الفصل ٢٩: غضب ... وخطوات حاسمة
بينما تُعصف خيبة الأمل والغضب بـ عفاف بعد فشل خطتها، يُباشر كامل باشا خطواته الأولى لمعرفة حقيقة فارس، ليضع مصير علاقته بـ نادين على المحك.
في جنح الليل، بعد محاولاتها الفاشلة لفتح ورشة فارس، كانت عفاف في قمة غضبها. لم تكن تتخيل أن خطتها المحكمة ستفشل بهذه السهولة. ألقت نسخ المفاتيح أرضًا بقوة، وارتفع صوت صرير أسنانها في الظلام.
عفاف (تهمس بغيظ شديد، وقد بدت عليها علامات الجنون): "إيه ده؟! إزاي ده يحصل؟! المفاتيح دي إيه لازمتها دلوقتي؟! هو غير الكوالين ولا إيه؟! غبي! غبي!"
كانت تتجول أمام باب الورشة ذهابًا وإيابًا، تضرب قدمها الأرض بقوة، وعيناها تطلقان شرر الغضب. لقد ضاع منها الوقت والجهد، وفشلت أول خطوة في مخططها للانتقام من فارس وإيقاعه في فخ شهد. لم تكن تتوقع هذه العقبة على الإطلاق..
عفاف (بصوت يرتفع قليلاً، وقد بدأت تُفكر في حل بديل): "بس مش هستسلم! لازم ألاقي طريقة تانية. مش هتفلتي مني يا فارس! ولا أنت يا صلاح المعز! مش هاسيبكم!"
عادت عفاف إلى منزلها، وعقلها يدور في دوامة من الأفكار الشريرة، تُخطط لخطوة تالية أكثر خبثًا وتدميرًا، دون أن تُدرك أن هناك كاميرات مراقبة جديدة قد سُجلت حركتها الغاضبة أمام الورشة.
.................
في صباح اليوم التالي، في مكتبه الفاخر، كان كامل باشا يُجري مكالمة هاتفية هامة. كانت ملامحه جادة للغاية، مما يدل على أهمية الموضوع بالنسبة له.
كامل (يتحدث في الهاتف بنبرة حازمة): "أهلاً يا سيادة اللواء. عامل إيه؟"
الطرف الآخر: "تمام يا كامل باشا، كله بخير. خير في حاجة؟"
كامل: "أهلاً بيك. محتاج منك خدمة لو سمحت. عايز معلومات مفصلة عن شاب اسمه فارس صلاح سالم المعز." (أعطى كامل الاسم الرباعي بالكامل، ثم أضاف بعض التفاصيل التي حصل عليها من مازن). "هو مهندس ميكانيكا، وعنده ورشة سيارات وعيلته في حارة المعز... وعايش هناك."
الطرف الآخر: "تمام يا كامل باشا. خلال 24 ساعة بالكثير هتكون كل المعلومات عندك. عايز عنه إيه بالظبط؟ كل حاجة؟"
كامل: "كل حاجة يا سيادة اللواء. تاريخه، سمعته، سمعة عيلته، وضعهم المالي... أي حاجة ممكن تفيدني. والتقرير عايزه يكون سري للغاية."
الطرف الآخر: "اعتبره حصل يا باشا. معاليك تأمر."
أنهى كامل المكالمة، ثم جلس يفكر. كان يبدو عليه القلق، لكنه كان مصممًا على معرفة كل شيء عن هذا الشاب الذي دخل حياة ابنته فجأة، والذي يبدو مختلفًا تمامًا عن البيئة التي اعتادت عليها عائلته. كان يعلم أن مصير سعادة نادين، على الأقل من وجهة نظره، سيتوقف على هذا التقرير.
..................
في هذه الأثناء، في شركة نادين، كانت نادين ولي لي منغمسين في عملهما على المجموعة الجديدة. كانت نادين تُحاول التركيز، لكن عقلها كان مشغولًا بحديثها مع والديها، وبما قد يحمله المستقبل بعد كشف الحقيقة جزئياً.
نادين (لـ لي لي، بصوت خفيض): "تفتكري هيعملوا إيه لما يعرفوا كل حاجة؟"
لي لي (تبتسم لتطمئنها): "متخافيش يا نادو. جدو كامل بيحبك، وأنا واثقة إن فارس هيعرف يثبت نفسه. المهم إنك صريحة معاهم. والتقرير اللي هيطلبه جدو، أكيد هيكون في صالح فارس لو هو فعلا زي ما بتقولي."
تنهدت نادين، وكانت تأمل أن تكون لي لي محقة. كانت تنتظر اتصال فارس بفارغ الصبر، لتخبره بتفاصيل ما حدث، ولتستمد منه القوة لمواجهة ما هو قادم.
....................
في نفس صباح ، كانت شقة غدير في الدور الثاني من منزل عائلة المعز، تملؤها أشعة الشمس الخفيفة، لكن الأجواء كانت مشحونة بالتوتر. دخلت عفاف دون استئذان، وقد بدت عليها علامات الغضب والإحباط.
غدير (تُحاول الحفاظ على هدوئها رغم توترها): "أهلاً يا ماما... اتفضلي."
عفاف (بحدة وهي تُلقي بالمفاتيح على الطاولة): "اتفضل يا أختي! المفاتيح ما اشتغلتش، ولا واحد منهم فتح ورشة فارس!"
نظرت غدير إلى المفاتيح الملقاة، ثم إلى والدتها بملامح تُظهر مزيجًا من الراحة والتعجب.
غدير: "إزاي يعني؟ ده حاتم ساعات كان بيروح يفتح الورشة لو فارس أو الحاج صلاح مشغولين."
عفاف (بسخرية مريرة): "يا إما بقى حاتم ما كانش معاه المفتاح أصلاً... يا إما غيروها. المهم إن الخطة باظت."
تنهدت غدير براحة خفية، ثم نظرت إلى والدتها بعينين تحملان العزيمة.
غدير: "طب الحمد لله على كده... انسى اللي كنتِ هتعمليه."
تصلبت ملامح عفاف. "تقصدي إيه؟"
غدير (بنبرة حازمة): "أقصد اللي فهمتيه ياما... أنا خلاص شلت إيدي من الموضوع ده. ده اليومين دول كنت حاطة إيدي على قلبي لا ننكشف، أو تحصل مصيبة بسببي."
اتسعت عينا عفاف من الصدمة والغضب. "يعني إيه؟! هتتخلي عني وعن أخواتك؟ بعد كل اللي عملته ؟"
غدير: "يعني اتصرفوا بعيد عني ياما. أنا مش هخرب بيتي، ولا هأذي عيلة جوزي عشان حد. خلاص خلصت على كده. لو كانوا عايزنهم، كانوا قالوا... مش هنجبر الناس على الجواز بالطريقة دي."
عفاف (بسخرية حادة، وابتسامة خبيثة): "واللهِ! وده ما كانش كلامك وأنتِ... بتلفى ورا حاتم... لغاية لما اتجوزك."
احمر وجه غدير غضبًا من مقارنة والدتها السافرة. "أيوه، عملت ده لوحدي... بالكلام ياما. ما جبرتوش يتجوزني. كان اختياره."
عفاف: "يعني دا آخر كلام عندك؟"
غدير: "بالضبط... ده آخر كلام."
تنهدت عفاف بعمق، وألقت على ابنتها نظرة مليئة بالغضب وخيبة الأمل. "ماشي... سلام يا غدير."
غدير: "مع السلامة ياما."
خرجت عفاف وهي تُرغي وتُزبد من بنتها، لكن عقلها كان لا يزال يعمل بسرعة، يفكر في طريقة أخرى تجعل بناتها يكسبن، وكيف تدخلهن البيت بأي حجة.
..................
نزلت عفاف إلى الدور الأرضي، حيث شقة الحاجة سماح التي كانت تُجهز الإفطار. حاولت أن تُخفي غضبها وتُظهر وجهًا ودودًا.
عفاف (بصوت مصطنع): "إزيك يا حاجة... والله ليكي وحشة. دا منال وشهد بيسلموا عليكي... وكانوا عايزين يزوروكي... لو محتاجة حاجة ولا عايزة البنات تساعدك في حاجة..."
نظرت إليها الحاجة سماح بابتسامة هادئة، لكنها لم تكن مُنخدعة بطريقة عفاف.
الحاجة سماح: "أهلاً بيكي يا أم غدير. البنات مش مخليني محتاجة حاجة... تسلمي. كل واحد فينا عنده بيته ومسؤولياته." (كانت كلماتها تحمل تلميحًا).
تمنت عفاف أن تختفي في الأرض. شعرت بالإهانة من رد الحاجة سماح، التي أغلقت عليها أي باب للتسلل.
عفاف: "طب سلام أنا بقى." (قالتها بضيق، ثم غادرت بسرعة).
خرجت عفاف من البيت وهي متغاظة ومنفجرة من الغضب، لكن هذا لم يوقف عقلها عن التخطيط.
..............
في صباح اليوم نفسه، كان فارس في الورشة، وفجأة دخل مراد عليه بملامح جادة ومُتوجسة.
مراد: "فارس... في حاجة عايزك تشوفها. تعالَ على مكتب الحاج صلاح."
توجه فارس ومراد إلى مكتب والده الحاج صلاح في الورشة. كانت الغرفة صغيرة ومرتبة، وتُشرف على ساحة الورشة.
مراد: "بص... كنت بتراجع كاميرات المراقبة بتاعة إمبارح بالليل... لقيت حاجة."
فارس: "لقيت إيه؟"
أشار مراد إلى شاشة الكمبيوتر الصغيرة التي تعرض لقطات من كاميرات المراقبة المثبتة حديثًا حول الورشة. في الشاشة، ظهرت عفاف بوضوح، وهي تُحاول فتح باب الورشة بمفاتيح مختلفة، ثم تُلقيها بغضب. كانت مصورة من كذا زاوية، ولا شك في أنها هي.
فارس (بصدمة وغضب): "على كده ضياع المفاتيح كان وراه حاجة... وهي اللي كانت السبب!"
مراد: "أنا مش عارف أقول لحاتم والحاج ولا لأ. دي كارثة لو انكشفت."
فارس: "أكيد هنقول... بس أخاف أقول لحاتم يتهور. دي برده أم بناته... وممكن الأمور تتفاقم. بس برده هي ممكن تكون عايزة إيه من الورشة؟"
مراد: "مش عارف... بس نقول لعمك طه ولا لأ؟
فارس: "لا... هنقول لجدك سالم. هو اللي يعرف يتصرف صح في المواقف دي، وهو اللي يقدر يكلم غدير ويفهم منها إيه اللي بيحصل بالظبط."
مر اليوم بطوله، وفارس ومراد يحملان سر ما رأياه. بعد صلاة العشاء، ومع تجمع العائلة لتناول الشاي، طلب فارس من جده الحاج سالم أن يتكلم معه هو ومراد على انفراد. كانت ملامح فارس الجادة تُوحي بأن هناك أمراً جللاً سيُعلن.
Angel