٢٤

٢٤

14 0

.بعد مضي يومين، تأكد إيلاس من أن زوجته سليمة من المرض، فجمع عائلته من جديد كي يناقش خبر عودتهم للمنزل، غير أن الثلاثة تشبثوا برأيهم مما تسبب في شجار ثان بينه وبين شقيقه، ومع ذلك لم يستطع هزيمتهم،  في النهاية كان آزر الذي تواجد صدفة في الأنحاء، هو من وضع حدا لهذا النقاش المحتدم.

فقد اقترح تقسيم القصر لجزئين، جزء شرقي وغربي، وسيبقى المرضى في الجزء الغربي بينما من لم يصب بالمرض سيبقى في الجزء الشرقي، وبإمكانه وضع عائلته في الجزء الشرقي بعيدا عن المصابين، وساهم هذا بشكل كبير في فرز المصابين وكذلك التقليل من عدد الاصابات التي كانت تتم بواسطة الاحتكاك المباشر.

وتم الأمر سريعا، ثم خرج إيلاس للشرفة الملكية وألقى لأول مرة منذ بدأ انتشار المرض، محاضرة طويلة، واستمع له الجميع دون أن يحاولوا مقاطعته أو رمي الأحجار فوقه لقتله.

طلب من جميع المصابين بلا استثناء التوجه للقصر، بينما الباقون فيمكنهم العودة لمنازلهم بشرط أن يلتزموا بخطوات النظافة والابتعاد عن الادوات الحادة تجبنا للمزيد من الجروح، ورش منازلهم بميد حشري يقتل الذباب.

وكل من أصيب بجرح عليه أن يقوم بتغطيته فورا بضمادة نظيفة قبل أن يصاب بالعدوى، وبعد مرور يومين إذا ظهر الدود في الجرح عليه التوجه للقصر.

وأضاف بنبرة رسمية:

«نحنا هنا جميعا، أطباء وخدم، نخاطر بصحتنا لأجلكم، ولا نطلب منكم شيئا مستحيلا بل فقط بعض التفهم!»

ضغط بيديه على سياج الشرفة وأردف:

«على كل واحد قادر على تقديم الرعاية الطبية، الانخراط في هذه العملية لأننا جميعا بحاجة لكم، ولن نتغلب على هذه المعضلة بدون مساعدتكم. أما النساء والأطفال فيرجى العودة لمنازلكم، احرصوا على إبقاء المنزل نظيف وكل ما عليكم هو ألا تجرحوا أجسادكم أو تقتربوا من الدم، وكل ما له علاقة باللحوم يجب طهوه جيدا لحد الغليان»

ابتسم:

«سوف نتغلب على هذه المعضلة، أعدكم»

هز رأسه بصمت حين علت موجة من التصفيق بين الناس، ثم أشار لهم لبدأ عملية الفرز، فكان كل شخص أصيب بالمرض يدخل للقصر، وكل من لديهم جروح كذلك. أما الناس السلمية تماما فعادت لمنزلها، مع الأخذ بالاعتبار لفترة حجر لمدة يومين.

وبعد شهر ونصف من العذاب المستمر، أخيرا انطلقت الحملة الحقيقة لمواجهة ما أسماه الناس بالطاعون الحي!

وفي نفس اليوم عاد إيلاس للغابة، لأجل البحث من جديد عن أعشاب جديدة تساعده في إيجاد دواء لإنقاذ الناس، وأثناء بحثه وجد ما لا يقل عن أربعة حيوانات حية والدود ينهش جسدها، عدا عن بعض الجثث.

وعلم أنه يجب عليه أن يوفر الدواء لكل من البشر والحيوانات لمنع تفاقم هذا المرض المريع، وبعزم شديد توغل في الغابة وأحضر معه كومة من الأعشاب، حتى السامة منها.

ثم اعتكف في غرفته ليالي بدون نوم، وهو يدرس تأثير كل عشبة على هذه الديدان، وبالكاد خرج بنتيجة، فأخذ يمزج العديد من الخلطات ببعضها البعض.

أما أيامه، من الصباح حتى المساء فكانت مشحونة بفحص المرضى، والعناية بجروحهم الحية.

استمر الوضع بالتفاقم رويدا رويدا وأصبحت هناك الكثير من الاصابات التي تشبه اصابة الأمير، مما جعل كمية الدود يزداد عما كان، وفي ظل عدم وجود الدواء كان ذلك خطرا لا يمكن الإحاطة به.

لذا أقدم إيلاس على أشنع قرار قد يقدم عليه في حياته، ورغم ذلك كان عليه أن يبدأ من مكان واحد، من غرفة الأمير التي لم يزرها منذ أتى أخوه.

دلك صدغه بارهاق واضح، وأفرغ كوب الشاي الساخن داخل جوفه، عسى أن يمنحه ذلك جرعة إضافية من الطاقة،  وهي أمس ما يحتاج له الآن.

مرر يده على لحيته النابتة، لربما شكله فظيع، بالهالات السوداء تحت عينيه، ولحيته التي طالت عن آخر مرة حلقها، وبشرته التي اصفرت من قلة التعرض لضوء الشمس، اضافة إلى الارهاق الواضح في صوتخ المنخفض وفي حركاته التي تصبح خرقاء أحيانا وغير متزنة.

وضع رأسه على طاولة إبحاثه وأغمض عينيه، يكفي أن يفك القيد عن نفسه وسوف يسقط في النوم صريعا، لكن لم يكن بإمكانه ذلك، إذا منح نفسه ساعة أو اثنين من الراحة والنوم، فمئات البيوض سوف تفقس، مئات الشرنقات سوف تتفتح ويخرج منها ذباب بالغ، ساعة واحدة تعني ما لايقل عن ألف دودة جديدة تزحف بحثا عن فريسة جديدة تتغذى على دمها، قد تكون أي شخص، زوجته، إيروس، ديلارا، أو حتى طفله الذي ينمو في أحشاء آرسي، فهو يعرف أن هذه الديدان يمكننها العيش حتى بداخل الجسد، وفي أعتى الظروف، وليس هناك ما يثبت أنها لا يمكنها التسلل للأرحام.

هذا التفكير كان يرغمه على رفع رأسه من فوره ليستمر في بحوثه دون راحة.

ولكنه الآن بينما يستشعر برودة الطاولة على جبينه الملتهب، أدرك أنه مصاب بالحمى بسبب الارهاق، وأنه على وشك أن يصل لحدوده القصوى، وفكر باستياء أنه لابد له من أن ينام وإلا سيصبح هو الضحية الجديدة.

أغمض عينه وزفر أنفاسه الحارة بقوة، لكنه لم ينعم بالراحة التي يبتغي، طُرق الباب طرقتان سريعتان ثم دخل آزر الغرفة، كان يرتدي قفازات بيضاء ويرتدي ثيابا طويلة رغم الحر، فهم لا يملكون الوقت لصنع ثياب خاصة ضد المرض، لذا كان يجب على كل شخص أن يرتدي أطول ما يملك، خصوصا الذين يعملون في مراقبة المرضى والاحتكاك بهم، لأن أي تلامس يعني أن هناك دودة جديدة انتقلت..

«هل أرسلت في طلبي؟»

رفع إيلاس رأسه، فبانت عيناه المحمرتان بسبب الحرارة، دفع شعره الطويل للوراء وقال باستستلام:

«علينا فعل ذلك»

نظر له آزر بتدقيق وقال في بؤس:

«تبدو في حال فظيعة يا رجل»

ثم استطرد:

« نفعل ماذا؟»

زفر إيلاس أنفاسه من جديد:

«الأمير»

استغرق ازر بضع لحظات ليستوعب ما قاله، ثم رد باستنكار:

«ظننتك قلت أن ذلك لا يوافق مبادئك؟»

«نحن في حالة مستعصية، لقد رميت كل مبادئي خلف ظهري منذ أسابيع»

«أنا أرى»

ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيه ثم قال بمرح:

«إذا سأجهز نفسي وآتيك، نلتقي عند الأمير»

راقبه ايلاس بغضب طفيف:

«ألن تأتي معي؟»

«يجب أن تفعلها بنفسك، أنا في غنى عن الدخول في شجارات عقيمة»

تمتم إيلاس بقنوط:

«اعفني من ثرثرتك، ارجوك»

رد عليه آزر بفظاظة:

«أخبرتك أن تنام البارحة، لكنك من كان يكرر كالببغاء أنه يجب عليه إنهاء العمل. تحمل المسؤولية»

اسرع نحو الباب بخطوات واسعة واضاف:

«سأجهز نفسي، من الأفضل أن تكون قد انتهيت حين آتيك»

وتنهد إيلاس للمرة الثالثة، كل ما يفعله منذ أتى لهذه المملكة هو التنهد، يا ليته بقي في منزله، ينعم بسريره الدافئ وعصيدة أمه، ويراقب بطن زوجته وهي تنتفخ، أليس ذلك أرحم من هذا العذاب؟!

نهض ببطء عن الكرسي كي لا ينخفض ضغط دمه بغتة، لكنه مع ذلك ترنح في وقوفه، وأقسم أنه سينام بمجرد أن ينهي هذه المهمة بنجاح، سينام طويلا،  أسبوعا كاملا.

ظل متمسكا بحافة الطاولة لبعض الوقت، ثم رفع رأسه ونظر للسقف، حرك جسده قليلا ثم دفع نفسه ليكمل المسير رغما عنه، نحو غرفة الأمير، وهو يعلم يقينا أن ما ينتظره أحد أصعب المهمات منذ بدأ العمل، أصعب حتى من غضب زوجته.

*****

كان إيلاس قد أغلق باب غرفة اختباراته، وبدأ يمشي في الممرات بينما عقله مشغول بكيف يستفتح الموضوع مع الأمير، وعلم أنه لابد سيخوض شجارا جديدا.

لكن ما بالبيد حيلة، لابد له من هذا، ليحمي الناس، ليحمي عائلته، ليحمي زوجته ونفسه.

«إيلاس، إيلاس! توقف لحظة»

استدار نحو مناديه وتعجب حين رآى هيئة أخيه المعتادة تقترب منه، توقف في مكانه متوترا وبادره بمجرد أن وصل إليه:

«ما الذي تفعله هنا! ألا تعلم أن هذه الجهة تخص المرضى! هل أصابتك لوثة؟»

لهث إيروس باهتياج وقال بينما يكافح ليكبح أنفاسه المهتاجة بسبب الركض:

«أتيت فقط لأبحث ..عنك»

قطب ايلاس حاجبيه:

«ماذا تريد؟»

«آرسي…أه يا الهي، لقد انقطعت انفاسي!»

صمت للحظات فيما استنفرت خلايا ايلاس تماما، وعصفت به الظنون، ترى هل أصابها المرض! هل كان مخطئا في تشخصيه؟ أم لعل الحمل يتعبها؟ ما الذي حدث، سأل بعصبية:

«ما بها أرسي؟ تكلم»

ابتلع ايروس ريقه وقال:

«إنها بخير، فقط…»

سعل قليلا فوصلت أعصاب إيلاس لحدودها، وعاد إيروس ليكمل كلامه أخيرا بعدما هدأت أنفاسه:

«إنها بخير، لكنها تقول أنها ليست مرتاحة قليلا في الحمل»

«لماذا؟»

لوح إيروس بكفيه:

«لم أفهم شيئا مما كانت تهرطق به، لكنها تستمر بالقول أن حركات الطفل ليست طبيعية. وبدأت تبكي هذا الصباح. كانت ستأتي بنفسها لتبحث عنك لكننا منعناها»

«هناك أطباء غيري هناك! أنا مشغول»

«إنها ترفض الاحتكاك بالآخرين منذ الحادثة الأخيرة، حتى الطعام لا تلمسه إلا إن طبخته لها ديلارا، ولم تقبل أن يلمسها أي شخص آخر»

صمت للحظة وأضاف بشفقة:

«أعتقد أنها أصيبت بنوع من الوسواس»

وضع إيلاس اصبعين على جسر أنفسه، شتته الدوار لكنه تماسك، قال أخيرا بارهاق:

«لهذا أخبرتكم أن تعودوا للمنزل، لكنكم جميعا حفنة من الحمقى»

افتر ثغر إيروس عن  شبه ابتسامة، فتنهد إيلاس:

«يجب أن أنتهي من هذا بسرعة. تعال معي»

تبعه إيروس بسرعة ثم تمتم حين رأى مشيته المترنحة:

«أنت في حال فظيعة، منذ متى لم تنم؟»

«توقفت عن العد منذ أيام. ليس لدي وقت للرفاهية»

صمت للحظة واضاف بقنوط:

«أنا مشغول بما فيه الكفاية، لكن ما يزال علي الاهتمام بحمقاء مصابة بالوسواس»

مط إيروس شفتاه؛

«حسنا، لن ألومها. إنها تعيش الحمل لأول مرة وكل هذه الضغوط التي حولها لا تناسب امرأة في وضعها»

كز ايلاس على أسنانه وتوقف، استدار نحوه:

«لهذا قلت لكم غادروا!»

«لكننا لن نفعل، ليس بدونك»

«سحقا لكم»

استدار وأكمل مشيه، أطبق للصمت فلم يزعجه إيروس بالكلام من جديد.

كان هناك حرسين عند باب الجناح الجديد، تعرفا على إيلاس فسمحا له بالعبور، وتمتم هذا:

«كيف تركوك تخرج»

ابتسم إيروس بمرح:

«أنا أخوك، لهذا لدي ورقة رابحة. الخروج لم يكن صعبا»

«أنت حقا تستمتع بهذا الوضع»

ابتسم إيروس من جديد، دلفا للجناح معا فتوقف الجميع للتحديق بهما.

كان هذا الجناح مخصص للحفلات لذا ليس به سوى قاعة ضخمة، وبضع غرف جانبية، وعلم إيلاس أن  ارسي فضلت البقاء في غرفة جانبية بدل أن تكون في القاعة الوسطى.

أرشده إيروس للباب، فدخله دون طرق، كان بالغرفة كنبة صغيرة وطاولة زجاجية عليها مزهرية فارغة، والعديد من المرايا ومرحاض داخلي، مما يعني أنها كانت مخصصة لتغيير الثياب والاستراحة.

على الكنبة جلست المرأتان متجاروتان، ديلارا تجلس باستقامة وبين يديها سلة خيوط تحيكها، وأرسي تربع قدميها تحتها، وهي فوق الكنبة، وتضع رأسها على ذراعها، تحدق في الفراغ بينما كفها فوق بطنها البارزة.

حدقت بهما ديلارا أولا، ثم اتجه بصره زوجته نحوه بصمت، وحين رأته استقامت في جلستها، وفردت ساقيها.

اتجه نحوها رأسا، دون حتى أن يلقي التحية، أشرف عليها من مكانه، ربع ذراعيه وقال:

«إذا، ما كل هذه الضجة؟»

حدقت بطرف عينيها نحو ديلارا فنهضت هذه بسرعة شديدة وقالت، بينما تسحب زوجها خلفها:

«سنكون في الخارج»

تتبعتهما آرسي بعينيها حتى أغلق الباب وخلت الغرفة من غيرهما، عادت ببصرها نحو زوجها الذي لم يشح عنها للحظة. تمتمت بتوتر:

«لم لا تجلس؟»

تنهد، فك ذراعيه ومرر يده في شعره، فلاحظت الارهاق البادي عليه، سحب الطاولة الزجاجة قريبا منه وجلس عليها:

«أنا مشغول يا آرسي، دعينا ننتهي من هذا بسرعة»

راقب حركة عينيها المتوترة ثم سأل:

«ما المشكلة؟»

دفعت شعرها خلف أذنيها وبدت محرجة:

«الطفل..»

«ما به؟ هل يزعجك؟ هل يؤلمك شيء؟»

هزت رأسها بقوة:

«لا، إنه لا يؤلم»

«إذا؟»

احمرت وجنتيها، مدت كلتا يديها فأحاطت بطنها ونظرت لها، ثم رفعت بصرها إليه:

«إنه يتحرك كثيرا»

تنهد:

«انت في الشهر الخامس، من الطبيعي أن يتحرك!»

«أنت لا تفهم!»

«ماذا إذا! كفي عن اللف والدوران!»

زمت شفتيها ببطء ثم قالت بسرعة:

«كنت قد قرأت قصة منذ مدة، تكلمت عن امرأة حامل. كانت حركات الطفل كثيرة جدا وعندما ولدته كان له العديد من الأرجل والأيدي. كأنه طفل ملعون!»

امتلأت عيناها بالدموع، بينما بقي يحدق نحوها بعينين شاخصتين، مرر كفاه على وجهه وتنهد من أعماق قلبه:

«أنت وقصصك الغبية! متى تتوقفين عن ربط كل شيء في حياتك بالقصص الخيالية!»

تمردت:

«لكنها واقعية، لقد حدثت بالفعل!»

أجاب بتمطيط:

«نعم، في خيالك!»

«أنا أقول لك…»

قاطعها بصرامة:

«خلاصة القول، الطفل يتحرك كثيرا؟»

عبست في وجهه، انتفخ خديها غضبا وبصقت الكلمة في وجهه:

«أجل! لكن يجب ان تصدق…»

تجمدت الكلمات على طرف لسانها، حدقت به بدهشة ممزوجة بالذعر حين مد يديه وحسر فستانها عن ساقيها، تجاهل شهقتها واستنكارها ورفع الثوب حتى حدود بطنها.

«ماذا تفعل؟!»

«اخرسي»

لحسن حظه أنه نظف يديه قبل مغادرته الغرفة، ولسوء حظها فيديه كانت باردة جدا حين وضعها فوق بطنها البارزة،  لدرجة أن رعشة قوية هزت جسدها، مرر يده قليلا على العروق التي بدأت تبرز فوق جلدها، ثم أخذ يضغط برفق في جهات متفرقة، راقبته بدهشة وهمست:

«ماذا تفعل؟»

لكنه تجاهلها تماما، مرت لحظات صمت طويلة وتلاشت برودة يديه، لكنها بدأت تنزعج من الضغط المستمر فوق بطنها، ثم أمام دهشة كليهما تحرك الطفل أخيرا، لمحت ابتسامة على شفتي زوجها فعلمت أنه شعر بذلك بدوره.  ولم تفهم لماذا استمر بمداعبة الطفل وتخفيزه ليتحرك، ثم حدث ما كان يحدث دائما. بدأ يرفس داخلها من جهات متعددة، كانت قد ارتاحت اليوم لانه توقف عن ذلك، ليس لأنها تكره حركته لكنها تخيفها. تعجبت حين أجفل:

«أخبرتك!»

لكنها تجاهلها من جديد، انزلق جسده عن الطاولة فانقلبت مصدرة دويا، ولاحظت تقطيبة على وجه زوجها خصوصاً حين أخذ يمرر كفاه على بطنها يمينا ويسارا ويتتبع حركة الطفل الخفيفة..

فتح الباب وظهر إيروس عند طرفه:

«ماذا حدث؟»

في أعقابه كانت ديلارا تشتمته لانه فتح الباب بدون طرق وحين لاحظ الوضع الذي كان فيه الاثنان احمرا وجهه، بدأ يغلق الباب وقال:

«آسف»

لكن كلمات إيلاس الخاطفة جمدت الثلاثة:

«إنهما توأم!»

رمشت آرسي بغير استوعاب وحدقت به بجزع:

«ماذا قلت؟»

ابتعد عنها أخيرا وأنزل ثوبها عن ساقيها، استقام في وقفته وابتسامة هبلاء مرتسمة على شفتيه:

«إنهما توأم»

تمتم إيروس بدهشة:

«من؟»

نظر له إيلاس وقال ضاحكا:

«الطفل، أقصد الطفلان. إنهما اثنان!»

1

علقت الأنفاس في حلق ديلارا وخرجت منها شهقة:

«يا إلهي! »

ارتبكت آرسي تماما، بينما كان إيلاس ما يزال يبدو مشتت الذهن، يداه في شعره وضحكة واسعة ترتسم على شفتيه، ضحكة مندهشة مليئة بالصدمة.

هز رأسه، أخفض يده من شعره وومرره على لحيته النابتة، ارتجفت يداه قليلا وقفز إيروس للغرفة بصخب، سقطت يده في ضربة خشنة على ظهر أخيه، وقال ممازحا:

«مبارك! ستصبح أبا مرتين»

نظر له إيلاس بجمود وقد انفجرت فقاعة سعادته:

«لا تلقي نكاتا تافهة»

انحنت أرسي قليلا على نفسها وقد ضمت بطنها البارزة بذراعيها، انهمرت الدموع من عينيها في شلال متدفق، وسألت بصوت باك:

«ما معنى هذا؟!»

حدق بها الرجلان بتعجب، وانحنى إيلاس على قدميه فجلس مقرفصا أمامها، أمسك يديها:

«سيكون لدينا طفلان يا عزيزتي»

رفع يده لوجنتها الرطبة ومسح دموعها بإبهامه فأغمضت عينيها إثر لمسته، تساءل بتعجب:

«لم تبكين؟»

شهقت، وملأت الدموع مآقيها من جديد:

«هناك اثنان بداخلي؟ اثنان؟»

«أجل»

«والطفل ليش مريضا أو مصابا بلعنة؟ هما فقط اثنان؟»

قطب جبينه ومد يديه فأحاط وجهها بين كفيه:

«أجل. كل شيء على ما يرام. اهدئي»

تعثرت ابتسامة حنون على شفتيه، ضغط على وجنتيها:

«هل أنت سعيدة لدرجة البكاء؟»

هزت رأسها بقوة وقالت:

«أنا خائفة»

«من ماذا؟»

«كيف سألدهما في هذا الوضع؟ هنا!»

اختفت الفرحة في ثوان، واتضح له أخيرا أنها الوحيدة التي احتفظت بتعقلها بينما كان هو غارقا في مشاعره الأبوية، انزلقت يداه عن وجنتيها ببطء، تمتم بهدوء:

«إذا عودي للمنزل، أستطيع تجهيز عربة لك لتغادري فورا. ستكونين في المنزل بأمان ولن يمسك سوء، لا أنت ولا أطفالنا»

مجددا حركت رأسها بقوة شديدة حتى خيل له أن رأسها سيطير عن رقبتها، رفعت كميها ومسحت دموعها بعشوائية تامة:

«لا، لا أريد أغادر بدونك»

نبس بعصبية تامة:

«لماذا؟»

رفعت بصرها نحوه بتردد تام، الدموع العالقة في مآقيها منحت عينيها لمعة خاصة، ورموشها المبتلة ضاعفت جمال عينيها، شعرها الملتهب  الأشعث كان ينتشر حول وجهها الصغير.

«لأنني، لأنني…»

ابتلعت ريقها ببطء شديد وأعقبت بينما بصرها على أصابعها:

«لأنني أحبك»

أحس إيلاس أن كل شيء تجمد من حوله، وحتى أنفاسه علقت في صدره، استمرت في كلامها:

«لم أكن أعرف هذا، لقد قلت لي دوما أن ما يهم بين الزوجين هو الاحترام والتفاهم، لكنك كنت تعجبني، منذ اليوم الأول الذي رأيتك تدخل قصرنا بهيئة غريبة عني، في البداية كنت أظنني أني أردت الهروب فقط، ثم علمت أنني اخترت الخيار الصحيح الوحيد في حياتي، ولعلي سأخطئ كثيرا، وسأستمر بالتعثر دوما أمامك»

رفعت عينيها على استحياء:

«حين بدأ الوباء من حولنا يشتد وكنت أراك عالقا في الخطر وحدك علمت أنني لا احترمك فقط كزوج لي، أنا أحبك! لا يهمني إن قلت أنني خيالية جدا تصدق الحكايا، تحاول أن تجعل من نفسها سندريلا أو سنوايت.  صحيح، أنا حالمة جدا، لطالما كنت والجميع كره هذه الخصلة في. لا أستطيع أن أكون امرأة منطقية، أنا أحب القصص وأصدق الخرافات، ولا يمكنني تحمل المسؤوليات، هذه أنا»

اغرورقت عيناها من جديد بالدموع ومضت تكمل حديثها، ولم تكن تعرف لما تخبره هذا على مرأى من أخيه وزوجته، لطالما تمنت أن تعترف لحبيبها في جو شاعري تحت ضوء القمر، ثم يحضنان بعضهما ويعدها بالحياة الحلوة، لكنها لم تقع في حب فارس خيالي، أو رجل مثالي كما في قصص الأميرات، وقعت بحب زوجها، الطبيب الذي يحب الأعشاب أكثر منها، يكبرها بأكثر من عشر سنوات، ولديه ضرس مخلوع وشعر مخطط بالأبيض والأسود كأنه ساحر.

يغضب فيصبح كالبركان المتأجج، لكنه حنون ويراعيها،  يحترمها ولا يؤذيها. لقد أحبت أغرب رجل ممكن، وها هي بسبب حملها والضغط الممارس عليها تعترف له بحبها، والكل يسمع.

«أنا لا أريد العودة بدونك.  قد أعود للمنزل فأكون بأمان جسديا، لكن قلبي سيظل معلقا هنا معك، سأتلوى بألمي وأموت بصمت بينما لا أعرف إن كنت حيا أم تنازع الموت وهناك دودة بغيضة تقضم جسدك بشراهة. لن ألد أطفالي وأنت لست معي ترشدني كيف أفعل ذلك. أنا لم ألد طفلا من قبل، ولا أعرف كيف يجدر بي أن أفعل ذلك، والآن بدل الواحد علي أن ألد اثنان…إن لم تكن أنت فمن غيرك سيرشدني ويخبرني كيف!»

اختنقت باقي الكلمات في حلقها وغرقت في بكاء هيستري  هز جسدها بأكمله، صاحت من بين دموعها:

«لا أريد العودة وحدي، لا أريد!»

أفلت يديها بغتة، ونهض، فحدقت به باكية:

«حسنا إذا. افعلي ما تشائين»

استدار نحو أخيه وقال:

«اهتم بهما. سأراكم لاحقا»

اندفع خارج الغرفة بهدوء، حدق في عيني ديلارا الدامعتين ودفعها برفق عن الباب ثم اختفى كأنه لم يكن هناك قط، غرقت آرسي في دموعها من جديد فزم إيروس شفتاه بقوة، وهرعت ديلارا نحوها لتحتضنها بين ذراعيها:

«هشش، لا تبكي، لا تبكي! كوني قوية يا عزيزتي»

دفنت آرسي وجهها عند رقبة ديلارا وانهمرت المزيد من الدموع في عينها، دموع كان من المفترض أن تذرفها بين ذراعي زوجها لا بين ذراعي ديلارا. لقد اعترفت له توها بحبها له فتركها، ولأول مرة لم يراعي مشاعرها ولم يطيب خاطرها، لقد تركها حرة لنفسها ولهواجسها، ودق انذار الخطر في رأسها

لقد تزوجها من البداية لأنها اميرة ولأن لأبيها نفوذ، تزوجها ليرضي رغبة أمه، وربما تزوج أيضا ليحصل على أطفال، عاملها برفق، لكنه لم يحبها يوما…ما بينهما سيظل دوما زواجا هادئا كالنيل، ولن تثور زوابع الحب فيه ابدا.

إنه لا يحبها، إنه يريد امرأة هادئة لا ترهقه بالحب، يريد فقط ودا واحتراما، يريد زواجا هادئا..

وهي لتوها قد هدت كل شيء، والسور الذي كان يبنى بينهما ببطء طوال  عشرة أشهر من الزواج، قد انهد بغتة فوقها ولم تجد من يرفع عنها الحطام.

.......

كنت جدا متحمسة لهذا الفصل، أخيرا نشرته 🤭🌸🌸🌸🌸

لا تبخلوا علي بتعليقات ترفع معنوياتي وتساعدني في إنهاء هذه الرواية سريعا🥹🥲

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كركدية

المؤلف rana rachade
2025/12/09 مكتملة
قائمة الفصول (37)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة