٤

٤

17 0

الفصل الرابع: زيارات غير مرغوبة وروتين الأيام

مع ساعات الظهيرة، بدأ إيقاع الحارة وورشها يزداد صخبًا، ومع هذا الصخب، بدأت بعض الوجوه غير المرغوبة تظهر، لتضيف لمسة من التوتر إلى يوم فارس الهادئ.

في ورشة فارس، كانت أصوات دقات المطارق وأزيز الآلات تعلو، ممزوجة برائحة الزيت والشحم المعتادة. كان فارس منغمسًا في إصلاح محرك سيارة، يداه تعملان ببراعة، وعقله يركز على المهمة. فجأة، سمع صوتًا مرحًا، لكنه يحمل نلمة تحذيرية.

مراد (شقيق فارس، شابٌ خفيف الظل يشتهر بروحه الكوميدية وقدرته على إضافة لمسته الخاصة على أي حديث، يتسلل خلف فارس ويهمس له بنبرة مرحة ولكن جادة): "الحق يا عم فارس! عروسة المولد جت هي وأمها، وهتيجي تسلم وتتنحح عليك... الحق استخبى!"

رفع فارس رأسه بسرعة، وعلم أن مراد يقصد شهد ووالدتها عفاف. تنهد بضيق، فتصرفات شهد كانت تزعجه كثيرًا، ولا يحب أسلوبها المباشر في لفت الانتباه.

فارس (بنبرة سريعة): "طيب طيب، خلاص أنا عارف."

ابتعد فارس عن السيارة بسرعة، وتوجه نحو مكتبه الصغير الملحق بالورشة. أمسك ببعض الفواتير والأوراق، وتظاهر بالانشغال التام، وكأن حياته تتوقف على هذه الأوراق.

فارس (ينادي بصوت عالٍ على أحد الصنايعية): "يا أسطى عبده! تعالى شوف لي الكاوتش ده، فيه مشكلة ولا إيه؟" (كانت هذه حيلة واضحة للتهرب من شهد، ليبدو منغمسًا في عمل لا يمكن مقاطعته).

في هذه الأثناء، دخلت عفاف وشهد إلى الورشة. كانت عفاف ترتدي عباءة داكنة، بينما شهد كانت ترتدي ملابس زاهية ومكياجًا لافتًا، وكأنها في طريقها إلى مناسبة لا ورشة سيارات. نظرت شهد حولها تبحث عن فارس، فرأته في مكتبه، يحني رأسه على الأوراق، يتجاهل وجودها تمامًا.

عفاف (بصوت مرتفع بعض الشيء، موجهًا نحو المكتب): "يا فارس! ! إزيك يا حبيبي؟ ازيك يا حاج ؟ "

لم يرفع فارس رأسه على الفور، بل تمتم بإجابة مقتضبة، واستمر في تظاهره بالانشغال، تاركًا الحاج صلاح للتعامل مع الموقف.

الحاج صلاح (وهو يبتسم مجاملة): "أهلاً وسهلاً بالحاجة عفاف وشهد. نورتوا الورشة."

شعرت شهد بالإحباط من تهرب فارس الواضح، لكنها لم تيأس. كانت تعرف أن "التلزيق" كما يصفه فارس ومراد، هو طريقتها الوحيدة للوصول إليه.

في بيت "آل المعز" الكبير، كانت أجواء ما بعد الفطور تتسم بالنشاط المعتاد. علا ونورا وشمس، بنات العائلة، كنّ يلملمن مائدة الفطور الكبيرة، يساعدن أمهاتهن في ترتيب الأطباق والأواني، في جو يملؤه الضحك والمزاح الخفيف.

الحاجة رقية (لوالدة علا ونورا): "تسلم إيديكوا يا بنات. ربنا ما يحرمني منكو."

بعد الانتهاء من ترتيب السفرة، استعدت شمس ونورا للذهاب إلى جامعتهما. كانت كلتاهما في نفس الدفعة، تدرسان في كليتين مختلفتين، لكنهما تذهبان وتعودان معًا.

شمس: "يلا يا نورا، هنتأخر على المحاضرة."

نورا: "أهو جاية. سلام يا ماما، سلام يا طنط."

غادرت شمس ونورا، بينما فضلت علا البقاء في المنزل، فهي تحب الأجواء الهادئة بعد انصراف الجميع.

لم يمضِ وقت طويل، حتى نزلت غدير من شقتها في الدور الثاني. كانت ترتدي عباية سوداء فاخرة ضيقة ، وتتحرك بـ"مياعة" واضحة، صوتها رقيق ومصطنع.

غدير (تتوجه نحو الحاجة سماح والحاجات الأخريات الجالسات في غرفة المعيشة): "صباح الخير يا حبايب قلبي. إزيكوا كلكم؟"

الحاجة سماح: "صباح النور يا غدير. صح النوم يا حبيبتي."

غدير: "عايزين نسيب البنات عندكم، هروح السوق أنا وماما ومش هنتأخر.

محتاجين حاجة من السوق؟" (قالتها وهي تشير إلى ابنتيها خديجة وعائشة اللتين كانتا تلعبان بهدوء).

ابتسمت الحاجة سماح ابتسامة دافئة، وقد اعتادت على هذا الطلب المتكرر من غدير، التي غالبًا ما تترك ابنتيها لساعات طويلة.

الحاجة سماح: "يا أختي كأنهم قاعدين معاكي يا حبيبتي. البنات طول اليوم معانا، البيت منور بيهم."

لم تعبأ غدير كثيرًا بالإجابة، بل التقطت حقيبتها وغادرت البيت مسرعة لتلحق بوالدتها عفاف، تاركة ابنتيها في رعاية عائلة المعز. كانت هذه هي طريقتها في إدارة يومها، الاعتماد على الآخرين لراحة نفسها.

في شركة نادين للأزياء، كانت الأجواء مختلفة تمامًا. لم يكن هناك وقت للتردد أو للضيق من الزيارات غير المرغوبة. كانت نادين تجلس في مكتبها الكبير ذي التصميم المودرن، محاطة بلوحات الإلهام وأقمشة ذات ألوان جريئة وتصاميم مبتكرة. كان تركيزها كله على اجتماع اليوم.

لي لي كانت تجلس بجانبها، تعرض عليها عصارة أفكارها الجديدة، بينما كان معاذ وفهد يراجعان آخر أرقام المبيعات. كريم ومازن كانا منهمكين في إعداد عرض تقديمي لصفقة جديدة مع أحد الموردين العالميين.

نادين (بصوتها الواثق): "يا جماعة، الفستان اللي بنشتغل عليه ده لازم يكون أيقونة الكولكشن الجديد. أنا حاسة إننا محتاجين لمسة جريئة أكتر في الظهر. إيه رأيك يا لي لي لو عملنا..." (بدأت تشرح تفاصيل تصميمية معقدة، وعيناها تلمعان بالإبداع).

كان الجميع يعملون كخلية نحل، كل فرد منهم يضيف لمسته الخاصة، تحت قيادة نادين التي "تصنع الموضة" فعلاً. كانت الاجتماعات في شركة نادين حيوية ومليئة بالأفكار، تعكس طموحًا لا يتوقف عن التطور والتفرد.

..................................

تنساب ساعات النهار ببطء أو سرعة حسب إيقاع كل حياة، كاشفةً عن عقارب الوقت التي تدور بشكل مختلف في كل منزل، وتحمل معها تفاصيل صغيرة تشكل نسيج الحياة اليومية للشخصيات.

بعد صخب الصباح في بيت "آل المعز"، بدأت وتيرة الحياة تهداً قليلاً، لتفسح المجال لاستعدادات أخرى. في غرفة المعيشة الكبيرة، كانت الحاجة رباب، والدة علا ونورا، تستأذن من الحاجة سماح وهي ترتدي عباءتها السوداء الأنيقة. ملامح وجهها تحمل مزيجًا من الجدية والرضا، فهي تستعد لمهمة سعيدة.

الحاجة رباب: "يا حاجة سماح، أنا هروح أنا وعلا نجيب باقي جهازها. خلاص يا حبيبتي مبقاش فاضل كتير على الفرح، وعايزين نخلص كل حاجة بدري بدري."

الحاجة سماح (بابتسامة حنونة): "ربنا يتمم بخير يا رب يا رباب. الف مبروك يا حبيبتي، ."

صعدت علا إلى شقة والدها في الدور العلوي لتغيير ملابسها. كانت شقتهم، مثل باقي شقق العائلة، تعكس طابعًا تقليديًا بلمسة عصرية، لكنها كانت اليوم تعجّ بصناديق وتجهيزات الفرح المتناثرة. ارتدت علا فستانًا بسيطًا وعمليًا، وربطت شعرها للخلف، مستعدة ليوم طويل من التسوق.

عندما نزلت علا، مرت هي ووالدتها أمام ورشة الحاج طه، والد علا. كان الحاج طه يقف أمام الورشة يشرف على عمل أحد الصنايعية.

الحاجة رباب: "طه، احنا نازلين السوق نجيب باقي حاجات علا."

الحاج طه (يرفع رأسه مبتسمًا): "تروحوا وتيجوا بالسلامة يا حبايبي. متتأخروش."

في هذه اللحظة، خرج شهاب، ابن الحاج صلاح وابن عم علا، من محله. عندما رآهما، اقترب منهما على الفور، فهو دائمًا يهتم براحة عائلته.

شهاب (بابتسامة ودودة): "إيه يا جماعة، رايحين فين؟ أنا رايح مشوار بالعربية، أوصلكوا؟"

الحاجة رباب: "والله يا حبيبي يا شهاب، لو مشوارك مش بعيد نكون شاكرين."

شهاب: "أبدًا يا طنط، أنا كده كده نازل. يلا بينا."

صعدت الحاجة رباب وعلا مع شهاب في سيارته. كانت ملامح السعادة بادية على وجه علا وهي تتطلع إلى إتمام تجهيزات بيتها الجديد.

....................

بعد العصر، كانت أجواء بيت المعز أكثر هدوءًا. فجأة، دخلت مرام، ابنة الحاج عماد، إلى البيت. كانت تبدو متعبة بعض الشيء، فقد كانت حاملًا في شهرها الخامس، وابنها الصغير علي يمسك بيدها، يتلفت حوله بفضول طفولي.

مرام (بصوت يختلط فيه التعب بالمودة): "السلام عليكم يا أهل البيت."

نهضت الحاجة سماح والحاجات الأخريات لاستقبالها بحفاوة.(اعتماد ورقية)

الحاجة سماح: "وعليكم السلام يا حبيبتي. ألف أهلاً وسهلاً بيكي يا مرام. تعالي يا ضنايا، تعالي اقعدي. إزيك يا علي يا حبيبي؟" (احتضنت علي بحنان).

الحاجة رقية: "حمد لله على سلامتك يا مرام. عاملة إيه في حملك؟"

جلست مرام وهي تتنهد بتعب واضح.

مرام: "والله يا خالتي، تعبانة شوية. بس الحمد لله."

الحاجة سماح: "يا حبيبتي، ليه متقعديش معانا بقية اليوم؟ وحامد ييجي ياخدك لما يروح."

مرام (بوجه يعكس امتنانًا ممزوجًا بالضيق): "والله يا تيتا أنا قاعدة بقية اليوم معاكم. ده أنا محتاجة أقعد معاكم وأحكي لكم. حماتي دي بتجنني يا جماعة، وأخت جوزي دي بقى بتطلعلي القطط الفطسانة في كل حاجة. كل شوية 'هو الطبق ده كان بتاعك؟ هو انتي عملتي الأكل ده كده ليه؟' أنا خلاص هتجنن!" (بدأت مرام تسرد معاناتها مع حماتها وأخت زوجها، بصوت يزداد علوًا مع كل جملة، وكأنها وجدت متنفسًا لها في بيت العائلة الدافئ).

كانت الحاجات يستمعن إليها باهتمام، يحاولن تهدئتها بكلمات الدعم والخبرة، فمعظمهم مررن بتجارب مماثلة مع أسر أزواجهم.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بين عالمين ج١: عشق الفارس

المؤلف Angel
2025/11/09 مكتملة
قائمة الفصول (40)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة