٢٣

٢٣

12 0

الفصل الثالث والعشرون: غيرة مكشوفة... ولقاء يكسر الحواجز

في خضم التغيرات التي تعصف بعالم فارس ونادين، بدأت بعض العيون المراقبة تُلاحظ الغياب والتغير، بينما كانت خطط أخرى تُحاك في الظلام. وفي لحظة غير متوقعة، قررت نادين كسر الحاجز، لتجد نفسها في قلب عالم فارس، حيث تتصادم المشاعر وتنكشف النوايا.

في آخر الحارة، حيث يقع منزل الحاج سيد وعفاف، كانت الأجواء مشحونة بالغيظ. جلست شهد ومنال تشتكيان لوالدتهما عفاف من تصرفات مراد وغياب فارس.

شهد (بوجه عابس): "تخيلي يا ماما! مراد بقى قليل الذوق أوي. كل ما أسأله عن فارس، يرد عليا ببرود. وكأنه مش طايقني."

منال (تُضيف بغيظ): "آه والله! وأنا كمان. بحاول ألفّت نظره، يروح يرد عليا ردود غبية زي 'اللي جابك ده مكان شغل مش فاضيين'... دول مش طايقنا خالص!"

سمعت سما، الأخت الصغرى، ما يدور، وردت ببرود وسخرية خفيفة.

سما: "أخيراً أخدتوا بالكوا؟ أنا بقولكوا من زمان إنهم مش فارقين معاهم خالص."

عفاف (تُصفع كفًا بكف، وتنظر إلى بناتها بغضب ثم بخبث): "اسكتي أنتي! أنتي عايزة تحبطيهم ليه؟... لا يا بنات، خطتنا ما فشلتش. دول لسه ما عرفوش احنا مين. على كده لازم نخطط كويس. متقلقوش! بكرة نُطب عليهم في البيت وكأننا بنزور غدير أختكوا. ونشوف إيه اللي حاصل بالظبط." (قالتها بنبرة تُخفي خلفها خطة شريرة).

ابتسمت شهد ومنال بخبث، فقد بدأت الصورة تتضح في أذهانهما.

................

في اليوم التالي، ومع حلول الظهيرة، كانت ورشة فارس في حارة المعز تعج بالحركة المعتادة. أصوات المطارق وأزيز المحركات كانت تُملأ المكان. كان مراد يُشرف على بعض العمال، بينما كان فارس في مكتبه الصغير يراجع بعض الحسابات.

فجأة، طُرِقَ باب مكتب فارس الخشبي بخفة.

فارس: "ادخل!"

انفتح الباب ببطء، وظهرت نادين على العتبة. كانت ترتدي فستاناً قصيراً أنيقاً تحت الركبة بقليل، بلون هادئ، مع صندل صيفي خفيف، وشعرها الكيرلى مرفوعاً بعشوائية جميلة. دخولها أضاء المكتب كله.

نادين (تُمسك بمقبض الباب، تبتسم بخجل): "ممكن أدخل؟"

وقف فارس فوراً من مكانه، وابتسامة واسعة شقت وجهه. لم يصدق عينيه.

فارس: "اتفضلي طبعاً... اتفضلي!"

(اندفع نحوها وأدخلها، ثم أغلق الباب خلفها بسرعة، وكأنه يريد أن يحبس هذه اللحظة بينهما بعيداً عن أعين الورشة).

"إيه المفاجأة الحلوة دي؟"

اقتربت نادين منه بخطوات سريعة، وعيناها تلمعان بالشوق.

نادين: "وحشتني... جيت أطمن عليك... بقالي كتير ما شفتكش. إيه... ما وحشتكش؟"

لم تنتظر رداً، بل ألقت بنفسها بين ذراعيه، ولفت ذراعيها النحيفتين حول رقبته بقوة.

فارس (يضمها إليه بشدة، ورأسه عند رقبتها، يتنفس عبير عطرها): "وحشتيني... وحشتيني بعقلي كله! ده أنا كنت بمنع نفسي بالعافية إني أجيلك..." (صوته كان خافتاً، يُعبر عن شوق كبتَهُ طويلاً).

نادين (تُبعد رأسها قليلاً، وتنظر في عينيه): "ومجتش ليه؟"

فارس (يربت على ظهرها بحنان): "عايز أثبت نفسي الأول... علشان أستحقك. مش عايز أكون مجرد كلام. وبعدين..." (نظرت عيناه إلى فستانها بابتسامة مشاكسة) "...مش قولت بلاش قصير؟"

نادين (تضحك بخفة، وتدور حول نفسها لِتُظهره له): "ماهو طويل أهه! لبعد الركبة بشوية.

شعر فارس بسعادة غامرة. مجرد وجودها هنا، في ورشته المتواضعة، كان يعني له العالم. تبادلا النظرات الطويلة، مليئة بالشوق والوعود. هذه اللحظة كانت كافية لتمحو كل ضغوط العمل والتخطيط.

..................

في نفس التوقيت تقريباً، كانت عفاف وبناتها شهد ومنال قد وصلن إلى بيت آل المعز، في قلب الحارة. كانت غدير تنتظرهن في شقتها بالدور الثاني. لكن عفاف، كعادتها، قررت النزول أولاً إلى شقة الحاج سالم في الدور الأرضي لـ "تُسلم" على الكبار.

دخلت عفاف الشقة الفسيحة، حيث كان الحاج سالم، والحاجة سماح، وبعض السيدات الكبيرات من العائلة يجلسن.

عفاف (بابتسامة مصطنعة وصوت عالٍ مُبالغ فيه): "السلام عليكم يا جماعة... ازيكم عاملين إيه؟... وحشتوني والله. وأخبار علا إيه؟... بقالها فترة أهه متجوزة مفيش حاجة جاية في السكة؟" (ثم التفتت إلى الحاجة سماح) "وشمس أخبارها إيه؟ مش ناوية تتجوز بقى؟ بقالها ياما مخطوبة هي وعمر وطالعين داخلين!"

رفعت الحاجة سماح حاجبها، ونظرت إلى عفاف بابتسامة هادئة لكن بها معنى.

الحاجة سماح: "وعليكم السلام يا حبيبتي... بس بالراحة شوية... نسينا قلتي إيه من كتر الكلام." (قالتها بلطف مُبطن).

ردت الحاجة اعتماد ( زوجة الحاج عماد): "كويسين الحمد لله... بخير." وكانت الحاجة رباب والحاجة رقية تُومئان رأسيهما موافقة.

الحاجة سماح: "كله كويس والحمد لله... وعلا وشمس أخبارهم زي الفل. ولما نحدد الفرح هنعزمكوا طبعاً." (قالتها لتُنهي الحديث عن هذا الموضوع).

لكن عفاف لم تستسلم، وانتقلت إلى هدفها الرئيسي.

عفاف: "أمال فارس مش باين ليه يعني؟ بقاله مدة  مش باين في الحارة، مش بنشوفه زي الأول؟"

الحاجة سماح (ابتسمت ابتسامة هادئة، وفهمت قصدها جيداً): "لا موجود يا أختي هيروح فين...مع أخوه في شغله... ومع أبوه وجده في حاجات مهمة. متقلقيش عليه."

عفاف (بجرأة أكبر، تُحاول استفزازهم): "ومش ناويين بقى تفرحوا بفارس ومراد؟... ده اللي في سنهم وأصغر منهم اتجوزوا وخلّفوا كمان!"

نظرت الحاجة سماح إلى عفاف نظرة ثاقبة، ثم تحدثت بنبرة هادئة لكن كل كلمة فيها كانت كالسهم الموجه.

الحاجة سماح: "لما ربنا يريد... ويلاقوا عرايس تليق بيهم... مهما بردو مش أي حد. لازم عرايسهم يبقوا مفيش زيهم في كل حاجة... أدب وأخلاق وتعليم وأصل وفصل." (قالتها وهي تُلقي نظرة سريعة على شهد ومنال الواقفتين خلف أمهما).

تلقّت عفاف وبناتها شهد ومنال الصدمة مباشرة. كانت كلمات الحاجة سماح واضحة كالشمس: أنتم لستم من النوع الذي نريده لأبنائنا.

عفاف (حاولت التماسك، وابتسمت ابتسامة باهتة): "طب إحنا طالعين لغدير بقى نسلم عليها ونطمن... بالإذن."

نهضت عفاف وبناتها بسرعة. وهممن بالخروج، همست الحاجة سماح بهدوء شديد، يكاد لا يُسمع:

الحاجة سماح (وهي تومئ برأسها): "على أساس إنها مش كل يوم عندكوا يعني..."

خرجت عفاف وشهد ومنال من شقة الحاج سالم، ووجوههن تتلون بالغضب والإهانة. صعدن السلم نحو شقة غدير في الدور الثاني، وعيونهن تُطلق الشرر، فقد فهموا الرسالة جيدًا.

.............

في الدور الثاني من بيت المعز، حيث تقع شقة غدير زوجة حاتم، كانت الأجواء مشحونة بالغضب. دخلت عفاف وعيناها تطلقان الشرار، تتبعها شهد ومنال بوجوهٍ عابسة.

غدير (تستقبلهن بفضول وتذمر): "إيه يا ماما، اتأخرتوا تحت كده ليه؟ كنت مستنياكوا."

عفاف (وهي تُلقي بجسدها على الأريكة، وتُحدّث غدير بصوت ممتلئ بالغيظ): "تخيلي يا غدير! أهل جوزك دول مش طايقنا. قال إيه... ميليقش بيهم غير عرايس أصل وفصل وأدب وتعليم. وكأن بناتنا ناقصهم حاجة!"

اتسعت عينا غدير بدهشة وغضب وهي تستمع لكلام والدتها.

غدير: "في إيه؟ إيه اللي حصل بالظبط؟"

عفاف (تُقص عليها ما قالته الحاجة سماح، وتُنهي كلامها بحنق): "جدة جوزك يا أختي... الحاجة سماح... مش عاجبها أخواتك. قالتها صراحة كده، إنهم مش من مستواهم. أنتي لازم تتصرفي يا غدير! أخواتك دول لازم يدخلوا البيت ده زيك بالظبط! ده حقهم."

زمت غدير شفتيها، وعيناها تُفكران بخبث. هي تعرف طبيعة أهل زوجها جيدا، وتدرك مدى صعوبة ما تطلبه أمها.

غدير: "أعمل إيه يعني يا ماما؟ أخدرهم وأجوزهم عافية؟!"

عفاف (تُفكر للحظة، ثم تبتسم ابتسامة شيطانية تُثير القشعريرة): "فكرة! وليه لأ؟"

نظرت غدير إلى والدتها بصدمة أولاً، ثم بدأت الابتسامة الشيطانية ترتسم على وجهها هي الأخرى، فقد أدركت أن والدتها لا تمزح، وأنها قد بدأت بالفعل في نسج مؤامرة جديدة.

..................

في هذه الأثناء، وبعد أن تبادلا فارس ونادين كلمات الشوق والعتاب، طلب فارس من أحد العمال إحضار مشروبين باردين لهما. جلست نادين على طرف مكتبه الخشبي، تُمسك بكوبها وتشرب بهدوء، بينما كانت عيناها تتنقلان في أرجاء المكان الذي يمثل عالم فارس.

فارس (يُحاول استعادة جو الحوار العادي): "أخبار شغلك إيه يا نادو؟"

نادين (ابتسامتها لا تفارقها): "حلو... كويس جداً. بعمل كوليكشن جديد يجنن!"

فارس (ينظر إليها بابتسامة حانية تُذيب القلب): "أنتي اللي تجنني."

شعرت نادين بالخجل اللذيذ من كلمات فارس، ثم عادت لتنظر إليه بعينيها اللامعتين بفكرة راودتها.

نادين: "إيه رأيك نخرج نسهر في مكان هادي ونتعشى... ونرقص؟"

فوجئ فارس قليلاً. الرقص لم يكن جزءًا من عالمه الاعتيادي.

فارس: "نرقص؟"

نادين (تُوضح بابتسامة ناعمة): "آه... سلو يعني. مش رقص مجنون. موسيقى هادية... نفسي أجرب أرقص في حضنك." (وقالتها وهي تتخيل نفسها بالفعل بين ذراعيه، تدور على أنغام موسيقى هادئة، بعيداً عن كل هموم العالم).

ابتسم فارس ابتسامة واسعة، وقد أُسِرَ بفكرتها وعفويتها. هذا هو ما يُحبه فيها.

فارس: "وليه لأ... تعالي."

مد فارس يده إلى نادين، أمسك بها، ثم أخرج هاتفه وشغل أغنية هادئة من اليوتيوب، ووضع الهاتف في جيبه بحيث يكون الصوت مسموعاً لهما فقط.

اقترب منها، ومد ذراعيه ليحيط خصرها، بينما وضعت نادين يديها حول رقبته.

بدأت رقصة رومانسية هادئة بينهما في قلب مكتب الورشة. كان العالم الخارجي بضجيجه وأصواته قد اختفى تماماً. لم يَعُد يهمهما شيء سوى هذه اللحظة، هما الاثنان فقط، يدوران ببطء على أنغام الموسيقى، يتنفسان قرب بعضهما البعض، يتبادلان النظرات التي تختصر آلاف الكلمات. كانت هذه اللحظة، وإن كانت في مكان غير متوقع، تُجسد مدى عمق مشاعرهما التي تتجاوز الفروقات بين عالميهما.

وفي هذه الأثناء، كان مراد مارّاً بجوار مكتب فارس، وسمع صوت موسيقى هافتة قادمة من الداخل. توقف للحظة، ومال رأسه في استغراب.

مراد (لنفسه، بابتسامة مرحة): "الله يسهلك يا عم... بس هو بيعمل إيه؟"

هز مراد رأسه بضحكة خفيفة، لم يعلم ما يدور بالداخل، لكنه أدرك أن أخاه يعيش لحظة خاصة. واستكمل طريقه، تاركاً فارس ونادين يغرقان في رقصتهما خارج العالم.

بينما كانت نيران الغيرة والانتقام تشتعل في نفوس البعض، كانت مشاعر الحب تُشعل شرارة من نوع آخر بين فارس ونادين، لتخلق لهما لحظة خاصة، بعيدة عن صخب العالمين.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بين عالمين ج١: عشق الفارس

المؤلف Angel
2025/11/09 مكتملة
قائمة الفصول (40)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة