الفصل الثامن عشر: عيون لا تخطئ
بعد حوار فارس ونادين في المكتب، خرج الاثنان. فارس كان يحاول أن يبدو طبيعياً، لكن عيناه كانتا تتبعان نادين، ونادين كانت تبتسم ابتسامة خفية، مُدركةً أن الجو بينهما قد تغير.
توجه فارس نحو فهد الذي كان يتحدث مع أحد العمال.
فارس (بابتسامة ودودة، لكنها تحتوي على لمسة من الغيرة الخفية): "أهلاً يا أستاذ فهد. ها عجبك المكان." (مد يده ليصافحه).
فهد (بابتسامة): "اه الحارة فيها اماكن جميلة للتصوير. نادين حكتلي كتير عن المكان وعنك ." (قالها بذكاء، وهو يُلاحظ النظرات التي يتبادلها فارس ونادين).
بينما كان فارس يُحدث فهد عن الورشة وبعض الأماكن التي يمكن أن تُستخدم للتصوير، كانت نظرات فهد تُلاحظ بذكاء العلاقة بين فارس وعمته. كان يرى كيف تُلقي نادين نظرات خفية على فارس، وكيف يبتسم فارس لها، وكيف كان هناك توتر مُحبب بينهما.
فهد (في نفسه): "يا نادو... اللي مش فاهمك ممكن يفتكر إنك جاية للشغل، لكن أنا فاهم عينيكِ كويس. ده مش مجرد شغل."
في تلك الأثناء، دخل الحاج صلاح، والد فارس، إلى الورشة. كان رجلاً وقوراً، صاحب هيبة، لكنه يتمتع بقلب طيب. رأى نادين وفهد، فابتسم بترحيب.
الحاج صلاح: "أهلاً وسهلاً يا أهل البيت. نورتوا الورشة. الأستاذة نادين، أهلاً بيكي مرة تانية." (صافح نادين وفهد بحرارة).
نادين: "أهلاً بيك يا انكل. دي فرصة سعيدة إني أشوفك تانى."
نادين: "وده فهد، ابن أخويا وشريكي في الشركة. جينا نشوف أماكن للتصوير لحملة أزياء جديدة."
الحاج صلاح (بابتسامة واسعة، وهو يرى الفرحة في عيني فارس): "يا مرحب يا مرحب. تشرفنا يا أستاذ فهد. بما إنكوا نورتوا حارتنا، يبقى لازم تتغدوا معانا. ما ينفعش كده أبداً."
نادين (تُحاول الرفض بلباقة، وهي تُفكر في الموقف المحرج): "لا يا انكل، مفيش داعي. إحنا مش عايزين نتعبكم."
فارس (يُصمم على رأي أبيه، وعيناه ثابتتان على نادين، كأنه يقول لها "لا ترفضي"): "لا إزاي! لازم تتفضلوا عندنا. إيه يا نادين، مش عايزة تسلمي على العرسان، شهاب وعلا؟"
وجدت نادين نفسها في موقف محرج. لم تستطع الرفض أمام إصرار الحاج صلاح وفارس. نظرت إلى فهد، الذي أومأ لها بالموافقة بابتسامة خفية، وكأنه يقول: "لنرى ما سيحدث."
نادين: "خلاص يا انكل، زى ما تحب ."
ابتسم الحاج صلاح بترحيب، وأخرج هاتفه فوراً.
الحاج صلاح: "ألو يا حاجة رقية... جهزي الغدا يا حاجة... عندنا ضيوف مهمين جايين يتغدوا معانا."
وصلت نادين وفهد إلى بيت آل المعز الكبير، حيث كان الجو دافئاً ومرحباً. استُقبلوا بحفاوة من نساء العائلة، خاصة الحاجة سماح والحاجة رقية وشمس.
على مائدة الغداء، جُلس الرجال على سفرة، والنساء على سفرة أخرى. كان هذا تقليداً مُتبعاً في بيت آل المعز. جلس نادين بين النساء، وقد قامت شمس بضيافتها. كان فارس يجلس على السفرة المقابلة للرجال، عينيه لا تفارق نادين، تتبادل النظرات معها بين الحين والآخر، تُشعرها بالأمان.
كانت غدير موجودة أيضاً، تتناول الغداء. لاحظت وجود نادين، وبدأ الفضول يتملكها، سرعان ما تحول إلى غيرة.
غدير (بصوت هامس لزوجها حاتم): "مين دي؟... وإيه اللي جابها هنا؟... ومين ده اللي معاها؟"
حاتم (يهمس لها بملل، وقد سئم من فضولها): "يا غدير! دي تبقى الأستاذة نادين، اللي كانت في الفرح. وده فهد، خطيبها." (قالها حاتم ليريح نفسه من أسئلتها، مُعتقداً أن "شريكها" تعني "خطيبها").
غدير (شعرت براحة فورية، وابتسمت ابتسامة خفيفة): "آه... خطيبها. تمام." (توقفت أسئلتها، وقد أزال "الخطيب" أي قلق لديها).
انتهى الغداء، وصعدت نادين لتبارك لـعلا في شقتها، بينما كانت فهد يُحدث شهاب عن بعض تفاصيل العمل.
بعد قضاء وقت ممتع مع عائلة المعز، حان وقت المغادرة. خرجت نادين وفهد من البيت، وتبعهم فارس ليوصلهم إلى سيارتهما التي كانت ما زالت متوقفة أمام الورشة.
عند السيارة، تبادلت نادين وفارس نظرات أخيرة. كانت نظرات تحمل الكثير من المشاعر التي لم تُقال.
نادين: "شكراً جداً يا فارس... ليكم كلكم. يوم جميل أوي."
فارس: "الشكر لله يا نادين. تنورونا في أي وقت."
بينما كانت نادين تُفتح باب سيارتها لتركب، اقترب منها فارس خطوة، وهمس لها بصوت خفيض، وكأنها وعود لا يريد أحداً غيرها أن يسمعها.
فارس: "هبقى أتصل بيكي..."
لم تُجب نادين بكلمة، لكن ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيها، وعيناها لمعتا، وكأنها تقول: "مستنياك."
ركبت السيارة، وودعتهما، تاركة فارس يقف يراقب سيارتها وهي تبتعد. كان هذا الوداع بداية لشيء آخر، شيء لا يُمكن أن يوقفه أي فارق أو مسافة.
...................》》》《《《 ......................
بعد زيارة حارة المعز والغداء في بيت آل المعز، عادت نادين إلى عالمها اللامع في الشركة، لكن معها عاد فهد، ابن أخيها، الذي كانت عيناه الثاقبتان قد التقطتا أكثر مما أظهرت عمته. لم يكن مرتاحًا للتوتر الذي رآه بين نادين وفارس، ولم تكن قصتها عن "الشغل" تُقنعه.
عادت نادين وفهد إلى الشركة بعد مغادرتهما حارة المعز. كانت نادين تُحاول أن تُخفي ابتسامتها الداخلية وتأثرها بالزيارة، بينما كان فهد يُراقبها بتركيز. فور دخولهما مكتب نادين الفاخر، الذي تسيطر عليه الألوان الهادئة والتصميمات العصرية، وقبل أن تجلس نادين حتى، بدأ فهد استجوابه.
فهد (بنبرة جادة، وقد وضع كاميرته على المكتب وأخذ يديها بين يديه): "أنا بقى عايز أفهم... ومتقوليش موضوع شغل، نادين." (شدد على اسمها).
"مين الناس دي اللي عينيهم بتلمع أول ما يشوفوكي؟ ومين هو فارس ده بالظبط؟ وإيه علاقتك بيه؟"
رفعت نادين حاجبيها، متفاجئة من جراءة فهد في سؤاله. لم يعتد أحد في عائلتها على محاسبتها بهذا الشكل، باستثناء والدها أحياناً.
نادين (بنبرة مُتحداة، تُحاول أن تُخفي ارتباكها ببعض الغضب المصطنع): "إيه إيه يا فارس! أنت هتحاسبني؟... متنساش إني عمتك!"
فهد (يُصححها بهدوء، مع ابتسامة خفيفة): "اسمي فهد... مش فارس."
نادين (تصدر صوتاً خافتاً): "أوبس!" (أدركت خطأها الذي كشف جزءاً من تفكيرها المستمر في فارس).
فهد (يُتابع، وقد ازدادت نبرته جدية): "مين بقى الناس دي يا نادين؟... وإيه قصة الفرح اللي حضرتيه عندهم ده؟"
تنهدت نادين، وأدركت أن فهد لن يتركها بسهولة. جلست على كرسيها الدوار، وهي تُحاول جمع شتاتها.
نادين: "يا فهد، الموضوع بسيط. فارس صلحلي العربية قبل كده في الحارة، لأن التكييف كان عطلان. ووقتها، انكل صلاح (والد فارس) عزمني على فرح ابنه شهاب، ورحت باركتلهم. بس كده."
فهد (يرفع حاجبيه، ويُقهقه بسخرية خفيفة): "بس كده؟... لا واضح إني أنا اللي مزود الموضوع. أنا بس عيني اللي مش بتشوف كويس."
(قالها وهو يُقلد نظرة نادين الخفية نحو فارس في الحارة). "بس يا نادو، عينيكِ كانت بتقول كلام تاني خالص."
تورد وجه نادين خجلاً، لكنها لم تجد رداً على ملاحظة فهد الدقيقة. كانت تعرف أن فهد، بحكم عمله في التسويق ومراقبة التفاصيل، شديد الملاحظة.
في تلك اللحظة، وقبل أن تتمكن نادين من الرد أو تغيير الموضوع، فُتح باب المكتب فجأة. دخل كل من لي لي، مازن، وكريم، ومعهم معاذ. كانت وجوههم تحمل علامات الدهشة والقلق.
لي لي (بقلق، وقد سمعت صوت الحدل الخافت من خارج المكتب): "في إيه يا جماعة؟ أنا سمعت صوت زعيق... في حاجة حصلت؟"
نظر فهد إلى نادين، ثم إلى أبناء عمومته. لم يضيع فهد وقتاً.
فهد (متوجهاً إليهم مباشرة، وبنبرة فيها بعض التوتر والإثارة): "تعالوا بقى عشان تفهموا. أنا كنت بسأل الأستاذة نادين عن الناس اللي رحنا نتغدى عندهم، وعن فارس اللي المفروض إنه صلح لها العربية. وواضح إن أنا الوحيد اللي شايف اللي بيحصل هنا!"
تجمع أبناء عمومة نادين حول المكتب، وعيونهم تتجه نحو نادين، التي شعرت فجأة أنها محاصرة.
لي لي (أول من تكلمت، بنبرة غير مُصدقة): "أكيد فهد فاهم غلط... صح يا نادو؟ مستحيل نادو تفكر كده... دول ناس من الحارة يا فهد!"
كريم (بتعقل مصطنع، يحاول إظهار انفتاحه): "أنا شايف إن من حقها تشوف حياتها وتمشي على كيفها. كل واحد حر في اختياراته. بس... المستوى مهم يا نادو. إنتي عارفة عيلتنا وعارفة إيه اللي يليق بينا."
مازن (يتدخل بنبرة أكثر جدية وهدوء، يحاول التفكير بمنطقية): "أنا بقى عايز أقابل فارس ده. مش يمكن مفيش حاجة من ناحيته؟ أو بيتسلى؟... نادو، إنتي عارفة إن فيه رجالة كتير بتحب تلعب بمشاعر البنات."
ارتفعت نبرة صوت نادين فجأة، وكأنها انفجرت دفاعاً عن فارس، أو عن مشاعرها التي لم تعتد كبتها.
نادين (بتسرع، وعيناها تلمعان بغضب): "لا! فارس مش بيتسلى!... ده بيخاف عليا جداً... ومش عايز حد يتكلم عليا!" (أدركت فوراً أنها قد كشفت الكثير).
فهد (يُقهقه بانتصار، وهو يرمق البقية بنظرة "لقد أخبرتكم"): "شوفتوا؟... يعني كلامي صح!"
ساد صمت مُطبق في المكتب. تبادلوا نظرات ذات معنى، بينما كانت نادين تُدرك أنها وقعت في فخ فهد، وأن مشاعرها تجاه فارس لم تعد سراً.
...................》》》《《《 ......................
في نفس الوقت، في حارة المعز، وتحديداً في الورشة، كان مراد وعمر وشهاب قد أحاطوا فارس فور عودته من توصيل نادين. كانت عيونهم تحمل نفس الفضول الذي يملكه فهد، ولكن بأسلوب الحارة الصريح.
مراد (بضحكة خبث): "إيه يا عم فارس؟ شكل الزبونة دي غير كل الزباين. إحنا سمعنا صوتك وأنت بتودعها."
عمر (يُكمل): "أيوة يا فارس، إحنا أصحابك من زمان. عايزين نفهم... في تطورات حصلت من بعد الفرح ولا إيه؟"
شهاب (بجدية، يُدرك أن أخيه قد يكون واقعاً في ورطة): "يعني في تطور... مشاعر كده يا فارس؟"
فارس (يتنهد بعمق، ثم ينظر إليهم بجدية، لم يعد يُحاول إخفاء مشاعره): "يعني... آه في تطور. مشاعر كده زي ما بتقول يا شهاب."
شهاب (بنبرة أكثر تعقلاً وحذر): "وإنت واخد الموضوع جد؟... ولا مجرد ارتباط ومشاعر؟... إحنا بنتكلم على نادين يا فارس. بنت الباشا."
اندهش فارس من كلام شهاب، لكنه أدرك أن أخاه يُحاول حمايته.
فارس (بنبرة قوية، يُظهر فيها مدى جديته وعمق مشاعره): "لا طبعاً... جد جداً. دانا لو أطول أخبّيها من الناس أعملها! نادين غالية عندي أوي يا شهاب... غالية بطريقة أنت متتخيلهاش."
شهاب (يهز رأسه بحسرة، يُدرك عمق مشاعر أخيه، لكنه يرى الواقع): "بس... الموضوع مختلف يا فارس. أنتوا مختلفين. هل نادين بنت الباشا دي هتعيش هنا في الحارة؟... في بيتنا... بيت عيلتك؟... لازم تفكر قبل أي حاجة... الحب مش كل حاجة يا فارس."
ساد الصمت لبرهة. كانت كلمات شهاب بمثابة رصاصة في قلب فارس، كلمات تُذكره بالحواجز الصارمة التي تفصل بين عالميهما. نظر فارس إلى الأرض، مُدركاً أن طريق هذا الحب لن يكون سهلاً على الإطلاق.
Angel