٧

٧

14 0

الفصل السابع: فوارق الاحتفالات ، و اللقاء الثانى

تتوالى الأيام، ومعها تتشكل ملامح احتفالين مختلفين تمامًا في عالمين متباينين، كل منهما يعكس أولوياته وطموحاته، ويبرز الفوارق العميقة بين الشخصيات.

في فيلا كامل الفاخرة، كانت الاستعدادات لـ عيد ميلاد نادين على أشدها، أشبه بمشروع ضخم يتطلب تنسيقًا دقيقًا وميزانية مفتوحة. كل ركن في الفيلا كان يتحول إلى تحفة فنية. فرق عمل كاملة من منسقي حفلات عالميين، ومهندسي إضاءة، ومصممي ديكور كانوا يتوافدون يوميًا، يحولون الحلم إلى واقع.

كانت داليا، والدة نادين، هي العقل المدبر وراء كل تفصيلة، لا تدخر جهدًا ولا مالاً لتحقيق رؤيتها لحفلة أسطورية.

داليا : "لازم الإضاءة هنا تكون خافتة، بس تبرز الديكور الكريستالي ده. وعايزة النافورة دي تشتغل على أنغام الموسيقى الكلاسيكية وقت دخول نادين."

نادين، ورغم حماسها، كانت تتابع التجهيزات بهدوء، تفضل التركيز على عملها في الشركة، فهي تثق بذوق والدتها في هذه الأمور. إخوتها الكبار طارق وجمال وصافي، كل في فيلته، كانوا مشغولين بالتفكير في الهدية المناسبة لـ "مدللة العائلة".

في فيلا طارق، كان يتحدث مع زوجته خلود.

طارق: "إيه رأيك يا خلود نجيب لـ نادو إيه؟ دي عندها كل حاجة. ممكن ساعة ألماس جديدة؟"

خلود: "الساعة حلوة، بس فهد قال لي إنها بتفكر في شنطة معينة . ممكن نعملها مفاجأة."

وفي فيلا جمال، كانت فريدة تناقش الأمر مع داليدا.

فريدة: "لازم الهدية تكون حاجة قيمة جداً. مش معقول نادين تعمل كل ده في الشركة لوحدها، وأحنا منجبش حاجة تليق بينا."

داليدا: "طب ما نجيب لها طقم مجوهرات جديد. ولا أقولك، بما إنها بتحب الأزياء، ممكن نجيب لها قطعة نادرة من مصمم عالمي."

أما في فيلا مدحت، فكان هو ومازن يتبادلان الأفكار.

مدحت: "شوف يا مازن، الهدية لازم تكون عملية وتخدم شغلها. فكر في حاجة ليها علاقة بالأزياء بس تكون قيمة."

مازن: "فيه معرض للأقمشة النادرة قريب. ممكن نجيب لها مجموعة أقمشة حصرية متتوفرش في مصر."

كان الجميع يفكرون في كيفية تقديم الهدية التي تليق بمكانة نادين وعائلتها، وبحجم الحفل الذي يقام على شرفها.

............ ...............  》》》

في المقابل، كانت تجهيزات فرح علا تسير على وتيرة مختلفة تمامًا، تعكس بساطة ورضا أهل حارة المعز. كانت الحاجة رباب وعلا ومعهما الحاجة رقية والحاجة اعتماد، يجوبن شوارع القاهرة بحثًا عن القاعات المناسبة التي تناسب ميزانيتهم وتتسع لعدد المدعوين الكبير من العائلتين وأهل الحارة.

الحاجة رباب: "القاعة دي شكلها حلو يا بنات، بس تفتكروا سعرها مناسب لينا؟ إحنا عايزين حاجة واسعة، مش لازم تكون فخمة أوي."

علا (بابتسامة رضا): "المهم يا ماما الناس تكون مرتاحة ومبسوطة. أي حاجة منكوا هتبقى أحلى حاجة في الدنيا."

وبعد اختيار القاعة، توجهت البنات، علا وشمس ونورا، إلى المحلات المتخصصة في فساتين الأفراح. كانت علا تبحث عن فستان أبيض بسيط وأنيق، لا يبالغ في سعره أو تصميمه، لكنه يبرز جمالها الطبيعي.

شمس: "الفستان ده شكله تحفة عليكي يا علا! ده أنسب واحد لحد دلوقتي."

نورا: "فعلاً يا علا.شكله، يجنن."

كانت الفتيات متحمسات، كل واحدة منهن تتخيل نفسها في هذا الفستان، بينما علا كانت تفكر في الفرحة التي ستملأ بيت عائلة المعز.

جولة تسوق غدير: مظاهر فارغة

في نفس الوقت، كانت غدير قد أخذت المبلغ الذي حصلت عليه من حاتم، وانطلقت مع والدتها عفاف وأختيها منال وشهد في جولة تسوق خاصة بهم. لم يكن هدفهم شراء فساتين لأي مناسبة عائلية قادمة بقدر ما كان هدفهم إظهار "المظهر" الذي تريده عفاف لبناتها في أي تجمعات.

عفاف: "شوفوا الفستان ده. ده اللي يليق بيكم عشان تظهروا في أي فرح أو عزومة. لازم تختاروا حاجة تلفت النظر."

شهد : "ده حلو أوي يا ماما! فارس أكيد هيشوفني فيه وهيتجنن."

منال: "وأنا عايزة حاجة تليق عليا عشان مراد يشوفني."

غدير كانت تسايرهما، تختار لنفسها فستانًا يبرز قوامها، وتتجنب التفكير في أي شيء آخر سوى المظاهر. كانت هذه الجولة بأكملها تدور حول كيفية إبراز أنفسهن، وكأن الفساتين هي تذاكر الدخول إلى عالم لم يكنن ينتمين إليه بالكامل.

............ ...............  》》》

حل المساء، وبدأ الضيوف يتوافدون إلى فيلا كامل، التي تحولت إلى ما يشبه القصر الأسطوري. الأنوار الخافتة، والديكورات الكريستالية، وعزف الموسيقى الحية، وروائح الزهور العبقة، كل ذلك خلق أجواءً ساحرة.

دخلت نادين مرتدية فستانًا من تصميمها، بلون فضي لامع ينسدل على قوامها برشاقة، شعرها الكيرلي ينسدل على كتفيها، وماكياجها الخفيف يبرز جمالها الطبيعي. بدت كأميرة حقيقية. إلى جانبها، كان والدها كامل ووالدتها داليا يستقبلان الضيوف بفخر.

كان الحفل يضم نخبة المجتمع الراقي: رجال أعمال مرموقين، مصممي أزياء ، فنانين، وشخصيات عامة. كانت الأحاديث تدور بلغات متعددة، حول آخر صفقات الأعمال، والمشاريع الفنية الجديدة، وصيحات الموضة العالمية.

طارق وجمال وصافي، ومعهم أبناؤهم معاذ، فهد، لي لي، كريم، ومازن، كانوا يتوزعون بين الضيوف، يرحبون بهم ويقدمون لهم التهاني.

معاذ (يهمس لـ فهد): "الحفلة دي أسطورية يا فهد. نادو عملت شغل جامد."

فهد: "كل حاجة زي ما هي عايزة وأكتر. مضبوطة بالملى."

التقطت الكاميرات اللحظات السعيدة، بينما نادين كانت تتلقى التهاني والقبلات من الحضور، وابتسامتها لا تفارق وجهها. كانت هذه الليلة تجسيدًا لعالمها، عالم الأضواء، والرفاهية، والتفرد، عالم لا يشبه شيئاً عالم حارة المعز الذي وطأته أقدامها لأول مرة منذ أيام قليلة.

كانت شمس الصباح قد بدأت ترسم خيوطها الذهبية على أسطح بيوت حارة المعز، تضيء الأزقة الضيقة التي اعتادت على الهدوء في هذا الوقت المبكر. لكن اليوم، كانت هناك شرارة على وشك أن تشتعل، شرارة تجمع بين عالمين متباعدين بشكل لم يتوقعه أحد.

............ ...............  》》》

بعد ليلة صاخبة في فيلا كامل، حيث احتفلت نادين بعيد ميلادها الفاخر، كانت تعود الآن في الصباح الباكر بصحبة الدادة علية. نامت الدادة علية في الفيلا لضمان سير الأمور بسلاسة خلال الحفل، والآن حان وقت عودتها إلى بيتها في الحارة. سيارة نادين الفاخرة كانت محملة بعلب التورتات والجاتوهات والساليـزون الفاخرة المتبقية من الحفل، والتي أصرت نادين على أن تأخذها علية لأهل بيتها وجيرانها.

قادت نادين السيارة ببطء وحذر في الأزقة الضيقة، تماماً كما فعلت ليلة أمس. توقفت أمام منزل الدادة علية المتواضع.

الدادة علية (بوجهها البشوش، وعيناها تلمعان بالحب والامتنان): "شكراً يا نادو يا قمر. وكل سنة وأنتِ طيبة يا حبيبتي، عقبال ما أشوفك عروسة يا رب."

نادين (بابتسامة مرهقة لكنها دافئة): "مرسي يا دادة.. طب هتعرفي تطلعي بالحاجة لوحدك ولا أساعدك؟" (نظرت إلى العلب الكثيرة المتراكمة في المقعد الخلفي).

الدادة علية: "لا يا بنتي، إيه اللي بتقوليه ده؟ مينفعش تتتعبي نفسك. استني بس، أنا هشوف حد من ولاد الحارة يساعدني."

ترجلت الدادة علية من السيارة، وبدأت تنادي بصوتها الخفيض على أحد الصبيان الذين يعملون في ورشة فارس المجاورة. وقفت نادين بجانب السيارة، تتابع الموقف، وهي ترتدي فستانًا منسدلًا بلون البيج الفاتح، يبرز قوامها الرشيق بشكل يخطف الأنفاس، وتسريحة شعرها الكيرلي كانت ما زالت متقنة، وكأنها أميرة للتو من حفل أسطوري.

كان فارس قد وصل لتوه إلى الورشة. ، حيث أنه كان معتادًا على الاستيقاظ مبكرًا لبدء يوم عمله. سمع صوت الدادة علية تنادي على أحد الصبيان، فتوجه نحو باب الورشة ليرى ما يحدث. وبينما هو يفتح الباب، وصل إلى سمعه أصوات مجموعة من الشباب العاطلين في الحارة، كانوا يتهامسون ويتغامزون، ثم علت أصواتهم بالمعاكسات الوقحة، موجهة نحو "الأميرة" الواقفة بجوار السيارة.

"يا معلم! شوف القمر ده! إيه ده بس؟ صباح الفل يا حلوة!"

"هو فيه كده بجد؟ صباح الجمال!"

ارتفع صوت الدادة علية محاولة إسكاتهم: "عيب عليكوا يا ولاد! دي بنت ناس محترمة!"

في هذه اللحظة، خرج فارس من الورشة، وبمجرد أن رأى الموقف، اشتعلت عيناه بالغضب. كانت نادين واقفة بجانب السيارة، متجمدة في مكانها. لم تتعرض نادين في حياتها كلها لموقف كهذا. كانت مرعوبة، تشعر بالعار والاشمئزاز، وكأنها تتعرض لإهانة لا تحتمل. عيناها اتسعت من الصدمة، ووجها شحب، وكأنها على وشك الانهيار.

ارتفعت أصوات الشباب،  وتقدم أحدهم بخطوات واثقة،  ويده ممتدة فى الهواء يحاول وضعها على كتف نادين بوقاحة.

احد الشباب " و احنا كمان ناس محترمة ، بس هى الى حلوة زيادة عن اللزوم"

قبل أن تصل يده إليها،  كان فارس قد اندفع بسرعة،  أمسك ذراع الشاب بقوة ، ودفعه بعيدًا عنها ، فسقط الشاب ووقف فارس بينه وبين نادين كجدار سد منيع،

فارس (بصوتٍ عالٍ وحاد، يحمل نبرة "البلطجي" التي لم تظهر من قبل): "إيه يا رجالة! مفيش احترام ولا إيه؟ اذا ما لقتوش الى يعلمهلكوا ، اعلمكم انا الاحترام ؟"

تقدم فارس نحو الشباب الغرباء بخطوات واسعة، ووجهه محتقن بالغضب. لم يكن فارس ليتحمل رؤية أي امرأة تتعرض للمضايقة في حارته. في هذه الأثناء، خرج مراد وحاتم من الورشة بعد أن سمعا الضجة، يليهما بعض الصبيان والعمال.

صُدما بما رأيا: نادين، كأنها خرجت من عالم آخر، تقف في وسط حارتهم، والشباب يعاكسونها.

مراد (بصوت خفيض، يهمس لنفسه بذهول): "يا لهوي! إيه ده؟ دي طالعة من مجلة ولا إيه؟"

حاتم (وعيناه تكاد تخرجان من مكانهما، يغمز لمراد بنظرة تحمل السخرية والضيق): "وغدير فاكرة نفسها قمر ومفيش زيها!"

اشتبك فارس لفظياً مع الشباب، وبدأت الأمور تتصاعد. تدخل مراد وحاتم لمساندة فارس، وبعد لحظات من التوتر، تراجع الشباب ببطء تحت نظرات فارس الحادة.

عاد فارس إلى نادين، التي كانت ما زالت ترتجف من الصدمة.

فارس (بنبرة هادئة الآن، يحاول تهدئتها): "آنسة نادين، حضرتك كويسة؟ متخافيش، خلاص الموضوع خلص."

نادين (بصوت مهزوز): "أنا... أنا مش مصدقة اللي حصل. عمري ما اتعرضت لحاجة زي كده."

فارس: "معلش يا آنسة، ده غصب عننا. الناس دي مش من هنا. اتفضلي، ادخلي المكتب عندي، أرتاحي شوية، وأنا هجيبلك عصير."

دون انتظار ردها، أمسك فارس بذراع نادين برفق، وقادها إلى مكتبه الصغير في الورشة، الذي كان بسيطاً ونظيفاً، مليئاً بالوثائق وأدوات العمل. أجلسها على كرسي جلدي مريح، ثم توجه لإحضار عصير لها، بينما كانت عيناها تتأملان المكان، وعقلها يحاول استيعاب الصدمة والتدخل البطولي المفاجئ من فارس.

كان هذا اللقاء الثاني بينهما، لكنه جاء محملاً بمشاعر قوية وصادمة، كاشفاً عن جانب "البلطجي الشهم" في شخصية فارس، وعن هشاشة نادين أمام مواقف الحياة القاسية.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بين عالمين ج١: عشق الفارس

المؤلف Angel
2025/11/09 مكتملة
قائمة الفصول (40)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة