٤

٤

11 0

كان تسلق التلة الصغيرة بالنسبة لآرسيلا التي اعتدت الأراضي المنبسطة، وأرضيات الرخام، كتسلق جبل شاهق، ولولا أنها تمسكت بيد إيلاس لكانت قد تدحرجت للخلف.

ترك يدها ما إن وصلا للقمة، فانحنت على ركبتيها تلهث، عدل من وضع حقيبته فوق صدره، حدق فيها بعبوس:

«يجب أن نعمل على قدرة التحمل الضعيفة هذه! انتظريني هنا سأحضر بعض الأعشاب وأعود إليك»

راقبته بذهول وهو يمشي للأمام، وحين رأت أن جسده بدأ يتوغل في الغابة، وبدأت جذوع الأشجار تخفيه عنها قفزت واقفة، صاحت:

«مهلا! مهلا! لا تتركني هنا وحدي»

لم يستدر نحوها إنما أجاب:

«لن يحصل لك شيء وأنت هناك. ابقي مكانك كي لا تضيعي»

حملت أطراف ثوبها حتى كاحيليها وركضت خلفه:

«لا تتركني وحدي، إيلاس. توقف مكانك أيها الطبيب الملعون»

حدقا ببعضهما البعض من مسافة، لسانها هذا! لقد بدأ ينطلق! ولا تعلم هل تلك بشارة خير، فهي أخيرا بدأت تعتاد زوجها، وبدأت تسكن إليه، أم هو بشارة شر. بدت عيناه ضيقتان وهو ينظر إليها:

«هل كنت تأخذين دروسا خاصة بالشتم أيضا؟»

«لا..لا. ذلك فقط...الخادمات كن يكررن هذه الكلمات كثيرا في المطبخ»

كانت قد أصبحت بجواره، وضع يده في فكه، حك لحيته الشعثاء وقال:

«كنت أفكر»

«في ماذا؟»

«هل حقا تزوجت أميرة، أم تم خداعي؟»

انتفخت أوداجها غضبا:

«لا، كيف تجرؤ! أنا أميرة، ملكة ابنة ملك! إياك والحط من شأني!»

استدار يكمل طريقه، رفع يداه ولوح بهما:

«نعم، نعم. ما تزالين قادرة على دحر هذه المملكة وأنا معها، صحيح؟»

صاحت من جديد:

«لا تتركني خلفك! أين أخلاقك النبيلة التي تبججت بها أمام الأميرة هينا! كيف سولت لك نفسك بإدارة ظهرك لامرأة!»

زفر أنفاسه، أمال رأسه نحوها:

«ليست إن كانت هذه المرأة زوجتي، وقد نادتي لتوها بالملعون»

قضمت شفتاها غيظا، كيف بحق الله يمكن لرجل أن يمتلك عدة أوجه كالحرباء، ويغير بينها في هذه السرعة. من ثوان كان رجلا شهما غازلها وسط حقل من الحشائش، وساعدها على صعود التل، وها هو الآن قد عاد لشخصيته المتعجرفة اللامبالية، شخصية رجل عجوز لا يهمه في الدنيا شيء. من جديد تساءلت إن كان زواجها منه خطأ ستندم عليه طيلة حياتها.

تبعته وهي تعاند لابعاد ثوبها عن الأغصان الشائكة، صاحت بصبر نافذ:

«لقد قلت لك، الخادمات كررن هذه الكلمات كثيرا»

«وماذا تفعل أميرة مدللة في مطبخ يعج بالخادمات؟»

راقبته وهو ينحني أمام رقعة عشبية، كان يبعد بيديه بين الأعشاب الخضراء الطويلة ويحدق بتمعن:

«حسنا، لقد كنت أهرب من بعض الدروس»

«أنا متأكد أنها كانت دروس الآداب»

نظرت له بتعجب:

«نعم صحيح، كيف عرفت؟ لا شك أن أخباري وصلت للكثير من المناطق!»

«على الإطلاق، لقد خمنت ذلك ببساطة»

«كيف؟»

رفع بصره إليها وقال ساخرا:

«لأنك بلا أدب»

1

لخمس ثوان ظلت تحدق به دون أن تستوعب ما قاله، وحين بدأت محركات عقلها تعمل من جديد غرقت في الصدمة لمدة خمس ثوان أخرى، وفي الثانية الحادية عشرة التقطت من الأرض حطام جذع مكسور، ورمته بأقصى ما لديها عليه:

«كيف تجرؤ، أيها العجوز المخطط، المعلون. يا برغوث الغابة!»

تفادى إيلاس الجذع الطائر بسهولة، حدق في المكان الذي سقط فيه عن يمينه للحظات ثم صاح بفرح متجاهلا البركان الثائر خلفه:

«مدهش! لقد وجدت العشبة التي كنت أبحث عنها. أنت رائعة يا عزيزتي»

نظرت له بتعجب متناسية المحاضرة الطويلة التي كانت تنوي إلقائها عليه، عن عظمة أبيها وأسلافها وعن دمها الملكي النادر:

«حقا! دعني أر»

راقبته يقتطف بضع زهرات تشبه في لونها الغروب، تميل للبرتقالي المتوهج، سألته باستغراب:

«هل هذا أقحوان؟»

«لا يا عزيزتي. عادة الأقحوان أبيض اللون، قد يوجد بعضه بالنفسجي لكن ذلك نادر الحدوث»

«وما هذه؟»

«إنها زهرة الماغريت»

رفع الزهرة الصفراء أمام عينيها:

«إنها تشبه الأقحوان، لكن تختلفان في اللون والرائحة»

اقتربت منها لتشمها لكنها تراجعت للخلف بفزع حين خرجت من الزهرة حشرات سوداء في غاية الصغر:

«لا تخافي، إنها مجرد براغيث»

«براغيث!»

«براغيث تتغذى على الزهور، إنها غير مؤذية»

نفضت صدرها في وسوسة:

«أبقها بعيدا عني»

نفض الوردة برفق فوق حجر ثم وضعها على الأرض، وبدأ يقطف الباقيات ويفعل بهن نفس الشيء، ينفضها من الحشرات ثم يضعها على الأرض. حين انتهى جمعها وربطها بعشبة طويلة ملتوية ثم وضعها في حقيبته البيضاء. استقام واقفا وأجال بصره في المكان، قال:

«لعلني اقتطفت كل ما كان هنا من هذه الأزهار، يجب أن أتعمق في الغابة كي أجد غيرها»

تبعته بصمت:

«ولكن ألا تقتلها بقطفك لها! أنت لم تترك زهرة واحدة!»

«أنا لا أقتلع النبتة كاملة، بل أقطف الزهرة والساق، ولا آخذ سوى الورود المتفتحة بينما أترك البراعم. هكذا سوف تلقح النبتة نفسها من جديد وتنموا»

نظر لها بطرف عينه وقال:

«زهور البرية مختلفة تماما عن الزهور اللاتي اعتدت عليها في دفيئة قصركم، تلك قد تذبل وتموت بمجرد أن ترى ما يسوؤها، وهذه سوف تنمو من جديد ولو مزقتها الأعاصير. الطبيعية مثيرة للاهتمام يا عزيزتي، بمجرد أن تراقبيها ستكتشفين أن القوة الحقيقة لا تكمن في الاختباء، بل بمواجهة القادم كيفما كان، ومهما كانت أضراره، حتى لو تمزت أوراقك عليك أن تنمو من جديد»

«لكن الأعاصير ستقتلع النبتة من جذورها، هل هذه قوة؟»

«وستنشر أيضا بذورها ورحيقها في أمكنة أخرى، لتنمو بدل النتبة اثنتان»

نظرت حولها، الأشجار الباسقة تشكل ستارة متشابكة حولهما، وأشعة الشمس تتسلل بين الثغرات في منظر مثير، فيبدو وكأن الأرض قطعة فسيفساء صفراء، تشع بالألوان. هبت رياح باردة فارتد شعرها على وجهها ودخل فمها، ومعه اندفعت موجة من الأوراق الصفراء حولهما، قفزت الطيور فزعة من فوق الأغصان وهسهست الأغصان بصوت عال.

توقفت في مكانها لهنية، راقبت ظهر زوجها وهو يمشي بكل هدوء، يداه في جيبه وشعره المخطط يتماوج خلف رقبته، بينما تلقي عليه ظلال الأشجار منظرا ساحرا، وشعرت أن ما بينهما ليست مجرد مسافة أرضية قصيرة، بل أميالا لا تعد ولا تحصى.

شتان بينها وبينه، فهو قد عاش حرا وسط الغابات، لا يقيده شيئ، يحنو على الأزهار ويفهم لغة الأغصان، تمنحه الغابات أعشابها وأسرارها، بينما يحفظ هو كل إنش منها، يكلمها بلغتها ويلاعب حيواناتها. هل يمكن لها، هي التي عاشت كوردة في الدفيئة، محاطة بالأسوار، مغطاة بالحرير، هل يمكنها أن تجد لنفسها مكانا في قلب رجل عاشق للحرية!

توقف عن المشي، التفت نحوها برأسه، كانت في عيناه البنيتان نظرة حالمة تشع هدوءا، خرجت الشمس من فوق الغيوم وألقت بكل أشعتها فوقه فلمعت بشرته السمراء وتألقت ابتسامته العذبة. خطت خطوة للأمام فتحركت الأوراق حولهما من جديد، بعنف شديد، كأنما تريد أن تفصل بينهما، وهسهست الأفانين بغضب، وشعرت للحظة أن الطبيعة وحش مرعب يريد الفتك بها، امرأة غيورة تريدها بعيدا عن حبيبها.

إنها لن تقاتل امرأة، بل سوف تقاتل الطبيعة كلها لتحوز عليه، عليها أن تقاتل الأشجار، الأزهار، وحتى الأوراق لتصل إلى يديه.

دفعت شعرها بعيدا عن أسنانها، رفعت فستانها عن كاحليها وركضت بسرعة شديدة حتى وصلت إليه. ارتطم وجهها بصدره، التفت ذرعاه حولها في حماية، حدق بها بتعجب:

«تبدين وكأن وحشا كان يلاحقك»

«فعلا. أشعر أن الغابة كلها غاضبة مني، والأشجار تصرخ بي لأغادر»

حدق بها للحظات، ثم ارتد رأسه للخلف في ضحكة مجلجلة شقت هدوء الغابة.

«لماذا تضحك؟ أتضحك مني!»

سألها بينما يغالب ضحكاته:

«هل أنت خائفة؟»

نظرت من حولها، مرت بجسدها رعشة باردة، حدقت بزوبعة أوراق صغيرة تدور وتدور عند قدميها، رفعت رأسها إليه:

«أجل. هل هذا خاطئ»

رفع أصابعه وحرر شفتيها من خيوط الشعر الأحمر التي التصقت بهما، ابتسم:

«على الإطلاق، الشجاعة في مجملها خوف، ومن لا يخاف لن يشعر بمتعة الحياة»

وضع يده على كتفها وقال:

«لقد كنت مثلك حين دخلت الغابة لأول مرة، أخاف من حفيف، ويرعبني رؤية أرنب. أما إن اهتزت الأغصان من حولي شعرت وكأن روحي تنازع لتخرج مني»

«وإذا لماذا ضحكت؟»

«لأنك ذكرتني بنفسي في وقت طويل قد مضى. ولأنني لم أظن يوما أنني سأرى نفسي في عيني امرأة»

هبت الريح من جديد وتحركت الأوراق عند أقدامها، تمتم إيلاس لها:

«نحن على أعتاب الشتاء، لذا من الطبيعي أن تهب الرياح بشدة. لا تخافي»

وضع يده على فكها ورفع رأسها لتحدق بقمم الأشجار:

«ماذا ترين؟»

«أنا لا أرى شيئا، بل أشعر بالدوار»

«ستشعرين بالدوار كثيرا إن لم تتعودي على رفع رأسك نحو القمم، إن اكتفيت بالنظر للأرض لن تري جمال السماء!»

«أنا لست متعودة مثلك على النظر إلى فوق»

«يا للخيبة! كل الناس مثلك، يحدقون بالأرض كثيرا وينسون أن فوق رؤوسهم سماء زرقاء منبسطة. إن لم تكسري القيود لن تري أين يكمن الجمال الحقيقي للعالم»

«أنت تحاضرني! ولكنك بنفسك تحدق بالأرض أكثر مما تحدق بالسماء! وتجني من الأرض ما لا تجنيه من السماء»

«صحيح، أنا لا أنكر ذلك. فلننظر للأرض، فنأخذ مما تعطينا الأرض، لكن لا يجب أن ننسى السماء، القمم العالية! لماذا تعتقدين أن جميع الناس تحلم بالطيران بينما في إمكانهم المشي على الأرض! ذلك لأن جميعنا نستطيع المشي لكن لا أحد يقدر على التحليق»

ابعد يده عن فكها وأضاف:

«لن تري جمال الأرض ما لم تحدقي في السماء، الزهر لا يزهر دون ماء يسقيه، والأرض لن تنبت أشجارا إن لم تشرق فوقها الشمس. الآن، هيا ارفعي رأسك وحدقي بالأعلى، حدقي بالقمة!»

«حتى لو نظرت، ما الذي يجب أن أراه!»

التهبت وجهها حين زفر في وجهها نفسا حارا، محملا برائحة النعناع الذي يحب مضغه دوما، رفع رأسه  وحدق للحظات طويلة في السماء، ثم ابتعد عنها فأحست أن البرد عاد يقتصنها وأن جسده الضخم ما كان يمنعه عنها.

قبض على رسغها وسحبها وراءه، سألته:

«إلى أين؟ هل سنجمع المزيد من الزهور؟»

«لا، بل سأعلمك كيف ترين الجمال الحقيقي للعالم»

ابتسم لها بمرح، كانت عيناه تتوهجان بحماس شديد، وخطوط عينه تفصح عن مدى المتعة التي يحس بها:

«سأعلمك لغة الغابات»

توغل بها في الغابة حتى وصل لبقعة واسعة وسط الغابة، لا يسمع فيها حسيس البشر، ولم تعد تصلهم أي أصوات من المملكة.

جذبها بحركة سريعة فأوقفها أمامه:

«انظري حولك، انظري للأشجار، انظري للأعشاب، انظري للأرض وانظري للسماء»

دفعها برفق لتتحرك للأمام:

«لقد أعماك ضوء الحلي والذهب فلم تعودي تميزين الجمال الحقيقي. انظري للقمم، أليست الشمس وهي تتخلل بين الأشجار بأبهى منظرا من الذهب اللماع! إن كل ما نحصل عليه كان يوما جزءا من هنا، من هذه الأرض الجرداء التي يخافها البشر.طعامنا، لباسنا، وحتى الذهب والياقوت الذي أعمى بصيرة البشر، مصدره هنا»

تركها فجأة وبدأ يتحرك في البقعة وقدماه تكادان ترقصان، لم تظنه شاعريا لهذه الدرجة على الإطلاق! أهذا هو الطبيب الحكيم الذي تكاد تهتز البلاد في حرب طاحنة لأجله! أهذا هو الطبيب الذي دخل على اجتماع ضم ملوك هذه البلاد وأمرائها، ورفض بشكل صريح أن يكون أداة لأي منهم، بل لقد اقتلع قريته وموطنه اقتلاعا من رئاسة ملك الجنوب، ومنحها حماية أبدية باسمه، بذلك أصبحت القرية الوحيدة في العالم التي لا تنحاز لأي ملك، ولا يمكن لأي ملك التدخل بها، القرية الوحيدة في العالم التي تملك حماية جميع ملوك الأرض!

«أنت تحب الغابة كثيرا لأنك ولدت بها»

توقف عن المشي طربا، توقف تحت شجرة جاكراندا باسقة، تدلت عناقيد الورود البنفسجية فوق رأسه، وتحركت بعض الأغصان في سعادة فأمطرت الشجرة فوقه وردا.

مد يده وكسر غصنا صغيرا ثم تقدم إليها، دس الغصن البنفسجي في شعرها، حمرة شعرها تضاربت مع الغصن المتألق، وبدت تلك الزينة البسيطة أجمل من أي جوهرة أخرى قد تلبسها:

«ليس لانني ولدت فيها سأحبها، لقد ولدت في قصر لكنك لم تحبي أبدا حياة القصور»

تراجعت في ارتجاف:

«وما أدراك بما أحب؟»

«صدقيني، أجيد قراءة الطبيعية، فكيف لا أجيد قراءتك؟ ثم كيف لأميرة ولدت بملعقة من ذهب أن ترمي نفسها بين ذراعي طبيب مجنون!»

«لماذا تصف نفسك بالجنون؟»

«لهذا ما أنا عليه، وقريبا ستصبحين مثلي»

«لن أصبح مجنونة»

انحنى للأرض والتقط شيئا، مد يدها إليه ثم وضع قبضته فوق راحتها، حدقت في يدها بتساؤل ثم هربت من صرخة عالية أفزعت الطيور حين رأت الخنفساء السوداء الضخمة التي وضع فوق راحة يدها:

«أصدق أنك مجنون، أبعد هذا الشيء عني»

أمسك يدها بحزم وقال مازحا:

«كوني شجاعة، إنها أليفة»

«إنها مقززة»

«أنت لا تظنينها كذلك، بل لقنت هذا. انظري فقط، انظري»

«انت مجنون»

مرر يده على ظهر الخنفساء السوداء فاطلقت جناحيها فوق يدها، وما هي سوى لحظات حتى ارتفعت أمام وجهها وطارت. ضحك

«لقد أفزعتها أكثر مما أفزعتك»

راقبت أرسي الحشرة وهي تحلق بعيدا:

«كل ما هو في هذه الغابة له دور. أرأيت تلك الخنفساء التي نعتها بالمقززة، فإنها تعمل كخادمة التنظيف التي في قصركم. تأكل وتجمع كل ما يسقط على الأرض وتنظف أي مكان تذهب إليه. وانظري لذلك البرغوث الصغير الذي جعلك تقفزين من مكانك، إنه يندس في الوردة فيعلق به الرحيق وبينما يتنقل من وردة لأخرى يقوم بتلقيح الغابة!»

سحبها فجأة إليه:

«هذه الأرض التي تخشى كل الأميرات مثلك الدوس عليها كي لا تتسخ ثيابهن، هي ما أخرجت لكن طعامكن اللذيذ، وفي جوفها يتشكل الذهب والماس الذي تتفاخرن به! وهذه الأشجار التي تخيفكم قممها هي ما ينظف الهواء من نفاق البشر!»

اقتربت منه:

«أنت تحقد على الأميرات كثيرا»

ارتفع حاجباه الكثان في عجب:

«أنا لا أحقد عليكن، بل أجد أن المسلك الذي تسلكنه في حياتكن غريب عجيب!»

طرقت الأرض بقدمها:

«لهذا السبب أنا هنا، لقد أخبرتك، لم أرد أن أكون مجرد أميرة أخرى تضاف لهذه العالم. لم أرد أن أكون مجرد رقم آخر لا نفع منه»

ابتسم، سحب يدها التي تمسك بثوبها وطبع قبلة على ظهرها:

«أنا أعرف ذلك، أنت لست مجرد رقم. أنت الرياضيات كلها»

«لكني بالنسبة لك مجرد عشبة»

أبعد شعرها عن فمها وقال:

«إذا أثبتي لي أنك عشبة لا يمكنني الاستغناء عنها»

«ماذا قد أكون إذا؟»

دفع شعرها خلف رقبتها ومد كلتا يداه ليحكم رباطه:

«لا أنا ولا أنت نعرف، دعي الدنيا ترينا»

أظلمت السماء بغتة، وبدأ رذاذ خفيف يسقط فوقهما، رفع إيلاس القلسونة فوق شعرها وأحكم رباط الرداء حول جسدها:

«لعلك تصبحين في النهاية عشبتي المفضلة»

حدقت به، نعم لقد قالها بكل صراحة، إنها ما تزال بالنسبة له مجرد عشبة أخرى اقتطفها، يحبها ويحترمها كما يحب أي عشبة أخرى في هذه الغابة الواسعة، لكنها لا تعني له شيئا مميزا، ليس بعد.

آلمها هذا القول لحد كبير، كيف أن الرجل الوحيد الذي تملكه الآن، كيف أن المأوى الوحيد الذي يمكن أن تلجأ له في هذا العالم الغريب، لا يعتبرها مميزة. ورغم أنها تبادله الشعور، لكن مع يزال الأمر مؤلما، ففي نهاية الأمر هي أنثى تحب أن يبجلها الآخرون.

حدقت في ظهره، كان قد جلس القرفصاء وبدأ يقتلع بعض عش الغراب من الأرض ويضعه في حقيبته.

نظرت حولها فرأت بعض زهرات المارغريت، وبهدوء اتجهت نحوها وبدأت تقطفها وتجمعها فوق ذراعها، ولكن في لحظة ما، اختلطت دموعها بالندى.

انغمسا في عملها لوقت طويل، ساعدها إيلاس على قطف الزهور من الساق بشكب صحيح، وعرفها بفوائد النبتة، وأخبرها أنه سيستعملها كمرهم يعالج جرح الملك المفتوح، فهي لها خصائص مفيدة تساعد على التئام الجروح، فيما سيطبخ عش الغراب ويدع الملك يشربه كي يقوي مناعته الداخلية.

«ابتهجي، قد نغادر من هنا قريبا»

في النهاية، توقف الندى عن الانهمار وأشرقت الشمس من جديد، امتلأت الغابة برائحة العشب والتراب المبلول. استنشقت أرسي نفسا عميقا لعلها تدفع الغصة العالقة في حلقها.

لم تسمح لهما الغيوم بمراقبة غروب الشمس، لكنهما استمتعا بوجبة شهية مكونة من بعض شطائر الجبن الباردة، واللحوم المقددة، وقد اتضح من كلام إيلاس أنه ساعد زوج الطباخة وعالجه فقدمت له سلة الطعام هذه لنزهته.

كان الطعام ورغم برودته شهيا، شهيا جدا. والتهمت أرسي ما في يديها بنهم شديد، لم تشعر قط أن أكلت من قبل بنفس هذه الطريقة، فلطالما كانت نحيفة ودأبت أمها على سقيها أعشابا خاصة لفتح الشهية، لعلها تسمن قليلا.

نفض إيلاس يداه من الفتات بعدما حشر نصف الشطيرة في فمه، وفي سرعة استنكرتها كان قد مضع وابتلع ما في فمه، ترى هل يملك ثقبا أسودا داخل فمه! كيف بحق الله ابتلع ذلك بسهولة؟

راقبته بتعجب، حمل تفاحة حمراء يانعة من السلة ثم وضع أصبعاه في فمه وصفر مرة وثم مرة ثانية.

مرت لحظات صمت طويلة ثم اخترق الصمت صوت خبب متسارعة، وما هي سوى ثانية حتى ظهر جسم الحصان البني، وشعره الطويل يتماوج أمامه، وتعجبت أرسي من مدى قدرة إيلاس على ترويض الحصان، فقد تركه في الغابة حرا لساعات، وما إن ناداه أتاه ركضا، كأنه يفضل صحبة صاحبه على الحرية.

مد إيلاس يداه للحصان فتقدم إليه ودس رأسه الضخم بين كتفيه، ناوله إيلاس التفاحة ثم حك رقبته وشعره بحماس:

«ها أنت يا صديقي الجميل، أين كنت يا صغيري؟ هل استمتعت؟»

صمت للحظة ونظر نحو آرسي:

«ما كان الاسم الجديد؟ فاركوس، ساركوس»

تمتمت بهدوء:

«كافروس»

«نعم صحيح»

دست آرسي يدها في السلة وحملت التفاحة الأخيرة، ارتفعت عينا الحصان إليها ومد رأسه ليأخذ التفاحة فأبعدتها آرسي عنه:

«لا، هذه تفاحتي»

حدق بها الحصان بغضب، صهل في وجهها بعنف، ثم رفع قائمته ووضع قدماه على المفرش النظيف وقضم التفاحة من بين يديها:

«تفاحتي!»

انفجر إيلاس ضحكا حتى طفرت الدموع من عينيه:

«آسف لهذا، لحصاني شهية مفتوحة جدا. احذري في المرة القادمة منه، قد يعتبرك عدوة إن منعت عنه طعامه المفضل»

نهض واقفا ودفع الحصان بعيدا عن المفرش ثم أردف بتسلية:

«أو لربما يعتبر رأسك الجميلة تفاحة!»

أشاحت عنه غضبى، لقد اشتهت تذوق تلك التفاحة حقا، وقفت وأشهرت يدها في وجه الحصان:

«أنت سيء، كافروس»

صهل الحصان في وجهها ومد فمه، كاد يقضم اصبعها الصغير لولا أنها قفزت من أمامه، صاحت بغضب:

«قلت أنه لن يؤذيني!»

تمتم إيلاس بصوت ضاحك:

«ليس إن كنت أول من استفزه!»

قطبت جبينها بعبوس، فانحنى إيلاس وجمع المفرش والسلة من على الأرض، امتطى الحصان ثم مد يداه لآرسي الغاضبة:

«هيا، دعينا نذهب، سوف يحل الظلام»

«أنت لم تضع له اللجام»

وضعت يدها في يده فسحبها نحوه وقال:

«أخشى أن حصاني غاضب ولن يسمح لي بوضعه، تمسكي»

ربت على رقبة الحصان:

«هيا انطلق يا صديقي»

وضاعت صرخة آرسي في الفضاء حين انطلق الحصان من فوق التلة بسرعة جنونية، وكأنه يريد بذلك أن يبث الرعب في قلبها هي بالذات!

.......

فصل جديد💛 آمل أنه سوف يعحبكم.

لا تنسوا التصويت، فتلك النجمة الصغيرة التي تضعونها لي هي ما يجعلني أعرف أن هناك أشخاصا فعلا يحبون هذه القصة معي.

شكرا للقراءة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كركدية

المؤلف rana rachade
2025/12/09 مكتملة
قائمة الفصول (37)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة