الفصل ٣٦: صفقة .......ومواجهة
في منزلها المُظلم، كانت عفاف تجلس كالأفعى، تُخطط لضربتها التالية بعد أن تلقت صفعات متتالية. غضبها من فارس وخطيبته الجديدة، جعلها تُفكر خارج الصندوق. لم تجد أمامها سوى ورقة قديمة لم تكن تتوقع اللجوء إليها: صابر، ابن أختها، وهو رجل معروف بسوابقه وسلوكه المُشين في المنطقة، والذي قُطعت علاقته بها بعد أن رفضت غدير الزواج منه وتزوجت حاتم.
أمسكت عفاف بهاتفها، وضاقت عيناها بشرًا وهي تطلب رقمه.
عفاف (بصوت حاولت أن تجعله حنونًا، لكن لمسته السامة لم تختف): "ألو... إزيك يا صابر؟... وإزاي أمك؟ كده متسألش على خالتك وتطمن عليها؟... مكنتش جوازة دي اللي تفرق بينا يا حبيبي."
على الطرف الآخر، تفاجأ صابر بالمكالمة. لم يكن يتوقعها، فهو يعلم أن العلاقة انقطعت منذ زمن.
صابر: "خير يا خالتي... إيه اللي فكرك بيا فجأة كده؟" (كان صوته يُشير إلى الشك والريبة).
عفاف: "كل خير يا حبيبي... كنت بس عايزة منك خدمة صغيرة."
صابر: "خير؟"
عفاف: "عايزاك تتتبعلي حد وتعرفلي هو مين... وساكن فين... وتعرفلي تحركاته كلها... لغاية اللحظة المناسبة... بس كده."
ابتسم صابر بخبث، فقد فهم المعنى الضمني للكلمات.
صابر: "بس...؟ طيب والمقابل يا خالتي؟"
عفاف: "يعني هتاخد من خالتك فلوس برضه؟" (حاولت أن تُظهر الاستياء).
صابر: "لا يا خالتي... مش فلوس... عايز جوازة."
صُدمت عفاف. لم تتوقع طلبه. كان هاجسها الأول أن يختار شهد، وهي التي تُحرك كل هذه الأحداث من أجلها. شعرت بضربة قوية في قلبها.
عفاف: "جوازة إيه؟... ومين فيهم؟" (حاولت إخفاء قلقها).
صابر: "سما."
تنفست عفاف الصعداء خلسة، فـسما هي الأضعف والأكثر طواعية بين بناتها. جلست تُفكر لثوانٍ، تُوازن بين هدفها والانتقام، وبين التضحية بـسما. ثم اتخذت قرارها بلا تردد.
عفاف: "ماشي... موافقة... هجوزك سما... بس تعمل اللي قلته لك بالحرف."
صابر: "من عينيا يا خالتي... دانتِ تؤمري... مين بقى اللي عليه أو عليها العين؟"
عفاف: "خطيبة فارس المعز... عايزة أعرف عنها كل حاجة، كل كبيرة وصغيرة."
صابر: "تمام يا خالتي... سلام أنا بقى ألحق أجهز."
عفاف: "سلام."
أغلقت عفاف الهاتف، وابتسامة شريرة ارتسمت على وجهها، شعرت بأنها قد خطت أول خطوة نحو الانتقام. ولكن، عندما التفتت، تجمدت ابتسامتها.
وجدت سما واقفة خلفها، وجهها شاحب، وعيناها متسعتان من الصدمة. يبدو أنها سمعت المكالمة بأكملها.
سما (بصوت يرتجف، لكنه يملؤه الرفض الشديد): "مستحيل أقبل بيه! أنا مش الحيطة المايلة بتاعتك! اللي تضحي بيها!"
تحولت ابتسامة عفاف إلى غضب جامح.
عفاف: "اخرسي بقى! مبقاش غيرك اللي يتكلم!" (نادت بصوت عالٍ على ابنتيها الأخريين).
"شهد!... منال!... أمسكوا البت دي واحبسوها في أوضتها لغاية لما نخلص من الموضوع ده!"
شهد (اندفعت نحو سما بحماس وطاعة): "حاضر يا ماما... يلا قدامي!"
سما (تُقاوم وتصرخ): "أنا هفضحكوا! هاعرف الكل بلاويكوا!"
شهد: "اخرسي بقى!" (تُمسك بـسما بقوة، وتُدفعها نحو غرفتها).
كانت صرخات سما المكتومة تُعلن عن ضحية جديدة لخطط عفاف الشريرة، وتُشير إلى أن المعركة لم تعد خارجية فقط، بل أصبحت تهدد الكيان الداخلي للعائلة نفسها.
في الجهة الأخرى من المدينة، وصلت نادين إلى فيلتها. كان قلبها مُفعمًا بالدفء والسعادة بعد اليوم الذي قضته مع عائلة فارس. استقبلها والدها كامل ووالدتها داليا بابتسامات حنونة.
داليا: "ها يا حبيبتي، عملتي إيه؟ انبسطتي؟"
نادين (بابتسامة واسعة): "جدًا يا ماما... مبسوطة أوي."
جلست نادين تُخبر والديها عن دفء عائلة فارس، وعن اللقاء الممتع، مُتجنبة ذكر تفاصيل المواجهة مع شهد حتى لا تُقلل من فرحة اليوم، أو تُثير قلق والديها. كانت تُفضل أن تحتفظ بهذه التفاصيل لـفارس نفسه.
انتهى اليوم لـنادين على عكس سما، بسلام وسعادة، تاركًا إياها تُحلق في سماء الحب، بينما كانت عاصفة قادمة تُلوح في الأفق البعيد.
...............
تحرك صابر برجاله بمهارة وسرعة لم تكن عفاف لتتوقعها. في غضون يومين فقط، كانت المعلومات الدقيقة حول نادين وعائلتها بين يديه. أدرك صابر حجم الهوة التي كانت عفاف تُحاول القفز فوقها، ومدى خطورة اللعب مع عائلة كامل باشا.
تواصل صابر مع عفاف، وكان صوته هذه المرة يحمل نبرة حذر وتقدير لم تكن موجودة من قبل.
صابر: "بصي يا خالتي... الموضوع كبير. دي بنت باشا... وعيلتها واصلين أوي، لدرجة محدش يتخيلها. والغلطة معاها مفيهاش 'معلش' ولا فيها 'نتفاهم'. اللي زي دول بياكلوا وشوش. شغلنا كله في الحارة على قدنا، دول كبار أوي."
شعرت عفاف بقلبها ينقبض. لم يكن هذا ما توقعته.
عفاف: "يعني إيه؟ هترجع في كلامك؟ هتخاف؟"
صابر: "لا يا خالتي، مش خوف... أنا بس بقولك ده آخري. أنا جبتلك المعلومات اللي طلبتيها بالمللي، وعرفتلك كل حاجة: اسمها نادين كامل، عندها شركة أزياء ضخمة. أبوها كامل باشا ده رجل أعمال كبير، عنده كذا شركة مش شركة واحدة، وعنده نفوذ في البلد كلها. تحركاتها كلها معروفة: من الفيلا بتاعتهم اللي عايشة فيها مع أبوها وأمها، لشركتها، ومقابلاتها مع فارس. عرفت كل حاجة. لكن... تنفيذ أي حاجة تانية لا. مش أنا اللي أخش في سكة زي دي."
تصلبت ملامح عفاف. كان صابر يُعلن انسحابه من الجزء الأخطر من الخطة.
عفاف: "يبقى خلاص مفيش جواز! سيب سما في حالها!"
ضحك صابر بسخرية، وهي ضحكة لم تسمعها عفاف منه من قبل.
صابر: "لا يا خالتي... مش أنا اللي يتضحك عليا. المعلومات دي مقابل الجواز... واللي اتفقنا عليه هيتم. جهزي نفسك أنتِ وبنتك... يوم الخميس هاجي أكتب كتابي على سما وأخدها. وآه بقى، بلغي عم سيد جوزك، عشان يكون وكيلها."
أغلق صابر المكالمة دون أن ينتظر ردًا، تاركًا عفاف في حالة صدمة غير مسبوقة. كانت لأول مرة تشعر بأنها قد أخطأت الحساب تمامًا. لم تكن تتخيل أن عائلة نادين بهذا النفوذ والقوة.
وفي هذه اللحظة، شعرت بضيق شديد. شهد بجنونها لن تسكت، وسما أصبحت ورقة خاسرة، والوضع كله قد خرج عن سيطرتها. أدركت أن شهد ليست فقط مجنونة، بل جنان ناتج عن تربيتها السيئة بحد ذاتها، وأنها، عفاف، قد صنعت هذا الوحش.
..............
على الجانب الآخر من الحارة، كان الحاج سالم ينتظر عودة سيد، زوج عفاف، إلى البيت. أراد أن يكون سيد موجودًا أثناء المواجهة، فقد كان يعلم أن وجوده ضروري، حتى لو كان سلبيًا معظم الوقت. كانت خطة الحاج سالم تهدف إلى مواجهة عفاف ووضع حد لشرها هي وبناتها، مُستندًا إلى قوة العائلة والدليل القوي الذي يملكه.
وصل سيد إلى بيته، ووجد عفاف جالسة في مكانها بصدمة، عيناها شاخصتان في الفراغ. وكعادته، تركها وشأنها ودخل غرفته دون أن يسألها. تذكر فجأة أن سما، ابنته الوحيدة التي كانت تُهتم به قليلًا، لم يرها منذ يومين. همس لنفسه: "يمكن بتذاكر ومشغولة، برضه دي ثانوية عامة.".
لم يمر وقت طويل بعد عودة سيد حتى سُمع دقات قوية على باب منزل عفاف.
فتحت عفاف الباب، وتجمدت في مكانها.
على عتبة الباب، وقف الحاج سالم، وعلى يمينه فارس والحاج صلاح، وعلى يساره شهاب ومراد والحاج عماد. كانت هذه وفدًا مهيبًا من كبار عائلة المعز.
فتحت عفاف باب منزلها، لتجد وفدًا من عائلة المعز يقف أمامها. رغم الصدمة التي اعترتها، حاولت أن تُخفي توترها وارتدت قناع الترحيب المزيف.
نظر الحاج سالم إلى عفاف بنظرة حازمة لا تعرف المداهنة. كانت هذه لحظة الحقيقة، وستُوضع النقاط على الحروف.
عفاف (بابتسامة باهتة تُخفي الرعب): "يا أهلاً وسهلاً... يا ألف مرحب... ده البيت نور واللهي. اتفضلوا."
الحاج صلاح (بنبرة جادة، دون تبادل المجاملات): "الأستاذ سيد موجود؟"
عفاف (بارتباك): "آه طبعًا... موجود."
الحاج سالم (بصوت حازم): "انديله ."
عفاف (مُرتعشة): "آه آه... حاضر... هقوله... اتفضلوا اقعدوا."
تراجعت عفاف إلى الداخل، وعقلها يدور في دوامة من التساؤلات. أول ما فعلته هو الذهاب إلى شهد في غرفتها.
عفاف: "عيلة المعز بره... اعملي حاجة تتشرب عقبال ما أنده أبوكي."
شهد (عيناها تلمعان بالأمل المختلط بالجنون): "فارس موجود؟"
عفاف: "آه يا أختي."
شهد: "ممكن يكون جاي يخطبني؟".
عفاف (بيأس): "لا طبعًا، شكلهم... ما يدلش على كده."
شهد (بجنون لا يُفارقها): "لا أنا هجهز عشان لما يندهولي... لازم أبقى قمر."
نظرت عفاف لابنتها بيأس وقالت لـمنال : "اعملي أنتِ يا منال حاجة تتشرب... المجنونة دي مش في عقلها."
ذهبت عفاف إلى غرفة سيد، وجدته جالسًا.
عفاف: "سيد... قوم، في ضيوف بره."
سيد: "مين؟"
عفاف: "عيلة المعز."
سيد (يستقيم بانتباه،كانت علاقته بالمعز طيبة قبل مشاكل عفاف): "ودول إيه اللي جابهم؟... غدير فيها حاجة؟"
عفاف (بحدة): "اخرج اسألهم... أنت بتسألني أنا؟" (في سرها: يا ترى جايين ليه؟ عرفوا بموضوع صابر ولا علشان خناقة شهد ولا موضوع المفاتيح؟ كانت التساؤلات تنهش رأسها).
في صالة شقة عفاف وسيد المتواضعة، جلست عائلة المعز بوقار. خرج سيد من غرفته، وعلى وجهه علامات الحيرة.
سيد: "أهلاً وسهلاً بيكم يا جماعة."
الحاج سالم (بنبرة لا تحتمل الجدال): "اقعد يا سيد."
جلس سيد بتردد.
سيد: "خير يا حاج؟"
الحاج سالم: "هو مش خير خالص... بس الأول نادي الست عفاف عشان الكلام يبقى قدامها."
نادت سيد على عفاف لتجلس معهم. جلس الجميع، ثم بدأ الحاج سالم حديثه بصوت حازم وقوي، لم يترك مجالًا للشك أو الإنكار.
الحاج سالم: "أنا سبق وكلمت غدير في موضوع... يخص مراتك... وقلت خلاص فهمت... وهددتها لو مراتك أو بناتك قربوا من اللي يخصوني... يبقى عليا وعلى أعدائي".
سيد (بوجه مُندهش): "أنا مش فاهم إيه الموضوع."
الحاج سالم (استكمل حديثه بنبرة تُعبر عن الغضب المخزون): "اللي حصل ده مينفعش يا سيد. شهد بنتك اتخانقت مع خطيبة فارس النهاردة الصبح في الحارة... وقالت لها إنها مخطوبة لـفارس... ووصلت إنها حاولت تتهجم عليها."
سيد (يتصدم، عيناه تتسعان، وينظر إلى عفاف): "شهد... عملت كده؟!"
الحاج سالم: "أيوة... وقدام الحارة كلها. تقدر تسأل أي حد. فأنا بقى هتكلم في القديم والجديد... مراتك طلعت نسخة من مفاتيح حاتم."
تلقى سيد الصدمة تلو الأخرى. نظر إلى زوجته عفاف بعينين لا تُصدقان. كان وجه عفاف قد شحب، ولم تستطع النطق بكلمة واحدة، عقلها توقف عن التفكير في أي كذبة لتُدافع بها عن نفسها.
الحاج سالم (يكمل بقوة، وكأنه يضرب المسمار الأخير في نعش خطط عفاف): "واسأل غدير لو عايز تتأكد... وتاني حاجة، حاولت تفتح باب لورشة بتاعة صلاح ابني... وده متصور بالكاميرا بتاعة المراقبة... لولا إن فارس كان مغير الكوالين، كانت نجحت."
كان وجه عفاف قد تحول إلى اللون الرمادي. لم تستطع أن تنطق بكلمة. كانت تريد أن تُظهرهم مخطئين، لكنها لم تجد أي كذبة. مخها توقف تمامًا عن التفكير، وقد انكشفت كل ألاعيبها.
في هذه اللحظة العصيبة، وبينما الصمت يسيطر على الأجواء، سُمع خبط قوي من باب إحدى الغرف في الداخل، وصرخة مُكتومة لـسما وهي تُنادي: "طلعوني!"
رأيكم..... وفوت 🌟 🌟
وكومنتات كتير❤️❤️❤️
Angel