لم تسمح لها ديلارا أو خالتها بالمساعدة في المنزل قط إلا بعد مرور أسبوع، وهذه كانت عدة العروس في قريتهم بحيث لا تساعد في المنزل ولا تقوم بشيء قط.
ورغم الملل والرتابة التي شعرت بها، ساعدها الوقت الفائض على التجول قليلا في القرية حين لا تجد شيئا تفعله، فتعرفت على أرجائها وعلى سكانها، وحفظت قدرا مهما من الأسماء الجديدة.
وأيضا خاضت في محادثات طويلة مع خالتها التي اعتبرت جلوسها معها بعد الغذاء أمرا مقضيا لا رجعة فيه، ورغم أن الجميع كان يقول لها أنها سوف تمل قريبا من قصص العجوز وتشعر بالسأم مثلهم من تكرارها لنفس الأحداث والتحدث عن تفاصيل تافهة مرت في حياتها، لكن أرسي ورغم مرور أسبوع كامل لم تمل بعد، بل لقد سحرتها القصص المختلفة التي سمعتها عن شباب خالتها، وعن طفولة زوجها وأخيه، عن حماها الراحل والقرية وكل شيء.
لطالما كانت مغرمة بالقصص الخيالية وهي في القصر تنعم بدلال الأميرات، وهنا لم تكن الكتب ولا القصص، لذا وجدت في قصص الخالة الساحرة أنيسا.
أما جلساتها مع ديلارا فقد اتسمت بطابع أكثر جمالا، وأزهرت علاقتهما بشكل تلقائي في وقت وجيز، فقد شعرت أرسي نحوها بالمحبة والألفة، ورأت فيها أختها الكبرى والأنيس الأنثوي الذي تفتقده ها هنا، امرأة مثلها تشاركها الحياة ذاتها والمشاكل ذاتها، وكذلك هي ما تزال شابة مما يجعل الحديث معها له طابع حيوي مختلف عن حديث الخالة العجوز.
حدثتها ديلارا عنها وعن إيروس كثيرا، وكانت كلما تحدثت عن زوجها أشرقت عيناها واخضب وجهها بحمرة خفيفة، وظهر السرور في لهجتها.
اعتبر إيروس من بين الشباب الوسيمين في القرية، رغم أنه كان كثير التفاخر بعضلاته وجماله في صباه، ورغم أنه كان أحمقا منحرف النظرات عكس أخيه الرزين.
إضافة إلى أن وضع عائلته كان خاصا، افتتح ورشة أبيه المغلقة بمفرده بعدما قرر إيلاس أن يتجه للطب والعلم، بدلا من أن يخطو على خطوات والده الراحل ويصبح نجارا.
ولم يكن إيروس يملك المهارة الكافية حتى ليصبح نجارا، كانت أعماله غاية في السوء، ولم يقبل بها أحد، وكانت الورشة شبه مغلقة.
وظل المسكين يعافر ويعافر رغم وضعهم المزري، فبعدما بدأ إيلاس رحلاته كان هو الوحيد الذي يعيل أمه.
قرر في النهاية وبناء على نصيحة أمه أن يعمل عند نجار آخر في القرية صباحا، ويعود لورشته خلال المساء.
واستمر على ذلك الحال وقتا حتى احترف الصنعة، ونجح في صنع قطع قابلة للاستعمال البشري ولا ينتهي بها الأمر في مدفأة المنزل.
وكان إيلاس كلما عاد من رحلة ما، يروي لأخيه عن مختلف القطع التي رآها، ويعمل كلاهما على تصميم قطعة مشابهة، وهكذا استفاد إيروس من رحلات أخيه، وازدهر عمله لأنه كان يبهر الناس كل يوم بشيء جديد.
وفي النهاية بعدما كانت الناس تتجبنه بسبب ضيق حالته المادية، بدأ الجميع يعرض عليه بطريقة او أخرى ابنته.
في ذات الوقت كانت ديلارا أزهرت وصارت شابة جميلة، بعدما كانت طفلة حمقاء بظفيرتين ترمي الجميع بكلمات كحد السيف، وشعر أن طبيعة الفتاة الساخرة الغير المبالية تناسبه جدا فوقع في حبها دون مقدمات.
وبدأ يطاردها، ولم تكن أنذاك سوى في التاسعة عشر من عمرها، وظنه الجميع عاد فقط لمزاولة مهنته الثانية وهي التغزل بالنساء، فقد شغلته الورشة عن ذلك مدة طويلة.
وغرقت القرية كلها في صدمة حين تقدم لخطبتها مع والدته وأخيه بعد سنة. لقد نضج الشاب اللعوب وصار رجلا.
لكن إن كان قد نضج وتوقف عن ملاحقة بنات الناس بنظراته السافلة التي تلقى بسببها جلدات لا تحصى من سوط أبيه، فهو لم يتوقف عن كونه يميل للهزل والنكات.
أما ديلارا، فقد التصق بها لفظ المتزوجة فأجبرها على أن تكون ناضجة وتتوقف عن قرع الناس بلسانها، أو محاولة صيد إيروس بنظراتها.
كانت قصة حبهما عاصفة، لكن أحدا لم يرى ويشعر بتلك الحرارة الملتهبة غيرهما خلال السنة التي سبقت الزواج.
ولم تنتشر قصة حبهما إلا بعد الزواج، حيث فطن أهل القرية أخيرا للحب الذي بينهما، بعدما أصبحت علاقتهما لا تقتصر على النظرات المسروقة والابتسامات.
رأى الجميع ديلارا تذهب كل صباح للورشة لتتفقد زوجها، ورآها صبيان القرية تتشمم قماش ثيابه بعد جفافه في الشمس وكأنها تتقين أن الشمس لم تخفي رائحة جسده.
ورآها الجميع تبذل كل جهدها لتعلم الطبخ، وتحاول إرضاء خالتها وتسمع كلامها، وتطمع لتكون الزوجة المثالية.
استعملت لسانها بقوة ضد كل من أهان شرف عائلتها الجديدة، ونمت لديها نزعة حماية شديدة حتى ضد إيلاس الذي كان الناس ينكرون فعله، فقد قرر التشرد في رحلات لا معنى لها بدلا من أن يمسك زمام عمل أبيه.
ورأى أهل القرية إيروس وهو يحاول إبهاج زوجته لأنها لم تنجب، وسمع العمال صوت بكائها في الورشة كلما اختلت بزوجها عندما تحضر له الطعام.
وحتى بعدما انتشرت الشائعات عن عقم زوجته، وعرض عليه الناس من جديد بناتهم، رفضهم رفضا قاطعا وصرح أنه يرفض الزواج من أي أنثى ثانية، وأنه لا يهتم للأبوة إن لم يكن الطفل قد خرج من رحم المرأة التي يحب.
وفي قرية صغيرة يلوك الناس لحم بعضهم بعضا فيها، لم يسلم الاثنان من التكهنات والشائعات، حتى أنه اتهموا ديلارا بالسحر الأسود وأنها أطعمت زوجها شيئا جعله غارقا لها.
حين لا يعجز البشر عن تفسير المشاعر الصادقة الحقيقة، وحين لا يرقى الحب العفيف لمفاهيم الحياة لديهم، يعلقون كل شيء على الجن والسحر.
شعرت أرسي أن القصة لطيفة، لا تحمل في طياتها مهزلة كتلك التي عند النبلاء، فالحب ليس هو المجوهرات والهدايا، ولا تقبيل الاصابع والانحناء، حب عفيف لم يلمس أحد فيه الآخر إلا بعدما جمعهما سقف واحد.
حب أشعلته نظرة، وغذته الكثير من الابتسامات.
حب نيرانه خالدة، قد تحرق كل من يحاول إطفائها.
ليس الحب علاقات جسدية، و لا مجاملات فارغة، بل هو مشاعر متأججة صادقة، عفيفة.
وبينما كانت آرسي ترتب فراش غرفتها وترفع ثياب إيلاس عن الأرض فكرت، هل لربما تسري ذات الجينات في دماء إيلاس؟ هل سيحبها ذات يوم بنفس الطريقة التي يحب فيها أخاه زوجه؟ وهل لعل الجمرات في قلبه مشتعلة أم أنها سوف ترضى برماد بارد؟
لا يقصر معها في شيء، يحترمها، يلبي كل طلباتها، ولا يحرمها من أتفه الأشياء، حتى عندما طلبت منه الكتب قبل أيام، وعدها أنه سوف يفرغ نفسه قريبا ويذهب للسوق ليختار لها ما تريد.
إنه ببساطة زوج مثالي قد يروق لكل فتاة، لكنها أنثى، والأنثى جشعها لا ينتهي حين يتعلق الأمر بالعلاقات.
لكن…ألم يقل لها ادفعي بي لحبك؟ إذا سوف تفعل؟ وكما كانت ديلارا تطمح سابقا لنيل رضا خالتها فهي الآن لديها مهمة أصعب، نيل حب زوجها…الحب الحقيقي.
عطست بغتة، فنظرت بغل نحو القميص الذي قربته لأنفها، هل كانت ديلارا تحب مثل هذه الرائحة؟
حسنا، رائحة عرق إيلاس الممزوجة برائحة الأعشاب والتراب، لا تروقها قطعا.
هزت كتفيها ورمت القميص فوق ذراعها، الأذواق تختلف حتما.
أغلقت باب الغرفة خلفها برفق، فاستقبلتها ديلارا بسلة ضخمة ثياب ضخمة، جدلت من ظفائر الدوم.
«ها أنت ذا، ضعي تلك الثياب هنا. هل كنست الغرفة؟»
«وأين المكنسة؟»
ابتسمت ديلارا، ثم وضعت السلة من يدها وأمسكت مكنسة قصيرة صغيرة.
دخلت الغرفة، وانحنت على الأرض وبدأت تخرج التراب الذي تراكم تحت السرير:
«يجب أن تكنسي هكذا»
ناولتها المكنسة فانحنت أرسي بجذعها على الأرض وبدأت تدفع الغبار، لكنها توقفت وغرقت في نوبة عطاس بسبب الغبار، تركت المكنسة من يدها فضحكت ديلارا:
«ستعتادين هذا»
تقدمت نحو المنضدة وقالت بلوم:
«لم تمسحي المرآة ولا المنضدة! انظري لكل هذه الغبار!»
«لقد رتبت السرير»
«هل تظنين أن كل ما يوجد في الغرفة هو السرير؟ وأين الملابس المتسخة الأخرى؟ أحضرت ملابس زوجك فقط؟»
حدقت بها أرسي، ثم مضت لتفتح الخزانة:
«وضعتها هن…»
صاحت ديلارا فيما يشبه الزعيق:
«أتضعين ثيابك المتسخة في الخزانة!»
تركت ما في يدها وركضت، مررت عيناها على الخزانة وقد اقشعر جسدها.
معظم الثياب فوضوية، محشوة فقط في الرف، أما جانب إيلاس فقد كان به بعض الثياب المبقعة والنتنة، أما الأحذية والصنادل فقد كانت تفوح منها رائحة قوية.
كاد أن يغمى عليها بسبب المظهر الفظيع الذي رأت، ثم تذكرت أخيرا أن التي أمامها أميرة لم تلمس في حياتها مكنسة، ويأتيها كل شيء جاهزا.
قبضت على ذارعها بحنق واضح وهسهست:
«آرسيليا»
نظرت لها الفتاة برعب:
«ماذا؟»
رفعت ديلارا عينيها إليها وقالت:
«قلت لي إنك تريدين أن تصبحي زوجة رائعة مثلي، صحيح؟»
«بلى..!»
سحب ديلارا كومة الثياب المحشوة بيدها ورمتها فوق السرير ثم تمتمت بإصرار:
«اذا استعدي. تدريبك قد بدأ للتو!»
*********
«هل انتهينا؟»
نظرت ديلارا لها بهدوء:
«ماذا تقصدين بأننا انتهينا؟ ما يزال أمامنا غسل الثياب في النهر، ثم تجفيفها، وفي المساء علينا أن نطويها، ثم حين نعود سوف نجهز الغذاء. اليوم رتبت المنزل بمفردي لكن غدا سوف تساعديني بترتيبه أيضا»
لقد أجبرتها ديلارا على تنظيف الغرفة بيديها، ولأن الغرفة لم تنظف منذ أسبوع، بسبب الزفاف وأيضا لأن ديلارا امتنعت عن دخولها كالأيام السابقة لتنظفها بنفسها، حماية لخصوصية الزوجين، فهي لا تدخل إلا إن كانت أرسي برفقتها.
كنست المكان كله مرتين، لأن ديلارا رأت أنها لم تدفع الغبار جيدا، وطوت قطعة الثياب الواحدة عدة مرات حتى أبدت ديلارا بعض الرضى.
ورغم أن أرسي كانت فخورة قليلا بطيها المعوق، لكنها ما إن رأت الصف الذي رفعته ديلارا حتى شعرت بالاحباط.
كانت الثياب منطبقة على بعضها البعض في ترتيب مذهل، حتى ليخل لك أنه مجرد صف ملون وليس عبارة عن قطع ثياب مختلفة.
أو لعلك تظنها حسبت الطول والعرض وزواية الميلان. وكان صفها يبدو مبعثرا يكاد ينهار من لمسة مقابل صف ديلارا الذي يرتفع بتوازن تام.
نفضت ثوبها البرتقالي فنظرت لها ديلارا:
«ساعدتك اليوم قليلا في الغرفة لأوفر الوقت. غدا أريدك أن ترتيبها بنفسك وسأرى بنفسي تطورك»
«رتبتها اليوم! لماذا سأرتبها غدا؟
«أرضية الغرفة ليست من فسيفساء كما في قصوركم، الاسمنت يجمع الكثير من التراب، لذا احرصي ان تغلقي النافذة كلما خرجت»
ابتسمت قليلا وأضافت:
«وحين يعود إيلاس مساء سوف تفهمين لماذا تحتاج الغرفة لترتيب يومي»
امتعض وجهها، نظرت لأظارفرها التي فقدت رونقها من يوم واحد، وظهرت الخدوش على طرفها، وشعرت بيدها خشنة وكانت كلما تمخطت في منديلها خرج السواد من أنفها بسبب تراكم الغبار.
ارتجف جسدها لكن ديلارا لم تمهلها، قالت:
«هيا، أمامنا الكثير. أحضري لوح الصابون الذي في المطبخ، والسطل الصغير واتبعيني»
«أين سنذهب؟»
«لنغسل الثياب في النهر»
تبعتها أرسي مرغمة، لم تكن تتذمر حين تجبرها أمها على الدروس، وتشعر أن ذات الشيء يتكرر هنا، فلا مجال للتذمر.
اقشعر جسدها حين خرجت، كان الجو باردا، وقد تجمعت الغيوم الرمادية في السماء، سألت على أمل أن تسمع جوابا يريحها:
«هل سنغسل الثياب في هذا الجو؟»
أجابتها بهدوء:
«نعم، لا يمكننا تركها تتراكم، وكلما غسلناها باكرا كان أفضل، فالمطر قد يتساقط من جديد هذا المساء»
تبعتها على مضض، كانت الريح تضرب جسدها فارتجفت، وشعرت أنها أخطأت بارتداء الثوب البرتقالي الحريري، فقد كان قماشه خفيفا، لكنها لم تنتبه لذلك وهي داخل المنزل.
عند النهر كانت هناك امرأة تعرفت عليها أرسي فورا، فهي إحدى الجارات المقربة، وهي من ترسل لهم اللبن والحليب كل بضعة أيام.
«صباح الخير، لقد تأخرت اليوم كثيرا يا ديلارا. غادرت النسوة قبل مدة»
ابتسمت ديلارا وهي تضع سلتها أرضا:
«أنا أعتذر، لقد كان لدي عمل إضافي في المنزل»
لاحظت ارسي النظرة التي وجهتها المرأة لها فابتسمت لها، وألقت عليها تحية بسيطة. تمتمت المرأة لديلارا
«الجو يبدو مشؤوما اليوم»
«لعلها ستمطر»
هزت المرأة رأسها:
«نعم. هيا الان اسرعي»
أشارت ديلارا لآرسي فرفعت ثوبها وهي تتقدم للماء، وحدقت بها المرأة في فضول لا يخفى.
قضمت ارسي شفتيها وهي تغوص بساقيها في الماء الجاري، وأرغمت نفسها على احتمال البرودة رغم أن جسدها يكاد ينتفض هاربا.
كان هناك صخور عند طرف النهر تمنع هروب الثياب مع المجرى، ولعل النساء تضعها عند الغسيل.
أفرغت ديلارا السلة في الماء وداست عليها بقدميها، ثم عمدت إلى لوح الصابون فكسرته لنصفين وناولت أرسي واحدا، ابتسمت ضاحكة:
«سأتذكر في المرة القادمة أن نشتري لوحين للغسيل بدلا من واحد. هيا خذي»
أمسكت أرسي الطرف بيد ترتعش، وراقبت ديلارا التي بدأت تسحب صخرة ملساء للنهر، حتى نجحت في رميها وسط الماء، رفعت ثوبها وربطته عن خصرها ثم شمرت ذراعيها، غمزت لأرسي فترددت في رفع ثوبها في هذا البرد القارس، لكنها لم تكن ترغب بالعودة مبتلة للمنزل.
رفعت ذيل الفستان ببطء حتى كشفت عن ساقيها، وساعدتها ديلارا على ربطه باحكام عند خصرها الرفيع، ثم شمرت عن ذراعيها وغاصت في الماء أكثر حتى اقتربت من ديلارا.
«انظري، نغمر الثوب جيدا في الماء، ثم نفركه بالصابون حتى تصبح لدينا رغوة، وبعدها نفركه جيدا بيدنا..هكذا»
عندما انتهت رمت القيمص في الماء، وقد كانت قد عزلت الثياب المتسخة عن النظيفة بالحجر الأملس:
«ثم ضعيها في الماء من جديد، سوف نعصرها لاحقا»
دفعت أرسي ييدديها في الماء، فرفعت إحدى أثوابها ولأنه كان نظيفا إلا من العرق فقد كان غسله سهلا، لكنها بمجرد أن رفعت إحدى قمصان إيلاس علمت أنها ستظل بالماء حتى تتجمد.
حاولت رمي القميص من يديها وأخذ واحد آخر، لكن ديلارا لمحتها فالتقطت القميص ووضعته من جديد أمامها وقالت بتقريع:
«هل تريدين لزوجك أن يرتدي قميصا مبقعا على أساس أنه نظيف! هيا افركيه جيدا…نعم، أحسنت»
ظلت المرأة تحدق بهما ثم قالت:
«هل تعلمينها يا ديلارا؟»
«يجدر بكل امرأة أن تتعلم هذه الأمور»
«نعم، لكنك تقسين عليها. إنها ترتجف بردا»
«سوف تتحمل»
شعرت أرسي أنها تجلس بجوار معلم قاس وشديد، فتدلت شفتاها في عبوس، وأخذت تفرك القميص بين أصابعها المحمرة بردا بغضب وحنق لعل البقعة تتلاشى.
غسلت ديلارا مقدارا كبيرا من الثياب بمفردها وتركت لأرسي خمس قطع، بمن فيهم من بيدها.
ومضت تعصر باقي الثياب وترفعها للسلة، ثم حين انتهت أخيرا استقامت واقفة، ثم خرجت من الماء وتناولت شاكرة من المرأة فوطة جففت بها يديها.
افلتت منها ضحكة:
«ليت لي آلة سحرية لألتقط لك صورة، يال للاسف»
غادرت المرأة قبلهما بعدما أوصت ديلارا ألا تقسو على الفتاة، غادرت وهي تحمل إشاعة جديدة سوف تنشرها في القرية.
أما أرسي فقد رمت القميص من يديها أخيرا، وثم حركت أصابعها التي بدأت تؤلمها، وأمسكت الآخر تحاول غسله.
أما القطع المتبقية فقد كانت ثيابها لذا انتهت منها سريعا، رمت أخر واحد في الماء، ثم نهضت واقفة كي تتجه لهم وتعصرهم كما رأت ديلارا تفعل، لكن قدمها المتخشبة تعثرت في صخور النهر، فانكبت على وجهها وغاصت في الماء للقاع.
لحسن حظها، لم يكن منسوب المياه عاليا جدا، ونجحت في النهوض، لكن بعد ماذا؟ لقد ابتلت بالكامل.
«أوه يا إلهي، هل أنت بخير؟ هل تأذيت؟ نسيت أن أحذرك. الحجارة زلقة جدا هنا بسبب الطحالب»
عصرت ارسي شعرها وهي ترتجف:
«أنا بخير، ما عدا أن مبتلة بالكامل»
«كان عليك أن تخلعي الصندل وتدخلي الماء حافية. هذا خطئي. المياه ليست مناسبة لحذاء ذو كعب»
التوت شفتا ارسي في عبوس، وتمتمت من جديد:
«لا بأس. أنا بخير»
راقبتها ديلارا وهي تعصر الثياب ثم أخذتها منها ووضعتها في السلة وجمعت طرفا الصابون في السطل الصغير. قرصت وجنتها:
«سأعد لك كوب شاي ساخن بمجرد أن نعود. لقد بذلت جهدا رائعا، سيكون إيلاس فخورا»
ابتسمت ارسي رغما عنها، ونجحت الكلمات في تبديد عبوسها وسخطها فابتسمت ديلارا.
تعاونت الاثنتان خلال العودة على حمل السلة الثقيلة، وكان من حسن الصدف أنهما التقيتا إيروس وهو قادم ناحية النهر، فقد كان من عادته أن يساعد زوجته في حمل سلة الغسيل دوما.
التقط السلة منهما ومرر بصره على أرسي:
«ماذا حصل؟ هل سقطت في النهر؟»
نظرت له ديلارا بقنوط:
«من الواضح أن ذلك ما حصل، كف عن طرح أسئلة غبية»
ابتسم:
«أعرف، إنه سؤال اعتيادي فلا تتصيدي كلماتي يا ديلي»
نظر لأرسي مجداد، ثم أشاح ببصره عنها:
«سوف تصابين بالبرد، لنسرع في العودة»
قرصته ديلارا في خاصرته فتأوه بصمت، وحدجها بنظرة ساخطة ثم همس مغازلا:
«جربي أن تسقطي في النهر المرة القادمة أيضا. أقسم لك أن ذلك سيروقني»
ولم تفهم أرسي أبدا لماذا غرقت ديلارا في الضحك، احتضنت نفسها وهي ترتجف وتمنت لو بإمكانها أن تركض في طريق العودة، فهذا الاثنان لا يبدوان مستعجلين بالتأكيد مثلها.
****
بمجرد أن وصلوا جميعا للمنزل، لحق بهم إيلاس بعد دقيقة واحدة، حدق للحظة في إيروس وديلارا اللذان يتعاونان على نشر الغسيل على الحبال، ثم عاد ببصره نحوها، ظهرت تقطيبة واسعة على جبينه:
«ماذا حصل لك؟»
رمشت للحظة، ثم هرعت للداخل فتبعها، تمتمت بارتجاف وأسنانها تصطك:
«لقد سقطت في الم..الماء»
«وجئت طوال الطريق هكذا للمنزل؟ أين رداؤك؟»
توقفت عن الارتجاف للحظة وحدقت به بتعجب:
«لقد قلت لي أنه لا داعي لأرتديه هنا!»
التوت شفتاه:
«أحقا قلت ذلك؟»
مد يده ودفعها نحو غرفتهما، فانتشر دفئ كفه على ظهرها:
«سوف تصابين بنزلة برد»
«لماذا عدت باكرا؟»
«أنا لم أعد باكرا، بل أنتما المتأخرتان»
عبست، لاشك أنها استغرقت وقتا طويلا وهي تفرك تلك القمصان المتسخة، واستغرقا وقتا أطول في الطريق حينما قرر إيروس وديلارا أن يتمهلا في المشي وقد نسيا أمرها تماما.
خلعت فستانها الرطب سريعا، وارتدت غيره، ثم لفت على شعرها منشفة قطنية وأخذت تجففه.
خرج إيلاس من الحمام وبين يديه منشفة صغيرة، حدق بفستانها المرمي أرضا بتبرم، انحنى ثم التقطه ووضعه في النافذة.
«من الأفضل أن تحصلي على شراب ساخن، لعل البرد تخلل عظامك. تعالي»
لفت أرسي فوق شعرها شالا خفيفا، ثم تبعته على مهل، كان البرد ينخر جسدها وتمنت لو بإمكانها أن تغطس تحت البطانيات وتحصل على نوم عميق.
دلفت للمطبخ برفقته وفوجئا بوالدته وهي تفرغ الطعام من القدر في صحن واسع، ابتسم ايلاس:
«هل جهزت طعام الغذاء بنفسك يا أمي؟»
التفت نحوه وقالت بعبوس:
«مذ رأيت ديلارا وهي تأخذ زوجتك برفقتها علمت أنهما ستتأخران. وأنا لست مشلولة اليدين، ما يزال ببمقدروي الطبخ»
صمتت للحظة وهي ترفع الخبز من فوق الجمر:
«كنت أطعم رجلين أطول مني، لسنين طويلة، فهل تظنون أني عاجزة عن ذلك الآن فقط لأنكما تزوجتما؟»
حدق بها إيلاس ضاحكا ثم تقدم فقبل جبينها المحمر بسبب النار:
«لا حرمنا الله منك يا حبيبتي»
شعرت أرسي بالاحراج، فهي كانت السبب في تأخر عودة ديلارا، أمسكت كوب الشاي الذي أفرغه إيلاس لها بتململ وكادت تسقطه، وفي ذات الثانية دخل إيروس للمطبخ ثم ندر لأمه وصاح:
«أتطبخين يا أمي؟»
أشارت بالملعقة نحوه:
«أتظنني عجوزا!»
تراقصت بسمة على شفتيه:
«أبدا، ما أزال أراك شابة فاتنة. كما تعلمين لولا رفضك لكنت وجدت لك عريسا»
طارت المعلقة من يد الخالة فالتقطها إيروس مجفلا:
«لماذا تحب النساء رمي المعالق! بالله عليكن!»
«اغرب عن وجهي قبل أن أسحب سوط أبيك وأجلدك»
ابتسم ساخرا ثم اصبعه يده على بقايا المرق فوق المعلقة، لعق اصبعه وقال:
«ينقصها بعض الملح، لكنها لذيذة»
تقدم إيلاس وسحب منه الملعقة ثم ركله خارجا:
«لا للعنف يا رجل! سأخرج بكرامتي!»
أجفلت أرسي حين سمعته يصيح في المنزل:
«ديلي أين أنت؟ إنهم يعتدون على زوجك الحبيب!»
رفعت بصرها نحو إيلاس فرأت ابتسامة واسعة ترتسم على شفتيه، وقد لاحت في عينه نظرة دافئة، وأصبحت واثقة أن لاشيء، حتى لو كانت كنوز العالم، سوف يبعده
عن منزله، عن عائلته ودفئها.
«إيلاس!»
شقت الصرخة الغاضبة أرجاء المنزل الصغير، وتخطت الجدران، وخرج الرجل المسكين هلعا من الحمام وهو يلف فوطة على خصره:
«ما الخطب؟ لماذا تصرخين أرسيليا!»
استدارت نحوه فارتعب لثوان من النظرة المشتعلة التي غطت عيناها الزمرديتان، وكانت تلك أول مرة يراها غاضبة فوجد نفسه حائرا، أيعجب بخدودها المحمرة وشعرها الذي وقف، أم يتوجس بسبب منظرها المرعب؟
تقدمت نحوه وهي تكاد تدك الأرض بقدميها وشدت شعره بدون سابق إنذار فتأوه:
«ما هذا؟ ما هذا؟ ماذا فعلت؟»
«آه…دعي..دعي شعري أيتها المجنونة»
لكنها لم تفعل، بل أطبقت على خصلاته المخططة بقوة أكبر، وهزت رأسه وهي تشير نحو الخزانة وتصيح:
«ما هذه الفوضى؟ ما هذه الفوضى! ماذا فعلت؟»
أغلق عيناه بصبر:
«لقد أخذت قميصا وسروالا من الخزانة لأستحم»
هزته من جديد فأحس ببعض الخصلات تتمزق من جلد رأسه:
«قميص وسروال فقط، لماذا جميع الملابس على الأرض؟ لماذا كل الصفوف التي طويتها مع ديلارا قد انكبت! لماذا؟»
رفع يده فخلص شعره بقوة من بين أصابعها، ثم حدق بحنق لخصلات شعره التي تمزقت وظلت عالقة بقبضتها.
«لقد جذبت قميصا فسقطت جميع الصفوف. يمكنك ترتيبها من جديد غدا»
أمسكت شعره من جديد وصاحت:
«من جديد؟ من جديد تقول؟ هل تظن أنني حصان يعمل بالطاقة البخارية!»
لف ذراعها خلف ظهرها بقوة كما لو كان يصفد مجرم، وهسهس بغضب:
«أرسي، ليس لدي الوقت لنوبات غضب نسائية تافهة. أنا متعب جدا ولدي عمل في الغد»
أخذت تحاول فك نفسها منه، ثم صاحت:
«أقسم لك أنني لو وجدت هذا المنظر من جديد، فسأحضر حجرا ضخما وأكسر رأسك الصلب به»
نفضها من بين يديه بعنف فكادت تهوي على وجهها، مرر يده على فكه غاضبا ثم استدار وعاد للحمام، بينما ظلت خلفه تصيح وتتوعده وأجفلت حين صفح الباب في وجهها بقوة.
عادت ببصرها نحو الخزانة التي تبعثرت الثياب فيها وشعرت بالسخط يملؤها من جديد، لربما الصف الذي قامت بطيه يميل بسهولة، لكن صفوف ديلارا كانت محكمة، لا شك أنه عبث بها جميعا حتى تسقط هكذا.
عاد إليها من جديد وقد ارتدى ملابسه، زم شفتاه وهو ينظر إليها فرأت أنه يحاول كبح غضبه، هسهس:
«أود الآن لو أحملك على ظهرك، وأظل أصفعك بالمقلوب حتى الصباح. لكن من حسن حظك أني نبيل لا يضرب النساء»
هل يهدد بضربها؟ هي التي ضحت بحياة النبل والجاه والمال، والقصور وكل هذا لتتزوجه هو عن كل من سواه.
قفزت بغضب فوقفت بجانبه وتمتمت بتحد:
«لكني أضرب الرجال»
ومد يدها إليه فأمسكها بعنف:
«أرسي، اعرفي حدودك!»
زفر أنفاسه بعنف شديد فارتطمت بوجهها:
«كل هذا لأجل بعض الفوضى الصغيرة التي يمكن إصلاحها؟»
ركلته في ساقه فأجفل متأوها:
«سحقا لك أيتها المدللة، ألم تخبرك أمك شيئا عن حقوق الزوج واحترامه؟»
صاحت:
«وألم تعلمك والدتك كيف تحترم النساء. لم أرى رجلا في حياتي أفظع منك»
ضغط على رسغها بقوة:
«ولن تري! لأنك متزوجة من رجل واحد، وهو أنا، شئت أم أبيت»
صاحت وهي تتميز غيظا والشياطين تلعب أمام عينيها:
«ملعون اليوم الذي تزوجتك فيه!»
«حسنا حسنا! كنت أتساءل متى سوف تقولين هذا، لكنه حصل أقرب مما كنت أتوقع. هل راودك الندم أخيرا يا أميرتي؟ هل اشتقت للقصور والمجوهرات؟ هل ضاقت نفسك بهذا المنزل الحقير الذي لا يرقى لمستواك، وللناس التي لا تفقه شيئا في أداب المائدة؟ هل تريدين مني أن أطلقك وأعيدك لأبيك لكي تنعمي بالحرير؟ إنك واهمة، فسوف تظلين زوجتي لأبد الآبدين، ومن الأفضل لك إذا أن تتعلمي كيف تحترمينني»
بالنسبة لامراة صهباء، يتوقد شعرها كالنار، وتتفجر الدماء في خديها ظن أن هذا الكلام سوف يزيد من اشتعال غضبها نحوه، غير أنه فوجئ تماما حين شهقت كما لو طعنها.
وحين مال برأسه فوجئ بعينيها محتقنتان، ثم انفجرت الدموع من مآقيها فانهمرت كالودق وغمرت وجهها.
خفف قبضته عنها وحاول أن يجد كلمة أخرى ترمم ما قاله من كلمات فظيعة، لكن لم يجد، وظل يفتح فمه ويغلقه بصمت. فما كان منها سوى أن دفعته عنها وركضت للخارج لا تلوي على شيء.
سمع بعض الضجيج في الخارج، ممزوجا بأصوات العائلة، ثم مرت برهة وعم الصمت كل شيء.
فتح باب الغرفة من جديد ورفع بصره فرأى أخاه يقف عند الباب وهو يبتسم بتسلية:
«إني محتار، هل أبارك لك أول شجار زوجي؟ أم أواسيك لزوجتك الهاربة. أم أقف بصفك ضد النساء؟»
تمتم بسخط وهو يجلس على طرف السرير:
«اغرب عن وجهي»
أغلق إيروس الباب خلفه بهدوء وقال:
«حان الوقت لأجرب النوم في غرفتك، مثلما جربت أنت النوم في غرفتي أياما عديدة»
قهقه ضاحكا متجاهلا النظرة القاتلة التي رمقها إيلاس به:
«لا أكاد أصدق ما حصل. إيلاس الرزين كان يصيح! لعل الجيران أيضا سمعوا صوتك»
وضع إيلاس يده على جبينه:
«وددت لو أخنقها. لقد استفزت أعصابي بأغرب طريقة ممكنة»
«ماذا فعلتَ؟»
حدق به غاضبا:
«من؟ أنا؟ إني لا أعرف، لقد أخذت ثيابي من الخزانة فقامت تصيح وترعد كالثور، وبدأت تهاجمني كنعامة غاضبة»
ألقى إيروس نظرة نحو الخزانة المفتوحة وتمتم:
«مسكينة. لقد أخبرتني ديلي كم جاهدت هذا اليوم لتساعدها وتتعلم. بالنسبة لأميرة اعتادت الجواري خدمتها، فلا شك أن هذا العمل كان شاقا ومرهقا لها، لكنك نسفت تعبها بأكمله خلال خمس دقائق»
«رباه! لقد أحضرت ملابسي وحسب! هل كان يجب أن أنام عاريا، ثم أخرج لعملي كذلك؟»
تمتم إيروس:
«يجب عليك أن تدعها تسحب الثياب لك بنفسها، فلو انهارت الصفوف على يديها أهون من أي تنهار على يديك»
صاح بسخط:
«وما الفرق إن كانت ستنهار في النهاية»
هز إيروس كتفيه:
«من المهم ألا يكون على يديك»
زوى إيلاس بين حاجبيه فشبك أخاه أصابعه وقال متهكما:
«هيه! هناك من يتطلع للنصائح الزوجية. كم الدنيا غريبة»
اندس إيلاس في الفراش وبرطم:
«اغرب عن وجهي»
لكن إيروس لم يمهله، بل قال باصرار:
«لا. سوف تستمع لي! سأجعلك زوجا مثاليا »
«تغمط، ودعني وشأني»
«أتريدها أن تبقى غاضبة منك هكذا لأبد الأبدين لأنك أحمق جاهل بأمور النساء؟ لديك حياة طويلة لتعيشها وثق بي، ليس من المريح أبدا لك أن تكون زوجتك غاضبة عليك»
برطم إيلاس متذمرا:
«ماذا عن غضبي أنا؟ كادت تقتلع شعري تلك المجنونة»
ارتفعت قهقهة إيروس ثم ما لبث أن قال ساخرا وهو يرفع اصبعه:
«القاعدة الأولى يا أخي العزيز، في أي خلاف زوجي الرجل دوما هو المخطئ»
********
******
السلام عليكم ورحمه الله
كيف الرواية؟
❤️🙂
rana rachade