٣١

٣١

16 0

.....

استيقظ إيلاس باكرا جدا، مع أول امتداد لخيوط الفجر الأولى، كان لديه صداع فظيع امتد لعينيه، وبسبب السباحة والرحلة الطويلة في العربة شعر أن كل جسده يستغيث وكأنه سقط من جرف عال.

حاول عبثا أن يعود للنوم ليريح أعصابه من الصداع، استدار متنهدا نحو زوجته ومرر عيناه على بشرتها المحمرة، التصق شعرها على جبينها بسبب العرق، ولم يستغرب إيلاس قط حين وجد حرارتها مرتفعة؛ هذا أقل رد فعل على كل تلك المصائب.

لحسن حظه لم تكن حرارة شديدة، نهض عن الفراش وأحضر منشفة مبللة وضعها على جبينها، غطاها وعدل من وضع رأسها على الوسادة، لربما المزيد من النوم سيساعد في تحسين حالتها.

وخرج من الغرفة ليعد لنفسه كوب شاي دافئ يريح أعصابه وجسده المتوتر.

بمجرد أن دخل المطبخ احس بحرارة الموقد المشتعل، ووجد أمه تجلس على كرسي في منتصف المطبخ وبيدها كوب فخاري يتصاعد منه البخار، رفعت له عينان لم يزرهما النعاس، فزفر أنفاسه:

«صباح الخير»

تجاهلت تحيته:

«كيف حال زوجتك؟»

مضى ليفرغ بعض الشاي لنفسه في كوب اخر، أجاب بهدوء:

«لديها حمى خفيفة، لكنها ستكون بخير »

ارتشف رشفة من المشروب الساخن وأضاف:

«على الأغلب»

«متى تلد؟»

قطب إيلاس جبينه، لا يريد التفكير بذلك الآن، أجاب بهدوء:

«لقد دخلت الشهر الثامن من وقت قصير، باعتبار أني لا أعلم إن كانت ستلد في بداية الشهر التاسع أم في نهايته. فربما أمامنا شهر وبضعة أسابيع، حتى شهرين»

برطمت العجوز:.

«لا أستطيع حتى أن أتصور كيف قضت كل تلك الشهور وسط ذلك الجحيم بحالتها هذه. لقد ازدادت هزالا، لا شيء فيها منتفخ سوى تلك البطن»

نقر إيلاس أسنانه بضيق، تمتم ببعض العصبية:

«لهذا كنت أود تركها هنا، لا تنسي أنكم من ضغط علي لآخذها معي!»

تجاهلت العجوز كلامه مرة أخرى وأكملت كلامها السابق:

«تقول أن أمامها شهر آخر؟ بتلك البطن لا أستغرب أن تلد اليوم. لعل حساباتك خاطئة»

«لا، حساباتي صحيحة، تبدو بطنها منتفخة جدا فقط لأن جسدها صغير»

«حسنا، من يراها يظنها تحمل عشرة اطفال لا واحدا»

أبعد أيلاس كوب الشاي عن فمه، ابتسم:

«آه! صحيح! إنهما اثنان وليس واحدا يا أمي»

حدقت به باستنكار:

«من الاثنان؟»

«طفلاي، أقصد آرسي حامل بتوأم يا أمي وليس طفل واحد»

«ومن أين أتى الثاني بغتة! خرجت من عندي تحمل واحدا!»

1

رمش إيلاس بدهشة:

«من أين؟ أمي هل أنت جادة؟»

أفرغ الشاي في حلقه وأضاف:

«لقد كان توأما من البداية، لم ننتبه لأن الحمل كان في بدايته وحسب»

رمقته بنظرة غريبة فاقشعر بدنه، برطمت هامسة:

«واحد لا ينجب والآخر ينجب اثنان دفعة واحدة!»

ابتسم إيلاس فيم عادت والدته لتسدد له نظرة حادة، نسفت لحظة الهدوء:

«قلت أنك ستشرح لي كل شيء في الصباح. ما زلت أنتظر شرحك»

حدق إيلاس في كوب الشاي الذي بين يديه، وضعه على المطبخ بهدوء، ربع ذراعيه فوق صدره:

«حسنا، سأخبرك، لكن بشرط واحد؛ لا تقاطعيني مهما سمعت يا أمي»

ضيقت عيناها عليه، فهز كتفاه وابتسم بمكر:

«لست مضطرا لأشرح كل ما حصل صحيح؟»

رمقنه بضيق:

«لدي إحساس أن ما سأسمعه حتما لن يعجبني. هيا تكلم قبل أن أغير رأيي»

أخذ إيلاس دقيقة من الصمت يرتب فيها أفكاره، بادرته والدته من جديد بصرامة:

«وإياك وتحريف الحقائق، إني أعرف ألاعيبك»

انفلتت منه ضحكة:

«كما عرفت أمر إيروس؟ لم نرد إخبارك لأن ديلارا من أصرت. كيف علمت؟»

«هذا ليس من شأنك. أوجز فالشمس على وشك أن تشرق»

شرد إيلاس من جديد في اللاشيء، ثم تنهد:

«لقد ذهبت لأعالج أميرا كما تعرفين، هذا الأمير شارك في سباق للخيل وبدل أن يتبع المضمار المرسوم اقتحم الغابة بحثا عن طريق مختصر، يبدو أن حصانه ارتعب من شيء ما، فأسقطه عن ظهره، جرح في ساقه بسبب السرج جرحا عميقا وسقط في حفرة طينية»

ابتلع ريقه، وأضاف:

«بعد مدة ظهرت ديدان حية في جرحه، أشبه بديدان الجثث لكنها أكثر اصفرار وعنادا، ووضع على عاتقي أمر علاجه….»

دامت المحادثة وقتا طويلا، ساعاتان لم يتوقف فيهما إيلاس عن الحديث عن كل ما عاناه خلال تلك الشهور الجحيمة وكيف تحولت الديدان لطاعون حي بث الرعب في الناس والتهم الأرواح، لم يغفل تفصيلة واحدة، فنظرات والدته لم تكن بالهينة، تضيق وتسود مع كل كلمة، قاطعته بغتة:

«وهل علم أخوك أنك أصبت بالعدوى؟»

مد إيلاس فالتقط كوب الشاي البارد، رطب به حلقه الجاف، اومئ بصمت:

«اكتشفوا جميعهم ذلك البارحة حين كنت أسبح، ما تزال لدي ندبة بسبب الجرح لذا اكتشفوا الأمر، تركتهم يتشاجرون وعدت للسباحة»

ارتسمت على شفتيه ابتسامة حين تذكر ذلك، ضاق ذرعا بأسئلتهم، تفحصهم له ونظرات العتاب، غاص في أقرب موجة وتعمق في البحر، واستلقى هناك -فوق الماء-  حتى انتهوا من صراخهم.

«والطفل من أين أتى؟»

لوى شفتيه في ضيق:

«حين اشتدت الأزمة قسمنا القصر لقسمين كما أخبرتك. الطفل ولد وتوفت والدته بسبب الطاعون. لذا نقل للجزء الشرقي ليعتنى به ريثما تخف الجائحة. من اعتنى به كان ديلارا لذا تعلقت به»

هز رأسه في إرهاق، نعست عيناه فأخذ يفركها متثائبا وأصابه صداع حاد، لكن أمه تجاهلت كل ذلك وأمطرته بالأسئلة حول الطفل، وكيف انتهى به الأمر معهم، وحين حكى لها كل شيء صاحت مستنكرة:

«أب يتخلى عن طفل أنجبه بعد معاناة! ماذا أصاب الدنيا؟»

«لقد أخذه في البداية يا أمي، لكن أعتقد أن كلمات آرسي جعلته يفكر بطريقة مغايرة»

«آرسي؟ ماذا قالت؟»

ضحك إيلاس:

«أسمعته محاضرة عن الأمومة والحب، أعتقد أن تقلبات الحمل غسلت دماغها تماما. لا أصدق أبدا أنها نفس الحمقاء التي تزوجت…»

قاطعته والدته، لم تكن مهتمة بأخبار آرسي، ولا أفكاره عنها، قطب جبينه بعبوس:

«وإذا؟ أعطاكم الطفل هكذا بسهولة؟»

«إنه رجل كهل، وحيد، ومستواه المعيشي ضيق، وهو حطاب والغابة تم إغلاقها مؤقتا حتى لا تنتشر عدوى جديدة. لذا أظنه علم أنه غير قادر على اطعام الصغير ولا تقديم الرعاية الكافية له ليكبر. لقد تخلى عنه ليس كرها، بل حبا. أراد له حياة كريمة»

«كان عليكم بدل أخذ الطفل، مساعدة الأب ماليا»

اقشعر بدن إيلاس، اتسعت عيناه، سحقا هي محقة، لكن الفكرة لم تخطر ببال أحد منهم، قرأت أمه صدمته فقالت بضيق:

«كنتم جميعا تريدون أخذ الطفل فغاب عنكم هذا! يا للجحود»

مد يده نحو لحيته فحكها متوترا، ارتفع نداء عال باسمه، كان صوت آرسي:

«إيلاس»

صاح مجيبا من مكانه:

«نعم؟»

«أين أنت؟»

«في المطبخ»

انخفض صوتها وهي تقول:

«هل يمكنك أن تأتي للحظة؟»

خلل إيلاس أصابعه في شعره، تأفف:

«لماذا؟»

حل صمت تام ولم تجب آرسي، حدقت به أمه بتهكم:

«لماذا؟ ما هذا الغباء؟  اذهب وانظر زوجتك، فهي بالطبع لم تكن لتناديك لو أرادت أن تسمعنا جميعا طلبها»

خرج من المطبخ سعيدا، فوجئ بإيروس يقف خلف الحائط وقد ارتسم الجمود على ملامحه، وصاحت والدته:

«وادخل أنت، لا تظنني غافلة عن تجسسك»

سحب إيروس نفسا عميقا، تبادل نظرة مع أخيه ودلف للمطبخ.

…….

دفع إيلاس باب غرفته وهاله أن يرى أرضية الغرفة قد امتلأت بالثياب، بينما وقفت آرسي أمام الخزانة بقميص نوم قصير، تمسك بين أصابعها فستانا بنيا وتنظر له بضيق.

«ماذا فعلت؟»

التفتت نحوه، تعابير الضيق والاحباط تكسو وجهها، والدموع تسيل على وجنتيها، رمت الفستان من يدها بعنف شديد وجلست على طرف السرير تشهق وتبكي:

«ما الخطب؟»

أشارت للثياب وقالت:

«جميعها لا تناسبني! جميعها»

نظر حوله للفوضى:

«من الطبيعي ألا تناسبك»

توقفت عن البكاء، أنزلت بصرها نحو بطنها التي يحدق بها، وصاحت بغضب:

«طبيعي؟ ما الطبيعي في هذا؟ هل تقصد أني أصبحت سمينة! ألم تقل خالتي البارحة أني منتفخة؟ نعم، صحيح، جميعكم ترونني منتفخة كالبرميل صحيح؟ بسبب هذه البطن أليس كذلك؟ لكن مهلا لحظة لم أكون أنا المخطئة في هذا؟ ألست السبب فيم أنا فيه؟ تورطني في الحمل بتوأم ثم تقول أن انتفاخي طبيعي وأني سمينة! جميع ملابسي الجميلة التي أرسلتها لي أمي يوم زفافي لم تعد تناسبني وكل هذا….»

1

مد كفه فوضعها على فمها:

«رباه! فهمت، فهمت! اخرسي»

حدقت به بنظرات مشتعلة، فقال بصوت ساخط:

«ثياب؟ كل ما تريدينه ثياب؟ سأشتريها لك، من أجود ما خيط وما وجد. لا داعي للصراخ»

أبعد يده في فمها، فلم تنبس ببنت شفة، رمقته بنظرة عتاب صامتة ولم تتكلم. عادت مجددا لذلك الهدوء الغريب الذي كانت تمارسه عليه سابقا.  نهضت عن السرير وبدأت تحاول جمع الثياب التي على الأرض، لكن هيهات، لم يكن الانحناء شيئا سهلا وبدأت علامات الاشتعال تظهر عليها مجددا، أمسك يدها:

«دعك عنك هذا، سأجمعه. ماذا كنت ستفعلين؟»

«أستحم»

«حسنا، افعلي»

«لا توجد مياه ساخنة في الحمام»

«سأحضرها»

«ليس لدي ملابس»

«سأستعير بعضا من والدتي، ومساء أشتري لك كل ما ينقصك»

دفعها على السرير:

«اجلسي وانتظريني حتى أحضر لك الماء، أمي وضعت القدر على النار صباحا»

انصرف وعاد في لحظات يحمل سطل به ماء تغلي، وضعها في الحمام، خفف حراراتها بماء بارد:

تبعته بصمت حين أشار لها لتدخل:

«استحمي ريثما أجمع هذه الفوضى»

أمسكت طرف قميصه بغتة، عيناها على السطل والكوب:

«ماذا؟»

لم تستدر نحوه، أذناها احمرتا إحراجا وكلماتها كانت همسا:

«حين كنا في الم.. المملكة، كانت ديلارا تساعدني. وحين كنا في قصر الشاطئ ساعدتني الخادمات»

رفع حاجبه متعجبا:

«يساعدنك في ماذا؟»

«الاستحمام»

«ولماذا؟ هل هي حرب؟»

«لا …لا أستطيع الانحناء لأجل الكوب»

راودته رغبة شديدة في الضحك، مد يداه فوضعهما على كتفيها وابتسم:

«حسنا!»

حين أخرجها من الحمام لاحقا، كنت ملفوفة في منشفة بيضاء كبيرة، وضعها على السرير ضاحكا، حدقت به بتبرم فلم يمنع نفسه من الضحك في وجهها، أخرجت رأسها من تحت المنشفة، وأشاحت عنه، وضع كفه على جبينها متحسسا حراراتها، مقارنة بما كانت عليه فجرا فقد انخفضت كثيرا، وبالنظر لها فهي تبدو بخير.

تركها وخرج من الغرفة ثم عاد وهو يحمل فستانا برتقاليا ألبسه إياها، تركها تجفف شعرها وبدأ يجمع الثياب ويضعها في الخزانة كيفما اتفق، أغلق الباب بسرعة قبل أن ينهار كل شيء والتفت نحوها.

قالت:

«أيمكنك تغيير السرير؟»

«الشرشف؟»

«لا. هذا السرير قاس وصلب، أريد واحدا مثل الذي كان في منزل الشاطئ»

«حاضر»

«وبطني تحكني كثيرا»

أغمض عيناه بارهاق، قمع تثاؤبا:

«بسبب التمزقات؟ سأمر على العيادة وأحضر لك مرهما»

قطب جبينه، كم طلبا طلبت حتى الآن؟ أهذا انتقام جديد أم أنها فعلا تحتاج كل هذا؟ ام كلاهما ؟

التفت ليغاد الغرفة، نادته:

«إيلاس»

يا رب السموات!  استدار

«ماذا؟»

«هل يمكنني أن أذهب لقصرنا وألد هناك»

«قصرنا؟  قصر الشاطئ؟»

«لا! أقصد حيث أمي وأبي، قصرنا»

سألها مستغربا:

«لماذا؟»

اعتلاها توتر غريب:

«فقط لأني أردت أن أكون بين عائلتي حين ألد»

«أنت بين عائلتك»

«لكن…»

«هذا الموضوع لن يناقش من جديد يا آرسيلا! ستلدين هنا، تحت ناظري وبيدي! أخرجي هذه الفكرة السخيفة من عقلك»

«لدينا في القصر طبيب ماهر لذا..»

التوت شفتاه في سخرية:

«ماهر؟ وهل تظنيني مبتدئا، ألا تعرفين أن سمعتي الآن تتجاوز أي طبيب ملكي في قصركم الفاره؟ ثم من أنا لأترك رجلا غريبا يقوم بتوليد امرأتي بينما أنا قادر على ذلك؟ أتظنيني ديكا؟»

«لا، ولكن هذا سيس…»

زمجر بغضب أرهبها:

«قلت أن هذا الموضوع منته! جففي شعرك وتعالي لنتناول الفطور»

…..

غادر الربيع ببرودته، وخيباته، لم يحمل من اسمه معناه، بل كان كالشتاء القارس، وفي شهوره القليلة عانى الجميع حتى ما عادوا يميزون الورد من المطر من شدة التعب والاعياء.

أقبل حزيران (يونيو) بشمسه الحارة وسمائه الزرقاء الصافية، وطويت صفحات الماضي المرهق.

عاد الهدوء للمنزل رويدا رويدا، الخالة تقبلت -على مضض- وجود آيرس الصغير، وإن كانت لا تزال تتجاهل الزوجان التعيسان الذين نصبا أنفسهما أبوين للطفل. اندلعت الشائعات في القرية كالنار في الهشيم، وبدأت الألسنة تلوك سيرة المسكينين مرة أخرى، وحتى الصغير لم يسلم من سموم ألسنتهم، رغم ذلك لم يتراجع الاثنان ولو قيد أنملة.

مضى إيلاس في إجراءات تبني الصغير، اختفى من المنزل أياما، أرهق وذاق الويلات وهو ينتظر في قاعات القضاة ويحارب لينال الطفل ابنا له، كونه مجرد عامي بلا لقب، فقد استصغره جميع من هناك، ولولا  رسالة الوصاية التي وصلته من أب آرسيلا لما سمحوا له له بتبني الصغير.

خرج في ذلك اليوم من القاعة الفارهة متجاهلا نظرات النبلاء المستصغرة له، بين يديه وثيقة تؤكد أبوته لطفل لم يخرج من صلبه، ورغم العرق، رغم الشمس الحارقة، شعر أن بداخله زهورا وأن الدنيا انقلبت جنة باردة.

اغرورقت عيناه دموعا وذاق شعورا حرمته منه الدنيا: ذاق الأبوة.

حين عاد في اليوم التالي للمنزل بعد رحلة شاقة، لم يلبث أن انهار باكيا في حضن زوجته، وهو يكرر:

«لقد أصبح ابننا، ابننا! إنه آيرس كورتنيه»

خرجت والدته من المطبخ ورمقته بغير رضى، ترك زوجته وهرع اليها، تجاهل تماما حقيقة أنها كانت تتجاهله طوال الأيام السابقة، حشر الورقة في وجهها وقال:

«أمي، انظري يا أمي. غدوت أبا! أصبح لديك حفيد!»

لم تكن أمه راضية بعد بوجود الطفل، وإن تقبلته مكرهة، علقت جملة قاسية على طرف لسانها، بغتة ناداها إيلاس من خلفها:

«أمي»

حدقت به، فهز رأسه نفيا ونظر له بنظرات طويلة ذات معنى (لا تكسري فرحته)

مدت الأم يديها ولفتها على إيروس، طبطب عليه ثم دفعته عنها وبرطمت:

«لدي طبيخ فوق النار. اليك عني»

استدار إيروس نحو أخيه، قفز فوقه:

«شكرا»

شد إيلاس عليه بقوة وربت على كتفه:

«مبارك! لا تقلق بشأن أمي ستهدأ قريبا. أما لهؤلاء القرويين المعلونين فسينسون الأمر حين تحل مصيبة جديدة»

ضحك إيروس بصخب، تجعدت الورقة بين كفيه، نقل بصره نحو أرسي وقال ممتنا:

«تلك الرسالة غيرت كل شيء. عانيت بشدة ورفضوا مقابلتي لمجرد أني عامي. حين أعطيتهم الرسالة تغيرت معاملتهم لي مئة وثمانين درجة!»

ابتسمت له بهدوء، فيم عاد إيروس ينظر لأخيه:

«هل كنت تعاني كل هذا حين كنت مغتربا تعالج الناس»

هز إيلاس كتفاه:

«أخبرتك، لهذا أكره النبلاء»

رمقته آرسي بنظرة غريبة، وضحك إيروس:

«لكنك صرت منهم. سيدي البارون!»

توقف عن الضحك بعد لحظات حين شق بكاء آيرس المكان، هرعت ديلارا للغرفة، وابتسم إيروس لسماع الصوت، ابنه! هذا ابنه!

«بالمناسبة إلى ستذهبان؟ ما هذه السلة؟»

رفع إيلاس سلة الدوم الصفراء وقال بهدوء:

«سأقطف بعض الكركدية من الغابة»

قطب إيروس جبينه وحدق في آرسي بنظرة ذات معنى، أضاف إيلاس مبتسما:

«عليها أن تمشي قليلا، المكان ليس بعيدا كما تعلم»

دفعه بيده:

«انصرف لترى ابنك، وكف عن تجعيد هذه الورقة المهمة في يديك، يكفيها ما أصابها من عرق كفيك»

استدار إيروس مبتعدا:

«فهمت. كونا حذرين»

التفت إيلاس لزوجته:

«دعينا نذهب»

كان هو من اقترح عليها الذهاب معه، فقد لاحظ رغم الصمت الذي تلف به نفسها، أنها أصبحت عصبية، حساسة جدا، دوما تنظر لبطنها برهبة، وتارة بغضب غير مبرر..

باتت توقظه في منتصف الليل دوما، تارة لأنها عطشى، وفي كثير من الأحايين ليساعدها في النهوض عن السرير لتذهب للحمام، فلم يعد لديها مقدرة لضبط نفسها حين يتعلق الأمر بالذهاب للحمام.

لم يكن معها طوال الشهور الماضية، بل ديلارا من اعتنت بها، لذا حين وجد نفسه بداخل هذه المسؤولية الجديد شعر بالسخط، فقد كان يتوق لراحة طويلة.

لكن الأسخف أنه لا يمكنه التذمر، فهذا أبسط حق من حقوقها، ووجود فترة اجبارية أبعدته عن واجباته كزوج، لا يعني أن هذه الواجبات أصبحت ملغية.

لذا للتفريغ عن إحباطه وتهدئة نفسه أراد تحضير مشروبه المفضل: مشروب الكركدية،  لكنه لم يجدها في المنزل، وهو عادة لا يشتريها بل يقطفهو من بستان صغير في الغابة، حيث تنمو هناك كركدية برية طبيعية، وهو يشعر ان البرية ألذ بكثير من التي في السوق

وهم في بداية الصيف، وهذا موسمها، لذا قرر الذهاب لقطف البعض، وخلال ذلك فكر أن هذه النزهة الصغيرة ستكون مفيدة ايضا لآرسي، فخطط لأخذها معه.

تأبطت يده خلال الطريق، كانت الناس تلتقيهما فيحي البعض منهم إيلاس، والبعض يحدج آرسي بنظرة طويلة مع ابتسامه صغيرة، وتمادى البعض مازحا حول موعد الولادة المرتقب.

جارى إيلاس مزاجهم كل على حدة، مبتسما، ضاحكا، ورسمت آرسي على وجهها عبوسا واضحا فض عنهم الجمع سريعا.

خرجا من القرية مرورا بالنهر الذي اعتادت ارسي وديلارا غسل الملابس فيه.

عبرا النهر للضفة المجاورة وسريعا ما دخلا حدود الغابة، كانت الأرض وعرة قليلا، تمسكت آرسس بذراع زوجها بشدة ودفنت أصابعها في لحمه، وحين وصلا لتلة عالية استغرق قطعها ما لا يقل عن عشر دقائق، خرجت منها آرسي منهكة، تلهث، متعرقة الوجه وكأنها قطعت ما لايقل عن ألف ميل، والحرارة لك تكن تساعد حتما.

وقفا على أعلى التلة، تشرق فوقهما الشمس، وانشغلت آرسي بضع لحظات في تهوية وجهها الساخن بيديها قبل أن تنقل بصرها وترى المنظر الساحر الذي وقفا أعلاه.

المنحدر بإكمله كان بستانا من الورود المشكلة، وهو الشيء الوحيد الذي خلفه قدوم الربيع؛ أقحوان أبيض، شقائق نعمان حمراء وكمية زاخرة من الخزامى البنفجسية وورود شائكة زرقاء تسحر الأعين.

تمتم إيلاس:

«بعضها بري بالكامل، لكني رششت بعض البذور هنا لتنموا المزيد من الأعشاب الطبية والزهور. هذا المنحدر مثالي للزراعة لكنه بعيد عن المنزل لذا تم إهماله. آتي له من حين لآخر لأحصل على الكركدية»

«كركدية؟»

هز رأسه مبتسما، أشار لنهاية المنحدر حيث تألقت بقعة بورود حمراء زاهية اللون، كالدم في حمرتها:

«تلك، انها مختلطة بالشقائق النعمانية. هي وردة طبية مشهورة»

«ما فوائدها»

«أصنع منها أحيانا مراهم للجروح، لكني فعاليتها إكبر حين يصنع منها مشروب، فهي كاليانسون تساعد على الاسترخاء، مذاقها أجمل في الحقيقة وألذ. أحب جمعها وتجفيفها»

أشار لها لبقعة ظليلة:

«اجلسي هنا ريثما انزل وأقطف القليل»

«سأنزل معك»

«قد تقعين!»

مدت كفها وتشبثت به، حدقت به مبتسمة:

«سوف تمسك بي!»

بادلها نظرة طويلة، يا لبساطة الأمور عندها؛ ملابسها لا تناسبها، سوف يشتريها، السرير يزعجها سوف يغيره لأجلها، تشعر بالعطش ليلا إذا سينهض ليحضر لها الماء. تريد نزول تلة خطرة وشديدة الانحدار وهي في نهاية حملها،  اذا هو سوف يمسك بها كيلا تسقط؟

متى أصبحت تعتمد عليه بهذه الكثرة؟ بل متى تحول هو من رجل مستقل لا يهتم سوى بأعشابه لرجل شديد الحساسية حول ما يتعلق بزوجته، حين يعود بذاكرته للوراء يجد أنه يجيب كل طلباتها حتى غير المعقولة منها، جميعها إلا ما يضر بصحتها.

أخرجته من شروده:

«ألن ننزل؟»

حدقت نحو الورود وقالت:

«أريد أيضا أن اقطف الكركدية»

مد كفه فقبض على أصابعها الرقيقة، وضع الأخرى على خصرها وابتسم:

«لننزل»

نعم، سوف يمسك بها، دوما وأبدا، حتى إن لم تطلب ذلك منه فسيفعل، لكن لماذا؟

1

نزلا التلة بهدوء شديد وحذر، أجلسها وسط الزهور الحمراء تحت شجيرة صغيرة، وانصرف ليقطف الكركدية داخل السلة.

لكنه لم يفعل ذلك بكليته، بل لا يلبث أن يرفع رأسه ويحدق بها،  كيف تجلس هناك، ساقيها مفرودتان على العشب الأخضر، فستانها الأبيض المزين بالورود الصغيرة يرتفع ويهوي بفعل النسيم، وشعرها الناري يتحرك حول وجهها الصغير، بينما عيناها الزمرديتان تتألقان في ضوء الشمس.

بغتة مدت يديها فاقتطفت وردة كركدية يانعة اللون، قربتها من أنفها وشمتها، ثم دستها خلف أذنيها، لتتضارب حمرة الوردة مع شعرها الطويل.

همس بدون وعي:

«تشبهها»

أنزل بصره وحدق في الورود المنتشرة حوله، حمراء، مذهلة، الشيء الوحيد الذي كان يهدئ أعصابه طوال السنين الماضية، الزهرة الوحيدة التي تغلبت على حب جميع الأعشاب في قلبه. كانت الكركدية رفيقته، وليست مجرد زهرة.

قطف زهرة في صمت وأخذ يتأملها؛ فيم تشبهها، هذه الزهرة الصغيرة؟  أ لأنها حمراء مثلها؟ رقيقة يؤذيها جرح بسيط، حساسة للنسيم؟ أم  لأنها ملاذه، تهدئه، تشعره أنه في المكان الصحيح وتريح أعصابه المشدودة.

رفع بصره من جديد نحو زوجته، وردة الكركدية لا تزال خلف أذنها لكن ملامح السعادة اختفت عن وجهها الصبيح، دون تفكير ودون تردد هرع نحوها.

«ما الخطب؟»

رفعت عيناها نحوها، زفرت نفسا طويلا وقالت:

«انقباض»

ضيف جديد غير مرحب به كان ينزع الهدوء من أيامهما معا، يزعجها، يخيفها لأنه إنذار صامت للولادة الوشيكة، بينما يبقيه قلقا  ومتحفزا على الدوام.

وضع السلة أمامها وراقبها بصمت حتى اختفى الانقباض المزعج وعادت ملامحها للهدوء، وخلف هذا دموعا في عينيها الزمردتين.

مد أصابعه فالتقط دمعتها قبل أن تبلل وجنتيها، فرك وجنتها وقال برقة:

«لا تبك، كل شيء سيكون بخير. لا تبك»

بغتة امتدت يديها نحوه، قالت دون مقدمات:

«عانقني»

«هاه؟»

«أتذكر، حين تزوجنا قلت لي أن أطلب كل ما أريد وستفذه لي؟ مثل ذلك اليوم تماما، عانقني»

صمتت للحظة وتألقت الدموع في عينيها:

«ألن تفعل؟»

لا يفهم ابدا النساء، ولن يفهم.

اقتحم مساحتها فاقتحم عبيرها أنفه، مد ذراعيه حولها وشدها لصدره فرفعت جسدها ودست نفسها في حجره، عدت ذراعيها حول عنقه ودفنت وجهها في رقبته.

مرر يده على شعره، لا يفهم، لا يفهم، لا يفهم!

لماذا تبدو في عينيها نظرة انكسار، لماذا تغلف نفسها أحيانا بصمت غريب وتنأى عنه، وفي الدقيقة التالية تصرخ بغضب وتتعامل بحساسية مفرطة، تطلب اهتمامه وتفرض عليه أمورا لا عقلانية.

لماذا تحدق به بعتاب، تلومه لجرم اقترفه، جرم لا يعرفه! ماذا حصل؟ وما الذي يزعجها…لا يفهم، لا يعرف!

لبثا على هذا الوضع وقتا طويلا، ساقيها بين ساقيه، فستانها يرفرف فوق فخذيه، بطنها على ذراعه، ووجهها في عنقه.

حركت رأسها بعد برهة، للجهة الأخرى، نظر لبقعة الدموع التي خلفتها فوق قميصه البني، سألها بحذر:

«هل تتألمين؟»

«لا؟»

«هل أنت متعبة؟»

صمتت، ثم قالت:

«لا أدري»

«أنعود للمنزل؟»

«لا»

أعادت وجهها لعنقه وأعقبت بصوت مكتوم:

«أريد البقاء هكذا»

حرك جسده قليلا، استند بظهره على جذع الشجيرة الصغيرة، وسحب كليهما لظل الأغصان، ثم سكن.

كان في الجو سكون عجيب، لا صوت يطغى فوق أصوات الطبيعية ولا شيء يعكر المنظر الجميل الذي أمامهما، ليس لديه عمل مستعجل فالعيادة ما تزال مغلقة حتى إشعار آخر، يوجد أطباء آخرين غيره وهو يريد أن يرتاح ويرتب حياته قبل أن يعود للعمل، المشكلة أن لديه أولوية واحدة في الفترة القادمة، أولوية اسمها «آرسيلا»  تقبع في إحضانه بهدوء بينما وجودها فقط يثير زوبعة من الفوضى في حياته.

أخفض بصره لرأسها، حدق مجددا في الزهرة خلف أذنها، لامسها بهدوء وتمتم:

«كركدية»

ابتسم برقة، لديه كركدية جميلة، لكنها لا تريح أعصابه هذه المرة بل تبقيه كمن يجلس على البيض، على حافة أعصابه، متوترا، خائفا، مرعوبا، وقلقا، هذه الكركدية الصغيرة ليست مريحة لأعصابه، بل تزيدها سوءا…لكنه…لكنه…لكنه ماذا؟

1

.....

لكنه ماذا؟

هذا الفصل بالذات كان مفروض يكون قبل الجائحة وكذا، بش خليته بعدها عشان بيعطي أثر أكبر في النفس ويكون فترة استراحة حلوة من كل ذاك التعب.

..

🤭🤭🤭

الفصول الأخير مرة ممتعة.

لو شديت حيلي بتخلص القصة قريبا🌝🌝

ارجعوا صوتو على الفصول.

ولا تنسوا التعليقات🤭🍯

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كركدية

المؤلف rana rachade
2025/12/09 مكتملة
قائمة الفصول (37)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة