الفصل الرابع عشر : تداعيات الغزو... وحرارة اللقاء
انتهى يوم "غزو" عفاف وبناتها لشقة العرسان، لكن آثاره لم تزل. في "آل المعز"، كانت التعليقات والضحكات هي سيد الموقف، بينما كان القدر ينسج خيوط لقاء جديد بين فارس ونادين، لقاء ربما يكون هذه المرة بلا حواجز.
بعد رحيل عفاف وشهد ومنال، تنفست علا الصعداء. جلست إلى جوار والدتها الحاجة رباب و زوجة عمها الحاجة رقية، والحاجة اعتماد وهن يهدهدنها ويحاولن التخفيف عنها.
علا (بتنهد): "يا لهوي يا ماما! دول فتشوا في كل حاجة! حسيت إني قاعدة في كمين، مش في بيتي!"
الحاجة رباب (بحنان): "معلش يا بنتي، عديها. دول ناس كده، لازم يتطفلوا. المهم إنك كويسة."
الحاجة رقية: "ما تزعليش يا علا. كلنا فاهمينهم. أصلهم كده، ربنا يهديهم."
كانت أجواء بيت "آل المعز" تضج بالحكايات والضحكات بعد عودة الرجال والشباب من العمل. جلس الجميع حول مائدة العشاء الكبيرة، التي كانت عامرة بأصناف الطعام الشهي. العرسان، شهاب وعلا، انضما إلى المائدة، لكن الحكايات كانت محور الحديث.
شمس (تلتفت إلى فارس ومراد بمكر): "فلتوا أنتَ ومراد النهاردة يا جماعة! كان فيه عرض عرايس يجنن!"
مراد (بضحكة عالية): "يا سلام! يعني فوتنا العرض المسرحي العظيم ده؟ شكرا يا أخت شمس على التحذير. نردهالك في الأفراح يا حبيبتي!" .
فارس (يهز رأسه بابتسامة خفيفة، وقد تذكر كيف أنقذته شمس من الموقف): "قدر ولطف! كان زماني بتصرف في قايمة النيش ."
ضحك الجميع على تعليقات فارس ومراد، وبدأت علا تحكي تفاصيل "الغزو" والتطفل على دولابها ومطبخها، بينما كانت النساء الأخريات يُضفن تعليقاتهن وتجاربهن مع عائلة سيد.
الحاجة سماح: " الناس دي مش بتبطل تطفل! دول عايزين يعرفوا كل حاجة عن البيت وعن اللي فيه."
الحاج سالم: "ربنا يهدي الجميع يا جماعة. المهم إن بيتنا مفتوح للكل، واللي يدخل بيتنا مرحب بيه، بس بالأصول."
كان العشاء مليئاً بالضحك والفضفضة، مما عزز من ترابط العائلة وشعورها بالدعم المتبادل في مواجهة هذا النوع من الضغوط الاجتماعية.
................
بعد هذا اليوم، عادت الأيام لتدور في فلك الروتين المعتاد. في حارة المعز، استمر فارس ومراد في الورشة، وروتين شهد ومنال في المرور من أمامها لم يتغير، لكن مع بعض الإحباط بعدما أدركتا أن خطتهما لم تُفلح في جذب انتباه فارس.
عند نادين في الفيلا والشركة، استمرت حياتها المليئة بالعمل والرفاهية. كانت تحضر اجتماعات، تُشرف على تصاميم جديدة، وتُقابل عملاء مهمين. لكن وسط كل هذا، لم تستطع نسيان فارس. كانت تتساءل عن حاله، وعن قدمها التي تعافت ببطء. لم تُجرؤ على التواصل معه، خشية أن يُفسر ذلك بشكل خاطئ، لكن فضولها وانجذابها كانا يتزايدان.
في أحد الأيام الصيفية شديدة الحرارة، كانت نادين في طريق عودتها إلى الشركة بعد اجتماع عمل طويل خارجها. كانت ترتدي فستاناً صيفياً قصيراً فوق الركبة، بلون فاتح مريح، وعليه جاكيت قصير خفيف (بليرو)، مما يُناسب طبيعة عملها في الموضة وأجواء الصيف.
فجأة، شعرت أن شيئاً ما ليس على ما يرام. بدأ الهواء الساخن يملأ السيارة، وأدركت أن تكييف السيارة لا يعمل. حاولت إصلاحه، عبثاً. الجو كان خانقاً داخل السيارة الفاخرة، خاصة في زحام القاهرة.
نادين (تُحدث نفسها بضيق): "اوه ماى جاد ! هو ده اللي كان ناقص! ده أنا هتسلق!"
خطر ببالها فارس على الفور. كان هو أول من فكرت فيه عندما تعلق الأمر بإصلاح السيارات. التقطت هاتفها واتصلت بـ لي لي.
نادين: "ألو يا لي لي... أنا هتأخر شوية على الشركة. التكييف بتاع العربية باظ فجأة، والجو حر موت. هشوف اى مكان أصلحه."
لي لي: "تمام يا نادو، متقلقيش. أنا هظبط الاجتماعات. تيك كير."
غيرت نادين مسارها. لم تُفكر كثيراً، لم تبحث عن أقرب ورشة، بل توجهت مباشرة نحو المكان الوحيد الذي وثقت به: ورشة فارس في حارة المعز. كانت تعلم أنها ليست قريبة، لكن شيئاً ما دفعها للذهاب إليه هو تحديداً.
...................
بعد وقت ليس بالقصير، وصلت نادين إلى حارة المعز. لم تكن الورشة بعيدة عن بداية الحارة. أوقفت سيارتها أمام الورشة، ونزلت منها.
عندما رآها فارس، توقف عن العمل. كانت تقف على بعد خطوات، فستانها القصير ينسدل برشاقة فوق ركبتيها، وجاكيتها القصير يُبرز قوامها. كان شعرها الكيرلي يتطاير حول وجهها بسبب حرارة الجو، وابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيها عندما رأته.
عينا فارس اتسعت بالدهشة. كان ظهورها هنا، في هذا الوقت وفي هذا الزي، مفاجأة لم يتوقعها. كانت تبدو وكأنها خرجت للتو من مجلة أزياء، غريبة عن أجواء الورشة المليئة بالغبار وزيوت السيارات.
ترك فارس ما بيده، ومشى بخطوات سريعة نحوها.
فارس: " نادين! خير؟ في حاجة؟" (حاول إخفاء دهشته).
نادين: "صباح الخير يا فارس. معلش، عارفة إني جيت في وقت مش مناسب. بس تكييف العربية بتاعي باظ، والجو حر جداً، ومحدش غيرك ممكن يصلحه بجد."
ابتسم فارس ابتسامة واسعة، وقد شعر بسعادة غامرة لثقتها فيه.
فارس: "أكيد. تعالي الأول ندخل المكتب. الجو حر هنا."
توجه فارس نحوها، ومد يده بلطف ليوجهها نحو مكتبه الصغير داخل الورشة، بعيداً عن أعين العمال والمارة، وبداية فصل جديد بينهما.
.......................
في قلب ورشة فارس، حيث تختلط روائح الزيوت بالمعادن، اشتعلت حرارة من نوع آخر. لم تكن حرارة الصيف فقط، بل كانت حرارة لقاء مفاجئ، وجمال آسر، وتقارب غير متوقع بين عالمين مختلفين.
دخلت نادين مكتب فارس الصغير، الذي كان بسيطاً ولكنه أنيقاً ونظيفاً مقارنة بالورشة. كانت تُحاول جاهدة أن تُبعد خصلات شعرها الكيرلي التي التصقت برقبتها من شدة الحر. جلسَت على الكرسي الوحيد المتاح، وهي تلهث.
لم يضيع فارس وقتاً. توجه فوراً إلى مكتبه الصغير، والتقط مروحة كهربائية صغيرة كانت موضوعة على حافة المكتب، ثم وصلها بالكهرباء ووجهها نحوها.
فارس (بنبرة مهذبة وعناية): "الجو حر أوي بره. اجبلك حاجة تشربيها؟"
نادين (تتنهد براحة وهي تشعر ببرودة المروحة): "ياريت يا فارس! أي حاجة ساقعة، هموت من الحر... بليز!"
ابتسم فارس لطلبها العفوي، وخرج مسرعاً من المكتب لإحضار لها ما تطلب.
في غيابه، لم تستطع نادين تحمل الحرارة أكثر. خلعت الجاكيت (البليرو) الذي كانت ترتديه، وكشفت عن فستانها الصيفي القصير ذي الحمالات الرفيعة، الذي أبرز كتفيها وذراعيها بشكل ساحر. رفعت شعرها الطويل بيدها، ثم التقطت قلمًا من فوق المكتب وربطت به شعرها لأعلى في عقدة سريعة وغير مرتبة، لكنها أضفت عليها جاذبية خاصة.
عاد فارس حاملاً زجاجة مياه معدنية باردة. عندما دخل المكتب، تجمد في مكانه. رأى نادين تجلس بفستانها الصيفي الخفيف، جمالها الساحر يملأ المكان، وشعرها المرفوع يكشف عن رقبتها الأنيقة. شعر فجأة بموجة حرارة مختلفة تجتاحه.
دون وعي، مد يده وأغلق باب المكتب خلفه. لم يكن يريد أن يراها أحد بهذا الشكل، لم يكن يريد أن تُكشف هذه الصورة الخاصة منها لعيون أخرى غير عينيه.
فارس (بصوت محتقن، يُحاول التحكم في نبرته): "إيه ده؟"
نادين (ببراءة): "الجو فظيع يا فارس! مقدرتش أستحمل أكتر من كده."
حاول فارس أن يشغل نفسه عنها، عن الفتنة التي تجلس أمامه. توجه إلى جانب مكتبه، وتظاهر بتفحص بعض الأوراق.
فارس: "العربية فيها إيه بالظبط؟"
نادين: "التكييف فجأة بقى بيجيب هوا سخن خالص... والجو لا يحتمل. أنا خفت أوي الجو يبوظ الدنيا جوه العربية."
فارس (يرفع عينيه لينظر إليها، ويجد صعوبة في إبعاد نظراته عن جمالها): "آه... ماهو باين." .
نادين: "بليز صلحهالي بسرعة. أنا مقدرتش أستنى أتصل بالصيانة. قلت أكيد أنت اللي هتعرف تظبطها."
ابتسم فارس ابتسامة رضا، شعرت بالثقة التي وضعتها فيه.
فارس: "آه... مينفعش صيانة وإنا موجود... خصوصاً في التكييف."
فجأة، خُبط الباب بعنف. انتفض فارس، وهرع ليفتح الباب. كان مراد يقف بالخارج، حاملاً كوباً من العصير البارد الذي طلبه فارس لنادين. حاول فارس أن يقف بطريقة تُخفي نادين بقدر الإمكان عن رؤية مراد، وأخذ منه الكوب بسرعة.
مراد (بفضول): "إيه يا عم الأسطى؟ بتفتح كده ليه؟ مين جوه؟"
فارس (وهو يُغلق الباب بسرعة): "مفيش حد! شغل يا مراد شغل. روح شوف اللي وراك!"
عاد فارس إلى نادين التي كانت قد وقفت أمام المروحة، تتلقى هواءها البارد مباشرة على وجهها.
فارس (يمد لها كوب العصير): "اتفضلي."
نادين (تأخذه منه بلهفة): "مرسي أوي يا فارس... جت في وقتها!"
شربت نادين العصير بسرعة من شدة عطشها، وكان فارس يقف يتفرج عليها، عائها تتبع حركة شفاهها وهي تشرب. من سرعتها، انسكب بعض العصير على طرف فستانها عند منطقة الصدر.
نادين (بضيق): "اوبس! وقع مني!"
دون تردد، اندفع فارس نحوها. التقط منديلًا ورقياً كان موضوعًا على المكتب، وبكل حنان، مد يده ليمسح قطرات العصير التي انسكبت على فستانها. كانت يده قريبة جداً من بشرتها، لمسة خفيفة، لكنها كانت كافية لإشعال شرارة من التوتر الكهربائي بينهما.
كانت نادين تشعر بدفء يده الخشنة على فستانها الرقيق، وبأنفاسه القريبة. رفعت عينيها لتلتقي بعينيه، كانتا قريبتين للغاية، تعكسان مزيجاً من القلق، والاهتمام العميق. توقفت الأنفاس، وساد صمت مشحون، كأن الوقت قد توقف عن الدوران مرة أخرى..
Angel