الفصل الثاني: صباح الكشف عن الخبايا
كانت شمس الصباح قد تعالت، توزع نورها على البيوت والنفوس، كاشفة عن تفاصيل قد لا تُرى في زحمة الليل. في كل مكان، كانت الحياة تدور بإيقاعها الخاص، كاشفة عن طباع الشخصيات وأبعادها.
......
في الدور الثاني من بيت "آل المعز" الكبير، كانت شقة حاتم وغدير تبرز باختياراتها "الأوفر" والضخمة. الأثاث الكلاسيكي الثقيل يملأ المساحات، والتحف الكبيرة تتناثر في كل زاوية، وكأنها تحاول أن تفرض وجودها وقيمتها المادية. الستائر المخملية السميكة كانت ما زالت تسدل على النوافذ، مانعة ضوء الشمس من الدخول بقوة، ليظل المكان في شبه عتمة معتادة على نوم غدير المتأخر.
رن هاتف غدير بإلحاح، صوت النغمات العالية اخترق هدوء الصباح في غرفتها. تمتمت بضيق وهي تتحسس الهاتف بجوارها على الكومودينو المصنوع من الخشب الداكن المزخرف. كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة صباحًا. التقطت الهاتف بنصف وعي.
غدير (بصوتٍ ناعس): "صباح الخير يا ماما."
جاءها صوت الحاجة عفاف من الطرف الآخر من الخط، صوت حاد لاذع لا يعرف للمجاملة طريقًا، مفعم بالعتاب المباشر: "صباح الخير يا أختي! مفيش مرة أتصل ألاقيكي صاحية بدري وبتفطري تحت مع العيلة زي الناس! ده حتى جوزك حاتم بينزل، وأنتي لسه نايمة."
تأففت غدير في سرها، فلطالما كانت هذه المكالمة الصباحية بمثابة صافرة إنذار لبدء يوم جديد من الضغوط. نهضت نصف جالسة، تسند ظهرها إلى السرير الضخم المكسو بملاءات حريرية.
الحاجة عفاف: "قومي كدا اصحي وفوقي، واطلبي فلوس من جوزك حاتم. عايزة أنزل أشتري حاجات من السوق، وهاعدي عليكي أخدك معايا. مش معقول هانفضل كده، لازم تعملي حسابك على اللي جاي."
استمعت غدير بملل لكلمات والدتها التي تحمل دومًا رسائل مبطنة عن مستقبلها، وعن حلم الأم الذي لم يتحقق بعد. تظاهرت بالاستماع بانتباه، بينما كان عقلها يفكر في طريقة لإنهاء المكالمة.
غدير: "حاضر يا ماما... ممكن أقفل بقى عشان ألحقه قبل ما يروح الشغل؟" (قالتها بلهجة شبه متوسلة، لتشير إلى ضرورة إنهاء المكالمة).
الحاجة عفاف: "سلام يا أختي." (أغلقت الخط دون كلمة إضافية).
أغلقت غدير الهاتف ورمته بجوارها. تنهدت بعمق، تعلم أن صباحها قد بدأ بالفعل، وأنه سيكتنفه صراعها الدائم مع طموحات والدتها، ومع رغبتها الملحة في إنجاب "الولد" الذي سيمنحها مكانة أكبر في هذه العائلة الكبيرة. لم يكن لحاتم رأي في الموضوع، فقد كان رجلاً "مطاوعًا" لزوجته، كما تصفه غدير دائمًا.
..............
في فيلا طارق الفاخرة، التي تتميز بتصميم عصري وألوان فاتحة تملأها بالضوء، كان الفطور قد انتهى منذ وقت طويل. المائدة الكبيرة، التي كانت تعجّ بالأصناف الفاخرة، أصبحت الآن مرتبة ونظيفة. كانت لي لي ومعاذ وفهد قد تناولوا فطورهم سريعًا، ثم انطلقوا بسياراتهم الأنيقة صوب فيلا جدهم "كامل" للانضمام إلى "عمتهم" نادين في العمل على أفكارهم الجديدة.
خلود، زوجة طارق، كانت تجلس في غرفة المعيشة الأنيقة، تتصفح مجلة أزياء عالمية، بينما كان طارق يجيب على بعض المكالمات الهاتفية المتعلقة بعمله.
خلود: "العيال دول مبيقدروش يقعدوا دقيقة واحدة. كله بسبب نادين، جننتهم بالموضة دي."
طارق (يبتسم): "خليهم يا خلود. دي بتنمي مهاراتهم، وبتخليهم يحسوا إن ليهم دور في حاجة جديدة. دي أحسن ما يكونوا قاعدين فاضيين."
لم ترد خلود، فقد اعتادت على دفاع طارق عن أخته نادين، على الرغم من أن فكرة "أختهم الصغيرة" التي لديها أولاد اخوة أكبر منها لا تزال تثير حفيظة البعض أحيانًا. كانت الأجواء هادئة في الفيلا، تنم عن حياة منظمة ومترفة.
..............
في فيلا جمال الفخمة، التي تتميز بتصميم أكثر كلاسيكية وفخامة من فيلا طارق، كان الفطور لا يزال جاريًا، وإن كان يحمل في طياته بعض التوتر الخفيف. جمال، رجل الأعمال الناجح، كان يجلس في صدر المائدة، يتناول قهوته. بجواره، كانت زوجته فريدة، سيدة ذات ملامح حادة وشخصية قوية، تتابع الحديث بنظراتها الثاقبة.
كريم، ابن جمال، شاب في وسط العشرينات، كان يستأذن للذهاب إلى العمل في شركة الأزياء مع نادين.
كريم: "بابا، أنا ماشى بقى عشان أروح الشركة."
اعترضت فريدة على الفور، وانضمت إليها داليدا، ابنة فريدة وجمال، التي كانت تجلس قبالة كريم، وتنظر إليه بتعبير لا يخلو من السخرية.
فريدة: "شركة إيه يا كريم؟ مش كفاية اللي بتعمله ده؟ المفروض إنك تساعد أبوك وتشتغل معاه في شغله، مش تشتغل عند نادين! دي حتى أصغر منك."
داليدا (مضيفة بنبرة تهكم): "بالظبط يا ماما. وبعدين شغل البنات ده! المفروض تكون راجل وتشتغل في الشغل الجد."
لوح كريم بيده في محاولة لإنهاء النقاش المتكرر، ونظر إلى والدته وأخته بضيق.
كريم (مصوبًا لهما بوضوح، وصوته يرتفع قليلاً): "أنا شريك مع نادو، مش شغال عندها. يعني دي شركتي أنا كمان، وليا فيها اسم ومجهود. وبابا لو محتاج مساعدة، أنا مش هتأخر عنه، بس مش معنى كده إني أرمي اللي بنيته مع عمتي."
نظر جمال إلى ابنه بنظرة فخر، ثم التفت إلى فريدة وداليدا.
جمال: "روح يا حبيبي شغلك. واكيد لما احتاجك، هاقولك. ما تقلقش يا كريم، أبوك لسه شباب، ومش محتاج حد يشيله." (قالها بابتسامة خفيفة، مؤيدًا لابنه ومعطيًا رسالة لزوجته وابنته).
أومأ كريم برأسه وغادر الفيلا، تاركًا خلفه فريدة وداليدا تتأففان وتتبادلان نظرات الضيق. كان فطور فيلا جمال يعكس صراعًا خفيًا بين الأجيال، وطموحات متضاربة، وقناعات مختلفة حول طبيعة العمل والمكانة.
Angel