الفصل الثالث: يوميات عائلات "كامل" و"المعز"
بعد أن استقرت شمس الصباح في السماء، بدأت حركة الحياة اليومية تزداد صخبًا، كاشفةً عن تفاصيل دقيقة في حياة كل شخصية، وتوتر خفي يدور خلف أبواب المنازل الفاخرة، أو في أروقة الورش المزدحمة.
.........
في فيلا مدحت الفاخرة، التي تميل إلى الطابع العصري البسيط، كان الفطور يُقدم في جوٍ هادئ نسبياً، وإن لم يخلُ من لمسات السخرية الخفية. مدحت، رجل في أوائل الخمسينات، كان يتناول قهوته بهدوء، بينما يقلب صحيفة اقتصادية. أمامه، كان ابنه مازن، شاب في منتصف العشرينات، يتميز بملامح حادة وذكاء ظاهر، يتناول فطوره بسرعة.
من نافذة غرفة الطعام الزجاجية الكبيرة، كان يمكن رؤية صافي (والدة مازن) في الحديقة الواسعة، ترتدي ملابس رياضية فاخرة، وتمارس تمارين الإطالة برشاقة مصطنعة، بينما تتجاهل مائدة الفطور التي لا تتناسب مع "نظامها الغذائي" الذي لا يشمل سوى شريحة توست واحدة لاحقًا.
مدحت (بنبرة هادئة، لكنها تحمل بعض التهكم): "هي أمك دي مش ناوية تعقل بقى؟ كل يوم على نفس الحال."
رفع مازن رأسه عن طبقه، وابتسم بسخرية خفيفة، وقد اعتاد على هذا التعليق الصريف من والده.
مازن: "مش باين، يا بابا." ثم ألقى منديله على الطاولة، واستعد للنهوض: "أروح أنا بقى الشركة. سلام يا بابا."
كان مازن يتحرك بسرعة، لكن صوت والده أوقفه قبل أن يغادر الغرفة.
مدحت: "استنى يا مازن. أبقى عدّي عليا في شركتي. محتاجك في صفقة مهمة، عايزك تبص عليها معايا."
لمعت عينا مازن ببعض الضيق، فهو يفضل العمل في شركته الناشئة مع نادين . لكنه لم يظهر ذلك لوالده.
مازن: "حاضر يا بابا." خرج مازن من الغرفة، وخطواته حازمة، بينما ظل مدحت ينظر إلى الحارج إلى صافي التي كانت تتمرن، مبتسمًا بمرارة.
..................
لم يمضِ وقت طويل حتى بدأت السيارات الفاخرة تتوافد أمام مبنى شركة نادين للأزياء، الذي يتميز بواجهة زجاجية حديثة تعكس السماء الزرقاء. وصلت نادين بسيارتها الرياضية الأنيقة، تتبعها سيارات أبناء إخوتها. نزل الجميع: لي لي، فهد، معاذ، وكريم، ثم مازن الذي وصل بعدهم بقليل. كانت نادين ترتدي اليوم طقمًا عصريًا أنيقًا من تصميمها، بلون نيود يبرز جمالها، مع حذاء بكعب عالٍ يضفي عليها مزيدًا من الثقة.
توجه الجميع مباشرة إلى داخل المبنى، الذي كان ينبض بالحياة. أصوات ماكينات الخياطة الخفيفة تأتي من قسم التصنيع، وحركة المصممين تتناثر في الأروقة. صعد الجميع بالمصعد إلى الطابق المخصص لمكاتب الإدارة والتصميم.
توجه كل واحد إلى مكتبه. مكتب نادين كان يغصّ بالاسكتشات، وعينات الأقمشة، ولوحات الإلهام الملونة، أما مكاتب أبناء إخوتها فكانت أكثر تنظيمًا، تعكس الأدوار الإدارية والتسويقية لكل منهم.
وابتدأ شغل الجد. كانت نادين منغمسة في رسم تفاصيل فستان جديد، بينما لي لي كانت تبحث عن خامات معينة على الإنترنت. في مكتب معاذ، كانت أوراق العقود تملأ المكتب، أما فهد فكان يجري مكالمات هاتفية مع الموردين، بينما كريم ومازن كانا يراجعان خطة تسويقية جديدة. كانت روح الشباب والابتكار تملأ المكان، مع إيقاع عمل سريع وفعّال.
.....................
في نفس الوقت، وقبل أن يغادر حاتم إلى ورشته في بيت "آل المعز"، كانت غدير قد استيقظت بالكامل. بعد مكالمتها مع والدتها، أدركت أنه لا مفر من مواجهة حاتم. كان حاتم يستعد لارتداء ملابس العمل، وقد بدا عليه الضيق من تضييع الوقت.
غدير (بنبرة تتأرجح بين الدلال والطلب): "حاتم، استنى بس عايزة أقولك حاجة."
غدير: "ماما اتصلت، وعايزة فلوس علشان تنزل السوق، وعايزاني أنزل معاها."
تنهد حاتم بوضوح، وقد اعتاد على هذه الطلبات المتكررة التي لا تنتهي. كان يدرك تمامًا أن والدة غدير لا تتوقف عن طلب الأموال، وأن غدير نفسها لا تتردد في تلبية طلبات والدتها.
حاتم: "فلوس إيه تاني يا غدير؟ مش لسه مديكي آخر الأسبوع اللي فات؟" (قالها بنبرة تعكس ضيقه، لكنه لم يرفض صراحة).
غدير: "يعني هتسيب ماما كده؟ هي عايزة تشتري حاجات للبيت، وبعدين أنا كمان عايزة أشتري حاجات لنفسي. أنت عارف إن الفلوس بتخلص بسرعة." (قالتها وهي تقترب منه، تحاول أن تلين من موقفه).
نظر حاتم إلى ساعته، ثم إلى غدير التي كانت تنتظر إجابته. يعلم أنه لو رفض، سيبدأ يومه بمشاجرة لا يريدها. سحب محفظته ببطء، وأخرج منها بعض الأوراق النقدية.
حاتم (وهو يسلمها إليها): "خلاص يا غدير، خدي دول. بس خلي بالك، الفلوس دي مش بتيجى بالساهل." (قالها بضيق واضح، لم يخفه هذه المرة).
غدير (تلتقت المال بسرعة، وابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيها): "ربنا يخليك ليا يا حبيبي." ثم قبلته على خده بسرعة: "يلا بقى عشان متتأخرش على شغلك."
خرج حاتم من الشقة، ووجهه يعكس ضيقًا لم يتمكن من إخفائه. كان يعلم أن هذه الدائرة لن تنتهي، وأن طلبات غدير ووالدتها ستستمر، وهو الرجل الذي لا يستطيع الرفض.
في ورشة "المعز" الكبيرة، كان إيقاع العمل الصباحي قد بدأ بالفعل. صوت دقات المطارق الخفيفة، أزيز المفكات الكهربائية، ورائحة الزيوت والشحوم تملأ المكان. كان العمال والصنايعية يتوزعون على مختلف السيارات، بينما كان الأبناء والأحفاد يشرفون على سير العمل.
مراد، الابن الأصغر للحاج صلاح، كان يراجع فواتير قطع الغيار في مكتبه الصغير الملحق بالورشة. عمر، ابن الحاج عماد، كان يشرف على إحدى السيارات التي يتم فحصها على رافعة.
فارس، بقميصه المفتوح على تي شيرت داخلي، وسرواله العملي، كان منحنيًا تحت غطاء محرك سيارة مرسيدس قديمة، يده ملوثة بالزيت، وتركيزه كله منصب على المحرك. كانت أصابعه تتحرك بمهارة فائقة، وكأنه يفك لغزًا معقدًا.
بعد قليل، وصل حاتم إلى الورشة. كانت ملامحه ما زالت تحمل آثار الضيق من حديثه مع غدير. توجه إلى ورشته الخاصة، التي كانت أكبر وأكثر تنظيمًا من الورش الأخرى.
فارس (يرفع رأسه من تحت غطاء المحرك، مبتسمًا عندما رأى حاتم يمر من امامه): "صباح الفل يا حاتم! إيه، اخبارك ؟"
حاتم (يرد بابتسامة باهتة): "صباح النور يا فارس. شغل، هنعمل إيه." (كلماته كانت مقتضبة، تعكس عدم رغبته في الخوض في تفاصيل صباحه).
عادت الورشة إلى صخبها المعتاد. كل منهم في ورشته، يؤدي دوره، جزءًا من نسيج عائلة "المعز" التي تعمل بجد وتبني سمعتها على الخبرة والأمانة، بعيدًا عن بريق عالم الأزياء وتعقيدات العلاقات العائلية الأخرى.
Angel