بعد أيام من الصمت، من الوحدة والانسجام مع الطبيعة شعرت أرسي بالغرابة حين أقبلا أخيرا على قرية ممتلئة بالناس، وأعلن لها إيلاس:
«يبعد منزلي رحلة يوم واحد من هنا، سنأخذ استراحة قبل إكمال الرحلة»
«لم؟ يمكننا أن نكمل الرحلة فنصل سريعا»
شد من اللجام فخفف من سرعة الحصان، تمتم شيئا لم تفقه ثم أضاف:
«أنا مشهور جدا في قريتي، لذا الجميع سيتطلع لرؤيتك. بالتأكيد لا أريد أن أضعك أمامهم بلباس ممتلئ بالغبار والاوساخ، سوف نبتاع ما تحتاجينه، نرتاح قليلا، ثم نكمل المسير. ألا ترغبين بالتعرف لمكان جديد؟»
صمتت، بدا لها كلامها منطقيا، حتى هي لا تريد مقابلة عائلته وهي في هذه الحالة المزرية وتفوح منها رائحة العرق المنفرة، ويتشابك شعرها فوق رأسها كطائر منتوف الريش.
«ولكن ألا يعرفك الناس هنا؟ ظننتك مشهورا!»
«صحيح، لذا سنتختبئ»
«هل تعني أننا سنعيش بشكل متخفي في القرية؟»
«بالضبط، احتاج بعض الراحة. لذا لا أنوي كشف نفسي»
«ألا يعرفك أحد؟»
«مرت مدة طويلة جدا منذ عدت للقرية، لذا أشك في هذا»
«وأين سنبقى؟»
«سأطلب من صديق لي تدبير سكن لي. إنه تاجر معروف»
«وكيف تعرفه»
كاد رأسه ينفجر لكثرة الأسئلة التي طرحت، تقدم نحو القرية وأجاب:
«بالطريقة التقليدية، سبق لي أن عالجته وعالجت بعض أفراد عائلته، كان هذا من نحو خمس سنوات أو ربما أربع، لكني لم أعد إلى هناك من ذلك الوقت»
هز رأسه وقال منهيا الحديث:
«إنها قرية جميلة ومزدهرة، أنا واثق أنها ستعجبك»
قفز عن الحصان برشاقة ثم نظر لها وقال:
«انزلي، سيساعدك المشي على التخلص من خمول العضلات» تنهدت بإرهاق، لقد كان كل جزء في جسدها يؤلمها، فبعد ركوب الحصان طوال الأيام السابقة، والنوم فب العراء، تكاد أضلعها تتكسر، ضحك منها فعبست، مالت نحوه فأنزلها، كانت الابتسامة ما تزال مرسومة على شفتيه فسألته بتذمر:
«لماذا تضحك؟»
عدل القلسونة فوق رأسها وقال مبتسما:
«إنك تبدين لطيفة جدا بهذا العبوس والعينان الناعستان»
مرر يده على جبينها محاولا تلطيف تجعيدتها الواسعة، ثم أمسك لجام الحصان بيد وأمسك بها باليد الأخرى.
«أعرف أنك متعبة، لكن تحملي قليلا»
سحبت نفسا عميقا ورفعت وجهها لتلامس الريح عيناها، وتبعته بدون أدنى إرادة، لو ترك يدها لبقيت واقفة في مكانها دون حراك.
«أين يقع بيت صديقك هذا؟ لا تقل لي أنه أعلى قبة أو في وسط غابة ما؟!»
«هل تقرئين الكثير من الحكايا؟ لا، إنه قريب، بضع خطوات فحسب. هذه القرية ذات أرض ممهدة وجميع المنازل تقع بجوار بعضها البعض، ولا توجد تلال هنا، وأقرب غابة هي التي خرجنا منها للتو، أما الباقي مجرد أراض تمتلئ بالحشائش والشجيرات»
كان الظلام قد بدأ يسقط تدريجيا وبالكاد كانت تلمح شيئا الان مع عينيها الملتصقتان بالنعاس، لكن ايلاس كان يشق طريقه بثقة تامة. وحمدت ربها حين توقفا أخيرا أمام كوخ قريب، كان ذا بناء تقليدي من الطين الأحمر ومسقف بالقرميد، وأمام بابه الخشبي يلعب الكثير من الصغار بينما أنوار الفوانيس الملعقة على أبواب المنازل تنير الطريق.
مازح إيلاس الأطفال قليلا ثم طلب من أحدهم أن ينادي له الشيخ، تأخر الطفل قليلا فحررت ارسي يدها من يد زوجها وتقدمت لتجلس على مصطبة قريبة، نظر لها للحظة ثم أشاح عنها يتأمل ما حوله، ومرت دقيقة طويلة كادت ارسي تغفو فيها لولا أن صوتا أجشا غليظا ارتفع مناديا بحبور:
«عزيزي إيلاس! أهذا أحقا أنت؟ لم أصدق في البداية عندما أخبرني ولدي كنان عنك»
تعانقا لوقت قصير وكل منهما يرتب على ظهر الاخر بشوق وحنان، ثم قال الشيخ:
«تذكرتنا أخيرا بعد طول غياب؟ يا لك من جاحد. لكن لا بأس، لولا أني أعلم احتياج الناس لك لما عذرتك. أما الان وأنت هنا فلن أسمح لك بالمغادرة قريبا. أجشم أنك في إجازتك الان؟ هل أنت عائد للمنزل؟»
هز ايلاس رأسه ببطء وقال بخفوت
«هو كذلك، ورجائي أن تبقى هويتي سرية وإلا لن تكون فعلا إجازة!»
قهقه الرجل ضاحكا وعلا صوته، ثم ربت على كتف ايلاس بقوة:
«فهمت، فهمت. لك ذلك»
حمحم ثم أردف:
«بما أنك عدت من رحلة طويلة مرهقة، تعال للداخل واحصل على بعض الراحة، سأطلب من زوجتي أن تعد لك طعاما تأكل أصابعك من بعده. تعال»
ابتسم ايلاس بامتنان وقال:,
«أنا ممتن لحسن نيتك، لكن جئتك طالبا»
نظر له الرجل باهتمام، بدت الجدية في عينيه ولم يتوانى للحظة:
«أؤمر»
«آمل أن توفر لي شقة نظيفة وجميلة أمكث فيها بضعة أيام، وكما تعلم السعر لا يشكل لدي فارقا، لكني أرجو أن تكون جيدة وذات تهوية»
هز الرجل رأسه وقال
«هذا ليس بطلب عسير، اعرف منزلا صغيرا له نفس المواصفات وهو شاغر حاليا، يريد صاحبه بيعه لكن لا بأس بتأجيره أسبوعا. لكن لنؤجل ذلك للغد تعال وامكث معي الليلة كما فعلت في الأيام الخوالي.»
تقدم ايلاس خطوة ناحية آرسي التي كادت تغفو جالسة، ومد يده قائلا
«يشرفني ذلك، لكني لم آتي وحدي لذا أنا مستعجل قليلا»
تتبع الرجل يده الممدودة وراقب ارسي التي نهضت بهدوء وتقدمت نحوهما، الرداء الذي غطى كل جسمها الصغير لم يفصح عن شخصيتها فقال الرجل بمرح
«ماذا لدينا هنا؟ هل اتخذت تلميذا واخيرا؟ لا بأس أن أستقبل هذا الصبي لدي أيضا، سيكون طبيبا واعدا إذا تعلم على يديك»
قهقه ايلاس ضاحكا بقوة حتى بانت أضراسه المخلوعة، في حين ارتسم عبوس شديد على وجه ارسي، وانبهر الشيخ بسبب هذا الضحك، مد إيلاس يده فسحب طرف الرداء قليلا عن وجهها بما يسمح باظهار تفاصيله وبعض خصلات شعرها الحمراء:
«لا، لم أتخذ تلميذا، مع أني قد أفكر بذلك مستقبلا. أرجوك يا سيدي تعرف على زوجتي، أرسيلا»
بدا من الواضح أن الرجل يكاد يبتلع لسانه من فرط الدهشة لكنه كان لبقا بما فيه الكفاية كي يخفي ذلك سريعا ويرحب بالسيدة الصغيرة منحنيا بلباقة:
«اعذريني يا سيدتي الجميلة، هذا الشيخ لم يعد يبصر جيدا»
هزت أرسي رأسها ببطء فقال الشيخ بسرعة وفطنة:
«أرى أنكما لن تقبلا المبيت عندي بهذا الوضع»
«كما أخشى، زوجتي خجولة قليلا ونحن متعبان جدا»
«إذا سأرسل بطلب المفتاح لكما سريعا. تعاليا الان للداخل، كأس شاي ساخن قد يزيح بعضا من هذا التعب الظاهر عليكما»
تنهد إيلاس راضخا، وتبع الشيخ ممسكا بيد زوجته، كان بالفعل قد أمر شخصا ليعتني بأمر الحصان وأرسل اخر لإحضار المفتاح، والانتظار في هواء الليل الذي تشتد برودته ليس مرحبا به.
في الداخل جلس الثلاثة على أرضية حسنة الفراش، كانت رائحة البخور تتصاعد في الجو، وسريعا قدم لهما شاي ساخن وخبز شعير أصلي، مع صحنان ممتلئان بالزبدة والعسل، وكذلك الفاكهة. كانا جائعين فرحبا بذلك وتناولا الطعام شاكرين، ورغم أن ارسي كانت خائفة من أن يكون التعب أثر على شهيتها لكنها أكلت جيدا ودون أن تتذمر من شيء.
أخذ الشيخ يقرب يضع أمامها قطع الخبز الساخن، ويصيح على أهل بيته، ليحضروا اللبن الطازج والحليب:
«لسنا بحاجة لكل هذا، أغرقتنا بواسع كرمك يا ناجد»
ابتسم الشيخ بحبور، ثم مرر بصره على أرسي التي كانت تمضغ الخبز بروية وقد جمدها الاحراج والخجل:
«لم أعرف أنك تزوجت؟ بل لم يصلني خبر عن هذا»
حدق إيلاس لزوجته بطرف عينيه وابتسم لمنظرها:
«تزوجنا منذ شهرين أو نحو ذلك، ما يزال الأمر حديثا، لذاا لم تنتشر الأخبار بعد. لقد كنت على عجلة فلم نقم حفل زفاف»
«فهمت. على كل حال كان لابد لك من هذا يوما، على كل رجل أن يستقل ويتزوج لينجب صبيانا وبناتا ويعيش براحة كما يقال»
ابتسم إيلاس، وتجمدت اللقمة في فم آرسي، ولما رأت أن الرجلين عادا للحديث متجاهلين حديث الانجاب مدت يدها فالتقطت كأس الشاي لتبلتع به ما في فمها.
ينجبان؟ هما؟ هل ستنجب أطفالا من إيلاس!
مرت بجسدها رعشة، وشعرت بالحرارة تخنقها، حسنا هما لم يناقشا هذا الموضوع بعد، لم يفكرا إن كان عليهما إنجاب طفل أو التريث قليلا ريثما تتعرف على حياته.
لكن، حسنا! قد يحدث هذا، ولربما حدث.
لم يناقشا فكرة الإنجاب، لكنهما أيضا لم يتخذا من الاحتياطات ما يمنع تكون جنين في أحشائها، وعند هذه الفكرة تركت كأس الشاي من يديها، وجلست واجمة تتردد خفقات قلبها في صدرها كالطبل.
تشاركا الرجلان بعض المواضيع عن القرية ثم جاء صبي ومعه المفتاح، ثم غادرا المنزل مع وعد بالعودة لاحقا وتبعا الصبي نحو المنزل.
صفعها هواء الليل البارد، فارتعشت، وأسرعت الخطى متعثرة في ثوبها.
لم تتح لأي منهما فرصة لتفقد أرجاء المنزل، اتجها رأسا للغرفة المضاءة بالفوانيس ونقد إيلاس الصبي بعض البقشيش ففرح به أيما فرح.
رمت أرسي جسدها على الفراش متجاهلة صوت إيلاس الذي طلب منها أن تغسل وجهها ويديها أولا، ولم تمر هنية حتى كانت قد غطست في نوم عميق، لم يكن هناك تمهيد، لقد وضعت رأسها على المخدة، ثم انفصلت عن العالم تماما، حتى ليخيل للرائي أنها كانت تعيش كل حياتها بانتظار هذه اللحظة لا غير.
تنهد إيلاس وهو ينظر لها، خلع قميصه بحركة سريعة ثم اتجه نحوها فسحب عنها الرداء الأسود وحذائها الرقيق الذي اختفى لونه تحت طيات من الغبار والتراب، عدل وضعية نومها ودثرها جيدا، ثم اتجه للحمام الصغير، وكم كانت سعادته حين وجده جاهزا بالماء الساخن والبارد أيضا، ولا شك أن هذا كله كان من طلب الشيخ، وهذا سبب التأخير الذي شهداه قبل وصول الصبي، إنه ممتن.
استحم سريعا ثم اضطر لارتداء نفس ملابسه المتسخة، فهو لا يحمل معه ملابسا اضافية في سفره إطلاقا، لأن ذلك يضيف له حمولة زائدة لا غير.
تقدم نحو الفراش وسحب طرف الغطاء، حدق بعبوس في الفستان الرقيق التي ترتديه زوجته، هذا ليس ثوبا مناسبا للنوم علاوة على أن له خصرا مشدودا جدا ويصعب ركوب الحصان به. لكن هل كان لأي منهما حرية الاختيار؟
مد يده نحو الفانوس، نفخ فيه فأطفأه، سيفكر في مشكلة الملابس غدا، أما الآن فهو بأمس الحاجة لنوم عميق يزيح عن جسده التعب ويريح أضلاعه التي تستغيث، اندس بجوار زوجته وتأكد من إحكام الغطاء عليها من جديد، ثم غرق في النوم.
أشرقت عليهما شمس الصباح داخلة من النافذة الضخمة التي تقابل فراشهم، فتحت أرسي عينيها بتململ وركزت نظرها في السقف لبضع ثوان ثم حركت رأسها ببطء ونظرت لجوارها حيث يرقد إيلاس، ما يزال نائما وشعره المخطط متبعثر تماما بسبب تحركه أثناء النوم.
استدارت ناحيته، وضعت يدها أسفل خدها وحدقت به تتأمله، أحيانا عندما تستيقظ وتراه بجوارها تشعر بالغرابة، بل تتساءل عن هويته وتكاد تنسى أنه زوجها، كان زواجهما أسرع من سقوط الشهب، وما تزال تنظر له كأنه معجزة لم يسبق له الحدوث.
لكنها من اختارت، ويبدو أنها بدأت تحب هذا الخيار أخيرا.
تحرك بؤبؤه تحت أجفانه، تململ للحظات في نومه، ثم رفع جفنيه الثقيلان فانعكست الشمس في حدقتيه البنيتان حتى أشرقتا بلون صاف كالعسل، خطف قلبها.
حدق بها، ثم رفع يده وحك مقدمه رأسه، رفع بصره نحو النافذة وقطب جبينه، ثم استوى جالسا في حركة سريعة.
« تأخرنا في النوم، لربما الوقت يقارب الظهيرة الان»
تمتمت بعبوس:
«هل يجب أن نستيقظ دوما في السادسة صباحا وكأننا نستعد لحرب عالمية؟ لن تهرب الأعشاب من الغابات إن نمت ساعتين إضافيتين»
نظر لها، ضيق عينيه فكادت تضحك، ليس شعرها وحده من ينتفخ، فشعره المخطط يتشابك بسبب طوله دوما، ويبدو غريبا وهو متجمع خلف رقبته.
عاد بنظره للنافذة ثم بدا وكأنه انتبه لشيء ما نهض مسرعا وأغلق النافذة، وسمعته أرسي يطلق شتيمة غير مفهومة.
«ما الأمر؟»
«لقد نسيت النافذة مفتوحة ليلة البارحة، لقد فتحها الشاب الذي أرسله الشيخ لتهوية الغرفة»
«وما المشكلة في ذلك؟»
وضع يده في شعره وتمتم بضيق:
«المنزل منخفض على الأرض ويمكن لأي شخص إن مد عنقه أن يرى ما بداخل الغرفة»
امتقع لونها:
«أنت تقصد أننا أصبحنا فرجة بينما كنا نياما؟»
ضحك بجفاف:
«على الأغلب، فبعض الناس فضولية، خصوصا الأطفال.»
هز كتفيه، تقدم نحو ملابسه فارتدى فوق ملابسه الداخلية، قميصه المتسخ وسرواله الملطخ بالبقع الخضراء، سحب حقيبته البيضاء وأخرج منها كيسا أحمرا ثقيلا، فتحه فلاحظت البريق الذي لمع منه، لقد كان كيسا ممتلئا عن آخر بالعملات الذهبية.
أخذ ثلاث قطع ذهبية ثم ترك الكيس فوق الطاولة القريبة ارتدى ردائه الأسود وقال:
«سأخرج لأحضر بعض الأشياء، وسآخذ مفتاح الباب معي، اغسلي وجهك قليلا ريثما أعود»
راقبته وهو يخرج ثم جذبت الغطاء فوقها من جديد، وعدلت من رأسها فوق المخدة، تنهض؟ إنه يحلم! لم تكن تشعر برغبة للنهوض وما تزال تريد النوم، ألم يقل أنهما جاءا ليرتاحا؟ إذا سوف تدلل نفسها وليفعل هو ما يشاء، ليس وكأن الدنيا ستهرب. وهكذا عادت للنوم بكل بساطة.
حين عاد إيلاس بعد مدة تحاوزت الساعة، كان واثقا تماما مما سيراه لدرجة أنه لم ينصدم.
وضع الأكياس الكثيرة التي كان يحمل على الأرض وتنهد، تقدم من السرير، انحنى عليها وأبعد الشعر المتناثر عن وجهها، كانت غارقة في النوم تماما وكأنها لم تنم منذ قرون، بعدما أرهقها بالسفر في الغابات والنوم في العراء حز في قلبه أن يوقظها.
جذب الغطاء وأحكمه فوق جسدها، تستحق استراحة، مكافأة على صبرها الطويل معه. لربما سيوقظها لاحقا عندما يجهز الفطور، فلا يجب عليه أن يتركها جائعة.
اتجه للحمام فخلع عنه الملابس المتسخة، ارتدى قميصا قطنيا بنيا، وبنطالا أسود.
عاد للغرفة، حمل الأكياس التي احتوت مستلزمات الطبخ وغادر.
كان المنزل عبارة عن بيت صغير ترابي، جميع غرفه تطل على بعضها البعض، وأبوابه حديدية مطلية بالازرق، لم يكن كنزلا فاخرا، لكنه هادئ ولطيف. به غرفة نوم ومطبخ تقليدي إضافة إلى حمام صغير.
وضع مريولة صغيرة على ثيابه، وانحنى على الفرن المتصل بالمطبخ، والذي كان يستعمل كموقد، أشعل النار بسرعة واحترافية دون أن يثير زوبعة من الدخان، وضع إبريقا نحاسيا على النار وقد ملأه بالماء، وتركه يغلي فوق النار المتأججة في فرن الطبخ.
وقف أمام نافذة المطبخ وأخذ يحدق بالخارج، كانت القرية هادئة. ولأن الوقت تجاوز الظهيرة وقد ارتفعت الشمس في كبد السماء فقد كان أغلب الناس في بيوتهم يتمتعون بقيلولة الظهر، والساحات الترابية فارغة إلا من بعض الأطفال الذين يلعبون بالكلل الزجاجية.
ظل غارقا في مراقبة الأطفال حتى أصدر الإبريق فوق النار صوت صفير حاد، فاستدار إليه، نثر في الإبريق بعض حبات الشاي والخزامى، ثم أضاف له ملعقة من السكر.
كان السكر غال الثمن جدا في هذا الوقت، ورغم أنه مؤخرا أصبح متداولا حتى بين عامة الناس فما يزال ثمنه خياليا، قبلا كان يتم تحلية الشاي بالعسل، أو أغلبهم كان يشربه مرا.
الذهب الأبيض، هذا ما يطلقه الناس على السكر الأبيض، وقد أصبح رائج الاستعمال في كل شيء، بديلا عن العسل الطبيعي. شيء آخر إضافة للزجاج كان اكتشافه ثورة في عالم الثراء، وكل من يملكه يعتبر ثريا من علية القوم.
حرك الملعقة قليلا وهو شارد الذهن، ثم انحنى للفرن وخفف من النار القوية، وضع مقلاة على النار وألقى بها قطعة زبدة صغيرة تركها تذوب على مهل، ثم اتجه لمزج خمس بيضات مع بعضن البعض قبل أن يفرغهن في المقلاة بروية، لو رأته أمه يصنع فطورا لزوجته فسوف تعلقه فوق شجرة من قدميه، لأنه دوما كان يغني باستقلاليته، وكثيرا ما قال أنه لو تزوج- وذلك كان بالنسبة له ضربا من الجنون- فسيحصل على امرأة ناضجة واعية تجلس في البيت وتجهز له الطعام وتعتني بأولاده، بينما يسافر هو العالم كي يعالج الناس.
لكنه في النهاية حصل على أميرة لا تجيد من أعمال المنزل سلق بيضة. هذه دعوة ربانية، لا شك في هذا، ابتلاء ستسعد به أمه أيما سعادة، فقد شاب شعرها وهي تحاول تزويجه.
تنهد، حين يعود ستكون نظرة الشماتة في عيني أمه لا تطاق، هذا إن نجى من غضبها.
«إيلاس؟»
استدار بنصف جسده نحو زوجته، بينما تنثر أصابعه الملح فوق المقلاة. جذب خرقة نظيفة مسح يديه فيها وقال:
«هل استيقظت؟ هذا جيد، تعالي سيجهز الطعام»
«ألا يمكنني أن أستحم قبلها؟ أشعر أني نتنة»
«لا توجد مياه ساخنة، سأضع لك بعضا فوق النار، لكن حتى تسخن فالفطور أولى»
ترددت عند العتبة، ثم دخلت في النهاية، أشار للطاولة الخشبية عند النافذة فجلست على كرسي قريبا منها.
لم تكن جودة الخشب عالية، وتبدو الطاولة مخدوشة بالكامل وتتساقط منها الشظايا عند الأطراف، أما الكرسي الخشبي فكان قاسيا وثقيلا، اضطرت أن تحمله بكلتا يديها كي تقربه من الطاولة.
«هل غسلت وجهك؟»
نظرت له وبدى وكأنها لم تستوعب ما قال، تنهدت ثم نهضت وراقبها ضاحكا وهي تتجه نحو الحمام بخطوات متخاذلة وجفنين منتفخين، وشعر يشبه كل شيء إلا شعر الأميرات.
حين عادت كان قد وضع المقلاة وسط الطاولة، أفرغ لها الشاي الساخن في قدح ترابي، ووجدت نفسها تشتاق للزجاج.
لكن قد تمر شهور قبل أن ترى زجاجا، ففي هذا العالم البسيط المتواضع جميع الأثاث مصنوع من الخشب، والطين، والحديد. أما أواني الذهب والفضة والزجاج فقد أصبحت ذكرى من الماضي الذي عاشته.
وضع أمامها خبز شعير، ثم صحن زبدة وجبن.
بعد العيش في الغابة أياما، بدى انها تعودت على حياة الناس العادية قليلا، لا توجد شوكة وسكين، ولا أداب طعام، إرم قطعة الخبز في الصحن، سم الله ثم انتهى الأمر. وهي موقنة أنها هذا ما ستعيشه حين تصل لبيت زوجها.
أخذ منهما الفطور وقتا، وبدأ صوت الغليان يصدر من القدر الذي وضعه إيلاس فوق النار.
دفعت آخر لقمة بيض عبر حلقها وهي تستشعر حلاوتها، لعل هذه ألذ عجة أكلتها في حياتها:
«لم أكن أعلم أنك تجيد الطبخ»
لوح إيلاس بالسكين الحادة أمامها، ثم غمسها في صحن الجبن:
«حقا! ومن كان يطعمك في الأيام الماضية؟»
«لم يكن ذلك يحتاج طبخا، كل ما قمت به هو القبض على بعض المخلوقات اللطيفة وشيها فوق النار، وفي أحيان أخرى جعلتني أتناول أعشابا غريبة. كذلك الفطر الذي تناولناه البارحة نيئا»
اهتز صدره بالضحك، أغلق قطعة الخبز السمراء بعدما انتهى من دهنها ثم رفعها قرب شفتيه:
«لا أجيد الطبخ لدرجة مبهرة، فقط بعض الأساسيات. ماذا تريدين على الغذاء؟ لحما؟»
تمتمت بتبرم:
«لقد سئمت اللحوم»
هز كتفاه:
«وأنا أيضا»
قضم القطعة التي بين يديه، فانزلق بعض العسل عبر فكه مختلطا بالجبن الأبيض:
«لماذا تخلط الجبن والعسل؟ من غير اللائق القيام بهذا»
مرر إبهامه على فكه والتقط قطرات العسل الهاربة، نظر لها وهو يلعق اصبعه:
«لقد خرجت من القصر يا آرسي، انسي عنك أداب الطعام السخيفة تلك. ما يهم هنا هو شيئان، أن يكون الطعام لذيذا، وألا تموتي جوعا»
مد يده عبر المساحة التي بينهما وقرب قطعة الخبز من فمها، نظرت له وبعد تردد قصير مالت نحوه وقضمت منها في نفس الموضع الذي أكل منه هو سابقا.
استعاد قطعة الخبز، ورمى ما تبقى منها في فمه خلال لقمة واحدة، بينما ظلت هي مسحورة للحظات بجمال المزيج الناعم الذي في فمها.
هل يمكن للجبن والعسل أن يكونا بهذه اللذة إن اجتمعا معا. تمتم إيلاس ساخرا وهو يراقب تعابير وجهها المنذهلة:
«لم أكن أعلم حتى أن مزج الجبن والعسل فعل شائن!»
«حسنا، إنه ليس شائنا، لكن من غير المقبول في قصرنا أن تمزج السيدة نوعين من الطعام مع بعض، مثلا لا يمكنك مزج الحساء مع السمك، كما لا يمكنك الخلط بين ملعقة الحلوى وملعقة الحساء. لذا أظن أن مزج الجبن والعسل نفس الشيء»
«سخافة. إن مزج الطعام هو أجمل هواية يمكنك تجربتها، هل سبق ومزجت زيتونا وكعك؟»
«يبدو هذا مقرفا»
ابتسم ضاحكا:
«ليس لتلك الدرجة، ليس له طعم مميز جدا، لكنه ذو مذاق جيد»
رنت نحوه باهتمام:
«ما أغرب ما مزجته؟»
«حليب وعصير برتقال. كنت في العشرين من عمري وأجبرتني أمي على ابتلاعه غصبا»
«كنت في العشرين ورغم ذلك متهورا لدرجة مزج الحليب بالعصير؟»
تمتم ساخرا:
«تقول أمي أني ما زلت أحمقا لليوم»
حدقت به للحظات، ثم انفجرت ضاحكة، نظر لها إيلاس بهدوء بينما هي تضحك بقوة حتى طفرت الدموع من عينيها.
ابتلعت ضحكاتها فجأة:
«لماذا تحدق بي هكذا؟»
«أقوم بمقارنة»
«مقارنة ماذا؟»
«شتان بين الأميرة المزينة بالحلي التي تزوجت وبين الفتاة المرحة التي أمامي. أتساءل أحيانا إن كنت نفس الشخص»
احمرت وجنتيها وتمتمت بخفوت:
«وأيهما تعجبك؟»
مد يده للخبز، ودهن قطعة جديدة بالعسل والجبن ثم مدها إليها:
«الأميرة المدللة تسحر بلباقتها وحديثها الموزون، والفتاة الصغيرة التي أمامي تسحرني بضحكاتها وشعرها المنفوش. ليس لدي رفاهية الاختيار لأني معجب بكلتيهما»
ارتفع صوت غليان الماء من حولهما، وخيل لآرسي أن جميع الأصوات سكتت، حتى النار فقد توقفت طقطقات الحطب بداخلها، أما نظرة إيلاس نحوها فقد بدت حالمة، ساخرة، رقيقة، تمزج بين أغرب المشاعر وأجملها.
وظنت أن هذه النظرات ستستمر طويلا، غير أنه نهض بغتة، حمل القدر عن النار ثم أفرغه في سطل حديدي ضخم كان قربه.
حمل السطل بيد واحدة رغم ثقله، فبرزت العروق الخضراء في يديه، واشتدت قبضته.
«اشتريت لك ملابسا جديدة وبعض المستلزمات، ستجدين جميعها في غرفة النوم. خذي منها ما تشائين وتعالي للحمام»
دفعت اللقمة الأخيرة لفمها وركضت للغرفة تكاد تتعثر في ذيل فستانها وتختنق بالطعام الذي في فمها، مدت يدان مرتجفتان للأكياس وأفرغتها فوق المنضدة الصغيرة، وازداد احمرار وجنتيها.
ملابس داخلية، مناشف قطنية جديدة، صابون معطر ذو رائحة لطيفة، ومشط خشبي، اضافة للعديد من الأربطة الملونة. كان بين الملابس فستان أخضر لامع ذو أكمام قصيرة، حريري خفيف، ومعه كنزة قطنية رمادية اللون، والأهم أنه لم يكن يملك مشدا ولا خيوطا لشد الخصر.
ولكن ما أثار دهشتها أنه كان بالكيس رداء أسود طويل، مبطن بالفرو الناعم، وتفوح من جلده رائحة قوية.
حملت كل ما تحتاجه من ملابس في كيس واحد، وركضت للحمام، فوجدت إيلاس قد أدخل لها سطل ماء آخر بارد قد ملأه من الخزان الذي في المطبخ.
حين رآها ابتسم، أشار لسطلي الماء:
«احذري فالمياه ساخنة جدا. لم أرد أن أقوم بتبريدها لأني لا أعلم إن كنت تحبين درجة الحرارة عالية. سأكون هنا إذا احتجت مزيدا من الماء نادي علي»
اومئت برأسها، فخرج من الحمام، أغلقت الباب خلفه ومررت المزلاج في القفل. لاحظت أنه أغلق النافذة بنفسه بحرص شديد. وأحضر لها كرسيا خشبيا من المطبخ لتجلس عليه.
لم يكن في الحمام حوض ضخم لتنام فيه وتريح أعصابها كما اعتادت في قصر أبيها، مجرد سطلين من الماء، يرتفع من أحدهما البخار، عليها أن تستحم على الطريقة التقليدية، باستعمال سطل وكوب.
علقت ثيابها النظيفة في البااب، ورمت الأخرى أرضا، بدأت بتمشيط شعرها المتشابك، وجاهدت كيلا تصرخ غضبى بسبب الألم الذي سببه لها.
تناثرت الخصلات الحمراء على أرض الحمام، وامتلأ المشط عن آخر بالشعر المتشابك المليئ بالأعشاب والغبار، لقد أصبح شعرها عبارة عن عش طيور، ينقصه عصفور حاضن للبيض!
انتهت أخيرا من هذه المهمة الشاقة، دست الكوب في الماء الساخن وأفرغته فوق رأسها، واهتز المنزل حين صرخت برعب والمياه المغلية تحرق فروة رأسها. صاح إيلاس من خلف الباب:
«ما الخطب آرسيلا! هل وجدت فأرا في الحمام؟»
مررت يدها فوق فروة شعرها تتأكد من أنها لم تحترق بعد، احمرت بشرة وجهها لكن لحسن الحظ لم تحترق فقد فترت الماء قليلا.
«لا شيء، أنا بخير. لقد نسيت تبريد الماء»
سمعت تنهيدة ساخطة من خلف الباب:
«ركزي، ألا يمكنك التركيز حتى وأنت بالحمام!»
صاحت بغضب:
«لقد نسيت وحسب! اذهب ودعني وشأني»
«ليس هنا جواري ليغسلن جسدك يا أرسي، لذا كوني عاقلة»
استشاطت غضبا:
«اغرب عن وجهي»
سمعت خطواته تبتعد، وحرصت هذه المرة على تبريد الماء جيدا، ثم باشرت حمامها.
ساعتين، لقد غسل صحون الطعام، رتب غرفة النوم، وجلس يتأمل السماء، وهي ما تزال بالداخل.
حتى لو كان لديها خمسة رؤوس وجسدين لن تستغرق كل هذا الوقت!
خلال ذلك أضاف لها سطلين من المياه الباردة، وأخرى ساخنة، وطرق على بابها أربع مرات يتأكد من كونها على قيد الحياة بالداخل.
سمع مزلاج الباب يدور أخيرا بعد ربع ساعة إضافية، وخرجت وهي تضع فوق رأسها منشفة تخفي راسها،
من خلال رقبتها العارية ورسغيها لاحظ بشرتها الملتهبة، كانت حمراء بشدة وكأنها سلخت نفسها بالداخل، لكن الخبر الجيد أنها جسدها كان يلمع، ورائحة الصابون الناعمة تفوح منها.
تقدمت منه وهي حافية، وجلست على الكرسي الذي يقابله قرب الشمس، نفضت شعرها من الماء وبدأت تجففه بالمنشفة.
ترك كأس الشاي التي كان يتسلى بها وأخذ يحدق مسحورا ببشرتها الناصعة التب تنعكس عليها أشعة الشمس.
وسحرته حركات يديها بينما هي تنحني بنصف جسدها لتجفف خصلاتها الطويلة المبتلة، بينما تبدو عنقها المحمرة وكأنها زجاج مصقول.
أبعدت المنشفة أخيرا عن شعرها، ورمت خصلاتها المبتلة للخلف بحركة تنم عن السعادة، تطايرت بعض قطرات الماء على وجهه، وارتطمت رائحة الورد بأنفه فأغمض عيناه.
لقد اختار هذا الصابون بعناية كي تحبه، لكنه لم يظن قط أنه هو من سيقع بحبه، هل يجب عليه أن يحصل على المزيد قبل مغادرتهم؟
أغلقت عيينها لوهلة، وقد انتظمت حركات انفاسها، سألها ضاحكا وهو يجاهد كيلا يمد اصابعه إليها:
«هل كنت في خضم معركة؟»
فتحت عينيها، وقالت بابتسامة مشرقة، وقد غلبتها السعادة:
«كان هذا أعظم حمام حصلت عليه منذ ولدت»
مد أخيرا يده، فالتقط خصلة من خصلاتها المتبلة، فركها بين أصابعه وقال:
«أرى ذلك، لم تتركي خلفك ولا جرثومة. علي أن أهنئك لهذا العمل الشاق»
«بمجرد أن يجف شعري سأصبح سعيدة أكثر»
نهضت بغتة واقتربت منه وهي تقول:
«الجهة التي تجلس إليها يدخلها الشمس أكثر»
جذبت الكرسي بثقل، مد يده ليساعدها، انحنى بنصف جسده فارتطم بظهرها، وفي أسرع من لمح البصر غير رأيه وجذب الكرسي الذي بين يديها فوضعه أمامه، ابتسم:
«سأعصر لك شعرك كي يجف أسرع»
أومئت بصمت، خلل أصابعه في شعرها المبتل وأخذ يضغط عليه برفق، فتتدفق القطرات من بين أصابعه وتنزلق عبر مرفقيه.
سألها بهدوء بينما أصابعه تلعب في فروة شعرها المبتلة:
«ماذا تحبين للغداء؟»
لم تجسر على التحرك فقط كانت تجلس على طرف الكرسي وتشعر بحافته المدببة تضغط على عظامها، ولم تفهم لم ينتابها الخجل منه، تيبست بين أصابعه كقطعة خشب، قالت بتوتر
«لا أدري..أي شيء يفي بالغرض»
رفع شعرها فوق رأسها، حدق برقبتها للحظات:
«سأعد بعض حساء الخضار وبعض البطاطس المشوية»
جف حلقها فابتلعت لعابها بأكبر قدر من الهدوء:
«يبدو ذلك جيدا»
انزلقت قطرات الماء من شعرها على ذراعه، وتخللت كمي قميصه، أضاف
«سآخذك غدا في رحلة للسوق، لكن علينا الذهاب صباحا. أما اليوم فافعلي ما تشائين وارتاحي»
«ماذا عنك؟»
«سأذهب لزيارة التاجر بعد العصر، قد أقضي وقتا طويلا هناك»
لم يعرض عليها الذهاب معه، لكنها لم ترد الذهاب من الاساس وبنفس السرعة التي شعرت بها بالاحباط هدأت مشاعرها.
انحنى بظهره للوراء وجذب المنشفة التي رمتها فوق الطاولة، وضعها فوق رأسها وتمتم ساخرا:
«كيف كنت تجففين هذا الشعر الكثيف في القصر؟»
«كانت وصيفتي تمرر مبخرة أسفله، يستغرق ذلك بعض الوقت لكنه يجف بشكل أسرع»
«الجو يصبح باردا، ومن السيء أن تعتمدي على الشمس لكي تجفف شعرك، سوف تصابين بالحمى»
«لكننا لا نملك مبخرة هنا أيضا»
«سأتدبر واحدة من أجلك. رغم أن زوجة أخي تجفف شعرها قرب النار وحسب»
استدارت نحوه بنصف وجهها وسألته بفضول:
«زوجة أخيك؟ هل لديك أخ؟»
ضغط على رأسها بخفة وهو يمرر المنشفة فوقه:
«لدي أخ واحد، أصغر مني بثلاث سنوات»
«فقط؟»
«أجل، هذا كل ما لدي. اضافة لأمي ولزوجة أخي، ولشاب صغير يساعدني في عملي، هذه هي عائلتي الصغيرة. لكن كل القرية عائلة لي، عائلة ضخمة لا أستطيع أن أعدها»
«ماذا عن عائلة أبيك وأمك»
«بعد الزواج انتقل أبي من مدينته، عاش بعيدا عن عائلته، لذا كما ترين باقي عائلتي منتشرة في بقاع مختلفة. أزورهم من حين لآخر، لكن أصبح ذلك نادرا بسبب عملي»
ابتسمت:
«عائلتك صغيرة جدا، على عكس، لدي خمس أخوات وانا السادسة، ولدي ثلاث إخوة رجال»
«لكن أغلبهم متزوجون»
«أجل، كنت أنا الصغرى التي لم تتزوج، وأخي الذي بعدي، لكن أختي التي كانت مريضة لم تتزوج أيضا. أحيانا أتساءل إن كانت ستحقد علي لأني تزوجت قبلها»
«ليس هنالك من داع لتحقد عليك، لأن لكل منكما حياة وأقدار مختلفة. ستجد حتما رجلا ليتزوجها قريبا»
اتخذ الحديث طابعا هادئا، تحدثت عن القصر بلا انقطاع، عن إخوتها وعن الدروس التي كانت تحصل عليها، تحدثت لوقت طويل حتى أنها لم تعد تشعر بالانزعاج لجلوسها في حجره، ولم تنتبه أنه انتهى من تجفيف شعرها وبدأ يظفره.
حين سألته عن قريته، وصف لها الأهل اللطفاء والكرماء، والأطفال الصغار ذوي الخدود المنتفخة، لكنه لم يقل اكثر من ذلك وكأنه غير معتاد على الحديث لهذه الدرجة عن شيء يخصه:
«قريتنا تعتبر قرية طبية، ستجدين أن هناك أطباء غيري في المكان، ولذلك يقصدها الناس من كل مكان. لا أدري كيف أصف ذلك لكنك سترينها قريبا لذا الوصف لا يهم»
ترك شعرها ينزلق فوق نحرها وقال:
«انتهيت. اذهبي وضعي له ربطة كي لا ينفك. سأعد الغداء»
قفزت من فوق كرسيها، واختفت خلف الباب، فنهض ببطء وحرك عضلاته، ، لقد جلس وقتا طويلا لدرجة أن ساقيه تنملت، وكل هذا بسبب ثرثرة زوجته التي لم تنقطع.
خطى نحو الفرن بخطوات متعثرة، وابتسم رغم الألم، ألا تعني ثرثرتها هذه أنها بدأت تشعر بالراحة والاستقرار أخيرا معه؟ بدأت تعد نفسها زوجته، وبدأت نظرات الندم والشرود تختفي من عينيها، ولم يعد يشعر كلما جلس بجانبها أنها تعده غريبا تخشاه، غريبا خطفها من قصرها العالي ليرميها وسط السهول.
أخذ يعد الطعام بروية بينما يحرك قدميه كي يعيد تدفق الدم لهما، وحين عادت آرسي عرضت عليه مساعدته، لكن هذه المساعدة تحولت لكارثة، حين حولت بطاطس لحبة بازلاء بعد تقشيرها، وحين أبكاها البصل وآلم عينيها فاخذت تدور في المطبخ وتصيح وكأن ما في عينيها حمض خطير سيودي بها للموت، لينتهي الامر بجرح اصبعها الصغير حين كانت تحاول تقطيع الجزر، وهنا انفلتت أعصاب إيلاس فصاح بها كي تجلس.
ربط لها رباطا صغيرا فوق اصبعها وأجلسها أمام الطاولة، وعاد لعمله وهو يشعر بنظراتها العابسة مسلطة عليه، وتساءل إن كانت زوجة أخيه، الطباخة الماهرة في بيتهم، ستملك صبرا ورحابة صدر كي تعلم أميرة مدللة كيف تقشر بطاطسا دون أن تجرح يديها، وتعد طبقا دون أن يبكيها البصل.
سيرى، الزمن كفيل بصنع المعجزات، ولعل زوجته بعد سنة او اثنتين سيدة قروية لطيفة، لا تشبه الأميرة المدللة التي أمامه قط..
....
لا تنسوا تعطوني رأيكم بالرواية.
لطيفة، هادئة، لذا لست واثقة أن الجميع يحبها خصوصا أنكم تحبون روايات الدارك رومانس
لكني أحبها، فلو أنك وصلت لهذا الفصل اترك تعليقا❤️☘️
rana rachade