٥

٥

16 0

الفصل الخامس: روتين .. وربما أول تواصل بين العالمين

في نفس الوقت، في آخر الحارة، كانت الأجواء مختلفة تمامًا في بيت سيد وعفاف.

عادت عفاف من السوق، تحمل الأكياس الممتلئة بيدها، تتبعها شهد التي كانت هي الأخرى تحمل بعض الأكياس، لكنها كانت تتأفف من حملها.

دخلت عفاف إلى البيت، لتجد الفوضى تضرب المكان . أطباق الفطور ما زالت على المائدة، والأرضية متسخة، بينما كانت منال تجلس في غرفة المعيشة، منغمسة في هاتفها، تتصفح وسائل التواصل الاجتماعي.

عفاف (بصوت عالٍ وغاضب، تضرب الأكياس على الطاولة بقوة): "إيه ده؟! هو أنا معرفش أعتمد عليكي في حاجة أبداً يا منال؟ أخرج شوية أرجع ألاقي البيت يضرب يقلب كده؟ إيه القرف ده!"

ارتفعت منال رأسها بفزع من صوت والدتها الغاضب، ووضعت الهاتف جانبًا.

منال: "هو أنا عملت إيه يعني يا ماما؟ مكنتش فاضية."

عفاف: "مكنتيش فاضية لإيه يا هانم؟ لقعدتك على الزفت ده؟ قومي شيلي الأطباق دي. مش معقول كده!"

بينما كانت عفاف تصرخ وتوبخ منال، انفتح باب البيت ودخل سيد وسما. كان سيد عائدًا للتو من عمله الحكومي، وبدا عليه الإرهاق. كان قد مرّ على "سنتر الدرس" ليصطحب سما، التي بدت على وجهها آثار الملل من الجو المشحون بالخلافات المنزلية.

سيد (بصوت خافت، محاولًا تهدئة الأجواء): "خير يا عفاف؟ فيه إيه من الصبح؟"

عفاف (تلتفت إليه بوجه غاضب): "خير إيه بس يا سيد؟ بنتك الهانم مش راضية تعمل أي حاجة في البيت!"

نظرت سما إلى الأرض، وتمنت لو أنها لم تعد إلى المنزل بعد. كانت هذه الأجواء هي روتين يومها، الذي لا ينتهي أبدًا. أما سيد، فكعادته، لم يعلق كثيرًا، بل توجه إلى غرفته بهدوء، تاركًا عفاف تتولى إدارة الفوضى والغضب وحدها.

...................》》》《《《 ......................

تستمر عقارب الساعة في الدوران، مسطرةً تفاصيل جديدة في روتين يوم كل شخصية، لكن الليل قد يحمل في طياته ما يغير مسار الأيام، ويقرب العالمين المتباعدين.

في فيلا كامل الفاخرة، كان روتين الصباح يبدأ عادةً بهدوء نسبي بعد انصراف الأبناء وأحفادهم إلى أعمالهم. كامل نفسه كان يقضي صباحه في مكتبه الخاص داخل الفيلا، يراجع الصفقات والمشاريع الكبيرة، أو يجري مكالمات هاتفية دولية، بينما كانت داليا، والدة نادين، تتابع شؤون الفيلا الكبيرة، تشرف على الخدم أو تنظم مواعيدها الاجتماعية، أو ربما تقضي وقتًا في صالونها الخاص، مهتمة بمظهرها الذي لا يقل أناقة عن ابنتها.

في شركة نادين للأزياء، كان العمل يسير على قدم وساق. الأصوات الهادئة لأجهزة الكمبيوتر، خشخشة الأقمشة، وصوت ماكينات الخياطة المنتظم يملأ المكان. نادين كانت تجلس في مكتبها، منهمكة في رسم اسكتشات جديدة، أفكارها تتدفق على الورق بسلاسة وابتكار. حولها، كان فريق عملها المكون من لي لي ومعاذ وفهد وكريم ومازن، كلٌ في موقعه، منهمكين في مهامهم.

نادين (تتأمل تصميمًا على الشاشة): "الفستان ده محتاج حركة أكتر في القصة، حاسة إنه لسه فيه حاجة ناقصة."

لي لي (تقترب منها وتنظر للشاشة): "ممكن لو زودنا الكشكشة هنا، أو غيرنا نوع القماشة في الجزء ده."

كانت هذه هي أجواء عملهم اليومية، مليئة بالتفاصيل والإبداع، لا يتوقفون عن البحث عن الجديد والمختلف.

.........................》》》

في حارة المعز، كان روتين يوم فارس لا يختلف كثيرًا. بعد الفطور العائلي الصاخب، يتوجه مباشرة إلى ورشة العائلة، حيث يقضي معظم ساعات النهار. صوت دقات المطارق، أزيز المحركات، ورائحة الشحم والوقود كانت موسيقاه اليومية. يداه، رغم وسامته، كانتا دائمًا تحملان آثار العمل الشاق، عيناه تتابعان كل صغيرة وكبيرة في الورشة، يوجه العمال، ويقوم بأعقد الإصلاحات بنفسه.

فارس (يصرخ على أحد الصنايعية): "يا حسن! شد على المسمار ده كويس، مش عايزين غلطة في الشغل."

كان مراد يمر عليه بين الحين والآخر، يلقي دعابة أو يروي موقفًا طريفًا حدث في الورشة، ليخفف من جدية العمل. حاتم وعمر وشهاب، كلٌ في ورشته أو في مهامه المحددة، يشكلون نسيجًا واحدًا، يدعمون بعضهم البعض، في عالم يحكمه الكد والاجتهاد.

في بيت "آل المعز" ذاته، كانت النساء يقضين يومهن في رعاية الأطفال، وإعداد الطعام، وتبادل الأحاديث. الحاجة سماح كانت محور البيت، توجه الجميع وتطمئن على الصغار، بينما الحاجات رقية واعتماد ورباب يتبادلن الزيارات أو ينهمكن في أعمال المنزل. علا كانت تساعد والدتها في تحضير مستلزمات زواجها، وشمس ونورا تعودان من الجامعة، ليجدن دفء البيت في انتظارهما.

.................. 》》》

عادت نادين إلى فيلا كامل متأخرة تلك الليلة. كان يومًا طويلاً ومرهقًا في الشركة، لكنه كان مثمرًا. كانت أضواء الفيلا ساطعة، توحي بأن هناك حركة بالداخل. عندما دخلت، وجدت الدادة علية تقف في البهو الواسع، تبدو عليها الحيرة والقلق، وهي تحاول أن تجري مكالمة هاتفية على مضض.

نادين (تخلع حذاءها وهي تشعر بالإرهاق، لكنها تلاحظ قلق الدادة علية): "دادة علية! إيه اللي موقفك كده يا حبيبتي؟ فيه حاجة؟"

رفعت الدادة علية رأسها، وقد بان على وجهها بعض الارتياح لرؤية نادين.

الدادة علية: "أهلاً بيكي يا بنتي. تعالي يا حبيبتي، ألف حمد لله على سلامتك. أصل... أصل أنا كنت عايزة أروح، والسواق مع كامل بيه وداليا هانم في الحفلة، ومش لاقيه تاكسي." (قالتها بخجل، لا تريد أن تزعج نادين).

نظرت نادين إلى الساعة في معصمها، كانت تشير إلى ما بعد منتصف الليل بقليل. شعرت بالضيق من إهمال داليا والسائق للدادة علية، التي ظلت معها منذ الصباح.

نادين (بحزم): "إيه الكلام ده يا دادة؟ إزاي السواق يمشي ويسيبك كده؟ ومينفعش تمشي في وقت زي ده لوحدك." (صوتها كان يعكس غضبًا خفيفًا لكنه مفعم بالاهتمام).

تقدمت نادين نحوها، ووضعت يدها على كتفها بحنان.

نادين: "خلاص يا دادة، متقلقيش خالص. أنا اللي هوصلك. عربيتي تحت."

اتسعت عينا الدادة علية بالدهشة والسعادة.

الدادة علية: "إيه اللي بتقوليه ده يا بنتي؟ مينفعش أبدًا، تتتعبي نفسك ليه بس؟"

نادين: "ولا تعب ولا حاجة. أنا مأقدرش أسيبك تمشي لوحدك في الوقت ده. يلا بينا."

أخذت نادين مفاتيح سيارتها وتوجهت مع الدادة علية نحو الباب. جلست الدادة علية بجوار نادين في سيارتها الفاخرة، تشعر بامتنان بالغ لابنة كامل المدللة التي لم تنسها ولم تتخل عنها. انطلقت نادين بالسيارة، تخترق شوارع القاهرة الهادئة في هذا الوقت المتأخر من الليل، لتقطع المسافات بين عالم الفيلات الفاخرة إلى أزقة حارة المعز الشعبية.

كان هذا هو أول تواصل مباشر، وربما غير متوقع، بين العالمين. نادين، الفتاة المدللة التي تعودت على كل أشكال الرفاهية، تجد نفسها تقود سيارتها إلى قلب الحارة، حيث بيت الدادة علية، وربما حيث ينام فارس، لا تعلم أن القدر بدأ ينسج خيوطه الأولى لجمعها بعالم لم تكن لتتخيل يومًا أنها ستطأ أرضه.

هل سيتقابل فارس ونادو ؟!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بين عالمين ج١: عشق الفارس

المؤلف Angel
2025/11/09 مكتملة
قائمة الفصول (40)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة