١

١

21 0

الفصل الأول: فطور عالمين

كانت الشمس قد بدأت ترسل خيوطها الذهبية الأولى، تعانق أسطح المنازل وتدغدغ نوافذ البيوت، لتوقظ القاهرة على إيقاع جديد ليوم جديد. لكن الإيقاع لم يكن واحدًا في كل مكان.

في قلب حارة المعز، كانت رائحة الفول المدمس الدافئة والطعمية المقلية الطازجة تتسرب من الشبابيك المفتوحة، تمتزج بعبير الشاي بالنعناع. بيت "آل المعز" كان قد استيقظ بالفعل. من الدور الأرضي، حيث جناح الجد والجدة، كان صوت الحاجة سماح يصدح، ينادي على الأحفاد بصوتها الحنون، بينما تتجول بين صواني الفطار العامرة.

"يا يلا يا ولاد! الفطار جاهز يا حبايبي، يلا يا شمس يا بنتي، نادي على إخواتك الرجالة و اعمامك."

كانت غرفة السفرة المخصصة للرجال قد امتلأت بالفعل ببعض الأعمام وأبناء العمومة. الحاج صلاح، والد فارس، كان يجلس في صدر السفرة، يقلب خبز العيش البلدي بيمينه، بينما يتحدث مع الحاج عماد عن آخر أخبار الورشة.

الحاج صلاح: "يا عماد، الواد حسام الميكانيكي، لسه قايل لي إن المرسيدس اللي كان بيشتغل فيها محتاجة تتغير طرمبة البنزين. قول لـ فارس يخلصها النهارده؟"

الحاج عماد: "والله يا صلاح، فارس دايمًا سابقنا بخطوة. قوله يتصرف، الواد دماغه دي شغالة زي الساعة."

في هذه الأثناء، دخل فارس، مرتدياً تي شيرت قطن رمادي وبنطالًا جينز، وشعره الداكن منسدل قليلاً على جبينه، رغم أنه كان قد غادر الورشة منذ قليل ليتناول فطوره. كانت يداه، رغم غسلهما، ما زالت تحملان آثار الشحم الخفيفة، كدليل على شغفه بعمله.

فارس (بابتسامة): "صباح الفل يا رجالة. إيه، سيرة العربيات من الصبح؟ مفيش كلام في الكورة ولا إيه؟"

الحاج صلاح (يضحك): "صباح الورد يا حبيبي. الكورة بعد الفطار، الشغل أولاً. تعالى اقعد. الحاج عماد بيقول لك على عربية المرسيدس."

جلس فارس بجوار عمه، بينما انضمت شمس إلى طاولة النساء، حيث كانت الحاجة رقية والحاجة اعتماد والحاجة رباب يتجاذبن أطراف الحديث. كانت شمس فتاة في أواخر المراهقة، بعينين واسعتين تعكسان براءة وحيوية.

بعد قليل، دخل حاتم إلى طاولة الرجال، ومعه ابنتاه الصغيرتان خديجة وعائشة، اللتان كانتا تضحكان وتتصارعان بخفة. جلستا بجوار الحاجة سماح التي احتضنتهما بحب.

الحاجة رقية: "يا حاتم، الفطار جاهز، سيب الموبايل شوية وتعالى." (صوتها موجه لـ حاتم الذي كان منغمسًا في هاتفه كعادته).

كان الفطار في بيت "آل المعز" دائمًا صاخبًا ودافئًا، خليطًا من الأحاديث عن العمل، والمزاح العائلي، والضحكات البريئة للأطفال.

.......

في فيلا "كامل" الفاخرة، التي تطل على نيل القاهرة، كان الفطور يقدم على إيقاع مختلف تمامًا. رائحة القهوة الأمريكية الفاخرة تختلط بعبير الكرواسون الطازج، وصوت الموسيقى الهادئة يملأ المكان.

كانت نادين، ترتدي رداءً حريريًا خفيفًا أنيقًا، تجلس على طاولة الفطور المكسوة بمفارش فاخرة. شعرها الكيرلي المتدرج البني ينسدل على كتفيها، وعيناها اللامعتان تتأملان تصميمًا جديدًا على جهازها اللوحي. بجوارها، كانت والدتها داليا، سيدة أنيقة جدًا في أواخر الأربعيينات، تتناول قهوتها بهدوء.

داليا: "صباح الخير يا نادو يا حبيبتي. نمتِ كويس؟ شكلك كنتِ سهرانة على التصميمات دي."

نادين (ترفع رأسها بابتسامة خفيفة، وصوتها يفوح بثقة): "صباح الفل يا مامي. نمت كويس الحمد لله، بس الفكرة دي مجننة دماغي من إمبارح. حاسة إنها هتكسر الدنيا."

دخلت الدادة علية، السيدة السمراء ذات الوجه الطيب، وهي تحمل صينية فواكه طازجة.

نادين (بفرحة): "دادة علية! صباح الفل يا روحي. تعالي اقعدي افطري معانا."

الدادة علية (بابتسامة حنونة): "صباح النور يا أميرتي. ألف هنا يا حبيبتي، بس أنا فطرت الحمد لله. هنزل بقى لأهل بيتي في الحارة."

نظرت نادين إلى الدادة علية وهي تبتسم، كانت الدادة جزءًا لا يتجزأ من حياتها منذ طفولتها. غادرت الدادة الفيلا بعد أن اطمأنت على نادين، متوجهة إلى بيتها في حارة المعز.

بعد قليل، بدأ الأشقاء وأبناء الأشقاء في التوافد، ولكن ليس لتناول الفطور معًا في الغالب، فكلٌ منهم يسكن في فيلته الخاصة. لي لي، الفتاة الشابة النشيطة، دخلت فيلا جدها كامل وهي تحمل اسكتشات جديدة.

لي لي: "نادو! صباح الروقان. شوفي الرسمة دي، حاسة إنها ممكن تنفع في الكولكشن الجديد . صباح الخير يا جدو . صباح الخير يا دودى"

كامل وداليا "صباح الخير يا لى لى"

نادين: "وريني يا لي لي. إيه النشاط ده من الصبح!"

في هذه الأثناء، رن جرس الباب. كان معاذ وفهد، ابنا طارق، يدخلان إلى الفيلا. كانا يرتديان ملابس كاجوال أنيقة، وكلاهما أطول وأكبر من نادين، لكنهما يتعاملان معها باحترام وتقدير لموهبتها وذكائها في العمل.

معاذ: "صباح الخير يا جميعا . نادو  جهزتِ العقود الجديدة للموردين؟"

نادين: "كله جاهز يا معاذ، متقلقش. بس الأول، عاوزة أوريكوا فكرة جديدة هتطير العقل!" (تضحك بثقة).

جلس الجميع يتناولون قهوتهم، ويتحدثون عن العمل، وعن أحدث صيحات الموضة العالمية، وعن الخطط المستقبلية لشركتهم الناشئة. كان عالم نادين عالمًا من الطموح والتخطيط والطموح، بعيدًا كل البعد عن رائحة الفول والطعمية وورش السيارات.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بين عالمين ج١: عشق الفارس

المؤلف Angel
2025/11/09 مكتملة
قائمة الفصول (40)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة