الفصل ٣٧: انفجار الحقائق... والانهيار الأخير
توقفت الكلمات على ألسنة الجميع عندما سُمع صراخ سما المكتوم من داخل غرفتها.
الحاج سالم (بنبرة قلقة): "إيه ده؟ مين اللي بيصرخ كده؟!"
عفاف (بمحاولة يائسة للتغطية): "ولا حاجة... ده يمكن الجيران."
سيد (ينتفض، صوته يعلو لأول مرة): "ده صوت سما!"
قام سيد مسرعًا نحو مصدر الصراخ، ليجد الصوت قادمًا من غرفة سما. حاول فتح الباب، لكنه كان مغلقًا.
سيد: "فين المفتاح؟!"
من خلف الباب، جاء صوت سما المليء بالبكاء واليأس: "افتح يا بابا! ماما حبساني!"
التفت سيد إلى عفاف، وعيناه تشتعلان بغضب لم تره فيه من قبل.
سيد: "فين المفتاح يا عفاف؟!"
لم ترد عفاف، وعيناها تتفاديان نظرات الجميع. في هذه اللحظة، لم ينتظر شهاب ومراد وفارس.
شهاب (مُوجهًا كلامه لـسيد): "وسع يا عمي!" (ثم لـسما من خلف الباب): "ارجعي لورا يا آنسة سما!"
وبقوة، كسر الشبان الثلاثة الباب. اندفعت سما خارج الغرفة، ووجهها شاحب، وعيناها مليئتان بالدموع والخوف والغضب. ركضت مباشرة إلى أبيها، تُمسك به بقوة، وكأنها تبحث عن ملاذ.
سما (ببكاء وصوت متقطع): "كانت حبساني... وعايزة تجوزني..." (التفتت إلى عائلة المعز، ونظراتها تحمل إصرارًا غير متوقع)
"أنا بقى عارفة بلاويها كلها... وهاقولهالكم!"
نظرت سما إلى عفاف بغضب لم يعد يُخفى. اندفعت عفاف نحوها مُحاولة جذبها من شعرها وامساكها، لكن سما كانت أسرع منها. أمسكت يد عفاف وهي تصرخ في وجهها:
سما: "سما الهبلة اللي بتضرب وبثتزعقلها وتسكت... مبقتش موجودة! دلوقتي هاخد حقي كله منك!"
عادت عائلة المعز لتجلس في أماكنها، بينما وقفت سما في المنتصف، وبدأت تتحدث، عيناها تُثبتان على والدتها، وكأنها تُسقط عنها كل الأقنعة.
سما (بصوت واضح ومُتحدٍ): "أول حاجة... كانت بتخطط تدبس الأستاذ فارس والأستاذ مراد يتجوزوا شهد ومنال بفضيحة. كانت هتدخل الورشة هي ومنال، وتتصل بـفارس يجي على إن في حرامي، ويضربوه على راسه، ويصحى يلاقي نفسه وشهد هدومهم متقطعة... وإن الحاج سالم مش هيرضى بالفضيحة... ويجوزهم!"
عفاف (تصرخ في محاولة يائسة لوقفها): "اخرسي!"
الحاج سالم (بصوت هادئ، لكنه مُتصلب): "كملي يا بنتي."
سما: "عشان كده سرقت المفاتيح وطلعت نسخ عليهم... وهي اللي حاطة في دماغ شهد إنها لازم تتجوز فارس." (نظرت سما إلى والدتها بنظرة تُعبر عن الشفقة والاشمئزاز).
سما (تُكمل، بنبرة أكثر قوة): "وكمان اتصلت بـصابر ابن خالتو... ينشن على خطيبة فارس... ويجمع معلومات عنها وعن تحركاتها... لغاية لما تقوله على اللحظة المناسبة... ويأذوها!"
قام فارس بعصبية من مكانه، ووجهه مُحمر بالغضب، وهو يصرخ: "لغاية نادين ولا؟!"
شهاب ومراد أمسكا به ليُهدئاه، بينما تراجعت عفاف للخلف، الخوف يُسيطر عليها.
الحاج سالم (بهدوء شديد، وهو يُراقب عفاف): "كملي يا بنتي... في حاجة تانية؟"
سما (نظرت هذه المرة إلى سيد أبيها، بعيون مليئة باللوم والألم): "والمقابل... أنا! هتجوزني ليه... مقابل تنفيذ خطتها! لواحد سوابق، وسبق ورفضت تجوزه لـغدير... لكن سما عادي!"
تلك الكلمات كانت القشة التي قصمت ظهر البعير. قام سيد من مكانه كالمجنون. لم يعد الرجل السلبي الذي اعتاده الجميع. أمسك بـعفاف من شعرها، وبدأ يضربها على وجهها صفعات قوية.
سيد: "طول عمري ساكت على عمايلك! بقول دي ست وبتفكر وعارفة مصلحة عيالها ! بقول مش بتأذي حد! بس طلعتي بتأذي بناتي! بتأذيهم بغلك وحقدك! يا خسارة!"
الحاج سالم (بصوت جاد، يُنهي الأمر): "أنت دلوقت عرفت كل حاجة يا سيد... يا ريت تتصرف أنت... بدل ما أمشي الموضوع قانوني....يلا إحنا." (وجه كلامه لعائلته).
وفي هذه اللحظة، وبينما الجميع يستعد للمغادرة، خرجت شهد من إحدى الغرف، ومنال تُحاول إيقافها خلفها. كانت شهد ترتدي فستان سهرة "سواريه" مُبالغ فيه، ووجهها مُغطى بمكياج كثيف جدًا. كانت تحمل صينية عليها أكواب الشربات، وعيناها تلمعان بأمل غريب.
شهد (صُدمت برؤيتهم يستعدون للمغادرة): "إيه ده؟ أنتوا رايحين فين؟ إزاي تمشوا من غير ما تخطبوني؟" (ثم وجهت كلامها لـفارس مباشرة).
"كنت عارفة إني مش ههون عليك... وهتيجي تخطبني... وتسيبك من البت دي..."
نظر الجميع إلى شهد بصدمة، لم يُصدقوا ما يسمعونه. هل هذه الفتاة مجنونة تمامًا؟ كان جنونها يُؤكد كل كلمة قالتها سما.
صُدم سيد من ابنته التي بدت مجنونة تمامًا. في لحظة صدمته هذه، استغلت عفاف الفرصة. دفعت سيد بعيدًا، وجرت مسرعة نحو الباب، وهبطت السلالم، مُحاولة الهرب من هذا الانهيار المدوي الذي حل بها.
بعد خروج عفاف المذل، وقف سيد في منتصف الصالة، لا يصدق ما حدث. صوت سما وهي تنهار في البكاء ما زال يرن في أذنيه، وجنون شهد الأخير ترك أثرًا عميقًا.
سيد (بصوت يرتجف، يُخاطب شهد التي كانت تقف مكانها بعينيها الشاخصتين): "شهد..."
شهد (تلتفت إليه ببطء، وكأنها خرجت للتو من حلم): "نعم يا بابا؟"
سيد (بنبرة حازمة لم تعتدها): "ادخلي جوه لغاية لما نخلص كلام."
شهد: "ما فارس هيمشي!" (ما زالت مُعلقة بوهمها).
سيد: "لا ما تقلقيش... منال دخليها أوضتها."
دفعت منال، التي كانت صامتة طوال الوقت، شهد بلطف نحو الغرفة. دخلت شهد وهي تُلقي نظرة أخيرة على فارس، وكأنها تُودعه، قبل أن تُغلق الباب خلفها.
الحاج سالم (يُخاطب سيد بنبرة هادئة لكنها مُلزمة): "لازم تعرضها على دكتور يا سيد... حالتها مش طبيعية."
شهاب (يُضيف، وعيناه على الباب الذي اختفت خلفه شهد): "وممكن تكون خطر على اللي حواليها."
لم يرد سيد، فقد كان مُنهكًا ومُتألمًا. كل كلمة قالها الحاج سالم كانت حقيقة مؤلمة يدركها الآن بمرارة. وقفت عائلة المعز، ودعوا سيد بنظرة تُعبر عن الأسف، وغادروا المنزل.
بعد رحيلهم، جلس سيد على أقرب مقعد، يضع رأسه بين يديه. كان العالم من حوله قد انهار. لكنه لأول مرة شعر بأن عليه أن يتصرف. أمسك بهاتفه واتصل بأخيه المقيم في البلد.
سيد: "ألو يا أخويا... إزيك... عامل إيه؟" (صوته كان مُتعبًا). "عايزك تفتحلي شقة أبونا في البلد... وتخلي حد ينضفها... أنا جاي أنا والبنات."
كان هذا قرارًا حاسمًا من سيد، محاولة لإنقاذ ما تبقى من بناته وهروبًا من فوضى حياته مع عفاف.
............
في هذه الأثناء، كانت عفاف قد هرعت إلى منزل أختها، بعد أن تركت الفوضى خلفها. دخلت إلى المنزل مُسرعة، وتحدثت بانفعال عن كل ما حدث: عن مجيء عائلة المعز، وعن كشف كل ألاعيبها، وعن غضب سيد وسما وطرده لها.
عفاف: "تخيلي يا أختي! سيد رفع إيده عليا وضربني! وبناتي فضحوني! وعائلة المعز عرفت كل حاجة!"
صابر (يقف أمامها، عيناه تشتعلان غضبًا): "ما لكيش مكان عندنا يا خالتي! إنتِ عايزة تدبسينا في مصيبة ملهاش آخر! عايزة تدخليني في حيطة مع ناس لا نعرف نطلع منهم ولا نسكتهم! روحي بقى حلي مشاكلك بعيد عننا!"
صُدمت عفاف. لم تتخيل أن تُطرد من بيت أختها ومن ابنها الذي عقدت معه صفقة. نظرت حولها بيأس، لم تجد ملجأ. خرجت من بيت أختها، تمشي في الشوارع بلا وجهة. كانت وحيدة تمامًا، لا تعلم أين تذهب، ولا كيف تُواجه ما فعلته. لقد دفعت ثمن شرورها باهظًا، وأصبحت بلا مأوى ولا سند.
بعد أن غادرت عائلة المعز منزل سيد، وكانوا في طريق عودتهم إلى الحارة، كان فارس ما زال قلِقًا. ما سمعه من سما عن محاولة إيذاء نادين هزّه بشدة.
فارس (يُخاطب جده ): "أنا لازم أروح أقابل نادين دلوقتي. مش مطمن عليها بعد اللي سمعته."
الحاج سالم (يُومئ بتفهم): "روح يا ابني. اطمن عليها. وطمنا."
وبسرعة، استقل فارس سيارته . كان قلبه ينبض بقوة، مزيجًا من القلق عليها والحب الجارف الذي يربطه بها، بعد أن عرف إلى أي مدى كانت الأخطار تُحيط بها دون علمها.
كان قلب فارس لا يزال ينقبض قلقًا على نادين، بعدما سمعه من سما عن خطة إيذائها. بعد أن ودع عائلته، أمسك بهاتفه واتصل بـنادين فورًا.
نادين (صوتها يُشبه موسيقى هادئة، تضع ابتسامة على وجه فارس): "ألو يا حبيبي..."
فارس (يُحاول أن يُخفي نبرة القلق في صوته، مُركزًا على إظهار الاشتياق): "أنتِ فين دلوقتي؟"
نادين: "أنا في المول، بشتري حاجات مع لي لي." (كانت الأصوات المحيطة تُشير إلى صخب المول).
فارس: "ابعتيلي اللوكيشن وأنا جاي لك."
نادين (تُلاحظ شيئًا في نبرته): "أنت كويس يا حبيبي؟"
فارس (يُحاول جاهداً أن يُبقي كلماته خالية من أي توتر): "كويس... بس وحشتيني وعايز أشوفك."
نادين: "أوك... هبعتلك اللوكيشن."
أنهى فارس المكالمة، وشعر براحة مؤقتة لمعرفة مكانها. لم يُرد أن يُخبرها بأي شيء عن شهد أو عفاف الآن، خوفًا من أن يُقلقها بعد يومين فقط من خطوبتهما وما حدث. أراد فقط أن يطمئن عليها بنفسه، ويُخرجها او يخرج نفسه من أجواء التوتر.
.............
في منزل سيد، كان الجو ما زال مشحونًا بالصدمة والحزن. بعد رحيل عائلة المعز وهروب عفاف، جلس سيد يُفكر فيما يجب فعله. كانت سما تبكي في غرفتها، ومنال كانت تحاول تهدئتها، بينما شهد كانت لا تزال في عالمها الخاص. أدرك سيد أن عليه أن يلملم ما تبقى من بناته. أمسك بهاتفه واتصل بـغدير.
سيد: "ألو يا غدير... تعالي لي البيت."
حضرت غدير مُسرعة، وقد علمت بوجود عائلة المعز وبهروب أمها. دخلت فوجدت أباها جالسًا بضعف غير معتاد، وسما تبكي.
سيد (بنبرة لوم وعتاب): "إزاي طاوعتي أمك يا غدير؟ إزاي خنتي الثقة؟"
غدير (بدموع وندم): "والله يا بابا كان قصدي أساعد شهد بس... بس لما الموضوع زاد عن حده، وقفتها وقولتلها مش هشارك في حاجة تاني... كفاية كده، مش هاخسر جوزي على حساب حد."
سيد: "أنا مش هعاتب في اللي فات يا غدير... اللي فات مات. أنا همشي أنا وأخواتك نروح البلد."
غدير (بصدمة): "إيه؟!.... ليه؟!"
سيد: "كفاية لغاية كده... أحاول ألم اللي باقي. شهد اتجننت... وسما منهارة... ومنال بدأت تفوق." .
غدير: "ماما كانت مسيطرة على شهد أوي... ويمكن هي اللي أصلاً حطت فارس في دماغها."
سيد: "عارف... ادخلي دلوقتي ساعدي منال وسما لمّي حاجتهم... عشان نتحرك بسرعة."
غدير: "حاضر... بس هي ماما فين؟"
سيد (بمرارة): "معرفش... بس أكيد لو ملقتش مكان هترجع هنا... بس ساعتها مش هتلاقينا." (كانت هذه آخر كلماته القاسية عنها، إعلانًا لقطيعة مؤقتة على الأقل).
اندفعت غدير نحو أختيها، وبدأت تُساعدهما في لملمة الأغراض القليلة، بينما بدأت ملامح التغيير تظهر على وجوههن، وخاصة سما التي شعرت ببصيص أمل في الخلاص.
...................
وصل فارس إلى المول، ووجد نادين ولي لي في أحد المتاجر. اقترب منهما بابتسامة،
لي لي (بابتسامة لمزحة): "خلاص يا نادين، أنا هكمل الشوبينج لوحدي. أنتِ خدي وقتك مع فارس."
وتركتهم لي لي، تاركة فارس ونادين وحدهما في وسط المول الصاخب. أمسك فارس بيد نادين وقبلها برقة.
نادين: "وحشتني أوي."
فارس: "أنتِ أكتر .....يلا نتمشى شوية، وبعدين ندخل السينما."
تمشيا معًا في المول، يتبادلان الأحاديث الخفيفة عن يوميهما. كانت نادين تُحدثه عن شرائها لبعض الأزياء، وفارس يستمع إليها باهتمام، مُحاولًا إبعاد كل ما حدث في الحارة عن ذهنه. كانت يده تُمسك بيدها بقوة، كأنه يُريد أن يُخبرها دون كلمات أنه معها، وأنها في أمان.
دخلا إلى السينما، وجلسا في المقاعد الخلفية. أمسك فارس بيد نادين مرة أخرى، ولف ذراعه حولها، يجذبها إليه. كانت تلك اللحظات من الهدوء والسعادة الخالصة بمثابة ملاذ لهما، بعيدًا عن كل ضجيج الحياة ومشاكلها. كان فارس يُفضل أن تُكشف الحقائق لـنادين في الوقت المناسب، بطريقته هو، حتى لا تُصدم أو تُقلقها هذه التفاصيل الثقيلة. يريد لها هذه اللحظات من الفرح والراحة، قبل أن تُواجه معًا ما تخبئه الأيام.
Angel