيلاس وقدمتها له بعد الغذاء.

تركزت جميع الأعين عليه لما وضع اللقمة الأولى في فمه، وكان من الواضح أنه استغرق وقتا لمضغها ووقتا اضافية ليستجمع شجاعته ويبتلعها. ابتسم برفق:

«إنها جيدة، لقد تحسنت عن آخر مرة. قاسية قليلا لكن بإمكانك أن تكوني أفضل»

صمت، كان يود لو يعقب بشيء آخر، لكن منذ حاول أن يرفع عنها الحرج وطلب منها أن تتوقف عن الطبخ أقامت الدنيا فوق راسه، وهو ليس أحمق ليقع في ذات الحفرة مرتين.

ابتهجت ملامحها بينما ظل هو حائرا، كيف له ان يكمل هذه القطعة المتبقية دون أن تؤلمه معدته، وهل هناك حل اخر؟

ارتفع حاجب ايروس في تعجب وقال:

«حقا؟ انت لا تمتدح زوجتك وحسب؟ آخر مرة طبخت لنا لحما بالبصل وكان محروقا ومرا، وأضافت له حب الهيل لدرجة أنك مرضت يوما كاملا، كما رأيتك تستفرغ كل ما أكلته أمام العيادة»

ود إيلاس لو يمسك سوط أبيه وينهال عليه ضربا لكنه ألجم نفسه بصعوبة، اختطفت ارسي الصحن من بين يديه وقالت وهي تناوله لايروس:

«تذوق اذا»

«لا! لقد توقفت عن فعل ذلك منذ مدة مازل…»

حشرت الطبق في وجهه وابتسمت:

«تذوق!»

زم شفتاه ببطء وأمسك الطبق بين يديه، دس قطعة في فمه لكنه لم يبتلعها، بل سحب طرف منديل كان قريبا وبصق ما في فمه

«هذا فظيع»

حدق بنظراتها المشتعلة وأضاف بتوتر:

«حسنا، إنه أفضل من المرة السابقة، قليلا»

سحبت الصحن من بين يديه، وجلست، وضعته في حضنها وأخذت لقمة منه، كان الطعم فظيعا حقا لكنها أجبرت نفسها على تناوله، لم يكن عليها أن تضيف كل تلك الكمية من القرفة خفية عن ديلارا، رغم أنها ظنت ان ذلك سيعزز النكهة ويجعلها ألذ.

«سآكلها أنا اذا، إن لم يكن أي منكم يريدها. لست بحاجة لأرائكم»

مسح إيلاس على وجهه في حين ابتسم ايروس:

«احرصي فقط ألا ينقلب سحرك عليك، وتصابي بالمغص كما حصل مع زوجك ومعي من قبل»

حدجته بنظرة ساخطة فابتسم بشقاوة، ولولا أن العجوز نهضت مبتعدة لكان الشجار قد احتدم.

طلبت منهم تنظيف أواني الغذاء، واتجهت لتأخذ قيلولة، بينما عاد إيلاس وإيروس لعمليهما.

انصرفت ديلارا بعد ذلك لإكمال الخياطة، بينما قررت ارسي أن تنظف غرفتها قليلا وترتب خزانتها المكركبة.

كانت تشعر بالانزعاج وبالغثيان يتصاعد في معدتها، ورائحة القرفة القوية ظلت عالقة في حلقها ولم تأبي الزوال مهما شربت من الماء.

وبسبب هذا الشعور المزعج ظلت رابضة فوق سريرها دون أن تقوم بالعمل الذي خططت له.

وما إن ظنت الرحمة زارتها متمثلة في استفراغ قوي هدأ أمعائها المضطربة حتى بدأ عذاب من نوع آخر.

داهمها ألم قوي مزق أحشائها وشعرت بالدوار، تكورت فوق السرير وهي تشد على بطنها بقوة، وأخذت تتلوى يمينا ويسارا دون  أن يخف الألم.

رباه ما هذا؟ هل كعك القرفة فعل بها كل هذا حقا!  رغم أنها أكلت فقط تلك القطعة، لا الكعكة كلها.

لعل ايروس كان محقا حين حذرها من المغص الذي قد يصيبها.

نهضت بتباطؤ للحمام وغسلت وجهها بالماء الدافئ، تفقدت ثيابها فوجدت قطرات باهتة من الدم فيها، ضغطت على معدتها بقوة وهمست:

«هل هذا كله بسبب الطمث؟»

قضمت شفتها واتجهت للمطبخ، قررت أن تحصل على كمادة دافئة وبعضٍ من شراب الزنجبيل لعله يخفف ألمها.

رأتها ديلارا وهي تخرج من الغرفة وملامحها متغيرة

فهبت إليها:

«ما خطبك؟ هل أنت مريضة؟»

«إنه …الطمث. أه يا إلهي أشعر أني سأموت»

أجلستها فوق الكنبة بتعجب:

«لم تشكي يوما من ألم الطمث، ظننتك من المحظوظات اللواتي لا يشعرن به»

ضغطت ارسي على بطنها بشدة وهي تتاوه، أجابت بصوت لاهث:

«ولا أنا…طوال حياتي، لم يكن الأمر يتجاوز مغصا خفيفا. أما الآن اشعر وكان آلاف الخناجر تطعنني»

ندت عنها صيحة صغيرة وتمسكت بذراع الكنبة بقوة، راقبتها ديلارا بقلق وقالت:

«سأجهز لك مشروبا ساخنا لعله يهدئ من الالم. استرخي»

«أجل…شكرا لك»

هل من الطبيعي أن تعيش كل حياتها كفتاة محظوظة لا يشكل الطمث في حياتها سوى حيزا صغيرا، لا تزعجها تقلصاته مثل أخواتها وتظن نفسها محظوظة. هل انحسر حظها الآن بسبب قطعة من الكعك؟!

غابت عنها حقيقة واضحة بينما هي تحارب آلامها الغريبة والمفاجئة، وما إن عادت لها ديلارا بعد مدة وهي تحمل شرار الزنجبيل حتى وجدتها تترنح بين اليقظة واللاوعي بينما العرق يبلل جبينها.

خرجت العجوز في تلك اللحظة من الغرفة بعدما انتهت قيلولتها ونظرت بغرابة لهما:

«ما الذي تفعلانه؟»

هبت ديلارا على قدميها وقالت بتوتر:

«تقول أنها تعاني من آلام الطمث. إنها في حال فظيعة»

«لم تكن تعاني قط من شيء كهذا، هل تحاول نيل الاهتمام؟ لعلها الكعكة الفاسدة التي أكلت هي سبب كل هذا»

ندت عن ارسي صيحة أخرى جمدت المرأتين في مكانهما، سألت العجوز:

«هل حضرت لها شراب الزنجبيل؟»

«لم تشربه. إنها شبه فاقدة للوعي»

تنهدت واقتربت منها، سحبت رأس أرسي المرتخي نحوها وحدقت في وجهها:

«لهذا كنت أخشى دوما أن يتزوج فتاة صغيرة مدللة وصدق حدسي. في زماني كنا نكتم آلامنا وننهض للعمل بصمت»

مررت يدها على وجه أرسي المتعرق، ولم تخجل من أن تسحب ثيابها لتعاين نقاط الدم الحمراء المتوزعة بشكل عشوائي على ملابسها الداخلية.

كان لون الدماء خافتا يميل للبني تارة، وتارة أحمر زاهيا، ولم يكن ينزل بتدفق مستمر كما الطمث المتعارف عليه، ورن جرس الخطر في رأسها فسحبت الفتاة إليها وقبضت على فكها بقوة:

«قولي لي متى آخر مرة طمثت فيها»

اشتد الألم على ارسي فلم تفقه شيئا، وكررت لها العجوز السؤال مرة واثنتين في صوت زاعق يكاد يخترق

الجدران من حدته.

تعالى لهاث ارسي وتلاحقت أنفاسها ثم ضغطت على حروفها لتنبس بضعف؛

«لست واثقة، ربما شهر، وربما أكثر»

صاحت ديلارا بغتة:

«أتذكر أننا طمثنا في ذات الوقت قبل مدة، لكن عاودني الطمث ولم يعاودها»

صاحت العجوز فيها بصبر نافذ:

«متى كان ذلك؟»

تلكأت ديلارا في الكلام، رفعت أصابعها وحدقت فيهل بتوتر وقد بدأ القلق يهز جسدها إثر الحقيقة المرعبة التي

بدأت تتضح:

«شهر…لا، منذ أربعين يوما تقريبا. لم تطلب مني شراب الزنجبيل قط، ولم تشكو من ألم ساقيها المعتاد»

حدقت فيها أرسي بنظرات خاوية، هاجمها الألم من جديد فتركت رأسها يتدلى بين ذراعي أم زوجها وبدأ أنينيها يعلو. صاحت العجوز:

«اذهبي وأحضري إيلاس إلى هنا فورا، ولو اقتضى الامر منك أن تسحبيه من شعره»

تجمدت قدما ديلارا بالأرض وتغير لونها:

«خالتي لا تقولي لي..»

قاطعتها بصوت حازم:

«هذا ليس طمثا، إنه إجهاض».

1

.......

هذا الفصل كان صرلي كم مرة ودي غيره، بس ما قدرت🌝?

احسه مشحون صدمات ?

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كركدية

المؤلف rana rachade
2025/12/09 مكتملة
قائمة الفصول (37)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة