الفصل العاشر: الاستعدادات الكبرى ..فرحة حارة المعز... ولقاء العوالم
تتوالى الأيام كخيوط منسوجة بعناية، كل خيط يحمل معه تحضيرات لمناسبتين كبيرتين، تتصادم فيهما العوالم وتتلاقى فيها الأقدار. في فيلا كامل، بدأت نادين رحلة البحث عن فستان يليق بها في عالم لم تعهده، بينما في حارة المعز، تشتعل نيران الغيرة في قلب شهد، وتتكثف مخططات عفاف لضمان "ظهور" بناتها في الفرح.
بعد أن استراحت قليلًا، قامت نادين من سريرها، وعقلها لم يتوقف عن التفكير في الفرح القادم. دعوة الحاج صلاح لم تغادر ذهنها. كانت تعرف أن هذا ليس أي فرح، بل هو بوابة لعالم جديد عليها، وعليها أن تظهر بشكل يليق بها، لكن دون أن تبدو غريبة تمامًا عن الأجواء.
توجهت إلى خزانة ملابسها الضخمة، التي كانت تضم تصاميمها الخاصة، بالإضافة إلى أشهر الماركات العالمية. ألقت نظرة شاملة على الفساتين.
نادين (تُكلم نفسها بصوت خافت): "أكيد مش هينفع ألبس فستان سهرة زي بتاع عيد الميلاد. ولا ينفع ألبس حاجة كاجوال أوي. لازم حاجة تكون شيك، بس بسيطة، ومريحة في نفس الوقت."
بدأت في إخراج فستان تلو الآخر، تُمسك بالاقمشة الناعمة، وتُدقق في التفاصيل. كانت تبحث عن التوازن بين الأناقة الراقية والبساطة المطلوبة في حفل شعبي. قضت ساعات طويلة في التجربة، تُفكر في كل تفصيلة: اللون، القصة، الأقمشة. لم يكن الأمر سهلاً عليها، فهي معتادة على تصميم أزياء للمناسبات الكبيرة في عالمها، وليس لمثل هذه المناسبة.
في النهاية، استقرت على فستان من الحرير المطبوع بالورود الصغيرة، بألوان هادئة تجمع بين البيج والوردي الفاتح، بقصة بسيطة واسعة قليلاً عند الأطراف، مع أكمام فضفاضة تمنحها الراحة والأناقة معاً. كان الفستان يبرز جمالها الطبيعي دون مبالغة. أضافت إليه حزامًا رفيعًا بنفس لون الفستان لإبراز خصرها.
نادين (تنظر إلى نفسها في المرآة الكبيرة بابتسامة رضا): "ده شكله هيكون مناسب. لا هو أوفر، ولا هو بسيط زيادة عن اللزوم."
بعد أن اختارت الفستان، بدأت تُفكر في الإكسسوارات، تختار حقيبة صغيرة وحذاء بكعب متوسط ومريح، وتسريحة شعر طبيعية تترك فيها شعرها الكيرلي منسدلاً. كانت تريد أن تكون على طبيعتها، لكن بأناقة تُظهر ذوقها الرفيع.
...................》》》《《《 ......................
في الطرف الآخر من المدينة، في بيت سيد وعفاف، كانت الأجواء مختلفة تمامًا. لم تتوقف شهد عن الحديث عن الفتاة التي رأتها مع فارس، والغيرة تنهش قلبها.
شهد (بعصبية): "أنا مش فاهمة هي مين دي وإيه اللي جابها الحارة أصلاً! وفارس كان بيعاملها كده ليه؟ !"
عفاف (بابتسامة خبيثة، وهي تُربت على كتف شهد): "اهدي بس يا قلب ماما. الأميرة دي متفرقش عنكِ حاجة. وبعدين إيه يعني لو كانت زبونة ولا لا .الأهم هو اللي هيحصل في الفرح."
قامت عفاف من مكانها وتوجهت إلى خزانة الملابس الخاصة بـشهد ومنال. كانت تُخرج الفساتين وتُقلّب فيها بعناية فائقة.
عفاف: "أنا عايزاكِ أنتِ ومنال تلبسوا أحسن حاجة عندكم في الفرح. الفستان اللي فيه تطريز ده يا شهد، لازم يتلبس، واللي لونه أحمر يا منال. عايزة كل اللي يشوفكم يقول: بنات الحاج سيد جمالهم غير أي حد."
شهد: "بس يا ماما الفستان ده بتاع مناسبات كبيرة أوي، مش فرح حارة."
عفاف (بنبرة حاسمة): "أنا قلت كلمة! إحنا لازم نظهر، ولازم فارس يشوفك، وكل أهل الحارة يتكلموا عن جمالكوا. متسمعيش كلام سما، دي بنت عبيطة."
دخلت سما الغرفة في هذه اللحظة، وهي تحمل كتاباً.
سما: "أيه اللي بيحصل هنا؟ صوتكوا عالي ليه؟ وايه الى عاملينه فى الاوضة ده؟"
عفاف: "مفيش يا سما، بنختار فساتين الفرح. ياريتك كنتي بتفهمي زي اخواتك، كنتي هتظهري معانا." (قالتها بلهجة لوم).
سما (تتنهد بضيق): "مش فارق معايا أظهر ولا لأ، أنا رايحه أذاكر." (تغادر الغرفة).
شهد (تنظر إلى والدتها بتفاؤل): "يعني يا ماما لو لبست الفستان ده، فارس هيشوفني؟"
عفاف: "هيشوفك وهيتجنن. بس أهم حاجة الثقة في النفس. ولما تشوفيه، أوعي تروحي تجري عليه زي المرة اللي فاتت. خليكي تقيلة. سلمي عليه عادي، وبعدين ارجعي وقفي مكانك. سيبيه هو اللي يجيلك."
شهد (بابتسامة خبيثة): "فاهمة كل كلمة يا ماما. أنا هخليه يندم إنه زعقلي."
كانت عفاف تخطط لـ"مكيدة" صغيرة، تُركز على المظهر والدلال المُتصنّع، بينما شهد تستعد لتنفيذها بغرور وثقة عمياء.
............ ............... 》》》
في ورشة فارس، كان العمل يسير على قدم وساق كالمعتاد، لكن فارس نفسه كان شارد الذهن بين الحين والآخر. لم يعد يفكر في السيارات بنفس التركيز. صورة نادين، ودلالها، وصدمتها، ونبرة صوتها، كل ذلك كان يدور في ذهنه.
مراد (يُلاحظ شرود فارس): "إيه يا عم الأسطى؟ فين دماغك؟ من ساعة ما الأميرة مشيت وانت سرحان. تكونش اتعلقت بيها ولا إيه؟"
فارس (يتظاهر بالانشغال): "بطّل هري يا مراد، وركز في شغلك. مين قال إني سرحان أصلاً؟"
مراد: "مين قال؟ عينيك اللي بتقول! وكمان ابوك داعاها للفرح... تفتكر هتيجي بجد؟"
لم يرد فارس، بل رفع عينيه إلى الأفق، يتخيل وجود نادين في حفل الزفاف، ويتساءل كيف ستبدو في هذه الأجواء. كان يعلم أنها ستقلب الحفل رأسًا على عقب بمجرد حضورها.
كان كل منهم يستعد بطريقته، نادين بتحضير الأناقة الهادئة، وشهد بالبذخ المُتصنّع، وفارس بترقب ما ستجلبه الأيام القادمة. الفرح سيجمعهم جميعًا، وربما يكشف المزيد من المفاجآت.
...................》》》《《《 ......................
في يوم الجمعة المنتظر، كانت حارة المعز تضج بالحياة والفرح. الأضواء الملونة زينت شوارعها، وأنغام الموسيقى الشعبية المنبعثة من قاعة الأفراح المجاورة كانت تملأ الأجواء. الكل كان يستعد لفرح شهاب وعلا، ابنة وحفيدتي "آل المعز"، وكأنها مناسبة تخص كل فرد في الحارة.
قاعة "ليلة العمر"، وإن لم تكن بفخامة قاعات الفنادق الكبرى في عالم نادين، إلا أنها كانت واسعة، ومجهزة بما يكفي لاستقبال أهل الحارة جميعاً. الأنوار الساطعة تُلقي بوهجها على الديكورات البسيطة، والورود الصناعية تزين الطاولات. رائحة البخور والطعام الشهي تملأ المكان، واختلطت الزغاريد بأغاني الشعبية الصاخبة.
في مقدمة القاعة، كانت علا تجلس بفستان زفاف أبيض بسيط لكنه أنيق، تضيء وجهها ابتسامة خجولة، وإلى جوارها شهاب، تبدو عليه علامات السعادة والرضا.
الحاج سالم والحاجة سماح، الحاج صلاح والحاجة رقية، الحاج عماد والحاجة اعتماد، والحاج طه والحاجة رباب، كلٌ يجلس بفخر وسعادة، يستقبلون المهنئين من الأهل والأصدقاء والجيران الذين توافدوا لتقديم التهاني.
فارس، مرتدياً بدلة كحلية أنيقة تُبرز بنيته القوية ووسامته، كان يتنقل بين الصفوف، يستقبل الضيوف ويصافحهم بابتسامة دافئة. عيناه كانت تلمعان بترقب، بين الحين والآخر يرمي نظرة نحو باب القاعة، وكأنه ينتظر شيئاً ما.
مراد، إلى جانب فارس، كان يُضفي لمسة من الفكاهة بتعليقاته المعتادة.
مراد: "يا عم الأسطى، إيه الشياكة دي؟ ده أنت كده هتخطف الأنظار من العريس نفسه! بس يا ترى مين اللي هيخطف نظرك أنت؟" (يغمز لفارس بذكاء).
فارس (يتظاهر باللامبالاة): "بطّل رغي يا مراد، وركز في الفرح. الناس جاية تفرح."
مراد: "أنا مركز يا عم، ده أنا عيني في كل حتة! دي ليلة العمر بجد!"
وصلت عفاف بصحبة بناتها غدير، شهد، ومنال. كانت عفاف ترتدي فستاناً لامعاً، وتُعطي تعليماتها الأخيرة لبناتها.
عفاف (تهمس لـ شهد ومنال): "فاكرين اللي قلتلكوا عليه؟ الثقة في النفس... والضحكة اللي تجنن. والفستان ده لازم يجنن الكل."
شهد كانت ترتدي فستاناً ذا تطريز كثيف، لونه زاهٍ وملفت للنظر، بينما منال ارتدت فستاناً أحمر جريئاً. دخلت الفتاتان وهما تتبختران، وكأن كل خطوة محسوبة لتلفت الانتباه. كانت عيناهما تبحثان عن فارس ومراد وسط الحشود.
لمحت شهد فارس يقف بالقرب من طاولة كبيرة، محاطاً ببعض الأصدقاء. اتجهت نحوه بابتسامة مصطنعة، بينما كانت تتدرب على نصيحة والدتها:
"سلمي عليه عادي، وبعدين ارجعي وقفي مكانك. سيبيه هو اللي يجيلك."
شهد: "ألف مبروك يا فارس. عقبالك." (قالتها بنبرة رقيقة، تحاول أن تبدو غير مهتمة للغاية).
فارس (يرد بابتسامة لم تصل لعينيه): "الله يبارك فيكي يا شهد. عقبالنا جميعاً."
حاولت شهد أن تبتعد قليلاً، لكنها ظلت تراقب رد فعل فارس. لاحظت أن نظراته ما زالت تتجه نحو باب القاعة بين الحين والآخر، وكأنه لا يراها حقاً.
وفي لحظة ما، بدأت همهمات تتعالى عند مدخل القاعة. توقفت الموسيقى لثوانٍ معدودة وكأن القدر أراد إعلان وصولها.
دخلت نادين، وكأنها شقت طريقها من غيمة من الأناقة الهادئة. كان فستانها الحريري المطبوع بالورود الصغيرة ينسدل عليها برشاقة، ألوانه الهادئة (البيج والوردي الفاتح) تُضفي عليها لمسة من الرقة لا تضاهى. شعرها الكيرلي الطويل بدرجات البني الداكن كان منسدلاً على كتفيها بجمال طبيعي، ومكياجها الخفيف أبرز عينيها الواسعتين.
لم تكن ترتدي فستان سهرة براقاً، ولم يكن تصميمها مبالغاً فيه، لكنها كانت تُشِعُّ أناقةً ورقياً جعلاها محط أنظار الجميع. كان هناك فرق واضح بين أناقتها الهادئة والاوفر المتعمدة لبعض الحاضرات، بمن فيهن شهد ومنال.
توقفت الأنظار، سكنت الألسنة، وكأن الجميع فوجئوا بهذا الجمال الهادئ الذي أضاء القاعة. نظر إليها فارس، وتجمدت ابتسامته على شفتيه. كانت أجمل مما تخيل، وبدت وكأنها تنتمي إلى عالم آخر، عالم يليق بها وحدها.
لمحها الحاج صلاح وابتسم ابتسامة عريضة، فقد أفا بعهدها. وقف ليُرحب بها.
الحاج صلاح: "أهلاً وسهلاً يا نادين يا بنتى ! نورتي الفرح كله! أنا كنت متأكد إنك هتيجي."
نادين (تتوجه نحو الحاج صلاح بابتسامة خجولة، تخفي داخلها بعض التوتر من كل هذه العيون التي تُحدق بها): "أهلاً بيك يا أنكل صلاح. ألف مبروك لشهاب وعلا."
وفي هذه اللحظة، رأت شهد نادين. عيناها اتسعتتا بصدمة وغيرة لا حدود لها. رأت الفستان الهادئ، الذي بدا عليها وكأنه تصميم عالمي، ورأت نظرات الإعجاب في عيون الجميع.
شهد (تهمس لنفسها بغضب): "مستحيل! هى دي ؟ إيه اللي جابها هنا؟"
لم تكن عفاف أقل صدمة، فقد كانت تتوقع أن بناتها هن من سيخطفن الأضواء. لكن نادين، بكل بساطة، كانت قد فعلتها بوجودها الهادئ.
نظرت نادين إلى فارس للحظة، تبادلا نظرة سريعة تحمل مزيجًا من المفاجأة والاعتراف المتبادل، قبل أن تعاود نادين تركيزها على الحاج صلاح.
لقد بدأت الليلة، وبدأ معها تصادم العوالم بشكل أكثر وضوحًا.
Angel