١٣

١٣

18 0

الفصل الثالث عشر: روتين ...وزيارة العقارب

مع إشراقة صباح جديد، وبعد ليلة صاخبة في حارة المعز، تستيقظ الشخصيات على وقع يوم جديد يحمل معه أصداء ما حدث، وينسج خيوطًا جديدة من العلاقات والمخططات في العالمين المتوازيين.

استيقظت نادين على صوت خفيف في الفيلا. كانت تشعر ببعض الألم في قدمها، لكن الابتسامة لم تفارق شفتيها عندما تذكرت أحداث الليلة الماضية. نزلت إلى غرفة الطعام الفاخرة، التي تطل على حديقة واسعة، لتجد الدادة علية منهمكة في ترتيب مائدة الإفطار التي كانت تزخر بأنواع مختلفة من الأطعمة الفاخرة.

نادين (بشوشة، ونبرة فيها بعض الحذر): "صباح الخير يا دادة علية!"

علية (بابتسامة حنونة): "صباح النور يا قلب الدادة. نمتي كويس؟ شكلك تعبانة من سهر امبارح."

نادين (تقترب منها، وتخفض صوتها قليلاً): "يا دادة علية... ممكن طلب؟"

علية (تتنهد، وهي تعرف ما ستطلبه): "أكيد يا نادو... في إيه؟"

نادين: "متفوليش لبابي ومامي إني كنت في فرح في الحارة إمبارح... أرجوكِ! مش عايزاهم يعرفوا. لو سألوا، قولي كنت تعبانة وسهرت فى حفلة." (قالتها بنبرة ترجو وتتوسل).

علية (بقلة حيلة، وهي تبتسم ابتسامة خفيفة): "تمام يا نادو. سرك في بير. ادخلي افطري قبل ما باباكي ينزل."

شعرت نادين بالراحة، وتوجهت إلى المائدة. جلست تفطر بهدوء، تفكر في أحداث الأمس. بعد الانتهاء، صعدت لتغيير ملابسها، واختارت طقماً عملياً وأنيقاً. ثم غادرت الفيلا متوجهة إلى شركتها في وسط البلد، وعقلها منشغل بخطط العمل الجديدة، وبصورة فارس.

...............

في حارة المعز، صباح يوم جديد يعني التجمع العائلي. في شقة الجد سالم الواسعة، التي كانت تعج بالحركة والضحكات، اجتمع معظم أفراد "آل المعز" لتناول الفطور على مائدتين كبيرتين، واحدة للرجال والأخرى للنساء، كما جرت العادة. كان الغائب الوحيد هو غدير (التي كانت لا تزال نائمة بعد سهر الفرح)، والعرسان شهاب وعلا اللذين كانا لا يزالان في عشهما الجديد في شقة شهاب.

الحاجة سماح (بصوتها الدافئ): "متنسوش يا بنات تطلعوا أكل لشهاب وعلا في شقتهم فوق. لازم يلاقوا فطار جاهز."

الحاجة رباب (والدة علا، ترد بحنان): "حاضر يا حاجة، من عيني. أنا محضرة كل حاجة."

انخرط الجميع في الفطار، والحديث يدور حول تفاصيل الفرح. الضحكات تتعالى على بعض المواقف المضحكة، والشكاوى الخفيفة من الإرهاق أو زحام الفرح.

الحاج صلاح: "الفرح كان ليلة جميلة، ربنا يهني العرسان."

فارس (يرتشف الشاي، وابتسامة خفية ترتسم على شفتيه وهو يتذكر نادين): "الحمد لله، الكل كان مبسوط."

مراد: "أنا اللي اتبسطت بجد! شوفت ناس جديدة وقمر ! وكمان..." (يغمز لفارس، لكن فارس يُقاطعه بنظرة حادة).

الحاجة رقية (والدة فارس): "أنا رجلي وجعاني من كتر الوقفة والرقص."

بعد الفطور، بدأ الجميع يتفرق. فارس، مراد، وحاتم توجهوا إلى الورشة. الرجال الكبار إلى أعمالهم الخاصة، والنساء إلى مهامهن المنزلية.

في بيت الحاج سيد، لم تهدأ الأجواء بعد ليلة الفرح. كان الحديث ما زال يدور حول ما حدث، ولكن بنبرة مختلفة، نبرة تملؤها المخططات والطموحات. كانت عفاف تجلس في غرفة المعيشة، تُوجه وصاياها الأخيرة لبناتها شهد ومنال، بينما كانت سما تجلس بعيداً، منهمكة في كتبها.

عفاف (بنبرة جادة ومُخططة): "اسمعوا كلامي كويس أوي. عايزاكوا كل شوية تظهروا قدام مراد وفارس. فاهمين؟"

شهد (بعصبية): "أظهر إيه بس يا ماما؟ ده حتى الأستاذ فارس ده مبيعملش ليا اعتبار!"

عفاف: "يا هبلة! أنا قلت نظهر، مش نجري وراهم! يعني عايزة كل ما تعدوا من قدام الورشة، تعملوا نفسكوا بتشتروا حاجة من الدكان اللي جنبها، أو بتعدوا عادي، وتسلموا وبس. متطولوش في الكلام. فاهمين؟"

منال: "يعني نعدي من قدام الورشة رايح جاي؟"

عفاف: "بالظبط! يومين كده بس. وبعدها نروح نبارك للعرسان. بس نتفق مع غدير الأول، علشان نضمن إنهم في البيت. وعايزاكوا هناك بقى، تقفوا تساعدوا الحاجة رقية كده في المطبخ، وتبينوا إنكوا بنات شاطرين وبيتوتيين. علشان يعرفوا مين البنات الأصيلة في الحارة." 

شهد ومنال (بابتسامة خبيثة): "حاضر يا ماما!"

كانت سما تستمع بضيق شديد. رفعت عينيها عن كتابها، ونظرت إليهن بقرف.

سما (في نفسها): "مش هتبطلوا تمثيلياتهم دي!"

عادت سما إلى مذاكرتها، بينما استمرت عفاف في وضع خططها المُحكمة للسيطرة على "آل المعز"، دون أن تدري أن هناك عالمًا آخر بدأ يتقاطع مع عالمهم.

..............

دارت الأيام ببطء في عالم، وبسرعة في آخر، لكنها كانت كلها تتجه نحو نقطة التقاء محتومة. صباحات هادئة في فيلا نادين، وصباحات مليئة بالنشاط في حارة المعز، تخللها روتين جديد من المراقبة والتحركات المُخطط لها.

استعادت نادين روتينها اليومي المعتاد. تستيقظ في غرفتها الفاخرة، تتناول إفطارها الهادئ مع الدادة علية التي كانت تحرص على سرها، ثم تتوجه إلى شركتها. كانت تنغمس في عملها بتصميم الأزياء، تُشرف على العمال، وتُتابع أحدث خطوط الموضة العالمية. لكن على الرغم من انشغالها، لم يغب فارس عن ذهنها تمامًا. كانت صورته تومض في ذاكرتها بين الحين والآخر، تذكر ابتسامته الهادئة، شهامته، وحتى لحظة القرب في الشرفة.

كانت تتساءل في صمت عما إذا كان هو أيضاً يتذكرها. لم تُجرؤ على البحث عنه، لكن فضولها كان ينمو مع كل يوم يمر.

في حارة المعز، كانت الحياة تسير على وتيرة ثابتة. فارس ومراد وحاتم يقضون أيامهم في الورشة، أصوات أدوات الصيانة تمتزج بأحاديثهم اليومية. كان فارس يعمل بجد كالمعتاد، لكن لمحات من الشرود كانت تعتريه بين الحين والآخر، خاصة عندما تتسلل صورة نادين إلى ذهنه، ورنين ضحكتها الخافتة في الشرفة.

فارس (يُحدث نفسه): "ياترى عاملة إيه دلوقتي؟ لسه رجلها وجعاها؟"

لم يكن هذا الشرود يخفى على مراد.

مراد: "ايه يا عم الأسطى؟ لسه البسكوتة مأثرة؟"

فارس (يرد بجدية مصطنعة): "بطّل هري يا مراد، وركز في الشغل. عندنا شغل كتير."

مراد: "حاضر يا كبير. بس العين دي مش بتكدب."

أما شهد ومنال، فقد بدأتا في تنفيذ خطة عفاف. كل صباح، وبعد أن تُعطي عفاف وصاياها، كانت الفتاتان تتظاهران بالذهاب لشراء بعض الأغراض من الدكان المجاور للورشة، أو العودة من بيت أحد الأقارب. كانتا تمران أمام الورشة، تُلقيان التحية الخاطفة على فارس ومراد، ثم تُكملان طريقهما، محاولتين تطبيق نصيحة عفاف بـ"التقل" و"الظهور".

شهد (تهمس لمنال وهما تمران): "شوفيه بيبص إزاي!"

منال (تُجيب بنفس الهمس): "ولا معبرنا."

لم يكن فارس ولا مراد غافلين عن هذا الروتين الجديد.

مراد (لفارس، وهو يضحك خلسة): "عرايس المولد بدأوا جولة التفتيش الصباحية يا عم الأسطى! تفتكر جايبين معاهم قايمة المشتريات ولا بيعملوا مسح شامل؟"

فارس (يهز رأسه بضيق): "طنش يا مراد. ركز في الشغل."

...............

بعد يومين من هذا الروتين، حان موعد تنفيذ الجزء الثاني من خطة عفاف. اتفقت مع غدير على أن يكون الجميع موجودين في بيت آل المعز بعد صلاة الظهر مباشرة، وهو التوقيت الذي يكون فيه الرجال قد عادوا للغداء من أعمالهم، والنساء يتجمعن في البيت الكبير.

وصلت عفاف بصحبة بناتها شهد ومنال، ودخلت معهم غدير . دخلن بيت آل المعز الكبير، حيث كانت الأمهات والعمات يجلسن ويتحدثن.

عفاف (بابتسامة عريضة مصطنعة): "السلام عليكم، يا حجة سماح! ألف مبروك للعرسان! جينا نباركلهم."

الحاجة سماح (ترد بابتسامة مهذبة لكن باردة): "الله يبارك فيكوا يا عفاف. منورين."

بدأت عفاف في كيل المديح لبناتها أمام الجميع، تُشكر في شهد ومنال وتُبالغ في وصفهما.

عفاف: "يا حجة سماح، أنا عايزة أقولك إن شهد ومنال دول مفيش زيهم في البيت. شاطرين في كل حاجة. بكرة تشوفوا لما يتجوزوا، هيطّلعوا ستات بيت بجد. ما بيختلفوش عن غدير أبدًا."

همست الحاجة سماح لـالحاجة رقية، والدة فارس.

الحاجة سماح (بهمس): "ما احنا عارفين غدير... مش عايزين نكررها تاني."

كان هذا الهمس كافيًا ليوضح مدى فهم نساء "آل المعز" لمخططات عفاف، ومدى عدم ارتياحهن لغدير (التي كانت معروفة بطباعها القوية وتحكمها في حاتم).

...............

بعد قضاء وقت قصير في الغرفة الكبيرة، ومع تبادل المجاملات الباردة، جاء دور الجزء الأهم من خطة عفاف.

عفاف: "طيب يا جماعة، نستأذن بقى نطلع نبارك للعرسان في شقتهم فوق."

صعدت عفاف وبناتها نحو شقة شهاب وعلا في الدور الثالث. كانت الشقة مُجهزة ببساطة وذوق، تعكس ذوق علا الهادئ ووضع شهاب المادي الجيد. لكن "العقارب" لم تكن هناك للمباركة فقط.

شهد (تنظر إلى الأثاث): "يا لهوي! ده النيش بتاعهم ده موديله قديم أوي! كنت لازم تختاري حاجة أحدث يا علا."

منال (تُقلب في المطبخ): "إيه ده؟ دي الأطباق دي مش بورسلين! دي بتبقى أحلى في النيش!"

غدير (تفتح دولاب غرفة النوم): "يا علا! هو أنتِ مش جايبة غير الطقم ده؟ ده أنا كان عندي أكتر من عشر أطقم!"

علا (بابتسامة مُرهقة، وهي تحاول أن تظل مهذبة): "ألف شكر يا جماعة. دي حاجات بسيطة، بس أنا مرتاحة فيها."

كانت التعليقات السلبية والتطفل لا يتوقفان، حتى وصلت الأمور إلى ذروتها.

علا (في داخلها، وقد بلغ بها الضيق مداه): "هاطق! دول وصلوا لفتح الدولاب والمطبخ! دول عايزين يعرفوا كل حاجة!"

......................

في نفس التوقيت، كانت شمس، أخت فارس، تلاحظ وجود عفاف وبناتها في بيت العائلة، وتعرف جيداً طبيعة زيارتهن. لم تكن تريد أن يتعرض أخوها فارس للمزيد من المضايقات. التقطت هاتفها واتصلت بفارس.

شمس: "فارس، أنت ومراد جايين على الغدا؟"

فارس: "آه، في حاجة؟"

شمس: "لأ... بس بصراحة، عرايس المولد وأمهم، على رأي مراد، هنا... وشكلهم عارفين معاد رجوعكوا. فحبيت أنبهكوا."

فارس (تنهد بضيق وقد فهم المقصود): "تمام يا شمس، وصلت الرسالة. طيب، ابعتوا الغدا على الورشة النهاردة. أنا ومراد مش هنرجع."

شمس: "تمام يا فارس، أحسن بردو. بالهنا والشفا."

أغلق فارس الخط، ونظر إلى مراد بابتسامة خفيفة.

فارس: "المولد عندنا النهاردة في البيت، الغدا هيجي لنا."

مراد (بفهم): "يا سلام! أحسن بردو! دي عفاف دي خطيرة، ما سابتش لا الفرح ولا الغدا إلا ما تحط بصمتها!"

ضحك الاثنان، بينما استمرت "العقارب" في غزو شقة العرسان، غير مدركات أنهن قد تسببن في تفويت فرصة جديدة لمضايقة فارس.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بين عالمين ج١: عشق الفارس

المؤلف Angel
2025/11/09 مكتملة
قائمة الفصول (40)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة