١٢

١٢

16 0

الفصل الثاني عشر: صمت ..، وتقارب .. حادث..

انتهت لحظة الصمت والتقارب في شرفة قاعة الأفراح، لكن صداها ظل يتردد في أعماق قلبي فارس ونادين. كان الفرح يواصل صخبه بالخارج، يحمل في طياته الكثير من الأعين المتربصة والقلوب المتغيرة.

بعد أن أدرك فارس أن شهد ومنال قد غادرتا، انفصل ببطء عن نادين. كانت المسافة بينهما صغيرة، لكنها بدت وكأنها تعيد كل منهما إلى عالمه الخاص. كان الظلام ما زال يلفهما، لكن الأجواء في الشرفة بدت أثقل من ذي قبل.

نادين (تتكلم بصوت خافت، لا تزال متأثرة بالقرب السابق): "هما... هما مشيوا."

فارس (بنبرة هادئة، يحاول استعادة رباطة جأشه، لكن صوته كان ما زال يحمل أثر القرب): "آه، مشيوا."

ساد الصمت بينهما للحظات. كانت نظراتهما تلتقي في الظلام، كل منهما يحاول قراءة ما يدور في ذهن الآخر. لمسة، أنفاس، كل ذلك خلف أثراً عميقاً.

فارس (يغير الموضوع ليخفف التوتر، ويشير نحو باب القاعة): "يلا ندخل تاني، زمنهم بيسألوا عننا."

أومأت نادين بالموافقة، لكنها كانت ما زالت تشعر ببعض الدوار من الموقف. عندما بدآ في التحرك، كاد فارس أن يضع يده على ظهرها ليقودها، لكنه تراجع في آخر لحظة، خشية أن يُحرجها أو يقطع حاجزاً لم يتم كسره بعد تماماً. نزلا السلم ببطء، وعادت أضواء القاعة تملأ المكان.

...............

عندما عاد فارس ونادين إلى القاعة، كانت أجواء الفرح في أوجها. الأغاني الشعبية كانت تعلو، والشباب يرقصون بحماس. كان مراد يراقبهما بابتسامة خبيثة.

مراد (يهمس لفارس): "يا عم الأسطى! كل ده مكالمة تليفون؟ شكلها مكالمة مهمة أوي! كنتوا فين كل ده؟" (يغمز له بوضوح).

فارس (بنبرة تحذير): "هنكون فين يعنى يا مراد. نادين كانت بتتكلم في حاجة شغل، والدوشة كانت كتيرة هنا."

مراد (لا يقتنع): "شغل إيه بس يا عمنا؟ ده وشها منور، وأنت شكلك كنت في كوكب تاني. العريس والعروسه مش هما بس اللي فرحانين النهاردة!"

ضحك فارس بضيق، وحاول تجاهل مراد، بينما عادت نادين لتجلس بجوار الدادة علية على طاولة السيدات. كانت لا تزال تشعر ببعض الخفقان في قلبها، تُراقب فارس من بعيد وهو يختلط بالمدعوين.

................

لم تكن شهد قد استسلمت. بعد فشلها في العثور على فارس ونادين، عادت إلى "ترابيزة العقارب" حيث كانت تجلس عفاف وغدير ومنال. كانت الغيرة تلتهمها، ووجهها يحكي قصة الغضب.

شهد (بغضب مكتوم، وهي تضرب بقبضتها على الطاولة): "ما شوفتهمش! فص ملح وداب! أكيد كانوا مستخبيين في حتة."

عفاف (تحاول تهدئتها): "اهدي يا شهد. مفيش حاجة تستاهل كل ده." (ثم تبتسم بخبث). "الرجالة بتحب اللي يعذبها. متظهريش إنك بتموتي عليه كده. خليه يلف حواليكي."

غدير: "أنا شايفة إن الفستان اللي هي لابساه ده مش مناسب للفرح.؟"

شهد: "لا يا غدير! أنا شفت نظرات الرجالة كلها عليها. وحتى فارس كان بيبص لها! أنا لازم أعمل حاجة."

عفاف: "أنا عندي فكرة. الفرح لسه فيه كتير. خليكي تقيلة، وروحي ارقصي في نص القاعة، بس رقصة كده تخلي كل عين تبص عليكي. وريه إنه خسر جوهرة."

لمعت عينا شهد، وقد وجدت ضالتها. كانت تعرف كيف ترقص، وكيف تلفت الأنظار.

بدأت فرقة موسيقية تُقدم أغانٍ شعبية أكثر حماسية، وبدأ الفرح يُصبح أكثر جنونًا. العديد من الفتيات والنساء بدأن يرقصن في منتصف القاعة، بما في ذلك شهد التي بدأت في الرقص بحماس ومكر، مُظهرةً مهارة في جذب الانتباه، بينما كانت عيناها تترصدان فارس.

كان فارس يقف مع بعض أصدقائه، يضحكون ويتحدثون، لكن عيناه كانت تقع على نادين بين الحين والآخر. لاحظ أن بنات العائلة، من أبناء عمومته وأخواته (شمس ونورا )، ذهبن إلى طاولة السيدات ودعونَ نادين للرقص مع العروس علا في منتصف القاعة.

شمس (لنادين بابتسامة): "يلا يا نادين، قومي ارقصي معانا! الفرحة بتحلى باللمة."

ترددت نادين للحظة، لكنها شعرت بدفء دعوتهن وابتسامة الدادة علية المشجعة. قامت نادين ببطء، وتوجهت إلى منتصف القاعة. .. شهد، التي كانت ترقص بالفعل في الحلبة، لاحظت نادين. توقفت عن الرقص للحظة، وعيناها اتسعت من الصدمة والغيرة. لم تكن تتخيل أن هذه "المسهوكة" ستجرؤ على الوقوف مع الفتيات، .

بينما كانت نادين تسقف مع البنات بابتسامة هادئة، خطت شهد خطوة مفاجئة. بغيرتها المتأججة، ودون تفكير، تعمدت أن تدوس على قدم نادين بقوة.

شهد (بصوت مرتفع، تحاول أن تبدو غير قصدية): "آه! آسفة! ما أخدتش بالي!"

توقفت نادين عن التسفيق، وتغيرت ملامح وجهها للألم. كادت أن تسقط لولا أن فارس، الذي كان يقف قريباً منها ويراقبها، انتبه وسارع إليها.

فارس (يمسك بها بحنان ويُسندها ليخرجها من زحام حلبة الرقص): "انتي كويسة يا نادين؟" (يجلسها على أقرب مقعد، وينحني ليتفحص قدمها). "رجلك كويسة؟"

نادين (تتألم، وتنظر إلى شهد بنظرة غضب، ثم إلى فارس بنبرة من الغيرة والدهشة): "آه... لا مش كويسة. رجلي وجعتني. شكلها بتغير أوي... دي قاصدة!"

فارس (يمسك بقدمها بلطف، ويُزيح عنها الحذاء): "معلش يا نادو... (يتوقف للحظة، ينظر في عينيها). تسمحيلي أقولك نادو؟"

نادين (بابتسامة خفيفة، وقد نسيت ألمها للحظة بسبب كلمته): "أكيد..."

نادين: "هو... أنا لازم أمشي دلوقتي." (حاولت أن تنهض لكن الألم كان واضحاً).

فارس: "استني، أوصلك للعربية. هتعرفي تسوقي كده؟"

نادين: "ممكن أطلب أوبر؟"

فارس (بنبرة حاسمة): "لا طبعا! أنا هوصلك. وابقى ارجع أنا بأوبر... أو تاكسي."

غادر فارس ونادين القاعة، تاركين وراءهما النظرات المتسائلة ووشوشة الحاضرين. جلست نادين في مقعد الراكب، بينما تولى فارس قيادة سيارتها الفاخرة.

فارس (وهو يُركز على القيادة): "ساكنة فين؟"

وصفت له نادين طريق الفيلا. كان الجو هادئاً داخل السيارة، بعيداً عن صخب الفرح. بدآ في الحديث، حديث عفوي يكسر الحواجز تدريجياً. تحدثت نادين عن عملها في التصميم، عن شغفها بالموضة، بينما روى فارس عن حبه لمهنته في إصلاح السيارات، عن تفاصيل الحارة وعائلته. كان كل منهما يكتشف جوانب جديدة في الآخر لم يكن ليتوقعها.

نادين: "سورى تعبتك معايا النهاردة يا فارس. ميرسي إنك وصلتني."

فارس: "العفو يا نادو. وبعدين، الإصابة حصلت عندنا... لازم نطمن عليكي." .

في هذه اللحظة، عادت صورة شهد إلى ذهن نادين، والسؤال الذي كان يشغلها.

نادين (بغيرة واضحة، وسؤال غير متوقع): "فارس... هو أنت ممكن تخطبها؟"

نظر فارس إليها بدهشة، ثم ابتسم ابتسامة عريضة.

فارس: "لا طبعاً! مستحيل! لا يمكن! دي لازقة!" (قالها بنبرة قاطعة تدل على نفوره التام من شهد).

تنهدت نادين براحة، وابتسمت له ابتسامة صادقة.

نادين: "طمنتني. أصلها مش شبهك خالص..."

توقف فارس أمام بوابة الفيلا الفاخرة. تبادلا الوداع، صافحته نادين بيدها، وشكرته مجدداً، ثم نزل فارس وركب أول تاكسي صادفه.

دخلت نادين الفيلا، كانت الأضواء خافتة. يبدو أن والديها إما نائمين أو خرجا لقضاء سهرة. صعدت إلى غرفتها الفاخرة.

في غرفتها الواسعة، خلعت نادين فستان الفرح، وارتدت بيجامة مريحة. مشت في الغرفة ذهابًا وإيابًا، وعقلها لا يتوقف عن التفكير في كل ما حدث.

نادين (تُحدث نفسها بصوت خافت): "أنا إيه اللي حصلي؟"

ثم ألقت بجسدها على السرير، لتغفو وقد امتلأت أحلامها بوجه فارس، وبمشاعر جديدة لم تعهدها من قبل.

..............

عاد فارس إلى الفرح، كان ما زال في أوج نشاطه. التقى بـ مراد الذي كان قد لاحظ غيابهما مرة أخرى.

مراد: "كنت فين يا عمنا كل ده؟ ده الفرح قرب يخلص!"

فارس: "كنت بوصل نادين. عروسة المولد داست على رجلها جامد، معرفتش تسوق."

مراد: "آه، ما البسكوتة متستحملش! شكلها فعلاً مش متعودة على خبطات الدنيا دي."

استمر الفرح حتى ساعة متأخرة من الليل، ثم بدأ الجميع في المغادرة. عاد فارس إلى بيت "آل المعز" وسط زغاريد الأمهات التي تملأ جنبات الحارة، يحمل معه ذكريات يوم لم يكن عادياً على الإطلاق.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بين عالمين ج١: عشق الفارس

المؤلف Angel
2025/11/09 مكتملة
قائمة الفصول (40)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة