٨

٨

15 0

الفصل الثامن : لحظة من الزمن المتوقف

في قلب ورشة المعز الصاخبة، حيث تختلط روائح الزيت والشحم بأصوات العمل، حدث ما لم يكن في الحسبان. داخل مكتب فارس الصغير، توقف الزمن للحظة، وحملت النظرات واللمسات مشاعر جديدة، بينما بالخارج، كانت حارة المعز تشهد صخبا من نوع آخر.

كانت نادين تجلس على الكرسي داخل مكتب فارس، ما زالت آثار الصدمة بادية على وجهها. حاولت أن تستجمع قواها وتتظاهر بالتماسك، رغم أن قلبها كان ما زال ينبض بقوة.

نادين (بصوت خافت): "أنا... أنا لازم أمشي دلوقتي. لازم أرجع الفيلا."

حاولت أن تنهض، لكن جسدها كان أضعف مما توقعت. شعرت بدوار مفاجئ، واهتز رأسها للحظة. وقبل أن تسقط، كانت يد فارس القوية قد أمسكت بذراعها بحنان وثبات.

فارس (بنبرة هادئة وقلقة): "براحة... استني."

احتضنت يد فارس ذراع نادين، وجذبها بلطف لتستقر في حضنه للحظة عابرة. كانت هذه اللحظة كافية ليتوقف الزمن. شعرت نادين بدفء غير متوقع، وبقوة غريبة تحتضنها. شمّت رائحة مميزة مزيجًا من الشحم والتراب وعطر رجولي بسيط لم تعتده. لمسة فارس لم تكن تحمل أي جرأة، بل كانت نقية، تعكس القلق والحماية.

أما فارس، فقد شعر بكيانها الهش في حضنه. شعر بالصدمة التي مرت بها، وكم هي بعيدة عن هذا العالم القاسي. شعر بنعومة لا تضاهيها أي مادة عرفها في ورشته، وبقرب غير متوقع من عالم لطالما بدا بعيدًا عنه. نظرت عيناهما لبعضهما البعض للحظة طويلة، تبادلتا فيها مشاعر جديدة غريبة لا توصف، مزيجًا من الدهشة، والتعاطف، والانجذاب الخفي. كأن كل منهما يرى في الآخر انعكاسًا لعالم مجهول لطالما أثار فضوله.

............ ...............  》》》

في الخارج، كانت الدادة علية في حالة من الضيق الشديد، تلوم نفسها على ما حدث. كانت تتمتم وتندب حظها، بينما مراد وحاتم ما زالا في حالة صدمة من جمال نادين، لا يصدقان ما رأته أعينهما.

الدادة علية (وهي تفرك يديها بقلق): "يعني البت تيجي توصلني... يحصل فيها كده! هاقول إيه لعيلتها؟ دول لو عرفوا، يطربقوا الحارة على اللي فيها!"

مراد (ما زال يهز رأسه بذهول): "ده إيه الجمال ده يا حاجة؟ سبحان الله!"

حاتم (يهمس لمراد): "بقولك إيه، أنا دماغي لفت. غدير فاكرة نفسها قمر ومفيش زيها، بس دي... دي حاجة تانية خالص!"

في هذه الأثناء، دخل الحاج صلاح، والد فارس، إلى الورشة. كان قد سمع الضجة ورأى بعض الناس يتجمعون، فأدرك أن شيئًا ما حدث.

الحاج صلاح: "إيه يا جماعة؟ سمعت إن فيه خناقة... إيه اللي حصل؟"

مراد (يرد بتهور): "ده حصل و... وحصل يا حاج!" (يحاول أن يشرح بحماس ما رآه).

خبط حاتم مراد على كتفه بقوة ليوقظه من ذهوله، ويشير له بنظرة حادة ليلتزم الصمت.

حاتم (يعدّل كلام مراد بسرعة، محاولًا تهدئة الموقف): "مفيش يا حاج خناقة ... شوية عيال بلطجية كانوا بيعاكسوا واحدة معرفة الست علية."

تدخلت الدادة علية (بصوت ما زال يرتجف قليلاً، لكنها تستعيد تماسكها): "بالظبط يا حاج صلاح. دي نادين هانم، بنت الباشا كامل اللي بشتغل عنده. كانت بتوصلني عشان السواق مكانش موجود في الفيلا. والولاد دول، مفيش فيهم دين ولا أخلاق، حاولوا يضايقوها."

نظر الحاج صلاح إلى الدادة علية باهتمام، ثم أومأ برأسه بتفهم، وقد استوعب الموقف.

الحاج صلاح (بنبرة حاسمة): "خلاص يا حاجة، متقلقيش خالص. العيال دول اتعلموا الأدب دلوقتي. ومحدش هيجرؤ يضايق واحدة تانية في الحارة دي. وفين ضيفتك يا ست علية؟"

لمعت عينا مراد فجأة، وكأنه استوعب للتو أن نادين ما زالت في الورشة.

مراد (بصوت عالٍ ومرح، يبتسم بذكاء): "آه! مع فارس في المكتب جوه. طلبلها عصير يهديها... البسكوتة مستحملتش!"

ضحك الحاج صلاح ببطء، فهم إشارة مراد، لكنه لم يعلق أكثر، بل توجه نحو مكتب فارس.

كان فارس ونادين ما زالا واقفين داخل المكتب، اللحظة العابرة بينهما كأنها امتدت لدهر. بعد أن استعادت نادين توازنها، ابتعدت ببطء عن فارس، لكن عيونهما لم تنفصل عن بعضهما البعض. كان العصير الذي أحضره فارس موضوعًا على المكتب، لكنها لم تشربه.

كانت نادين تتأمل فارس بنظرة مختلفة تمامًا الآن. لم يعد مجرد "صنايعي" أو "ابن حارة". كان رجلاً شهمًا وقويًا، تصرف بطريقة لم تتعرض لها من قبل. كان يحمل ملامح القوة التي لم تجدها في الرجال من عالمها، وقوة الحماية التي لم تكن تعرف أنها بحاجة إليها.

فارس (يهمس بصوت هادئ، يكسر الصمت): "أنتِ كويسة بجد دلوقتي؟"

نادين (تومئ برأسها بصمت، ما زالت الكلمات تهرب منها).

في هذه اللحظة، دق باب المكتب، ثم انفتح بهدوء. كان الحاج صلاح يقف على الباب، يبتسم ابتسامة هادئة.

...................》》》《《《 ......................

انكسرت لحظة الصمت المشحونة بالتوتر داخل مكتب فارس، مع دخول الحاج صلاح، الرجل الذي يمثل الحكمة والوقار في حارة المعز. بدأت الأحداث تتوالى، لترسم معالم طريق جديد يجمع بين عالمين مختلفين، ويُلقي بظلاله على مستقبل فارس ونادين.

كانت نادين قد عادت لتجلس على الكرسي داخل مكتب فارس، بعد أن سندها بلطف. عندما انفتح الباب، دخل الحاج صلاح بملامحه الهادئة التي تشع بالطمأنينة. كانت نظراته مليئة بالقلق الأبوي الذي اعتاد تقديمه لكل من في حارته.

الحاج صلاح (بصوت حنون ومطمئن): "يا بنتي! ألف حمد لله على سلامتك. إيه اللي حصل ده بس؟" (توجه بنظره إلى نادين، ثم التفت إلى فارس بنظرة عتاب خفيفة).

"لازم تاخدي واجبك يا بنتي، انتي ضيفتنا كلنا هنا في الحارة، وسامحينا على القلق اللي حصل ده. دول عيال مش من حارتنا، لكنهم اتعلموا الأدب دلوقتي ومش هيتجرأوا على واحدة تانية."

نادين (ما زالت آثار الصدمة بادية عليها، لكنها تحاول أن تبتسم): "ولا يهمك يا أنكل. وشكرًا للأستاذ فارس... خلاص حصل خير، أنا بقيت كويسة."

تقدم فارس ليناولها علبة العصير الذي أحضره. كانت يده ثابتة، لكن عيناه كانتا تراقبان نادين عن كثب.

فارس: "اتفضلي، اشربي علشان تهدي أعصابك."

مدت نادين يدها لتأخذ العلبة. لامست يدها يد فارس للحظة، شعرت نادين بدفء وخشونة يده، أحست بانجذاب غريب لم تعهده من قبل. أما فارس، فقد شعر بنعومة يدها وبرودتها من الصدمة، تمنى لو امتدت هذه اللحظة أكثر. كان كل منهما يختبر مشاعر جديدة وغريبة لا توصف، شعور بـ "الفراشات" التي ترفرف في الصدر، وشيء لم يتعوداه.

حاول الحاج صلاح أن يخفف من التوتر الذي أحس به في الأجواء.

الحاج صلاح: "معرفناش اسمك إيه يا بنتي؟"

نادين (بابتسامة خجولة): "اسمي نادين. وحضرتك يا أنكل؟"

لمحت نادين ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتي فارس عندما سمعها تقول "أنكل". كانت نظراته تحمل شيئًا من المرح الخفي، وكأنها أضافت لمسة كوميدية للموقف.

الحاج صلاح: "أنا الحاج صلاح، أبو فارس ومراد. بتشتغلي بقى يا نادين ولا لسه بتدرسي؟"

نادين: "لأ يا أنكل، أنا عندي شركة أزياء خاصة بي، وأنا اللي بصمم فيها كل حاجة."

نظر الحاج صلاح إليها بانبهار، بينما كان فارس يقف صامتًا، وعقله يدور في دوامة من الأفكار.

فارس (في نفسه): "شركة أزياء؟ وهي اللي بتصمم؟ يعني هي اللي بتعمل هو اللي هي لابساه ده؟" كان يرى فستانها الأنيق، ويتخيل الفرق الشاسع بين عمله كمهندس سيارات وعملها في عالم الموضة.

الحاج صلاح: "ما شاء الله! ربنا يوفقك يا بنتي. على كده بتعرفي تعملي لبس وحاجات زي دي؟"

نادين: "طبعًا يا أنكل."

الحاج صلاح (بابتسامة واسعة، وقد وجد ضالته): "يبقى لازم تحضري فرح شهاب ابني، العروسة بنت أخويا علا. الفرح يوم الجمعة الجاية في القاعة اللي في(.....) لازم تيجي يا نادين، فرحتنا مش هتكمل من غيرك. قول لها يا فارس القاعة فين."

صدمت نادين من الدعوة المفاجئة. لم تتوقع أن تجد نفسها مدعوة إلى حفل زفاف في حارة المعز بهذه السرعة. نظرت إلى فارس، الذي كانت ملامحه تحمل تعبيرًا لا يمكن تفسيره.

نادين: "إن شاء الله يا أنكل أحضر." (قالتها بنبرة ودودة، تشعر بالحرج من الرفض بعد كل ما حدث).

............ ...............  》》》

في هذه الأثناء، كانت الدادة علية ما زالت تقف خارج المكتب، لا تستطيع أن تهدأ. القلق ينهش قلبها على نادين.

الدادة علية (تتكلم مع نفسها بصوت مسموع): "لا أنا مش قادرة. لازم أطمن عليها بنفسي."

اندفعت الدادة علية إلى داخل المكتب، يتبعها مراد وحاتم، اللذان ما زالا مذهولين من جمال نادين، ولا يستوعبان أنها بداخل مكتب فارس.

عندما دخلوا، وجدوا نادين تجلس بهدوء مع الحاج صلاح، وقد بدت عليها علامات التحسن.

الدادة علية: "بقيتي كويسة يا نادو يا بنتي؟" (صوتها كان يحمل قلق الأم).

نادين: "آه يا دادة الحمد لله... تمام... متزعليش من اللي حصل، أنا كويسة دلوقتي."

الدادة علية: "الحمد لله يا بنتي، قلقت عليكي أوي."

الحاج صلاح: "لا دي بقت زي الفل يا حاجة. وكمان هتحضر فرح شهاب يوم الجمعة الجاية. وأنتِ يا ست علية، طبعاً لازم تيجي."

الدادة علية: "أكيد يا حاج. ألف مبروك مقدماً. ربنا يتمم بخير."

بينما كانت الأحاديث تدور، كان مراد يوشوش حاتم بابتسامة خبيثة.

مراد: "يا بختك يا عم فارس... البسكوتة هتيجي الفرح!"

نظر حاتم إلى مراد بذهول، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة، وكأنه بدأ يتخيل أجواء الفرح بوجود نادين، ويقارنها مرة أخرى بزوجته غدير.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بين عالمين ج١: عشق الفارس

المؤلف Angel
2025/11/09 مكتملة
قائمة الفصول (40)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة