٢٧

٢٧

14 0

فصل طويل، طويل جدا🤭❤️❤️

كم تتوقعون بقي للنهاية؟

........

زفر إيلاس نفسا حارا، حدق بجرحه الملتهب بنظرات زائغة دائخة، إن الالتهاب الشديد تسبب له بحمى عاصفة أسوأ من التي سببها له الارهاق، جسده خائر القوى وعيناه تشتعلان، كل عضلاته تؤلمه والصداع يفتك برأسه ليل نهار كالجحيم، فوق كل هذا هو مجبر على دراسة الأعشاب وتذكر الأسماء، لكن هيهات، حركاته خرقاء، ذاكرته ضبابية وبين فترات متباعدة يجد نفسه قد غاب عن الوعي فوق مكتبه بسبب المرض.

مد يداه فأغرقهما في مياه باردة كالثلج، وضرب وجهه بها لعله يستفيق، ثم عاد يحدق لجرحه على ضوء الفانوس القوي، لقد لاحظ بعدما استعمل الشيح أن بعض اليرقات اختفت،  ليست جميعها، فقط الضعيفة ماتت، لكن هي ساعات حتى يفقس غيرها.

كما أن الحكة خفت كثيرا بسبب تباطؤ حركة الديدان داخل جرحه، لم يستطع أن يجزم بفشله أو نجاحه، مد ذراعه الأخرى وجذب زجاجة كان قد وضع فيها جرعة أعشاب مركزة شديدة السمية للطفيليات.

مرر الجرعة الثقيلة فوق الجرح وضمد مكان الاصابة باحكام تام ثم سمح لجسده أن ينهار فوق المكتب، ذراعه مفرودة أمامه، خده ملتصقة بخشب الطاولة البارد وأنفاسه لاهثة.

لقد اكتفى، إنه متعب، متعب جدا، يريد استراحة، يريد أن ينام وقد كان.

أغمض عيناه وفي ثوان تبدد وعيه ولم يشعر بما يدور حوله قط.

غرق في نوم مضطرب تملؤه الكوابيس والأصوات المرعبة، وحين استيقظ بعد ساعات طويلة، كانت الشمس قد غربت، وشمعة الفانوس قد انطفأت وغرق جسده في عرق نتن الرائحة أشعره بالنفور والمزيد من المرض، أصدرت معدته أصوات  عنيفة وآلمه جوع شديد، ذكره أنه لم يتناول وجبة جيدة منذ شهور، فكل ما اكتفى به كان طعاما خفيفا أو فواكه سرعان ما تهضم، مرضه ثم وقته المضغوط بالعمل والمرضى لم يتح له فرصة ليأكل وجبة متكاملة تسكت جوعه وترفع من الطاقة في جسده.

شعر بلسعة باردة في ذراعه المصابة ففتح الرباط وحدق بالجرح للحظات، ثم نهض ببطء شديد وغسل وجهه، مد يده لتفاحة وقضمها بسرعة ودون شهية، وعاد للنوم.

قضى يومان هكذا على ذات الحال، جالس على الكرسي في وضع غير مريح، نام ثمان وأربعين ساعة، لم يستيقظ خلالها إلا في فترات متفاوتة، يرفع رأسه الثقيل يحدق حوله بإرهاق تام، يشرب بعض الماء ويعود للنوم.

ولولا أن آزر اقتحم عليه الغرفة في اليوم الثالث لكان قد لبث على حاله أياما أخرى. فقد فتح عيناه بغتة بعد نوم طويل، حين أخذ ازر يهزه بقوة شديدة تكفي لإيقاظ فيل.

رفع عيناه الناعستان إليه، وتمتم بصوت مبحوح:

«ما الخطب؟ ماذا حصل؟»

أشار آزر لذراع إيلاس في جزع:

«ماذا فعلت بذراعك!»

رغم الصداع الحاد، استقام إيلاس في جلسته، فرك عيناه ومرر كفه على وجهه ليطرد بقايا الحمى عنه، ثم وضع ذراعه المصابة أمام عينيه وحدق بها، لم يكن بها شيء يثير كل هذا الفزع، مجرد صديد ودماء متجلطة:

«ماذا بها؟ لا شيء بها»

حدق به آزر بصبر نافذ:

«هذا ما أعنيه أيها المجنون! لقد اختفى الدود من الجرح»

حدق به إيلاس في خمول تام:

«دود؟ أي دود؟»

التفت آزر حوله بعصبية تامة، لاحظ جرة الماء  التي كانت على المكتب ففتحها، رفعها بيد واحدة وأفرغ ما تبقى بداخلها فوق رأس إيلاس، ارتعش هذا بسبب برودة الماء واصطكت أسنانه ببعض، ثم كأن برقا خاطفا مر به، استعاد تركيز حواسه جميعها دفعة واحدة،  حدق بآزر في غضب جم:

«أيها الأحمق، ماذا دهاك؟»

«وهل كان بيدي غير هذا؟ كم نمت قل لي؟  إنك تبدو كجثة ناطقة. انفض عنك هذا الخمول فإن أعصابي على الحافة»

نفض إيلاس الماء عن عيناه وخلل أصابعه في شعره، استعاد ذكرى المحادثة الأخير، فنهض كمن لسعته عقرب، أسرع للنافذة ووقف عند الضوء يحدق في جرحه، وضع طرف كمه فوق الصديد ونظف الدم المتجلط، وغير حمرة شديدة ألمت بالجرح فقد كان نظيفا يلمع!

تبادل الاثنان نظرة طويلة، مليئة بالدهشة والاضطراب، ثم نطق آزر بصوت متوتر:

«نجحنا؟»

هرع إيلاس نحو مكتبه وحمل أعشابه جميعها:

«لا أعرف، يجب أن أقوم بتجربة أخرى»

مد آزر يده ووضعها على كتف إيلاس،  التفت هذا نحوه متسائلا لكن آزر لم ينطق بكلمة، خلع قميصه  وكشف عن بطنه فإذا به جرح غائر يرتع بالدود، كان الجرح متعفنا جدا، ولعل الدود يكاد يصل للأحشاء. حياة هذا الأحمق كانت في خطر رغم ذلك كتم الأمر تماما، لأول مرة رفع إيلاس بصره نحو آزر وتأمله مليا  فلاحظ الشحوب الشديد في وجهه وهالاته السوداء، لاحظ شفتيه المتشققة، والعينان الذابلتان:

«لماذا لم… متى!…»

ابتسم آزر ببؤس:

«قبل شهر ونصف تقريبا، أردت إخبارك لكني كنت أؤجل الأمر في كل مرة، لم أرد أن يتم حجزي مع المرضى، خشيت على نفسي مزيدا من العدوى. ثم حين أمرت أنت ببتر جميع الإصابات علمت أن إصابتي يصعب التعامل معها لأنها ليست في الإطراف فكتمت الأمر»

«كيف؟»

«إن كنت تسأل عن العدوى فلا أعلم يقينا كيف، لكن كان لدي جرح في بطني منذ مدة، فقد استأصلت زائدتي الدودية من مدة يسيرة، ولم يشف الجرح تماما، بمجرد أن أصابته العدوى التهب من جديد وفتح»

وضع إيلاس كل ما في يده بسرعة شديدة، دفعه ليجلس وأخذ يحدق بالجرح في إمعان شديد:

«لم أرى أحمقا مثلك يا آزر»

1

ضحك آزر بصخب:

«ولم أرى رجلا أجن منك. الآن هيا عالجني، لقد ظننتي سأموت»

ابتسم إيلاس ساخرا:

«لهذا حثثتني على عدم الاستسلام؟ لأنك خشيت على نفسك!»

ابتسم آزر بهدوء:

«هذا نصف الجواب، فعلت ذلك لأجل نفسي ولأجل الجميع. لكني فعلت ذلك لأجل عائلتي»

ندر له إيلاس باندهاش:

«لكنها ليست هنا»

«بلى، ليست هنا. لكني أعرف أن زوجتي تفتقدني وهي حتمت لا تريدني أن أعود جثة، ولا يمكنني التفكير بأن ابني سيكبر يتيما بدون أب يحميه من هجمات الحياة»

حدق بإيلاس طويلا وتنهد:

«أعرف أنك ستفهم شعوري يا إيلاس، أليس كلانا على نفس الجانب»

زم إيلاس شفتاه وقال باختصار:

«نعم»

اقترب إيلاس من مكتبه، مزج الملح بمسحوق الشيح ثم اقترب من آزر وقال:

«لن يكون هذا سهلا»

ابتسم آزر رغم قلقه:

«أعرف. افعلها»

حشى إيلاس الجرح بالمسحوق الأبيض، وما هي سوى لحظات حتى برزت عروق آزر واحمر وجهه، انتفخت اوداجه وأصدرت أسنانه صريرا مرعبا حين ضغط عليها.

راقبه إيلاس بصمت بينما يعاني، لم يكن بيده شيء ليخفف عنه هذا العذاب الذي دام ساعة ونيف، في النهاية لم يتبقى من الألم سوى نغزات خفيفة، ووجه متعرق.

نظف إيلاس الجرح بعدها ووضع فوق خليط السم قائلا:

«سأضع السم لأتأكد من موتها جميعا. بعد ذلك يمكننا تنظيف جرحك ووضع مرهم يخفف الالتهاب. بالنظر لعمق جرحك فقد يحتاج ما لا يقل عن أسبوعين ليندمل تماما. هناك خطر أن تصاب بالعدوى من جديد لذا أبق الجرح مغطى بقماشة بها رائحة الشيح»

هز آزر رأسه بصمت، لم يكن يملك الطاقة الكافية ليتكلم، هذا الألم مريع، مريع جدا.

تمتم أخيرا بعد نحو خمس عشرة دقيقة من الصمت:

«لن يستطيع الجميع تحمل مثل هذا الألم»

رفع إيلاس نظره عن أعشابه التي يطحنها وقال:

«أجل، لذا فإني أصنع منوما»

«منوم؟»

«نعم، مفعول الألم يدوم حوالي ساعة، النوم أفضل طريقة للتخلص من الألم. سأصنع منوما ممزوجا بمخدر قوي كي لا يشعر أحد بالألم. لكن لن يمنح سوى للصعفاء كالشيوخ والأطفال وكذا النساء، من يملك القوة من الرجال فعليه أن يتحمل»

نهض آزر متباطئا، تأوه حين آلمه الجرح من جديد وقال لاهثا:

«سأخبر الملك بآخر المستجدات»

ابتسم إيلاس:

«فلترتح يا آزر، سأفعل ذلك بنفسي. كما أنني يجب أن أضع الدواء للأمير، أنت تعلم أن قطع ساقه وحدها لم يمنع المرض من الانتقال لباقي جسده»

هز آزر رأسه:

«فهمت. إذا أراك مساءا»

ما حصل بعدها كان سريعا مثل السحر، بدأت حملة نشر الدواء، التي كانت من ثلاث مراحل، المرحلة الأولى التي تضمنت المسحوق الأبيض كانت أشدهم إيلاما، ثم مرحلة السم. والمرحلة الأخير التي تضمنت أدوية مقوية ومراهم تساعد في إندمال الجرح.

تم غسل جميع الأغطية والشراشف بصابون ممزوج بالشيح، وتم تنظيف القصر بنفس المزيج.

كان للشيح فعالية كبيرة في طرد الذباب المنتشر في المكان وقتل البيوض الصغير التي لم تفقس، ولهذا فقد اندفع مئات الجنود للغابة وقاموا برشه في كل مكان، حتى أصبحت الغابة بيضاء وكأن ثلجا هطل فوقها، ورغم أنه قتل الكثير من الحيوانات الأخرى الصغيرة غير الديدان الضارة، لكن لم تكن هناك رفاهية للاختيار في وضع كهذا.

وبعد شهر من بدأ العلاج أخيرا فتح القصر أبوابه للناس وخرج الجميع منه وقد تخلصوا من هذا الطاعون الحي الذي التهم الصغار والضعفاء وسرق أرواحهم، ضعفاء الهيئة، شاحبي الوجوه، أعينهم غائرة تغشاها الدموع، لكن فرحة النجاة ترتسم على أوجههم جميعا.

فضّل إيلاس البقاء لمدة أسبوعين آخرين في المملكة كي يعالج ما بقي من الإصابات ويجهز الطاقم الطبي المختار ليكمل العملية بعده، ودربهم على صنع مختلف الجرعات الطبية استعدادا لأي طارئ.

خلال كل تلك المدة لم يرى إيلاس زوجته قط، غير أن التقى بأخيه عدة مرات متفاوتة.

في اليوم الأربعين من بدأ حملة العلاج سحبت الدول الجيوش الخارجية عن المملكة وفك الحصار عنها، كما دخلت لها مجموعة من المؤن غطت النقص الفظيع الذي كانت تعاني منه.

ولهذه المناسبة وقف الملك على شرفة قصره، يشكر شعبه ويعبر عن فرحته، يبدي فخره بالطبيب ويشكر طاقمه الطبي، تكلم كثيرا وأصدر الشعب صخبا كبيرا، بيد أن سبب انتشار العدوى أبقي في طي الكتمان حفاظا على الأمان، وأكد آزر وإيلاس أن كشف هذه الحقيقة ليس بطولة بل خيط مرتبط بقنبلة، فالناس ما تزال تحمل في داخلها حرقة الذكريات المؤلمة، وما يزال بعضهم يداوي جرح الفقدان، وليس على جميع الأسرار أن تكشف، بعضها يجب أن يبقى في طي الكتمان حتى تحفره أيدي الزمان.

انفض الشعب مع وعد بأن تقام مأدبة ضخمة لهذا الانتصار العظيم بعد أسبوع، وكذا لتوديع الطبيب الذي بدأ يشد رحاله.

أما عن إيلاس ففرحته بانتهاء الطاعون لم تقارن بفرحته لعودته الوشيكة لمنزله، وأخيرا منذ مدة طويلة جدا، استحم بشكل جيد ونام لساعات وكأنه جثة.

حين فتح عيناه بعد تلك الغيبوبة كان أول ما قابله هو انعكاس أشعة الغروب على شعر أصهب شديد الحمرة.

رمش محاولا طرد النعاس المتعلق برموشه، فتح عيناه على وسعهما وحدق مشدوها بالخصلات الطويلة التي حركتها نسمات المساء، لم يكن شعرها قط بهذا الطول، لكن شهرا ونصف من الغياب كان على وشك أن يمحي صورتها من عقله.

هبت نسمة قوية بعثرت شعرها الكثيف، وكشفت الخصلات عن رقبتها الغضة كغصن من فضة. رفرف فستانها الأبيض من حول جسدها وانزلق الشال البني عن كتفيها ليسقط أرضا.

انزلاق الشال الصوفي كشف له عن بطن شديدة البروز، مكورة بوضوح، كبيرة بما يكفي لكي يشك أحدهم أن ولادتها ستكون في التو واللحظة، هل هذا بسبب حملها بتوأم؟ أم لأنها على أعتاب شهرها الثامن؟

أخفضت بصرها عن الشفق الأحمر الذي يزين السماء، تمسكت بطرف النافذة وانحنت لتلقط الشال الذي سقط، راقبها صامتا للحظات، مذهولا للتغيرات التي طرأت على جسدها، وكيف اكتنزت مفاتنها استعدادا للأمومة، لكنه حين لاحظ الصعوبة التي واجهتها في النهوض، وكيف جاهدت لتستقيم بوقفتها رغم تمسكها بحافة النافذة، نفض الغطاء عنه وقفز عن السرير وهرع نحوها.

خطوة واحدة هي ما احتاج، مد ذراعيه وأحاط خصرها المكور، ساعدها حتى نهضت ثم انحنى من جديد وسحب الشال من فوق الأرض ولفه فوق كتفيها.

أمسكت بطرف الشال وشدته، رفعت له عيناها الساحرتان فوقف يحدق فيهما وكأنه لم يرهما يوما، بدأ ينتقل ببصره على ملامح وجهها ببطء شديد بنظرات مشدوهة.

بغتة مد يده ورفع شعرها من تحت الشال، حرره فوق ظهرها وحدق فيه على ضوء الغروب للحظات، ثم مد إبهامه ومرره على وجنتيها.

كان صوته أجشا من أثر النوم، مبحوحا لطول صمته:

«كيف حالك؟»

أخفضت عينيها عنه، تمتمت بهدوء:

«بخير»

لم يكن يتوقع مثل هذا الهدوء بعد غياب طال شهرا، بل اكثر، فهل هو وحده من يشعر بحرقة الشوق تحرقه؟ هل هو الوحيد الذي تراوده رغبة عميقة في معانقتها حتى يعوض فترة الغياب الطويلة تلك.

بدت هادئة جدا، رزينة بشكل لم يعتده من قبل، تحيطها هالة من الكبرياء والملكية،  أهذا بسبب الثياب الجميلة التي ترتدي، أن لأن عنقها تزين بعقد ذهبي يساوي قصرا، ينتهي بزمردة خضراء تلمع كأن بها نارا مضرمة.

مد يده للعقد فلمسه، أجفلت للحظة من لمسته:

«من منحك هذا العقد؟»

«الملك»

«متى؟»

«هذا الصباح، حين رآني متجهة للغرفة استوقفني ليتحدث معي، ثم منحني إياه، قال أن الأميرات لا يليق بهن ألا يتجولن بجيد عار من المجوهرات»

صمتت للحظة وأضافت بهدوء:

«أعتقد أنه الوحيد الذي قدر مقامي كأميرة تحتاج اهتماما لا تجاهلا»

ضيق عينيه عليها فأشاحت عنه، قرر تجاهل ملاحظتها المبطنة، اقترب خطوة منها فدفع بها نحو النافذة، مد كفيه ووضعها على بطنها البارزة فحدقت به بأنفاس مسحوبة، لم يحتج أن يحفز الطفلين فقد كانا نشيطين بما فيه الكفاية، شعرا به بمجرد أن وضع كفه عليهما، تحرك أولهما مسددا لأمه ركلة غاضبة وحذا الثاني حذوه متقلبا في رحمها حتى أن اهتزاز بطنها كان واضحا تماما.

مسح على بطنها برقة وقال:

«يجب أن نعود في أقرب وقت للمنزل لنستقبل هذين الشقيين»

اندفعت الرياح نحوها فدفعت بشعرها على وجهها، رفعت أصابعها فأخرجت شعرها من فمها:

«هل تنوي البقاء لمدة أطول. ظننتنا سنغادر بعد أيام»

سحب كفيه عنها، ووقف بجوارها حتى التصقت ذراعاه بكتفيها، وضع يديه على حافة النافذة وأرجع رأسه للخلف، زفر نفسا متعبا، وحدق بالسماء برأس مقلوب:

«حسنا…لا أنوي البقاء أبعد من المأدبة. سنغادر فجرا، لكن نظرات الملك لي لا تعجبني هذه الأيام، أشعر أن يخطط لأمر ما لن يروقني حتما»

أخفضت أرسي يديها لبطنها ردا على حركات الطفلين الحماسية.

«هل تظنه سينصب لك فخا لتبقى أطول؟»

«لا، سبق وأشار لذلك وأخبرته بصريح العبارة أني أريد العودة لمنزلي لأستعد لم هو أهم. لكنه ظل يشير أنه سيعوضني بسخاء تام عن تضحيتي»

«أليس من الجيد أن يعطيك تعويضا سخيا. من يعترض على المال؟»

«ليس هذا بيت القصيد. لكن..دعك من ذلك»

أدارت له وجهها، فابتسم بهدوء:

«لم التفكير بشيء خارج إرادتي؟ أيا ما كان يخطط له ذلك العجوز فسيتضح مع الوقت»

استدارت ووقفت مقابله تحدق في الغروب الساحر، السماء اصطبغت بلون أحمر مختلط بالبنفسجي، والسحب تجمعت كتجمع القشدة فوق الحليب الفوار، أما الشمس فبدت كمشمش طازج.

تنهدت، لكثرة ما عانت حرمان الطعام في الفترة الماضية أصبح كل شيء يبدو لها طعاما.

استدارت نحو طاولة الشاي التي وضعتها لها الخادمة، كانت ما تزال تشعر بالخوف من تناول شيء طبخه خدم القصر الذي كان الدود يعيث في أجسادهم قبل أسابيع، لكنها بدأت تطمئن قليلا.

التقطت قطعتين من بسكويت الزبدة الذهبي، قضمت طرف إحداها بأسنانها، وهي تحدق في لحية زوجها الكثيفة، وعيناه المغمضتان.

فتح عيناه بغتة وحدق بها:

«ماذا فعلت ديلارا مع آيرس؟»

ذاب البسكويت في فمها، فابتلعته على مهل، متذوقة نكهة البرتقال التي تنتشر فوق لسانها:

«جاء أغلب أهالي الأطفال من أجل اطفالهم خلال اليومين الماضيين، لكن والدي آيرس لم يظهرا بعد»

غضن إيلاس جبينه:

«كلما تأخرا كان ذلك أصعب. أظن أن ديلارا تعلقت بالصبي»

قضمت آرسي من البسكويت مجددا:

«أليس هذا واضحا؟ لقد منحته الاسم الذي لطالما فكرت به كاسم لابنها. ربته لاكثر من شهرين، نام واستيقظ على يديها. حتى آيرس يظنها أمه فلا يهدأ إلا في حضنها»

همهم إيلاس:

«يتعلق الأطفال سريعا بأول رائحة تدخل لأنفهم بعد الولادة، لقد عودته ديلارا على رائحتها وحضنها. سيكون الفراق صعبا لكليهما»

أخفضت آرسي نظرها نحو بطنها المنتفخة، وضعت كفا مرتعشا عليها وقالت:

«أظنني أفهم ما تشعر به ديلارا قليلا. من الصعب أن تتخلى الإم عن إطفالها»

«لكن آيرس ليس طفل ديلارا يا آرسيلا»

تنهدت:

«نعم، وهذا يزيد الأمر صعوبة. حتى هي تعلم أن لا قانون سينصفها حين يظهر والديه الحقيقين. أظنها تدعوا أن يكونا ميتين»

انتفض إيلاس، رفع رأسه بحده وحدق بها:

«ما الذي تهذين به يا آرسي!»

هزت بلا مبالاة:

«أنا واثقة أن هذا ما يدور في عقل ديلارا.»

استدارت من جديد نحو طاولة الشاي الصغيرة، مدت يدها للإبريق المزخرف فصبت لنفسها فناجا فاترا، أخذت رشفة منه  بحذر ثم أعقبت:

«لم تكن معنا حين وضع آيرس بين يدي ديلارا وهو حديث الولادة، مخضب بالدماء يصيح صيحته الأولى. لم يمض يومان حتى منحته اسما كان يفترض أن يكون اسم ابن يخرج من رحمها هي، اسم يشابه اسم زوجها في تركيبته. أليست آيرس قادمة من إيروس؟»

هز رأسه لها بصمت:

«وإذا، صحيح أنها لم ترضعه حليبا ولم تتمخض عنه ولم تنزف، لكن صدقني إنها أم، أم حقيقية. الأمومة لا تتعلق دوما بالولادة والمخاض، بل هي حب غير مشروط، أترى كيف يمكن أن ترضع القطة صغيرا غير صغيرها، وكيف تحنو الطيور على غير فراخها، هذه هي الأمومة»

التقطت قطعة بسكويت أخرى من الطاولة فقال إيلاس:

«فقط اجلسي وكلي، لم تنحنين في كل مرة؟»

لم ترد أن تخبره أنها كانت تخشى تناول الطعام، ولم تتملكها الشجاعة إلا الآن حين رأته مستيقظ يحدق بها، ففي كل الأحوال إن كان هناك ديدان بالطعام فسوف يراها قبلها.

سحبت الكرسي، جلست بصمت، ورغم أن الشاي كان فاترا غير ساخن لكنها رضيت به، سحبت صحن الحلويات الضخم إليها وحملت قطعة كعك مزينة بالقشدة، حدقت فيها لوقت طويل قبل أن تقضم منها قضمة.

«متى تناولت أخر وجبة؟»

«تناولت الفطور مع ديلارا صباحا»

«الفطور؟ ماذا عن الغذاء»

أجابت بهدوء:

«لم تكن لدي شهية. هل تريد بعض الكعك؟»

ابتعد عن النافذة، اغلقها في حركة سريعة وقال:

«لا، سأجهز نفسي. هناك عشاء جماعي الليلة»

«أعلم. أحضرت  الخادمات ملابسا خاصة. إنها في الخزانة»

هز رأسه بصمت وابتعد عنها، لكنه لم يمنع نفسه من استراق نظرة إليها قبل أن يغلق باب الحمام عليه. هناك شيء غريب بها، لا تزال تكلمه، تحاوره، لكن طريقتها في الكلام غريبة عن أذنيه، وهي لم تبتسم له منذ استفاق. هل هي تقلبات حمل؟ أم حصل شيء في غيابه؟

طوال فترة استحمامه ظل يفكر بهذا، ودارت الأفكار في عقله كالطواحين.

خفف من لحيته الكثيفة، غسل جسده المنهك بماء بارد ثم لف روب الحمام الصوفي حول جسده وخرج وهو ينفض الماء عن خصلاته الطويلة. كان يجب أن يقص شعره أيضا، لكنه نسي ذلك.

وجد زوجته ما تزال جالسة أمام طاولة الشاي، ويبدو أنها أكلت الكثير منها بالصحن كان شبه فارغ والفتات يملأ فستانها.

تقدم من الطاولة، أمسك يدها وأخذ قطعة الحلوى من يدها، وضعها في الصحن فنظرت له بتفاحؤ:

«لا يجب أن تكثري منها وأنت حامل كان يجدر بك طلب طعام حقيقي بدل الحلوى»

حملت نظراتها تمردا صامتا، عنادا وعبوسا، غير أنها ضمت يديها لحجرها في صمت، وقالت:

«شعرك يقطر»

«سأجففه حالا. ألا يجب أن تتجهزي؟»

«لقد استحممت سابقا. أحتاج فقط لارتداء الفستان»

«هيا إذا»

نهضت بتباطؤ عن مقعدها، تقدمت نحو الخزانة وهي تمشي، ويبدو أن ثقل بطنها يؤثر بها بشكل جلي لأن مشيتها لم تكن رشيقة أو طبيعية، بل بدت له مثل معزة تتمايل، ولا يدري لم علق هذا التشبيه بمخه، كبت ضحكة كادت تغدر به، ودفن وجهه في منشفة جافة.

انشغل إيلاس بارتداء حلته، مجددا كان لزاما عليه أن يرتدي صدرية ضيقة تخنق أنفاسه.

حلته كانت عبارة عن سروال أسود قماشي،  قميص أبيض، صدرية بيضاء مزينة بنقوش ذهبية آسرة، ومعطف فوق الصدرية ذو لون أخضر غامق لم تخلوا من الزخرفة، وكان هناك منديل مزين بنقوش ذهبية كان يجب أن يعقده حول عنقه، لكنه مهما حاول لم ينجح.

استدار نحو زوجته، كانت قد انتهت من ارتداء فساتنها. وقف للحظات يحدق بها بينما هي مشغولة بارتداء أقراط زمردية.

لم يكن تصميم الفستان بعيدا عن تصميم حلته، بل هي نفس الألوان ونفس النقوش الذهبية المزعجة، غير أن اللون بدا أجمل عليها.

تميز الفستان بتنورة بيضاء داخلية وفستان خارجي أخضر، لكن المميز فيه أن كان يبقي التنورة البيضاء واضحة بشكل بارز من الأمام، مما كسر من حدة اللون الأخضر.

أمال رأسه لليمين وعلقت عيناه على تكور بطنها الواضح رغم طيات الفستان، لا يمكن لشيء أن يخفي هذه البطن الآن، لا شيء على الإطلاق.

الشيء الوحيد الذي لم يرقه هو أن الفستان كان ذا فتحة صدر واسعة كشفت بوضوح عن صدرها وجزء كبير من نحرها، ولم تنجح القلادة الذهبية في ستر شيء من ذلك، بل زادت جلدها المتوهج جمالا.

أحست بنظراته المتفحصة فاستدارت نحوه وفي عينها المرسومة بالكحل نظرة تساؤل، لوح بالمنديل الابيض فاقتربت منه، أخذته من بين أصابعه بسهولة ولفته حول عنقه ثم جذبته إليها لتعقده.

مال برأسه نحوها وحدق بها بينما هي منشغلة بربط المنديل حول عنقه، ناولها المشبك الفضي في النهاية فألصقته في المنديل المربوط عند عنقه، زررت صدريته ورتبت جوانح معطفه، تبادرت لذهنه نكتة تافهة فسألها ممازحا:

«ما ناتج واحد زائد واحد؟»

رفعت له عينان هادئتان، تمتمت:

«اثنان»

هز رأسه نفيا:

«خطأ»

أشار نحو بطنها التي تقف حائلا بينهما ورد مبتسما:

«أربعة»

رفعت له حاجبا بتعجب، ثم انقلبت نظرتها لتهكم ساخر، لكن رغم كل تلك التعابير فهي لم تنبس ببنت شفة قط، ربتت على صدره لتزيل انكماش القميص ثم ابتعدت عنه:

«انتهيت»

ارتدت صندلها، وحملت شالا شفافا رمته فوق كتفيها تداري به بعضا من نحرها وصدرها المكشوف، تقدمت نحو الباب وفتحته:

«ألن تأتي؟»

ضم شفتاه في تفكير، ثم اقترب منها ببطء، ما خطب كل هذا الهدوء والرزانة؟ أهي صدمة ما بعد المصيبة التي حصلت؟

لم يعد يفهم شيئا.

……

رغم أنهما أبكرا في القدوم لكنهما وجدا الأمير بالفعل عند الطاولة يحتسي شايا دافئا، ابتسم ابتسامة عريضة حين رآهما ولو ساعفه جسده لقفز على قدميه.

شد على يد إيلاس بقوة، ثم بسرعة خاطفة عاد ببصره نحو آرسي،  مرر عيناه عليها بانبهار تام لا يخفى، وابتسم بحبور شديد وهو يربت على الكرسي الذي بجانبه لتجلس.

لم يجد إيلاس ما يقوله أمام هذا الحبور الشديد، جلس على يمين زوجته ولزم الصمت في حين أولى الأمير اهتمامه لآرسي، صب لها الشاي بنفسه، وضع لها السكر وثرثر كثيرا عن جودة أوراق الشاي.

ابتسمت له آرسي مجاملة، ضحكت لنكتة قالها وسايرت مزاجه المبتهج، حتى شعر إيلاس مع كل هذا الحبور أنه طرف ثالث في المعادلة.

دخل آزر للغرفة يرتدي حلة زرقاء مشابهة في التصميم لحلة إيلاس، قرأ الوضع  بنظرة سريعة، وبدون ذرة خجل اتجه نحو ارسي، مد يده فالتقط كفها وقبلها:

«مساء الخير يا سيدتي الجميلة»

ابتسمت له بحبور ادهش الرجلين الآخرين:

«مساء الخير يا آزر. كيف حالك؟»

غص إيلاس في شرابه، آزر؟ آزر؟ هكذا بدون رسميات! متى أصبحت مقربة من هذا الوغد لتناديه باسمه مجردا!

1

«لدى رؤيتك يا سيدتي صرت بأفضل حال. إنك متألقة اليوم كزمردة»

احمرت وجنتيها:

«إن لك لسانا حلوا»

«حلاوة لساني تزيد كلما زاد جمال من أحادثه»

استدار وجلس في الجهة الأخرى وهو يبتسم في وجه ايلاس بابتسامة بلهاء، ويضم يديه تحت فكه.

فتح الباب ودخلت منه ديلارا متأنقة في حلة حمراء نارية وشعرها الأسود مرفوع في كعكة ضخمة فوق رأسها، وطبعا الصغير فوق ذراعيها، ورغم الابتسامة التي رسمت على وجهها فقد كانت تبدو ذابلة، متعبة، كئيبة.

خلفها إيروس يحمل نفس الهم، ويرسم ابتسامة جاهزة، حدق به إيلاس للحظة فهز إيروس رأسه نفيا ثم زفر نفسا.

أقبل بعدها الطبيب الملكي، ثم الملك، وتحرك الخدم في نغم واحد ليضعوا أطباقا من أشهى ما وجد على الارض من طعام.

خروف مشوي، دجاج محمر، عصافير معمرة بالأرز، اسياخ متبلة، سلطات متنوعة، عصائر ومشروبات كحولية. حساء خضروات، أسماك، خبز وفطائر مالحة بالجبن والزعتر.

أكثرت آرسي من تناول الحلوى سابقا لذا انتابها الغثيان حين رأت كل تلك الأصناف، ودوختها الروائح القوية، لكنها كانت تعلم أنه من قلة الآداب ألا تشارك في العشاء ولو بلقمة.

ولأن المرأة لا يجب أن تمد يديها فوق المائدة، بل يجب على الرجل الذي بجوارها أن يملأ صحنها.

مد الأمير يده ووضع لها بصحنها كل ما هو شهي بنظره، قطع ضخمة من اللحوم المختلفة، والسمك والأرز، بالكاري.

امتلأ الصحن وكاد يفيض، شكرته آرسي مخفية توترها من الكمية الشديدة:

«أنت تغمرني بكرمك سموك»

«كلي جيدا يا سيدتي، طباخنا مشهور جدا في كل القطاع، جئنا به من أرض بعيدة ودفعنا في…»

وضعت أرسي شوكتها في الصحن بتوتر ورفعت قطعة لحم لفمها، تمنت في ذات اللحظة لو تبصقها، لكنها لاكتها في فمها طويلة ثم بلعتها بصعوبة، تمتمت شيئا ما عن جودة الطعام وابتسمت رغم امتعاضها.

واستمر الأمر على ذلك الحال، يضع الأمير أمامها أصنافا من الطعام بمختلف أصنافه، وهي تدفع اللقمة تلو الأخرى بصعوبة،

ولا حيلة لها برد الطعام في وجه الأمير كي لا تخرق أداب الضيافة والمائدة.

لم يخفى عن جميع من على المائدة هذا الدلال والاهتمام الذي أمطره الامير بآرسي، فيم استمر إيلاس يأكل بصمت بدون أدنى تعبير.

ابتسم آزر بغتة وقال:

«أرى أن بينكما علاقة جيدة. هل عرفكما إيلاس على بعض؟»

تدخل الأمير بسعادة:

«التقيت سمو الأميرة قبل بضعة أيام حين كنت أتجول في الحديقة مع خادمي. لم يسعني سوى أن أعجب  بقوتها في مواجهة هذه الأزمة وأشكر مبادرتها طبعا. خصوصا لمن هي في مثل هذه الحال»

«حقا! أنا واثق أن إيلاس فخور لأنك أعجبت بزوجته»

1

وشدد إيلاس على كلمة زوجته، امتقع وجه الأمير للحظة، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة مجاملة:

«لم أظنها زوجة الطبيب في بداية الأمر. ظننتها واحدة من النساء اللواتي التجأن لقصرنا أثناء الجائحة»

أضاف آزر متهكما:

«لا بد أن هذا كسر قلبك»

حدق به الملك بحدة،  فأعقب آزر دونما توتر:

«أقصد أنني أيضا أعجبت بسمو الأمير وفكرت ببؤس أن مثل هذا الجمال لا يجب أن يكون من نصيب إيلاس وحده. يبدو أنه محظوظ في جميع الميادين، زوجة فاتنة، عمل مبهر، ويدان مذهلتان تصنعان المستحيل»

1

حدق نحو الأمير وقال:

«صحيح سموك! »

تمتم الأمير بارتباك:

«بالطبع»

بالطبع؟ لأي جزء بالتحديد؟ لأن زوجته جميلة؟ أم لأنه طبيب موهوب؟ ابتلع جرعة ماء باردة بصمت، رفع عيناه فالتقت بعيني آزر الماكرتين:

«طبينا رائع حقا»

تدخل الملك في الحوار مشيدا بمهارات إيلاس، بتضحيته، وأعرب عن مدى امتنانه وأسفه لفراقهم جميعا، وسريعا تغيرت المواضع على الطاولة.

تجاهلت آرسي كل هذا وركزت على معدتها التي بدأت تضطرب. رفعت أطباق العشاء بعد مدة وأحضر الخدم صحونا مختلفة من الحلوى، ومن جديد ملأ الأمير صحن آرسي حتى فاض فأجبرت على الأكل من كل ما قدم لها.

ولكنها عند اللقمة الثالثة لم تعد تقوى على تحمل هذا الغثيان الجانح، وضعت منديلا على فمها وهي تشعر بالقيء يرتفع لحلقها بسبب كل ما أكلته.

«سمو الأميرة هل ….»

دفع إيلاس كرسيه بغتة، وقال:

«اعذرني جلالتك، يبدو أن زوجتي ليست على ما يرام. سأعود حالا»

«نعم، نعم، بالطبع. تفضل»

سحب زوجته من فوق الكرسي، وأبعدها عن يدي الأمير التي امتدت إليها، دون وعي منه سدد له نظرة حادة ثم غادر يجر زوجته في يديه ويحيطها بذراعيه.

دخلا  لحمام جانبي، رفع شعرها فوق رأسها وربطه ببعضه، سحب الشال عن كتفيها، إجلسها على كرسي ووضع بين يديها طشتا فارغا، حدقت به بصمت، ولم تحتج ليخبرها بما تفعل، فقد اندفع كل شيء عبر فمها في شلالات.

راقبها بصمت وذراعاه مطويتان على صدره، حين انتهت أبعد الطشت عن حضنها، غسل وجهها ويديها، أراق الماء على رقبتها وقال مؤنبا:

«لم يجدر بك أن تأكلي كل ذلك!»

«لم أملك حق الرفض»

«ألم تري صحن الحساء الذي وضعته أمامك! كان ذلك يكفيك»

«لقد وضع أمامي جبلا من اللحوم كيف سأرى غير ذلك»

سحب منشفة وجفف وجهها بخشونة:

«لو نظرت بعيدا عن وجه الأمير لرأيت صحن الحساء»

نهضت عن الكرسي وتخلصت من قبضته:

«أنا بخير. دعنا نعود»

«أنا سأعود أما أنت فستذهبين للغرفة وتنامي حتى الصباح»

«ليس من الأداب أن أنصرف في بداية السهرة!»

«لا تهمني الإداب. ستعودين للغرفة، تخلعين هذا الشيء الثقيل عنك وتنامي. لا أريد أن أجدك مستيقظة حين اعود، مفهوم!»

رفعت عيناها نحوه، اهتزت شفتاها ثم سريعا ما أخفضت بصرها:

«حسنا»

مرت من أمامه ببطء، فتحت باب الحمام وخرجت، وتركته وحده يغلي غضبا دونما أي سبب واضح.

1

......

انتهى الفصل

انتهى الطاعون

رايكم؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كركدية

المؤلف rana rachade
2025/12/09 مكتملة
قائمة الفصول (37)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة