الفصل ٣٢ : لقاء ... وتحدي
في لقاء يجمع عالمين، يقف فارس بثبات وثقة أمام كامل باشا، في محاولة لكسب ثقة الأب المتخوف، بينما تُراقب نادين المشهد بقلبٍ يرقفق بين الأمل والرهبة من بعيد.
في صباح اليوم التالي، في تمام الساعة الحادية عشرة، وصل فارس إلى مبنى شركة كامل باشا الفاخر. كان المبنى يرتفع شامخًا في قلب المدينة، بواجهته الزجاجية اللامعة التي تعكس أشعة الشمس. دخل فارس إلى بهو الاستقبال الأنيق الذي يتميز بالرخام اللامع والنباتات الخضراء الكثيفة. اقترب من موظفة الاستقبال الشابة.
فارس (بصوت هادئ وواثق): "صباح الخير. عندي موعد مع الأستاذ كامل الساعة 11. أنا المهندس فارس المعز."
موظفة الاستقبال (بابتسامة مهنية): "أهلاً وسهلاً يا فندم. لحظة واحدة لو سمحت." (أجرت مكالمة قصيرة، ثم أشارت إلى مقاعد جلدية فاخرة في صالون الانتظار). "تمام يا فندم، تقدر تتفضل في صالون الانتظار، السكرتيرة هتيجي لحضرتك حالًا."
جلس فارس في صالون الانتظار. كانت الغرفة فسيحة ومزينة بلوحات فنية عصرية، وتُطل على جزء من المدينة. على الرغم من هدوئه الخارجي، كان قلب فارس ينبض بقوة. لم يكن قلقاً من كامل باشا كرجل أعمال، بل كوالد نادين. كان يعلم أن هذا اللقاء هو مفتاح مستقبلهما معًا.
بعد دقائق، خرجت السكرتيرة، سيدة في الأربعينات تبدو جادة ومهنية، لتُقابله.
السكرتيرة: "الأستاذ فارس؟ اتفضل يا فندم، الأستاذ كامل في انتظارك."
نهض فارس، وتوجه نحو مكتب كامل باشا، بخطوات ثابتة ومحددة.
..................
في نفس التوقيت، كانت نادين في شركتها، لا تستطيع التركيز على أي شيء. كانت تجلس في مكتبها، وتُحاول العمل على تصميم جديد، لكن عقلها وقلبها كانا معلقين باللقاء الذي يدور الآن بين فارس ووالدها. لي لي، التي لاحظت توتر صديقتها، دخلت عليها.
لي لي: "إيه يا نادو؟ لسه قلقانة؟"
نادين (تُرفع رأسها، وعلى وجهها علامات القلق الواضحة): "جدًا يا لي لي. حاسة إني مش قادرة أتنفس. خايفة من رد فعل بابي... وخايفة إن فارس يتوتر أو... مش عارفة."
لي لي: "اهدي بس. فارس قدها وقدود. أنتي بنفسك قولتي إنه راجل، وواثق في نفسه، وكمان التقرير اللي جدو طلبه كان كويس جدًا عنه. دي مجرد مقابلة أولى. جدو كامل بيحبك، وأكيد عايز سعادتك."
نادين: "يا رب... يا رب الدنيا تمشي كويس. أنا بحس إني مربوطة إني مش موجودة معاهم دلوقتي."
لي لي: "هتعدي، وهتعدي على خير إن شاء الله." (ربتت على كتف نادين مُحاولة تهدئتها).
................
في هذه الأثناء، دخل فارس مكتب كامل باشا. كانت الغرفة ضخمة ومُصممة بذوق رفيع، مكتب كامل باشا الخشبي الكبير يسيطر على المنتصف، وعلى الجدران، تُعلق شهادات تقدير ولوحات فنية غالية الثمن. كان كامل باشا جالسًا خلف مكتبه، يُطالعه بجدية بالغة.
كامل باشا (بنبرة رسمية، وهو يُشير بيده إلى المقعد المقابل لمكتبه): "أهلاً يا فارس. اتفضل."
جلس فارس بثقة، وعيناه تُقابلان عيني كامل باشا مباشرة. لم يُحاول التهرب من نظرات التقييم التي يرمقه بها والد نادين.
فارس: "أهلاً بحضرتك يا فندم. متشكر على وقت حضرتك."
كامل : "ندخل في الموضوع على طول يا أستاذ فارس. أنت طلبت انك تقابلنى فى موضوع شخصى اقدر اعرف ايه هو."
فارس: "أكيد يا فندم. أنا جاي أطلب إيد الآنسة نادين من حضرتك."
نظر كامل باشا إلى فارس مطولاً.
كامل : "أستاذ فارس... أنا عامل تقرير مفصل عنك وعن عيلتك. والتقرير ده بيقول إنك شاب مكافح، شاطر في شغلك، وسمعتك كويسة جدًا. عيلتك برضه ليها أصل طيب في الحارة. كل ده كويس."
شعر فارس ببعض الارتياح.
كامل (صوته أصبح أكثر جدية): "لكن... أنت عارف إن حياة نادين... مختلفة تمامًا عن البيئة اللي جاي منها. نادين ليها حياتها، ليها أسلوبها، ليها دائرة معارفها. هل أنت مستعد للفرق ده؟ هل مستعد إنك تدخل عالمها بكل ما فيه؟ وهل هي كمان مستعدة لده؟"
فارس (بصوت واضح وحازم، وعيناه تحملان كل الصدق): "يا فندم، أنا بحب نادين، وهي بتحبني. والحب ده هو اللي بيخلي أي صعوبة أو فرق يختفي. أنا فاهم إن فيه اختلافات، ومستعد أتعلم أي حاجة عشان أسعدها. وهي كمان، مستعدة إنها تعيش معايا أي حاجة."
كامل (لم تبدُ على وجهه أي رد فعل مباشر، لكنه تابع بنبرة هادئة): "كلام كويس يا فارس. بس الكلام حاجة، والواقع حاجة تانية. الحياة الزوجية محتاجة تضحيات من الطرفين. أنا عايز أتأكد إن نادين مش هتعيش في وهم، وإنك مش هتصدمها بواقع أنتَ نفسك مش هتكون قادر عليه."
فارس: "يا فندم، أنا واثق من نفسي ومن حبي لنادين. وواثق إنها كمان قوية كفاية إنها تواجه أي حاجة معايا. أنا مش بطلب من حضرتك توافق دلوقتي، أنا بطلب فرصة... فرصة إني أثبت لحضرتك وليها إننا نقدر نبني حياة سعيدة سوا."
نظر كامل إلى فارس. كان يبدو عليه أنه يُقيم الموقف بعمق. الصمت خيم على المكتب للحظات، ومرت الدقائق وكأنها ساعات، قبل أن يقطع كامل باشا الصمت.
ظل الصمت يُخيم على مكتب كامل باشا لثوانٍ بدت وكأنها دهر. كان فارس يجلس في مواجهته، وعيناه ثابتتان، مُستعدًا لأي حكم قد يصدره والد نادين. كامل باشا نفسه كان يُقيّم كل كلمة قالها فارس، ويُوازن بين التقرير الإيجابي ومخاوفه الأبوية. أخيرًا، كسر الصمت.
كامل (بنبرة هادئة ومدروسة، وقد بدا على وجهه علامات القبول الممزوج بالحذر): "كلامك فيه كتير من الصدق يا فارس. وأنا كرجل أعمال، بقدر الشخص اللي بيقف على أرض صلبة وواثق في قدراته. التقرير اللي عندي بيبين إنك فعلاً راجل مكافح وشاطر، وعيلتك ليها سمعة طيبة. كل ده مهم."
شعر فارس بارتياح خفيف، لكنه لم يتكلم، مُنتظرًا ما سيأتي.
كامل : "لكن... الموضوع ده مش مجرد صفقة شغل. دي حياة بنتي، نادين. وأنا عايزها تكون سعيدة، ومش بس سعيدة دلوقتي، سعيدة طول العمر. الفروقات اللي بينا كبيرة، وأنا وضحت الموضوع ده لنادين. هل أنتوا الاتنين، بالرغم من حبكوا، هتكونوا مستعدين للضغط اللي ممكن ييجي عليكم؟ هل هتقدروا تحافظوا على حبكوا ده لما تلاقوا نفسكم في عالمين مختلفين تمامًا؟"
فارس (بثقة وهدوء، وقد فهم نقطة كامل باشا): "يا فندم، أنا ونادين عارفين إن الطريق مش هيكون مفروش بالورود. لكن كل علاقة ليها تحدياتها، بغض النظر عن الفروقات دي. إحنا واثقين إننا نقدر نبني جسور بين عالمينا. أنا مستعد أبذل كل جهد عشان أوفّر لنادين الحياة اللي تستحقها، وهي كمان عندها نفس الاستعداد. سعادتنا مع بعض أكبر من أي فروقات."
نظر كامل باشا إلى فارس بعمق. رأى فيه إصرارًا وتفهمًا لم يكن يتوقعه. تنهد بعمق، ثم أخيرًا اتخذ قراره.
كامل : "تمام يا فارس. أنا مبدئيًا... موافق."
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه فارس. كان هذا هو النصر الأول.
كامل : "بس الموافقة دي مش نهائية إلا لما نشوف الأيام هتعمل إيه. أنا عايز خطوبة طويلة شوية... ممكن سنة مثلاً. خلال السنة دي، هتكون فرصة ليكم أنتوا الاتنين تتعرفوا على بعض أكتر في كل الظروف، ونشوف مدى قدرتكم على التأقلم مع بعض ومع العالمين اللي أنتوا جايين منهم."
فارس: "أنا موافق يا فندم. أي مدة تراها مناسبة حضرتك." (لم يتردد فارس لحظة، فقد كان سعيدًا بهذه الفرصة).
كامل : "كويس. تقدروا تحددوا معاد لزيارة عيلتك عندي في البيت. وأنا كمان أحب أقابل أهلك وأتعرف عليهم."
فارس: "أكيد يا فندم. خلال يومين هتصل بحضرتك نحدد الميعاد المناسب ليكم."
نهض فارس، ومد يده لمصافحة كامل باشا. كانت مصافحة قوية، تحمل في طياتها بداية تحالف جديد.
فارس: "متشكر جداً لحضرتك على ثقتك وفرصتك لينا."
كامل : "العفو يا فارس. بالتوفيق."
خرج فارس من مكتب كامل باشا وقلبه يرقص فرحًا. لقد نجح في الخطوة الأولى، وربما الأصعب.
......................
في هذه الأثناء، كانت نادين لا تزال في شركتها مع لي لي، وقلبها يكاد يخرج من صدرها من فرط القلق والترقب. كانت تُراقب هاتفها بشغف، تنتظر أي إشارة من فارس.
نادين (بصوت يرتجف): "مش قادرة أستنى أكتر من كده يا لي لي. حاسة إن كل ثانية بتمر كأنها ساعة."
لي لي: "اهدي يا نادو، أكيد لو فيه حاجة وحشة كان اتصلوا. ده دليل إن الأمور ماشية كويس."
فجأة، رن هاتف نادين. كان المتصل فارس. قفزت نادين من مكانها، وأمسكت بالهاتف بيد مرتجفة.
نادين (بصوت يملؤه الأمل والخوف): "ألو... فارس؟"
فارس (على الطرف الآخر، صوته يملؤه الفرح الذي يُحاول كبته): "مبروك يا نادين."
توسعت عينا نادين، ولم تُصدق ما سمعته. ابتسامة عريضة ارتسمت على وجهها، ثم تحولت إلى ضحكة فرح خافتة.
نادين: "بجد يا حبيبي؟! دادى... دادى وافق؟!"
فارس: "مبدئيًا وافق... بس فيه شروط... وحاجات كتير عايز أحكيلك عليها. المهم إننا خطينا أول خطوة."
نادين (لم تستمع للشروط، فقد غمرتها الفرحة، وصوتها يعلو بلهفة): "مش مهم أي شروط! المهم أنه وافق! أنا عايزة أشوفك دلوقتي! أنا جايا لك!"
فارس (بابتسامة وهو يسمع حماسها): "لا يا مجنونة! اهدي بس. أنا هجيلك على الشركة دلوقتي. مش هينفع تيجي أنتِ."
نادين: "بجد؟! هتجيلي؟! أنا مستنياك! مش مصدقة! بحبك أوي!"
أغلقت نادين الهاتف، ثم ألقت بنفسها في أحضان لي لي، وهي تضحك وتبكي في آن واحد من شدة الفرح.
نادين: "وافق يا لي لي! دادى وافق! إحنا هنخطب! وهو جايلي دلوقتي!"
لي لي (تُعانقها بسعادة): "ألف ألف مبروك يا حبيبتي! كنت متأكدة!"
كان هذا اليوم هو بداية فصل جديد في حياة نادين وفارس، فصل يحمل معه تحديات، لكنه يُبشر بمستقبل مشترك طالما حلما به، وسيبدأ بلقاء يجمع قلبين في فرحة غامرة.
Angel