الفصل الخامس عشر: هروب ... ووجه لا يُنسى
في مكتب ورشة فارس، حيث توقفت الأنفاس وتلاقت النظرات في لحظة مشحونة، كان الصمت يلف المكان، محملًا بعبق التوتر والرغبة المكبوتة. كانت لمسة فارس لنادين قد أشعلت شرارة لم يكن يتوقعها أي منهما.
بعد أن مسح فارس قطرات العصير المنسكبة عن فستان نادين، بقيت يده مُعلقة في الهواء لثوانٍ معدودة، قريبة جداً من بشرتها، وكأنها لا تريد أن تفارقها. كانت عيناهما مثبتتين على بعضهما البعض، تُبحران في أعماق لم تكتشف من قبل. كانت تلك النظرة عميقة، تحمل مزيجاً من الدهشة، الرغبة، والارتباك.
فارس (فاق من توهانه فجأة، وكأنه استعاد وعيه من غيبوبة، صوته كان أجشًا ومتقطعًا): "طب... أنا... أنا هروح أشوف التكييف... العربية."
(أشار بيده نحو الباب، ثم نحو سيارتها).
نادين (كانت لا تزال تحت تأثير اللحظة، وتتحدث بصوت خافت،): "آه... بليز... لاحسن هموت من الحر."
ابتعد فارس عنها ببطء، وتراجع خطوة إلى الخلف. نظر إليها للحظة أخيرة، كانت عيناه تحملان ألف سؤال وسؤال.
فارس (في نفسه، وهو يتجه نحو الباب): "دانا اللي هموت... من اللي أنا شايفه ده."
وصل فارس إلى باب المكتب. مد يده لفتحه، لكنه توقف، وكأنه يجد صعوبة في الابتعاد. أدار رأسه لينظر إلى نادين مرة أخرى. كانت تحاول أن تُنهي ما تبقى من العصير في الكوب بسرعة، وكأنها تُحاول تهدئة التوتر الذي يجتاحها.
فارس (بنبرة مترددة، وكأنه يبحث عن أي ذريعة للبقاء): "أجيب لك عصير أو حاجة تانية تشربيها؟"
رفعت نادين عينيها إليه. كانت نظراتها تحمل لمسة من المفاجأة، ربما لم تكن تتوقع منه أن يسألها مرة أخرى بعد كل هذا.
نادين (بصوت رقيق، مع ابتسامة خفيفة): "ياريت... بيبسي... ممكن؟ بس ساقع."
لم يكن فارس بحاجة لأكثر من ذلك.
فارس: "آه طبعاً ممكن!" (قالها بحماس مبالغ فيه).
خرج فارس من المكتب مسرعاً، وكأنه يهرب منها ومن نفسه في آن واحد. أسرع إلى أحد العمال.
فارس (بسرعة): "يا حسن! هاتلي بيبسي ساقع مثلج! حالاً!"
انطلق العامل لإحضار المشروب، بينما توجه فارس نحو سيارة نادين. فتح بابها، وألقى نظرة سريعة على لوحة القيادة. بدأ في تفحص نظام التكييف، محاولاً التركيز على عمله، لكن صورة نادين في المكتب، بجمالها الآسر وفستانها الخفيف، لم تفارق خياله. كان يعمل بمهارة وسرعة، لكن عقله كان مشغولاً بها.
بعد لحظات، عاد العامل بكان البيبسي المثلج. أخذه فارس منه وتوجه به إلى المكتب. فتح الباب بحذر، ودفعه ببطء.
وجد نادين جالسة كما هي، لكنها الآن كانت مغمضة العينين، ورأسها مائل قليلاً للخلف، وهي تستمتع بهواء المروحة البارد. كانت قد رفعت ساقيها ووضعتهما على كرسي صغير كان بجوارها، في وضع يوحي بالراحة التامة والاستسلام للحرارة والإرهاق. فستانها القصير، وحمالاته الرفيعة، وشعرها المرفوع، كلها تفاصيل زادت من سحر المشهد.
توقف فارس على عتبة الباب، يتأملها. كانت تبدو هادئة، جميلة، وضعيفة بعض الشيء في هذا الموقف. شعر وكأنها ملكه، وكأنه مسؤول عنها. هذه الصورة أثارت في قلبه مشاعر قوية لم يفهمها تماماً.
فارس (في نفسه، وهو يرمقها بنظرة تحمل مزيجًا من العشق والذهول): "لا كده كتير... كده أنا اللي مش هستحمل."
حمل فارس البيبسي بيده، متجمداً في مكانه للحظات، قبل أن يخطو للداخل ليضع لها المشروب. كانت لحظة صمت أخرى، مشحونة بترقب ما ستؤول إليه الأمور بينهما.
...................
في مكتب فارس الصغير، كانت لحظات الصمت بعد دخول فارس بالبيبسي كفيلة بخلق أجواء مشحونة، تترقب فيها الأنفاس بداية حوار جديد قد يُغير مسار كل شيء بين فارس ونادين.
وقف فارس للحظة على عتبة المكتب، يراقب نادين وهي مغمضة العينين، مستسلمة لنسيم المروحة الخفيف. كان جمالها هادئًا آسرًا، ووضعيتها المريحة أظهرت جانبًا من عفويتها لم يعتده. وضع كان البيبسي المثلج بهدوء على المكتب المجاور لها، ثم اقترب منها خطوة، وناداه بهمس، وكأنه يخشى أن يكسر سحر اللحظة.
فارس (يهمس): "نادين؟"
في نفس اللحظة التي ناداها فيها، فتحت نادين عينيها ببطء، وكأنها تستيقظ من حلم جميل. التقت عيناها بعيني فارس اللتين كانتا قريبتين منها بشكل مفاجئ. ارتبكت نادين بشدة، وسحبت قدميها بسرعة من على الكرسي الصغير الذي كانت تضعهما عليه. كادت أن تسقط من ارتباكها، لكن فارس، بسرعة بديهة، مد يده وأمسك بذراعها ليمنعها من السقوط.
شعرت نادين بدفء يده القوية حول ذراعها، وتسللت رعشة خفيفة في جسدها. اعتدلت في جلستها، وهي ما زالت تشعر بالارتباك، بينما ظل فارس ممسكًا بيدها.
فارس (بصوت هادئ، لكن فيه أثر للتحكم بصعوبة في مشاعره): "جبتلك البيبسي."
نادين (تأخذ الكان منه، وتحاول أن تجمع شتات نفسها): "ميرسي جداً... يا... فارس." (كانت كلماتها تخرج بصعوبة، وعيناها لا تفارقانه).
فارس (لم يترك يدها بعد، يُسأل بنبرة فيها اهتمام حقيقي): "بقيتي كويسة دلوقتي؟"
نادين: "آه... البيبسي ساقع... خفف الحر شوية." (ارتشفت منه رشفة سريعة).
تنهد فارس تنهيدة خفيفة، وكأنه يحاول استعادة السيطرة على نفسه. أبعد يده عن نادين ببطء، لكنه لم يبتعد جسدياً كثيراً.
فارس: "طب أنا هروح أكمل شغل التكييف في العربية." (قالها وهو يُحاول أن يُعيد تركيزه على العمل).
ثم اقترب منها خطوة أخرى، ومد يده بلطف، وشال خصلة شعر كانت قد سقطت على عينها، وضعها خلف أذنها. كانت لمسة بسيطة، لكنها حملت الكثير من الحنان والاهتمام.
فارس: "ياريت تلبسي الجاكيت ده تاني..."
(أشار إلى البليرو الذي كانت قد خلعته، ثم أكمل بنبرة شبه آمرة، لكنها تحمل قلقاً واضحاً).
"ومتفتحيش الباب لأي حد. وأنا مش هخلي حد يدخل المكتب لغاية ما أخلص، تمام؟"
أومأت نادين برأسها بالموافقة، كانت واقفة في مكانها، مصدومة من قربه، ومن أوامره الهادئة التي تقبلتها بلا تردد.
خطا فارس خطوة للوراء، متجهًا نحو الباب، وكأنه على وشك المغادرة ليعمل. لكنه توقف فجأة، وكأن شيئًا ما سحبه للعودة. استدار وعاد إليها، واقترب منها مرة أخرى، هذه المرة كان قريباً جداً، وهمس لها بصوت عميق، كأن الكلمات تخرج من قلبه مباشرة.
فارس (يهمس): "ياريت كمان بلاش لبس قصير تاني... ماشي؟"
اتسعت عينا نادين من المفاجأة، ثم انخفض رأسها بخفة. لم تستطع الكلام، فقط هزت رأسها بالموافقة.
استمر فارس في همسه، وصوته أصبح أعمق، ينبض بالمشاعر.
فارس: "المفروض أمشي دلوقتي... صح؟"
نادين (ما زالت ترتعش من قربه، هزت رأسها بـ"آه" ضعيفة، وعيناها مثبتتان عليه، لم تستطع أن تبعدها)
فارس: "وأسيبك..." (قالها بنبرة شبه استفهامية، وعيناه تسألانها مباشرة).
نادين (هزت رأسها ببطء، هذه المرة بـ"لا" قاطعة، وعيناها لم تبتعدا عن عينيه، وكأنها تستجدي بقاءه)
ابتسم فارس ابتسامة عريضة، ابتسامة انتصار وشغف.
فارس: "أنا بقول كده بردو... مسبكيش."
ثم اقترب منها أكثر، وقلص المسافة الأخيرة بينهما. كان وجهه قريباً جداً من وجهها، وعيناهما تتلاقيان في صمت يُعلن عن بداية جديدة، وعن اعتراف صامت بمشاعر لم تعد تُحتمل.
Angel