١٦

١٦

15 0

الفصل السادس عشر: خبطة على الباب... وكلمات معلقة

في مكتب فارس الصغير، حيث كان التوتر الرومانسي يبلغ ذروته بعد لحظات القرب الشديد، كادت المسافة بين فارس ونادين أن تختفي تمامًا. كانت النظرات العميقة تتلاقى، والأنفاس تتسارع، وقلوبٌ بدأت تُفصح عن أسرارها الصامتة.

بينما كان فارس يقترب من نادين، وعلى وشك أن يقلص المسافة الأخيرة بينهما، دوت خبطة قوية ومفاجئة على باب المكتب. لم تكن خبطة عادية، بل كانت أشبه باقتحام، كأنها يد القدر تُفرق بينهما في اللحظة الحاسمة.

انتفض الاثنان. ابتعد فارس عن نادين بمسافة لا تزيد عن خطوة، لكنها كانت كافية لتعيد كلاً منهما إلى واقعه. نظرت إليه نادين بعينين متسعتين، كانت ملامحها تحمل مزيجاً من الصدمة، والإحباط، والارتياح الخفي.

كانت تلك اللحظة هي الفاصل الذي أعاد فارس إلى وعيه. التقط نفسه بصعوبة، وحاول أن يستعيد رباطة جأشه.

فارس (صوته كان أجشًا، يحاول أن يبدو طبيعيًا): "أنا... أنا هروح أكمل شغل التكييف في العربية." (قالها وهو يُشير بيده إلى الخارج، كأنه يهرب من الموقف).

نادين (تُومئ برأسها، ما زالت تحاول استيعاب ما حدث): "تمام."

استدار فارس بسرعة، واندفع نحو الباب. فتحه على عجل، ليجد مراد يقف بالخارج، يده مرفوعة وكأنه كان على وشك الخبط مرة أخرى.

مراد (بفضول لا يخفيه): "إيه يا عم الأسطى! كل ده يا دوب بتدخل بيبسي! خير؟ الدنيا تمام جوه؟"

فارس (بنبرة حادة، يحاول إخفاء توتره): "في إيه يا مراد! مش وقت أسئلة. روح شوف شغلك. أنا رايح أكمل شغل العربية بتاعت الأستاذة."

أغلق فارس الباب خلفه بإحكام، وكأنه يحبس المشاعر التي كادت أن تنفجر في الداخل.

في داخل المكتب، وضعت نادين يدها على قلبها، تشعر بنبضاته المتسارعة، وكأنها طبل يُقرع بعنف. جلست على الكرسي، تتنفس بصعوبة.

نادين (تُحدث نفسها بصوت خافت، شبه مسموع): "إيه اللي حصل ده؟... إزاي اعمل كدة... إزاي ممكن حاجة زي كده تحصل؟... أنا لازم أبعد."

كانت الكلمات تتردد في ذهنها، محاولة إقناع نفسها بأن ما كاد أن يحدث كان خطأً، وأن عليها أن تضع حداً لهذه المشاعر التي بدأت تتسلل إلى حياتها المنظمة. لكن في أعماق قلبها، كان هناك شعور آخر، شعور بالرغبة التي كادت أن تتحقق، وبأثر القرب الذي لم تتمكن من نسيانه. نظرت إلى البيبسي المثلج الذي وضعه فارس لها، لكنها لم تعد تشعر بالعطش.

في الخارج، توجه فارس نحو سيارة نادين. فتح غطاء المحرك بقوة أكبر من المعتاد، وبدأ في العمل على التكييف بتركيز شديد. كان يحاول أن يُبعد أفكاره عن نادين، عن وجهها القريب، عن اللحظة التي كادت أن تتجاوز كل الحدود.

مراد (يقترب منه): "بس إيه يا عم الأسطى؟ وشك أحمر كده ليه؟ والجو هادي جوه المكتب خالص؟"

فارس (دون أن يرفع رأسه عن المحرك، بصوت يحمل نبرة تحذير خفيفة): "مراد! لو ما سكتش، هخليك أنت اللي تخلص شغل كل العربيات اللي في الورشة!"

ضحك مراد وابتعد، فهم أن فارس لا يريد الحديث.

فارس (في نفسه، وهو يحاول أن يقنع نفسه): "لا دي خطر عليا... دي ممكن تقلب حياتي كلها... أنا لازم أبعد عنها."

كان فارس يحاول أن يُعيد لنفسه التوازن، لكن صورة نادين لم تفارق خياله. بدأ يعمل بمهارة وسرعة، وكأنه يريد أن يُنهي كل شيء بسرعة لكي تُغادر.

..............

بعد فترة ليست طويلة، انتهى فارس من إصلاح تكييف السيارة. أغلق غطاء المحرك، وتوجه نحو المكتب. فتح الباب، لكن هذه المرة تركه مفتوحًا، وكأنه يضع حاجزاً مرئياً بينهما، أو لمنع أي شبهة أو سوء فهم.

وجد نادين جالسة كما هي، لكنها الآن كانت قد ارتدت الجاكيت (البليرو) مرة أخرى، وسدلت شعرها الكيرلي ليُغطي جزءاً من وجهها، وكأنها تحاول أن تخفي نفسها أو تستعيد بعضاً من تحفظها.

فارس: "العربية خلصت... التكييف اشتغل زي الفل."

نهضت نادين ببطء، وتوجهت نحو باب المكتب.

نادين: "آه، طيب تمام... حسابها كام؟" (قالتها بنبرة تُحاول أن تُعيد العلاقة إلى إطار مهني، وكأن شيئًا لم يحدث).

فارس (بلهجة تحمل بعض العصبية الخفيفة، وكأنه انزعج من محاولتها إعادة الأمور إلى ما كانت عليه): "عيب اللي بتقوليه ده! حساب إيه بس؟... الحساب خالص."

نادين: "بس ده حقك يا فارس... أنا عطلتك..."

فارس (يقاطعها بحزم): "وأنا قولت الحساب خلص يا نادين... مش هاخد منك حاجة."

تنهدت نادين. فهمت أن النقاش لا فائدة منه.

نادين: "ميرسي يا فارس. أنا همشي بقى."

بدأت نادين في التحرك نحو باب الورشة، لكن صوت فارس أوقفها.

فارس (صوته كان حنوناً هذه المرة، يحمل نبرة من الندم والإقرار): "نادين... أنا آسف." (توقفت نادين والتفتت إليه).

"مش على اللي كنت هعمله... أنا آسف على الموقف اللي حطيتك فيه." (أخذ نفساً عميقاً، ثم أكمل بنبرة فيها ألم واعتراف صادق، وكأنه يُخاطب نفسه ونادين في آن واحد): "إنتي غالية أوي يا نادين... ومينفعش حاجة بينا تبقى سرقة... أنا... أنا اتعلقت بي..."

لم يُكمل فارس جملته الأخيرة. في تلك اللحظة، قطعت نادين كلماته. كانت تشعر بالارتباك، وبمزيج من المشاعر المتضاربة. جملة "أنا اتعلقت بي..." كانت كافية لتُحدث صدمة جديدة.

نادين (بصوت خافت، وشبه متوسل، وقد أدركت أنها يجب أن تضع حداً لهذه اللحظة): "أنا آسفة... لازم أمشي."

استدارت نادين بسرعة وغادرت الورشة، تاركة فارس يقف وحيداً، وكلماته معلقة في الهواء، ومرارة الصمت تملأ المكان.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بين عالمين ج١: عشق الفارس

المؤلف Angel
2025/11/09 مكتملة
قائمة الفصول (40)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة