٢١

٢١

16 0

الفصل الحادى و العشرون: البحث يبدأ... وقلق يتزايد...

بعد القرارات الجريئة التي اتُخذت في كلا العالمين، انطلق كل من فارس ونادين في مسار جديد، مسار مليء بالتحديات والبحث. فارس، مدعومًا بعائلته، بدأ خطواته الأولى نحو مستقبله الجديد، بينما نادين، رغم ابتعادها الجسدي، ظلت أسيرة لتساؤلاتها وقلقها المتزايد، قبل أن يأتي اتصالٌ يُزيل الصمت.

في صباح اليوم التالي، استيقظ فارس بنشاط غير معتاد. كانت عيناه تحملان شرارة تصميم لم تكن موجودة من قبل. بعد تناول الإفطار مع عائلته، حيث تبادلوا النظرات المليئة بالدعم والفخر، جلس فارس مع والده صلاح وجده سالم لمناقشة الخطط بجدية أكبر.

فارس: "بصوا يا جماعة، أنا عايز أركز على نقطتين دلوقتي. أولاً، البحث عن الشقة المناسبة. وثانياً، نبدأ نشوف الأماكن المقترحة لمركز الصيانة الجديد."

صلاح: "أنا أعرف سماسرة اللي ممكن يساعدونا في الشقة. إيه مواصفات الشقة اللي في دماغك؟ مش لازم تكون قصر، بس في نفس الوقت تكون مناسبة."

فارس: "تكون في منطقة هادية وراقية، قريبة من الخدمات، ومساحتها تكون كويسة. مش مهم الفخامة الزايدة، المهم تكون مريحة ومناسبة لحياة عادية." (لم يقل "لها" لكن الجميع فهم).

الجد سالم: "بالنسبة لمركز الصيانة، أنا عندي قطعة أرض كبيرة كنا بنفكر نستغلها، بس ما لقينالهاش استخدام المناسب. ممكن تكون دي فرصة كويسة لينا كلنا."

تألقت عينا فارس بالأمل. "دي حاجة كويسة جدا يا جدي! كده نوفر كتير في ثمن الأرض. لازم نشوفها قريب."

بدأ فارس فعليًا في التحرك. أمضى جزءًا كبيرًا من اليوم في إجراء اتصالات هاتفية، ومراجعة بعض المواقع الإلكترونية للعقارات، وفتح حديث مع أصدقائه ومعارفه حول الأماكن المحتملة لمركز الصيانة. كان يعلم أن الطريق طويل، لكن دعم عائلته وقوة دفعه الداخلية كانتا كافيتين لجعله يشعر بالتفاؤل.

لاحظت الحاجة سماح (الجدة) النشاط غير المعتاد على فارس. اقتربت منه وهو يتصفح بعض الإعلانات العقارية.

الحاجة سماح: "ربنا يتمملك على خير يا ضنايا. بس متنسناش ."

فارس (يبتسم بحب): "قلبك أبيض يا حاجة. متقلقيش، أنا مش هبعد عنكوا. ."

رغم كلمات فارس، كان هناك قلق خفيف في قلب الحاجة سماح. لم يكن سهلاً عليها تخيل ابن حفيدها فارس، بعيداً عن كنف البيت الدافئ الذي نشأ فيه.

...................

في المقابل، كانت نادين في شركتها، تحاول استعادة تركيزها بعد لقاء مازن وفارس. جلست في مكتبها، لكن عقلها كان يدور في حلقة مفرغة من التساؤلات.

لم يظهر مازن في مكتبها طوال اليوم، مما زاد من قلقها.  تعرف ما الذي دار بينه وبين فارس بالتفصيل، وغياب أي معلومات جعلها تتخيل الأسوأ.

حاولت الاتصال بـ فارس عدة مرات خلال اليوم، لكنه لم يرد. ربما كان مشغولاً، أو ربما كان غاضباً من مواجهة مازن، أو ربما... ربما كان يفكر في الانسحاب. هذه الأفكار كانت تُشعل القلق في قلبها.

في فترة الظهيرة، جاءت لي لي إلى مكتبها، ووجدت نادين شاردة.

لي لي: "إيه يا نادو؟ لسه سرحانة؟... فارس كلمك؟ طمنك؟"

نادين (تتنهد بيأس): "لا يا لي لي. مكلمنيش. وحاولت أتصل بيه كذا مرة ماردش."

لي لي: "يمكن مشغول. أو يمكن مازن ضغط عليه شوية. بس فارس شكله راجل وقوي، مش هيتأثر بسهولة.. ويهرب يعنى ."

نادين: "يا ريت يكون كده. بس أنا خايفة. خايفة من كل حاجة. من كلام مازن، من نظرة بابى ومامى لما يعرفوا... ومن رد فعل فارس نفسه."

لي لي: "هيعمل إيه يعني؟ مازن قال له اللي عندنا. دلوقتي الكورة في ملعبه. يا يثبت إنه قد التحدي، يا الموضوع ده يخلص."

لم تستطع نادين الرد. كانت تعلم أن كلام لي لي صحيح. كانت الساعة قد تجاوزت المساء، ولم يتصل فارس بعد، رغم وعده أمس "هبقى أكلمك بالليل". هذا التأخير زاد من اضطرابها.

مع مرور الساعات، ازداد قلق نادين. كانت تفكر في كلام مازن، وفي المعايير التي وضعها. هل كان فارس سيبدأ بالفعل في البحث عن شقة ومركز صيانة؟ هل كان هذا الطلب كبيراً عليه؟ هل سيظل عند وعده؟ لم تكن نادين متعودة على هذا الشعور بالانتظار وعدم اليقين. كانت دائمًا هي من تُمسك بزمام الأمور وتُخطط لحياتها. هذه المرة، شعرت بأنها تنتظر خطوة من فارس، خطوة ستحدد مصير شيء لم تكن تُدرك عمقه في حياتها حتى وقت قريب.

كادت نادين أن تفقد الأمل، وتستسلم للقلق، عندما اهتز هاتفها مرة أخرى في وقت متأخر من المساء. نظرت إلى الشاشة، وتنفست الصعداء عندما رأت اسم "فارس" يضيء الشاشة من جديد. التقطت الهاتف بسرعة، وصوتها ينم عن مزيج من الارتياح واللوم.

نادين: "فارس! كنت فين؟ كنت قلقانة عليك أوي! ماردتش ليه؟"

فارس (صوته هادئ، لكن به نبرة تعب): "معلش يا نادين، كُنت مشغول جداً طول اليوم. وخلصت كذا حاجة مهمة. أنا آسف إني قلقتك."

شعرت نادين بالراحة فوراً من نبرة صوته، وتراجعت كلمات اللوم.

فارس: "أنا... عايز أقابلك دلوقتي. فاضية؟"

فوجئت نادين بطلبه المفاجئ. الليل قد حل، وهذا وقت غير معتاد لمقابلتهما.

نادين: "دلوقتي؟... اه فاضية... بس أجيلك فين؟"

فارس: "لا... أنا اللي هعدي عليكي. فين مكانك؟"

نادين: "أنا لسه في الشركة. الشغل كان كتير شوية." (قالتها وهي تُفكر بسرعة كيف ستُجهز نفسها بعد يوم عمل طويل).

فارس: "تمام. نص ساعة وهكون عندك. هستناكي تحت مبنى الشركة."

أغلقت نادين الهاتف، وشعرت باندفاع الأدرينالين في جسدها. لم يعد هناك وقت للقلق أو التفكير في الفروقات. فارس قادم، وهذا يعني أن هناك الكثير ليُقال.

...................》》》《《《 ......................

بعد يومٍ طويل من العمل والقلق، وفي ساعة متأخرة من الليل، جاءت لحظة اللقاء المنتظر بين فارس ونادين. لم يكن مجرد لقاء عابر، بل كان حواراً عميقاً سيُزيل الكثير من الغموض، ويكشف عن خطوات فارس الجادة، ويزيد من تعقيد مشاعر نادين.

كانت نادين تقف تنتظر فارس أمام مبنى شركتها الشاهق. كانت أضواء الشارع الخافتة تُلقي بظلال طويلة، والجو الهادئ كان لا يقطعه سوى صوت سيارات قليلة تمر بين الحين والآخر. شعرت ببعض البرودة رغم اعتدال الجو، ربما كان ذلك بسبب التوتر الذي يسيطر عليها.

لم يمضِ وقت طويل حتى رأت سيارة فارس تقترب وتتوقف أمامها. نزل فارس منها، وبدا عليه الإرهاق لكن عيناه كانتا تحملان تصميماً لا يُخفى.

فارس (بنبرة دافئة، حاول أن يبتسم): "مساء الخير يا نادين. آسف إني اتأخرت عليكي وققلتك."

نادين (تُحاول أن تُخفي قلقها بابتسامة): "مساء النور يا فارس. لا أبداً... مفيش مشكلة."

فتح لها فارس باب السيارة الامامى بجانبه، ثم جلس هو في مقعد السائق.

مشى شوية وبعدين وقف فى مكان هادى.

فارس: "تحبي نتمشى شوية، ولا نتكلم هنا؟"

نادين: "هنا كويس. الجو لطيف."

ساد الصمت للحظات داخل السيارة. كان فارس يُراجع في ذهنه ما سيقوله، بينما نادين تنتظر بفارغ الصبر.

نادين (تكسر الصمت): "أنا... أنا كنت قلقانة عليك أوي النهارده لما ماردتش. ومكنتش عارفة مازن قالك إيه؟"

تنهد فارس بعمق، ثم التفت إليها.

فارس: "مازن... كان واضح جداً في كلامه. سألني عن نيتي، وعن الفروقات اللي بينا، وعن إذا كنت مستعد أثبت إني قد المسؤولية دي."

نادين (بتوتر): "وقال لك إيه بالظبط؟"

فارس: "قال لي إنك مش هتتخلي عن حياتك هنا... وإنك متقدريش تعيشي في الحارة. وقال لي إنك تستحقي حد يوفرلك حياة مناسبة لمستواكي... وإني لازم أثبت إني الشخص ده."

نظرت نادين إلى الأرض. شعرت بالخجل من أن عائلتها تضع هذه الشروط.

فارس (يتابع بصوت هادئ ومطمئن، لكن به قوة): "مكنش بيقول حاجة أنا مكنتش عارفها يا نادين. أنا عارف إن عالمنا مختلف. وعارف إنك بنت باشا، وعيشتي طول عمرك في رفاهية. ومش مستعد أطلب منك تتنازلي عن أي حاجة انتي متعودة عليها."

رفعت نادين رأسها، تنظر إليه بدهشة.

فارس: "عشان كده... أول ما خرجت من عندكوا... رحت اتكلمت مع أهلي. مع جدي، وجدتي، وبابا. وصارحتهم بكل حاجة."

اتسعت عينا نادين. لم تتوقع هذه الجرأة من فارس.

نادين: "صارحتهم بإيه؟"

فارس: "صارحتهم بمشاعري ناحيتك... وقولت لهم إني عايزك. وطلبت منهم إني أبدأ أدور على شقة بره الحارة، تكون مناسبة ليكي. وكمان، طلبت منهم يدورولي على مكان كبير أعمله مركز صيانة كبير وحديث، بعيد عن الورشة القديمة."

صُعقت نادين. لم تصدق ما تسمعه. كانت هذه بالضبط الشروط التي وضعها مازن، وفارس لم ينتظر حتى ليتحدث معها، بل ذهب ونفذها فوراً مع عائلته.

فارس: "هما كانوا متفاجئين في الأول. بس الحمد لله... أهلي جدعان وسند. جدي قال إنه هيشاركني في مركز الصيانة الجديد، وبابا كمان هيشارك. هما عايزين يساعدوني إني أبدأ صح، وأكون على قد المسؤولية. وهما بيدورولي على شقة كمان."

شعرت نادين بمزيج غريب من المشاعر. الفخر بجرأة فارس، الذهول من سرعة تحركه، والسعادة بأن هناك من يفعل كل هذا من أجلها. لكن مع السعادة، جاء خوف جديد. هذه الخطوات الجادة تعني أن الأمر حقيقي، وأنها لم تعد مجرد "مشاعر" يمكن الهروب منها.

نادين: "فارس... أنا... أنا مش عارفة أقول إيه. ده كتير أوي... ده مش لازم."

فارس (يمسك يدها بلطف): "لا مش كتير يا نادين. ده أقل حاجة أعملها عشانك. وإنتي تستاهلي كل خير. أنا مش عايزك تحسي إنك هتتنازلي عن أي حاجة. أنا عايز أبني حياة تناسبنا إحنا الاتنين."

نظرت نادين إلى يدها في يده. شعرت بدفء غريب يسري في عروقها. كلمات فارس كانت صادقة وعميقة.

بعد حوار طويل آخر عن خطط فارس المستقبلية وطموحاته، شعرت نادين بالثقة في فارس أكثر من أي وقت مضى. لكن التحديات لا تزال قائمة.

فارس: "دلوقتي، أقدر أقولك إن الخطوة الأولى بدأت. وربنا كريم."

نادين: "أنا مصدقاك يا فارس. بس... المشوار لسه طويل."

فارس: "طويل، بس يستاهل."

وصل فارس بنادين إلى مدخل شركتها حتى تأخذ سيارتها وتذهب لمنزلها .

فارس: "يلا يا نادين، وصلنا ... ابقى اتصلى طمنينى لما تروحى."

نادين: "حاضر يا فارس.... بجد... شكراً على كل حاجة."

نزلت نادين من السيارة، وقبل أن تغلق الباب، نظر إليها فارس نظرة عميقة، تحمل كل الوعود التي لم يستطع التعبير عنها بالكلمات.

فارس: "سلام يا نادين."

نادين: "مع السلامةيا فارس."

أغلقت الباب ووقفت تشاهده وهو يبتعد، وقلبها يخفق بقوة. لقد بدأ فارس بالفعل في بناء الجسر بين عالميهما. الآن، الكرة في ملعبها. هل ستكون نادين مستعدة للعب؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بين عالمين ج١: عشق الفارس

المؤلف Angel
2025/11/09 مكتملة
قائمة الفصول (40)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة