٩

٩

17 0

الفصل التاسع: وداع بعيون معلقة

استمرت الأجواء المشحونة بالترقب داخل مكتب فارس، فبعد لحظات من التوتر والدهشة، بدأت الأمور تهدأ تدريجياً، لكن ليس قبل أن تزرع نادين المزيد من الفضول والارتباك في قلوب فارس ومن حوله.

ما زال الجميع داخل مكتب فارس الصغير. الحاج صلاح يقف بوقار، بينما الدادة علية تترقب، ومراد وحاتم يقفان في ذهول لا يصدقان ما تراه أعينهما. نادين كانت قد استعادت بعضاً من هدوئها بعد شرب العصير الذي قدمه لها فارس، لكنها ما زالت ترغب في مغادرة المكان بأسرع وقت.

نادين (تتوجه إلى الدادة علية بنبرة حانية ومحاولة لإخفاء الموقف عن أهلها): "ممكن يا دادة لو سمحتي... بليز، متحكيش اللي حصل ده لمامي ودادي لما أرجع الفيلا."

في هذه اللحظة، رُفعت حاجب فارس في دهشة داخلية. "مامي ودادي!" تكررت الكلمتان في ذهنه. أدرك كم هي بعيدة عن عالمه، عن مفهومه للعائلة. هذا الدلال في طريقة حديثها كان غريبًا عليه، لكنه في نفس الوقت أثار فضولاً فيه.

بالخارج، همس مراد لـ حاتم بابتسامة خبيثة:

"مامى ودادي! تيجى عروسة المولد (يقصد شهد) تشوف البنات. ورقة البنات مش هينفع مع الدلع ده!"

الدادة علية (تنظر إلى نادين باستغراب): "ليه يا نادو يا بنتي؟ لازم يعرفوا اللي حصل، دول هيقلقوا عليكى ."

همس مراد مرة أخرى، وعيناه لا تفارقان نادين:

"نادووو! كمان بتدلعها! آه و ماله،لو هي مدلعتش مين هيدلع عروسة المولد؟"

نادين (تضم شفتيها قليلاً، وتُعوج رقبتها بطريقة فاتنة، تحاول أن تكون "كيوت" لتنفيذ طلبها):

"مش عايزاهم يقلقوا عليا، وهما كده كده بيقلقوا من أقل حاجة. ممكن... بليز يا دادة؟"

ابتلعت فارس ريقه بصعوبة. "يا لهوي على الدلع! امسك نفسك يا فارس!" قالها في سره، يشعر بانجذاب قوي لهذا السحر الذي لم يعهده.

مراد (يهمس لـ حاتم، وهو يهز رأسه): "لا مش قادر، أنا هقع! إيه الدلع ده!"

حاتم (ينظر إلى نادين بتمعن ثم يتنهد بحسرة): "تيجي غدير تشوف الدلع ده. دي على كده بتتلوى!"

لاحظ الحاج صلاح أن ولديه وابن أخيه يقفان وكأنهم متسمرون في مكانهم، وعيونهم معلقة بنادين، فتأفف بضيق.

الحاج صلاح (بصوت حاسم، يحاول إعادتهم إلى الواقع): "إيه يا جماعة! فيه إيه أنت وهو؟ مفيش شغل ولا إيه؟"

تراجعت الدادة علية عن معارضتها أمام إصرار نادين ورأت أنها لن تستفيد من إخبار أهلها.

الدادة علية: "حاضر يا بنتي، اللي تشوفيه."

بادرت نادين بمد يديها واحتضنت الدادة علية بقوة.

نادين: "مرسي يا أحلى لولو!"

همس مراد في هذه اللحظة:

"مفيش حضن ليا أنا كمان؟"

تنهد فارس بعمق، عاد بذاكرته للحظة التي كانت فيها نادين بين ذراعيه، وكيف شعر بقربها. كان يتمنى لو أن هذه اللحظات لا تنتهي.

الحاج صلاح (يعلي صوته مرة أخرى): "الشغل يا شباب! الشغل!"

ارتعد مراد وحاتم، وكأنهما استيقظا من حلم، وتراجعا بسرعة نحو باب الورشة.

مراد: "آه! الشغل حاضر يا حاج! احنا نازلين الورشة اهو!"

نادين (تتوجه إلى الحاج صلاح بابتسامة): "طيب أستأذن أنا بقى يا أنكل. لازم أمشي."

الحاج صلاح: "مع السلامة يا بنتي، طريقك سالمة. متنسيش الفرح... ها؟"

(يؤكد على دعوتها). "وصلها يا فارس لحد العربية."

نادين: "مش هنسى يا أنكل. باي."

خرج فارس بصحبة نادين من المكتب، متجهين نحو سيارتها. سار الاثنان بخطوات هادئة، يتبادلان نظرات خاطفة. كان الجو العام في الحارة قد بدأ يعود إلى طبيعته الصاخبة، لكن بالنسبة لهما، كان هناك هدوء يلفهما.

عندما وصلا إلى السيارة، توقفا لثوانٍ.

نادين: "ميرسي أوي يا فارس، بجد مش عارفة أشكرك إزاي. أنت أنقذتني النهاردة."

فارس (و عيناه تنظران إليها مباشرة): "مفيش شكر على واجب يا آنسة نادين. ده أقل حاجة أعملها. أي حد في مكاني كان هيعمل كده."

فتح فارس باب السيارة لنادين. عندما ركبت، عاودت النظر إليه بابتسامة خفيفة، ثم انطلقت بسيارتها الفاخرة لتشق طريقها خارج الحارة.

كان فارس يقف مكانه، يراقب سيارة نادين وهي تبتعد، ثم يغمض عينيه للحظة، يسترجع صورتها، وطريقة نطقها لاسمه.

"ميرسي يا فارس." تكررت الكلمات في أذنه، بنبرتها الرقيقة، وكأنه يسمع اسمه بنغمة لأول مرة.

في هذه اللحظة بالذات، كانت شهد تمر في طريقها إلى بيت عائلتها بعد انتهاء شراء طلبات والدتها. لمحت نادين وهي تركب السيارة الفاخرة، ورأت فارس واقفًا يراقبها. عيونها اتسعت بالدهشة والغيرة. لكن بحلول الوقت الذي وصلت فيه إلى فارس، كانت نادين قد ركبت السيارة وانطلقت بالفعل.

شهد (تصرخ باسمه بحدة، وكأنها تخرجه من حلمه): "فااااارس! مين دي؟"

(كانت نبرتها تحمل الكثير من الشك والغيرة).

انتفض فارس، فاجأه صوتها العالي الذي مزق لحظة الهدوء التي كان يعيشها.

فارس: "يخربيتك يا شيخة! خضتيني! وكرهتيني في اسمي!" (قالها بنبرة غاضبة ونزق، وكأنه يفرغ فيها ضيقه من شهد، ومن الواقع الذي أعادته إليه).

"اوعي من وشي دلوقتي!"

تركها فارس وغادر بسرعة عائداً إلى الورشة، تاركًا شهد وحدها تتأفف وتتحدث إلى نفسها بنبرة غاضبة، وهي تحاول استيعاب ما رأته. كانت تشعر بالغيرة تنهش قلبها، فمن هذه الفتاة التي جعلت فارس يتصرف بهذه الطريقة؟

...................》》》《《《 ......................

بعد لحظات الوداع التي جمعت فارس ونادين، عادت الحياة إلى إيقاعها المعتاد في كل عالم، لكن شيئاً ما كان قد تغير. أصداء اللقاء الأول بدأت تتفاعل في نفوس الشخصيات، كلٌ بطريقته، بينما تستمر عجلة الحياة في الدوران، ممهدةً لأحداث جديدة.

عاد فارس إلى الورشة، لكنه لم يكد يخطو داخلها حتى وجد مراد في انتظاره، وعيناه تلمعان بفضول لا يكاد يخفيه.

مراد: "إيه يا عم الحاج! إيه الحلاوة دي؟ سبحان اللي خلق! دي طالعة من كوكب تاني!"

تنهد فارس بضيق مصطنع، محاولاً تجاهل تعليقات مراد، لكنه لم يستطع منع ابتسامة خفيفة من الظهور على شفتيه.

فارس: "بطّل رغي يا مراد! إيه اللي مش مبطل كلام ده؟ فيه شغل أهم من الهري بتاعك ده."

مراد: "شغل إيه بس يا عمنا؟ ده الواحد دماغه لفت من اللي شافه. تصدق؟ أنا عمري ما شوفت حد كده. إيه الدلع، إيه الرقة، إيه الجمال ده؟ دي تستاهل اللي يتبلطج عشانها بجد!"

لم يستطع فارس أن يرد، فقد كانت صورة نادين ما زالت عالقة في ذهنه، وكلمات مراد كانت تعكس جزءًا مما يشعر به هو نفسه، وإن كان يحاول إنكاره.

............ ...............  》》》

عادت شهد إلى بيتها، والغضب يشتعل في عينيها، بينما الغيرة تنهش قلبها. دخلت لتجد والدتها عفاف تجلس في غرفة المعيشة، ومعها سما التي كانت منهمكة في الدراسة.

شهد (بعصبية واضحة): "تصوري يا ماما اللي شفته النهاردة! الأستاذ فارس واقف مع بنت كده... شكلها من عالم تاني خالص! ودي أول مرة أشوفها في الحارة!"

عفاف (ببرود، وهي تهز كتفها): "إيه يعني؟ تلاقيها زبونة ولا حاجة بتصلح عربيتها عنده. ولا يعني فارس هيعمل  كدة ليه؟"

شهد: "لا يا ماما! مش زبونة ولا حاجة! ده كان بيوصلها لحد عربيتها، والوش ده كان عليه ضحكة كده أول مرة أشوفها عليه! وده بعد ما زعقلي وطردني!"

تدخلت سما، التي كانت تستمع بضيق لمشهد أختها المتكرر.

سما: "يعني هو إمتى كان عملك حلو يا شهد؟ انتي اللي بتتلزقي فيه، وهو دايماً بيعاملك كده. إيه الجديد يعني؟"

شهد (بعصبية أكبر): "شايفة بنتك يا ماما؟ بتتكلم إزاي؟"

عفاف (توجه كلامها لسما بنبرة تحذير): "بس يا بت! متقلّيش على أختك كده!

(ثم توجه كلامها لشهد لتهدئتها): بكرة يجلها راكع تحت رجليها. هو هيلاقي زي شهد في جمالها ولا أدبها؟"

سما (تتأفف وتنهض): "أنا داخلة أذاكر جوه. سيبلكوا المكان كله."

(تتوجه إلى غرفتها وهي تشعر بالاشمئزاز من حديثهما).

بقيت شهد مع والدتها، وابتسامة خبيثة بدأت ترتسم على شفتي عفاف.

عفاف: "بجد يا ماما هيجيلي راكع؟"

عفاف: "طبعاً يا قلب أمك! ده أنا عارفة اللي فيها. البسي بس واتزوقي في الفرح كويس. ومحدش هيكون زيك، كله هيبص عليكي."

شهد (بغرور يعلو صوتها): "طبعاً! محدش زيي!"

(عادت ثقتها بنفسها بفضل كلمات والدتها، مصدقة أنها ستكون نجمة الفرح).

............ ...............  》》》

في طريق عودتها إلى الفيلا، كانت نادين تشعر بالإرهاق الشديد من أحداث الصباح، ومن سهر ليلة أمس. أمسكت بهاتفها واتصلت بـ لي لي.

نادين: "ألو يا لي لي... أنا مش هقدر أجي الشركة النهاردة. لو فيه حاجة ضروري ابعتيلي على الإيميل."

لي لي: "خير يا نادو؟ فيه حاجة؟ صوتك تعبان."

نادين: "لا أبداً، تعبانة شوية. الحفلة امبارح كانت مرهقة أوي... تمام... باي سي يو."

(أنهت المكالمة، فهي لا ترغب في الكشف عما حدث لأحد).

وصلت نادين إلى الفيلا، لتجد والدتها داليا تتحدث في الهاتف بحماس، تحكي لصديقتها عن الحفلة الأسطورية التي أقامتها لابنتها.

نادين (بصوت متعب): "بونجور مامي."

داليا (ترفع إصبعها لتطلب من نادين الانتظار، ثم تنهي مكالمتها بسرعة): "ثواني بس... (تتوجه لنادين). إيه يا نادو؟ انتي مرحتيش الشركة ولا إيه؟"

نادين: "لا يا مامي، مرهقة شوية... من حفلة عيد الميلاد. بالمناسبة، كانت 'واو' يا مامي... ذوقك يجنن!"

(حاولت نادين أن تبالغ في الإطراء لتشتيت انتباه والدتها حتى لا تشعر بأي شيء).

داليا (بابتسامة عريضة وفخر): "طبعاً يا قلبي! هو أنا أي حد؟ ده كاميليا لسه بتقولي إن الحفلة حديث النادي كله!" .

نادين: "طبعاً... أنا هطلع أوضتي أرتاح شوية... تمام؟"

داليا: "تمام يا حبيبتي. ارتاحي."

عادت داليا لاستكمال حديثها الهاتفي، بينما صعدت نادين إلى غرفتها الفاخرة. أخذت شاورًا منعشًا، ثم غيرت ملابسها إلى بيجامة مريحة. ألقت بجسدها على السرير، نظرت إلى السقف، ولم تجد في ذهنها سوى صورة فارس. كانت تفكر في شجاعته، وفي ملامحه الهادئة التي تحولت إلى غضب لحمايتها.

نادين (في نفسها، تتساءل بفضول): "يا ترى ألبس إيه في الفرح؟"

(كانت تتخيل نفسها في هذا الجمع المختلف، وترغب في الظهور بشكل يليق بها، لكنه يناسب أيضًا أجواء الفرح في الحارة، وهو تحدٍ جديد عليها).

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بين عالمين ج١: عشق الفارس

المؤلف Angel
2025/11/09 مكتملة
قائمة الفصول (40)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة