١٧

١٧

19 0

الفصل السابع عشر: تداعيات الصمت... وخطوات متقاربة

بعد أن غادرت نادين ورشة فارس مسرعة، تاركة وراءها كلمات فارس المعلقة في الهواء ومشاعرها المتضاربة، انقسمت الحياة بين العالمين المتوازيين، كل منهما يحمل في طياته صدى تلك اللحظة الحاسمة.

قادت نادين سيارتها الفاخرة بعيداً عن حارة المعز، تكييف السيارة يعمل بكفاءة، لكن الحرارة الحقيقية كانت داخلها. كانت يداها ترتعشان على عجلة القيادة، وقلبها لم يهدأ بعد. كلمات فارس الأخيرة: "إنتي غالية أوي يا نادين... ومينفعش حاجة بينا تبقى سرقة... أنا... أنا اتعلقت بي..." ترن في أذنيها.

نادين (تُحدث نفسها بصوت خافت، شبه مذهولة): "اتعلقت بي؟... هل فعلاً قالها؟... أو كان هيقولها؟"

كانت تتذكر نظراته، لمسته الرقيقة، كل شيء كاد أن يحدث. شعرت بمزيج من الخوف والدهشة والسعادة الغامضة. لم تعتد نادين على هذا النوع من المشاعر العاصفة. حياتها كانت منظمة، عقلانية، خالية من هذه الاندفاعات. لكن فارس، بساطته، رجولته، واهتمامه الصادق، كان يهز أركان عالمها.

وصلت إلى الفيلا، ودخلت غرفتها دون أن تتحدث مع أحد. ألقت بنفسها على السرير، وحاولت استيعاب ما حدث. كانت تلك الكلمات، تلك النظرة الأخيرة، قد خلقت فجوة في جدار الحماية الذي بنته حول قلبها.

.............

بعد مغادرة نادين، وقف فارس وحيداً في مكتبه، الصمت يلف المكان. كانت رائحة عطرها لا تزال عالقة في الهواء، تُذكره بوجودها. مرر يده على شعره بضيق، ثم تنهد تنهيدة عميقة.

فارس (في نفسه، بصوت مُثقل): "اتعلقت بيها... أيوة قلتها... كنت لازم أقولها. بس هي... ليه مشيت كده؟ اتسرعت يا فارس و ...غلطت ..."

شعر فارس بمزيج من الإحباط والأسف. كان يعلم أن ما قاله كان كبيراً، وأن عالميهما مختلفان. لكنه لم يعد يستطيع كبت مشاعره. تلك المرأة، الراقية، الجميلة، العفوية، قد تسللت إلى قلبه بطريقة لم يتوقعها.

خرج من المكتب، وتوجه إلى مراد الذي كان يراقبه بفضول.

مراد: "ايه يا معلم؟ العربية خلصت بسرعة كده؟ شكل الزبونة كانت مستعجلة."

فارس (بنبرة جادة): "خلصت يا مراد. عندي مشوار مهم. هخلص الشغل وهرجع بليل."

مراد: "مشوار إيه بس يا فارس؟"

فارس: "مشوار يخصني. أنت خلي بالك من الورشة."

غادر فارس الورشة، تاركاً مراد في حيرة. توجه إلى بيته، لم يكن يشعر بالراحة. كان قلبه مُنقبضًا، وعقله مشغولاً بنادين.

في بيت آل المعز، لاحظت الحاجة رقية، والدة فارس، شروده وغيرته منذ عودته. في المساء، بعد العشاء، جلست معه في هدوء.

الحاجة رقية: "مالك يا فارس؟ شكلك مش عاجبني من كام يوم. في حاجة مضايقاك؟"

فارس (بتنهد): "مفيش حاجة يا أمي. بس... الشغل والمسؤولية."

الحاجة رقية: "مش عليا الكلام ده يا ضنايا. أنا فاهمة ولادي من نظرة عين. في بنت دخلت قلبك؟"

نظر فارس إلى والدته بصمت، ثم أومأ برأسه ببطء.

الحاجة رقية (بابتسامة حنونة): "ربنا يسعدك يا ابني. بس لو بنت من بره حارتنا، لازم تكون متأكد إنها تستحملك وتستحمل حياتنا. والحب لو بجد، مفيش حاجة تقف في وشه."

شعر فارس بالدفء من كلمات والدته. كانت كلماتها تمنحه قوة وتشجيعاً، وتؤكد له أن الحب الحقيقي لا يعرف الطبقات.

...............

في اليوم التالي، توجهت نادين إلى شركتها كالمعتاد. كانت منهمكة في عملها، لكن عقلها كان مشغولاً بشيء آخر. فتحت جهاز الكمبيوتر الخاص بها، وبدأت في البحث الخفي. لم تكن تبحث عن معلومات عن فارس نفسه، بل عن "ورشة فارس في حارة المعز" وعن "أشهر ورش صيانة السيارات". كانت تحاول أن تُبرر بحثها، لكنها في الحقيقة كانت تريد أن تتأكد من وجوده، من أن كل ما حدث كان حقيقياً.

بعد فترة، قررت نادين أن تفعل شيئاً ما. ليس عن طريق الصدفة هذه المرة، بل عن قصد.

نادين (تُحدث نفسها): "أنا لازم أشوفه تاني... لازم أفهم... أو يمكن... يمكن أوضح له إن اللي حس بيه كان متبادل."

قررت نادين أن تستخدم عملها كذريعة. اتصلت بـ لي لي.

نادين: "لي لي، عايزة اجتماع طارئ مع فريق التسويق والدعاية. محتاجين نطور حملة إعلانية جديدة لخط الأزياء الصيفي... عايزة أفكار غير تقليدية، وكمان... عايزة نفكر في أماكن تصوير غير تقليدية للحملة."

لي لي: "تمام يا نادو. هجهز الاجتماع. في بالك أماكن معينة؟"

نادين (ابتسمت ابتسامة خفية): "لسه... بس بفكر في أماكن شعبية... فيها روح مصرية أصيلة... يمكن حارة، أو ورشة قديمة..."

لم تُكمل نادين جملتها، لكن في عينيها كان هناك بريق من التخطيط، ورغبة في الاقتراب أكثر من ذلك العالم الذي بدأ يسحرها، ومن الرجل الذي بدأ يملك قلبها.

...................》》》《《《 ......................

في أجواء حارة المعز الصاخبة، حيث تختلط أصوات الورشة بضحكات الأطفال، كان موعد جديد يضرب بين فارس ونادين، موعد لم يكن عادياً، بل كان مشحوناً بالغيرة، الاعتراف، ومحاولات كل منهما فهم الآخر.

في صباح أحد الأيام، وصلت نادين إلى حارة المعز، ولكن هذه المرة لم تكن وحدها. كانت ترتدي بنطلونًا جينز أنيقًا، وبديًا عصريًا، وجاكيت قصيرًا (كروب جاكيت)، مما أعطاها مظهراً عملياً وأنيقاً في آن واحد. كانت تبدو مختلفة عن زيارة الورشة السابقة، وكأنها تُحاول التأقلم مع أجواء المكان. لم تكن تُدرك تماماً لماذا أحضرت معها فهد، ابن أخيها. هل كان ذلك لحماية قلبها من فارس، أم لترى مدى غيرته؟

كان فهد شاباً وسيماً، يرتدي ملابس عصرية، ويحمل في يده كاميرا احترافية، مما جعله ملفتاً للانتباه في الحارة.

عندما لمح فارس نادين تقترب من الورشة، شعر بنبضة قوية في قلبه. لكن النبضة تحولت إلى صدمة عندما رأى شاباً يقف إلى جوارها، يتبادلان الحديث بابتسامة، وفهد يمسك بيدها بلطف وهو يُشير إلى بعض المباني في الحارة.

توجه فارس نحوهما بخطوات سريعة، وعلامات الدهشة والغيرة واضحة على وجهه.

فارس (يرحب بهما بابتسامة مصطنعة، عينيه لا تفارقان يد فهد على يد نادين): "أهلاً وسهلاً... نورتوا الحارة. نادين... كل حاجة تمام؟"

نادين (بابتسامة خفيفة، وقد لاحظت علامات الغيرة على وجهه، فشعرت بسعادة خفية): "أهلاً بيك يا فارس. كل حاجة تمام الحمد لله. أنا جيت علشان الشغل."

ثم التفتت إلى فهد.

نادين: "فارس، أحب أعرفك بـ فهد. ده شريكي في الشركة، وهو المسؤول عن الدعاية وتصوير حملات الأزياء الجديدة."

مد فهد يده لمصافحة فارس بابتسامة ودودة.

فهد: "تشرفت بمعرفتك يا أستاذ فارس. سمعت عنك كتير من نادو."

شدت كلمة "نادو" انتباه فارس أكثر.

فارس: "أهلاً بيك يا أستاذ فهد. نورت الورشة."

ترك فارس فهد يتحدث مع أحد العمال عن بعض تفاصيل الأماكن المناسبة للتصوير في الحارة. وفي لحظة، شد فارس نادين من ذراعها بلطف نحو مكتبه، وكأنه لم يستطع الانتظار أكثر.

دخل الاثنان المكتب، وأغلق فارس الباب خلفه. كانت عيناه تشتعلان بغيرة واضحة.

فارس (بنبرة شبه غاضبة، وهو يشير إلى فهد الذي كان ما زال في الخارج): "مين ده؟... وإزاي كان ماسك إيدك كده قدام الناس؟ وكمان بيقولك نادو ."

شعرت نادين بفرحة غامرة لغيرته الصريحة. لم تكن تتوقع منه هذا القدر من الوضوح.

نادين (بابتسامة هادئة، وهي تُحاول أن تُخفف من حدة الموقف): "ههههه... مين ده؟ ده ابن أخويا."

اتسعت عينا فارس بالدهشة.

فارس: "إيه؟... إزاي يعني؟... يعني إيه ابن أخوكِ؟"

نادين: "فهد بيكون ابن أخويا طارق. أنا عمته."

فارس: "إزاي ده؟... ده شكله أكبر منك!"

نادين (توجهت وجلست على طرف المكتب، تتدلى ساقاها برشاقة، وهي تبتسم بمكر): "ماهو فعلاً أكبر مني. أنا عمة من قبل ما أتولد." (ضحكت ضحكة خفيفة).

نظر إليها فارس بنظرة امتنان. أدرك أنه كان مخطئاً، لكن غيرته لم تختفى تماماً.

فارس: "عمة زي القمر... بس القمر مقاليش ليه من الأول أنه ابن أخوها..." (قالها بنبرة تُعبّر عن عتاب ومُغازلة في آن واحد).

في تلك اللحظة، مدّت نادين يديها، ولفّتهما بلطف حول رقبة فارس. رفعت رأسها قليلاً لتنظر في عينيه مباشرة.

نادين: "يمكن كنت عايزة أشوف... رد فعلك." (قالتها بصوت خافت، شبه اعتراف).

شعر فارس بنبضات قلبه تتسارع. كان يعلم أنها كانت تختبره، وأنها تبادله المشاعر.

فارس (صوته كان أجشًا، ونبرته فيها مزيج من التحذير والمحبة): "أنتِ خطر... على قلبي..."

(ابتسم ابتسامة خفيفة).

"عموماً... شغل إيه اللي عايزة تعمليه هنا بالظبط؟"

نادين: "ممكن جلسة تصوير لخط الأزياء الجديد بتاعنا. الحارة فيها روح وأصالة مش موجودة في أي مكان تاني."

فارس (يهز رأسه بجدية، وعيناه ثابتتان عليها): "نادين... ده مكان شغل. ماينفعش فيه الكلام ده."

نادين (تُقرب وجهها قليلاً، وتهمس بنبرة صادقة): "يمكن أكتر... كنت عايزة أشوفك."

توقفت الأنفاس مرة أخرى. كانت كلمات نادين هذه المرة اعترافاً صريحاً برغبتها في رؤيته، وليس مجرد ذريعة عمل.

مد فارس يده بسرعة، وسحب هاتف نادين من حقيبتها. فتح الهاتف، وبدأ يسجل رقمه فيه. ثم رن على هاتفه ليحتفظ برقمه لديها.

فارس: "عايزة تشوفيني؟... اتصلي." (نبرته كانت حازمة، لكن فيها حنان). "مش عايز حد يتكلم عليكي. لو شافك هنا بالطريقة دي... أو فكر إنك جاية لمجرد الزيارة."

نادين: "يعني حجة الشغل ماتنفعش؟"

فارس: "لا متنفعش." (ثم اقترب منها، وخفض صوته).

"بس... عايزين فعلاً نتقابل... محتاجين نتكلم."

ابتعدت نادين عن رقبته، ونزلت من على طرف المكتب. شعرت بأن الموقف قد أخذ منعطفاً جديداً، وأن فارس يُريد علاقة واضحة.

نادين: "طب أمشي أنا بقى..." (قالتها بنبرة فيها بعض المزاح، وكأنها تختبره).

فارس: "رايحة فين؟" (قالها بسرعة، بنبرة تدل على أنه لا يريدها أن تغادر).

نادين: "مش قلت ده مكان شغل..."

فارس (ابتسم): "قلت... بس ده ميمنعش إنك تقعدي تاخدي واجبك الأول... وأتعرف على ابن أخوكِ، بما إنه شريكك. لازم نفهم أصول الشغل." (قالها بابتسامة تُخفي وراءها رغبة قوية في بقائها).

نظر فارس إلى نادين، وابتسامته تُخبر أنها قد فازت. بدأت نادين تبتسم، مدركةً أن هذه الزيارة، رغم بدايتها المشحونة، قد فتحت بابًا جديدًا في علاقتهما.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بين عالمين ج١: عشق الفارس

المؤلف Angel
2025/11/09 مكتملة
قائمة الفصول (40)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة