٦

٦

18 0

الفصل السادس: نور الفجر ولقاء غير متوقع

انشقت ظلمة الليل عن خيوط الفجر الأولى، لتكشف عن ملامح حارة المعز الهادئة التي بدأت تستيقظ على صوت الآذان الأول. لكن في هذه اللحظة، كانت سيارة فاخرة تشق طريقها بصعوبة في الأزقة الضيقة، حاملةً في طياتها بداية لقاء لم يكن ليخطر على بال.

........

قادت نادين سيارتها ببطء شديد وحذر بالغ، عيناها تتسعان بذهول وهي تتوغل أكثر في حارة المعز. لم يسبق لها أن وطأت هذه الأرض من قبل بهذا القرب، ورغم أن الوقت كان متأخرًا، إلا أن ملامح البيوت المتلاصقة، الأبواب الخشبية القديمة، وحتى رائحة الخبز الطازج التي بدأت تتسرب من بعض الأفران، كانت تخبر قصة مختلفة تمامًا عن عالمها.

الدادة علية بجانبها كانت تومئ لها بالطريق، صوتها خفيض: "كمان يمين يا بنتي، وبعدين شمال عند الفرن البلدي."

وصلت نادين أخيرًا أمام منزل الدادة علية الصغير المتواضع. أوقفت السيارة، وشعرت بارتياح كبير لأنها وصلت بسلام.

نادين (تلتفت إلى علية بابتسامة دافئة): "حمد لله على السلامة يا دادة علية. وصلنا ..."

الدادة علية (بعينين تلمعان بالامتنان): "تسلمي لي يا بنت قلبي يا نادو. ربنا يحفظك ويكرمك يارب . عمري ما أنسى وقفتك دي."

ترجلت الدادة علية من السيارة، وقبل أن تهم نادين بالمغادرة، سمعت صوتًا رجوليًا هادئًا قادمًا من خلفها.

"خير يا حجة علية؟ فيه حاجة؟".

التفتت نادين بسرعة، لتجد فارس يقف على مقربة منهم. كان يرتدي "تي شيرت" خفيفًا وبنطالًا واسعًا، ويبدو أنه كان قد استيقظ لصلاة الفجر .

كانت ملامحه تبدو أكثر استرخاءً وهدوءًا بدون ضغط العمل. عيناه التقطتا صورة نادين في سيارتها الفاخرة، ثم نظرة الدهشة على وجهه للحظة.

الدادة علية (بسرعة، محاولة توضيح الموقف): "أهلاً يا فارس يا ابني. دي نادين هانم، بنتي اللي بشتغل معاها. هي اللي وصلتني عشان السواق مكانش موجود."

مدّ فارس يده تلقائيًا، رغم دهشته، وكانت عيناه تلتقيان بعيني نادين للحظة، نظرة سريعة حملت فضولاً متبادلاً.

فارس: "أهلاً وسهلاً يا آنسة نادين. نورتي الحارة." (صوته كان عميقًا وهادئًا، يحمل بعض الوقار).

نادين (صوتها كان واثقًا رغم المفاجأة): "أهلاً بيك يا أستاذ... فارس مش كده؟ ميرسي كتير لسؤالك عن دادة علية دايمًا."

فارس: "الشكر لله يا آنسة. الحجة علية دي من أهل الحارة." (ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه، كشفت عن شخصية ودودة).

كانت لحظة صمت قصيرة، ثقيلة بالتباين بينهما. نادين في سيارتها الفارهة، وفارس يقف بثبات على أرض الحارة التي يعرف كل حجر فيها.

نادين: "تمام، أنا لازم أمشي بقى عشان الطريق. باى يا دادا ... باى يا استاذ فارس" (شعرت بحاجة لإنهاء الموقف).

فارس: "طريقك سالم ان شاء الله. ولو احتجتي أي خدمة هنا في الحارة، إحنا موجودين." (قالها بنبرة ودودة تحمل عرضًا للمساعدة).

أومأت نادين برأسها بامتنان، ثم انطلقت بسيارتها ببطء، تاركة فارس وراءها، وهو يراقب سيارتها الفاخرة وهي تختفي في أزقة الحارة. كانت نظراته تحمل خليطًا من الفضول والدهشة.

............》》》

عادت نادين إلى فيلا كامل مع أول خيوط الفجر. كانت الفيلا هادئة، ويبدو أن داليا وكامل لم يعودا بعد من الحفلة. دخلت نادين إلى غرفتها، ألقت بجسدها المتعب على سريرها الفاخر. كانت ليلة طويلة، لكن شيئًا ما بداخلها تغير. ملامح فارس الهادئة، ووقاره، وطريقته الواثقة في التعامل، وترحيبه اللطيف، كانت قد انطبعت في ذهنها. بدا فارس مختلفًا عن الرجال الذين اعتادت التعامل معهم في عالمها، يحمل بساطة وعمقًا لم تألفه.

بعد بضع ساعات، استيقظت داليا على صوت هفيف خفيف. خرجت من غرفتها لترى نادين تجلس في غرفة المعيشة، تتناول قهوتها وتتصفح هاتفها.

داليا (بنبرة تحمل بعض القلق): "نادين! يا روحي، صح النوم. رجعتِ امتى؟ وفين دادة علية؟"

نادين (ترفع رأسها بابتسامة باهتة): "صباح الخير يا مامي. رجعت الصبح. والدادة علية، أنا اللي وصلتها لحد بيتها في الحارة، السواق كان مشغول معاكم."

تغيرت ملامح وجه داليا إلى الدهشة، ثم إلى بعض الضيق.

داليا: "إيه اللي بتقوليه ده يا نادين؟ توصلّي الدادة بنفسك؟ لحد بيتها؟ مينفعش طبعاً! ده حتى مش أمان عليكي!"

نادين (بهدوء وثقة): "ومينفعش أسيب الدادة علية تمشي لوحدها في وقت متأخر كده يا مامي. هي قعدت معانا طول اليوم، ودي أقل حاجة أعملها."

نظرت داليا إلى نادين، أدركت أن ابنتها المدللة لديها جانب من المسؤولية والشهامة لم تكن لتتوقعه منها. كان هذا الصباح قد شهد أول خطوة لنادين خارج فقاعتها المعتادة، خطوة قد تغير مسار حياتها كلها.

................... 》》》

بعد أن ودعت سيارة نادين، بقي فارس واقفاً للحظات أمام منزل الدادة علية، عقله ما زال يستوعب ما رآه. "آنسة نادين!" تكرر الاسم في ذهنه، وبملابسها الأنيقة حتى في هذا الوقت المتأخر، جعلها تبدو وكأنها خرجت من إحدى المجلات التي يراها أحيانًا. شعر بفضول غريب تجاه هذا العالم الآخر الذي يختلف تماماً عن عالمه. حتى وصل لمنزله .

لم يمض وقت طويل، حتى دخلت الحاجة رقية، والدة فارس، توقظه بصوتها الدافئ المعتاد.

الحاجة رقية: "يا فارس! يا حبيبي. يلا عشان تفطر وتنزل الورشة."

نهض فارس من سريره، وقلبه ما زال يحمل صدى لقاء الفجر. بينما كان يتوضأ للصلاة، ثم يرتدي ملابس الورشة المعتادة، كان يحاول أن يزيح صورة نادين من ذهنه.

تناول فطوره على عجل في بيت العائلة الصاخب، يتبادل الأحاديث المعتادة مع الأعمام وأبناء العمومة. كانت رائحة الفول والطعمية تملأ المكان، تماماً كما في أي صباح، لكن شيئاً ما كان مختلفاً في ذهن فارس.

خرج فارس من البيت وتوجه نحو الورشة. كانت الحارة قد بدأت تدب فيها الحياة بشكل كامل. الأطفال يركضون، وأصحاب المحلات يفتحون أبوابهم. وبينما هو يهم بالدخول إلى ورشته، كانت شهد تقف هناك، تستقبله بابتسامة واسعة، وقد بدت وكأنها تنتظره.

شهد: "صباح الخير يا فارس! إيه، نازل بدري أوي كده ليه؟" (قالتها بدلال، بينما عيناها تتفحصان ملامحه).

نظر إليها فارس، عادت إليه مشاعر الضيق المعتادة من محاولاتها المستمرة. تمنى لو أن تلك الفتاة الأنيقة من عالم آخر هي من وقفت في طريقه.

فارس (ببرود): "صباح النور يا شهد. ده شغلي، طبيعي أكون فيه بدري."

تخطاها فارس ودخل الورشة، تاركاً شهد وراءه، وهي تتأفف من بروده المعتاد. كان هذا الصباح قد شهد لقاءً غير متوقع، لكنه أيضاً أعاد فارس إلى واقعه الذي يضم شخصيات مألوفة، بعضها مرحب به، وبعضها الآخر يشكل مصدر إزعاج دائم.

............ 》》》

دارت عقارب الساعات لتصنع يوماً جديداً، حاملاً معه تفاصيل صغيرة وكبيرة، ومخططات خفية، وأحاديث تُكشف فيها الأبعاد الحقيقية للشخصيات، بينما يستمر اللقاء الأول بين فارس ونادين في إلقاء ظلاله على يومياتهما.

في النادي الراقي، حيث تتأنق السيدات ويتبادلن الأحاديث على أنغام الموسيقى الهادئة، كانت فريدة وداليدا تجلسان على طاولة تطل على المساحات الخضراء الشاسعة، انضمت إليهما لاحقاً صافي وخلود.

كانت الأحاديث تدور حول آخر صيحات الموضة، والأسعار الباهظة للأشياء، وحفلات المجتمع الراقي، والجمعيات ، وطبعا لا تخلو من النميمة. ،

فريدة (تضع فنجان قهوتها الفاخر): "هو بصراحة، أسعار الفرو الطبيعي بقت خيالية. يعني عشان تعملي جاكيت شيك، محتاجة ميزانية لوحدها."

داليدا (تضيف بسخرية خفيفة): "أكيد يا ماما. مش زي اللي بيعملوا حاجات كاجوال كده، أي قماشة تمشي معاهم." (كانت ترمي بكلامها على عمل نادين وكريم).

دخلت صافي، وهي ترتدي طقماً رياضياً أنيقاً يبرز رشاقتها، تجلس معهم بعد أن انتهت من "تمارينها الصباحية" المتأخرة، وتطلب كوب عصير أخضر.

صافي: "صباح الخير يا بنات. إيه الأخبار؟" (تسلم عليهن بمياعة مصطنعة).

خلود (بابتسامة مجاملة): "صباح النور يا صافي. كنا بنتكلم عن الأسعار المجنونة دلوقتي."

صافي: "آه طبعاً. كل حاجة نار. الواحد بيحاول يحافظ على شكله بس بالعافية."

(تبدأ تشتكي عن صعوبة المحافظة على رشاقتها في ظل ظروف الحياة، متجاهلة أنها لا تبذل مجهوداً كبيراً فى حياتها).

كانت أحاديثهن تدور في فلك ضيق من الماديات والمظاهر الاجتماعية، بعيداً كل البعد عن هموم الحياة العادية، أو حتى اهتمامات أبنائهن في عالم الأعمال الجديد.

..........》》》》

في شركة نادين للأزياء، كانت الأجواء مختلفة تماماً. لم يكن هناك وقت للأحاديث الجانبية أو الشكوى من الأسعار. كانت لي لي ونادين تجلسان في مكتب نادين، تتبادلان الأفكار بحماس شديد. أمامهما، شاشات حاسوب تعرض تصاميم ثلاثية الأبعاد لأزياء جديدة، وعينات أقمشة مختلفة الألوان والملمس.

نادين (تشير إلى تصميم لفستان سهرة): "الفستان ده لازم يكون هو مفتاح الكولكشن الشتوي. حاسة إنه هيعمل ضجة."

لي لي (بعينين لامعتين): "بس محتاجين نلاقي الخامات اللي تبرز جماله ده يا نادو. أنا دورت كتير، ولقيت مورد في إيطاليا عنده قماش تحفة، بس سعره هيكون عالي."

نادين (بثقة): "مش مهم السعر يا لي لي، المهم الجودة والفكرة. إحنا بنقدم قيمة مش بس منتج. كلمي معاذ وفهد، لازم يراجعوا الموضوع ده معايا. عايزة أجمد حاجة في السوق."

كان الحديث بينهما يدور حول الشغف، الإبداع، والتخطيط المستقبلي، بعيداً عن صراعات المظاهر الاجتماعية.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بين عالمين ج١: عشق الفارس

المؤلف Angel
2025/11/09 مكتملة
قائمة الفصول (40)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة