الفصل الثاني والعشرون: صدى التحدي... وبداية التفكير الجاد
بعد ليلة كشفت فيها الأوراق، تركت كلمات فارس الجريئة صدى عميقاً في نفس نادين. لم يعد الأمر مجرد مشاعر خفية، بل أصبح واقعاً يتطلب منها اتخاذ موقف. بينما انطلق فارس في مسار العمل، وجدت نادين نفسها أمام مفترق طرق، تُجبرها على التفكير بجدية في مستقبلها، ومستقبل علاقتهما.
عادت نادين إلى الفيلا بعد أن تركتها سيارة فارس عند مدخل الشركة. دخلت الى غرفتها، التي بدت لها فجأة كبيرة وفارغة أكثر من أي وقت مضى. ألقت حقيبتها على الأريكة الجلدية، وسارت نحو الشرفة الزجاجية المطلة على أضواء المدينة المتلألئة.
كانت كلمات فارس تتردد في أذنيها: "صارحتهم بمشاعري ناحيتك... وطلبت منهم إني أبدأ أدور على شقة بره الحارة... وكمان، يدورولي على مكان كبير أعمله مركز صيانة كبير وحديث... ده أقل حاجة أعملها عشانك... أنا عايز أبني حياة تناسبنا إحنا الاتنين."
شعرت نادين بموجة من الإعجاب والفخر تجاه هذا الرجل. لم تنتظر كلماته، بل ذهب ونفذ فوراً، وبدعم كامل من عائلته. هذا لم يكن مجرد إعجاب، بل كان احتراماً عميقاً له. لكن مع هذا الشعور، جاء القلق. لقد أصبح الأمر حقيقياً، كبيراً. لم تعد القصة محصورة بينهما فقط. إنها تتسع لتشمل العائلات، والمستقبل، والفروقات التي تبدو هائلة. كيف ستُقنع بابي ومامي؟ وهل هي نفسها مستعدة لكل هذا؟
تأملت نادين الأفق، ولم تجد إجابات. كل ما شعرت به هو ثقل المسؤولية التي ألقت بها هذه الجدية المفاجئة على عاتقها. لم تنم نادين تلك الليلة إلا قليلاً، وعقلها يدور في دوامة من التفكير.
في صباح اليوم التالي، ذهبت نادين إلى شركتها كالمعتاد، لكن عينها كانت تُظهر عليها آثار السهر. دخلت مكتبها، ووجدت لي لي تنتظرها بفضول.
لي لي: "إيه يا نادو؟... طمنيني! فارس كلمك؟ حصل إيه بالليل؟"
تنهدت نادين وجلست خلف مكتبها، تنظر إلى لي لي بنظرة تحمل الكثير.
نادين: "كلمني يا لي لي... وجه قابلني."
لي لي (بلهفة): "وحصل إيه؟ مازن قال له إيه؟ وهو رد إيه؟"
نادين: "فارس قالي كل حاجة... مازن قاله بالظبط اللي قالهولي... عن الفروق... وعن إني مش هسيب حياتي هنا... وإني أستاهل حياة معينة."
لي لي: "ممم... واضح إنه مكانش سهل عليه."
نادين: "لكن رد فعله... صدمتني. أول ما خرج من عندكوا، راح لأهله... جده وجدته وباباه... وصارحهم بكل حاجة."
اتسعت عينا لي لي بدهشة بالغة.
لي لي: "بجد ! صرحهم بإيه؟ بمشاعره ناحيتك؟"
نادين: "أيوة... وقال لهم إنه عايزني... وطلب منهم يدوروا له على شقة بره الحارة تكون مناسبة ... وكمان، طلب منهم يساعدوه يدور على مكان لمركز صيانة كبير، غير الورشة القديمة."
فغرت لي لي فاها من الدهشة. لم تكن تتوقع هذا التطور السريع والجريء.
لي لي: "بتهزري يا نادو؟... عمل كده فعلاً؟... ده... ده راجل بجد! ده مش بيهزر خالص! وأهله وافقوا؟"
نادين: "أهله دعموه جداً... جده هيشاركه في مركز الصيانة الجديد، وباباه كمان. وهما اللي هيدوروا على الشقة."
نظرت لي لي إلى نادين بعينين تملؤهما مزيج من الإعجاب والجدية.
لي لي: "يا نادو... ده مش مجرد معجب بيكي. ده عايزك فعلاً. ودخل في الموضوع بجدية أوي. وده معناه إن الكورة في ملعبك زي ما قولتلك بالظبط. هتعملي إيه؟"
ساد الصمت مرة أخرى. شعرت نادين بثقل كلمات لي لي. لقد أصبح الأمر حقيقياً.
...................》》》《《《 ......................
في المقابل، كان فارس قد بدأ بالفعل في تنفيذ وعوده. في صباح اليوم التالي للقائه بنادين، توجه برفقة والده صلاح وجده سالم لمعاينة قطعة الأرض التي تحدث عنها جده.
كانت الأرض واسعة، تقع في منطقة صناعية صاعدة على أطراف المدينة، بعيداً عن صخب الحارة، لكنها قريبة من المحاور الرئيسية. كانت قطعة أرض واعدة لإنشاء مركز صيانة ضخم.
الجد سالم (يشير بيده إلى المساحة الشاسعة): "إيه رأيك يا فارس؟ دي ممكن تطلع مركز صيانة على أعلى مستوى. وعندنا الخبرة والإمكانيات اللي تخليه الأول في البلد."
فارس (يتأمل الأرض بعينين لامعتين، يتخيل المستقبل): "ممتازة يا جدي. واسعة جداً. نقدر نعمل فيها أقسام للخدمة السريعة، وأقسام للتصليح الكبير، وقطع غيار، ومكاتب إدارية."
صلاح: "وهنقدر نجيب أحدث المعدات ونوظف مهندسين وفنيين متخصصين. دي نقلةكبيرة لينا كلنا يا فارس."
كانت العائلة تضع خططاً كبيرة، وتعمل بجد. لم يكن فارس وحيداً في سعيه. كانت عائلته كلها تقف خلفه، تدعمه في بناء هذا المستقبل الجديد، جزء منه كان لنفسه، وجزء أكبر كان لأجل نادين. كانت عائلة فارس تُقدم له كل ما تحتاجه لتخطي الحواجز التي وضعها عالم نادين.
...................》》》《《《 ......................
بعد القرار الذي اتخذه فارس بدعم عائلته، ودخوله في مرحلة التنفيذ الجاد، أخذت حياة الجميع تتشكل حول هذا التغيير المحوري. كلٌ في عالمه، يتبع روتينه، لكن هناك حبال خفية تُشد بين قلبين، بينما عيون أخرى تُراقب وتتساءل.
انغمس فارس بالكامل في مشاريعه الجديدة. لقد أصبح يومه مقسماً بدقة بين مهامه القديمة وخطواته نحو المستقبل. في الصباح الباكر، كان يتفقد الورشة القديمة في حارة المعز، يُشرف على العمل، ويُعطي التوجيهات لأخيه مراد وباقي العمال. كانت الورشة لا تزال مركزاً حيوياً، تعج بحركة السيارات وأصوات المعدات، لكن نظرة فارس لم تعد مقتصرة على جدرانها المتهالكة، بل كانت تتطلع إلى الأفق الأوسع.
بعد الورشة، كان يُخصص وقتاً طويلاً للبحث عن شقة. بعد عدة جولات مع والده ومعارفهما من الوسطاء العقاريين، وجد فارس شقة أحلامه. كانت شقة دوبلكس أنيقة في منطقة راقية وهادئة، بعيدة عن صخب الحارة، لكنها قريبة من المحاور الرئيسية للمدينة. كانت تتميز بتصميم عصري ونوافذ واسعة تُطل على منظر بانورامي للمدينة. بدأ فوراً في إجراءات التوضيب والتجهيز، ولم يكن ليتخذ قراراً واحداً دون أن يستشير نادين في كل تفصيلة، من ألوان الدهانات إلى تصميم المطابخ وحتى اختيار الستائر. كان يُرسل لها الصور ويطلب رأيها، مُحوّلاً الشقة إلى مشروع مشترك بينهما.
فارس (في إحدى مكالماته الهاتفية مع نادين): "إيه رأيك في لون الدهان ده يا نادين؟ ."
نادين (صوتها يملؤه السعادة): "ممتاز يا فارس! بالظبط اللي كنت بفكر فيه. إنت بتعرف تختار كويس أوي."
وفي الوقت نفسه، كانت أعمال بناء مركز الصيانة الكبير على قدم وساق. الأرض التي اقترحها جده سالم أصبحت ورشة عمل عملاقة. كان فارس يُتابع البطورات يومياً مع أبيه وجده. كانت أساسات المركز ترتفع شيئاً فشيئاً، مُعلنة عن ميلاد مشروع ضخم سيُغير مجرى حياتهم العملية.
..............
لم يغب فارس عن الأنظار تماماً، لكن غيابه المتكرر عن الورشة الرئيسية لم يمر دون ملاحظة. كل عدة أيام، كانت شهد، ابنة عفاف ، تأتي إلى الورشة بحجة رؤية أحد العمال، أو شراء شئ من البقالة المجاورة، لكن عيناها كانتا تبحثان عن فارس. كانت تُلاحظ غيابه المتكرر وتسأل عنه بشكل غير مباشر.
شهد (لنفسها، وهي تُلقي نظرة حول الورشة): "غريب... بقاله فترة كبيرة مش باين خالص."
أما منال، فكانت تُحاول لفت انتباه مراد، أخو فارس والشريك في الورشة. كانت تأتي بابتسامة مصطنعة وتُحاول فتح حديث معه.
منال: "إزيك يا مراد؟ الشغل عامل إيه معاك؟"
مراد (بجفاء، وهو يُصلح محرك سيارة): "الحمد لله. كويس."
منال: "هو فارس فين؟ مش باين ليه اليومين دول؟"
مراد (بنبرة مملة، لكن فيها حدة خفيفة، رفع رأسه للحظة، ثم عاد لعمله): "فارس مشغول بره في حاجات مهمة. مش فاضي دلوقتي."
لم تستسلم شهد، وفي إحدى المرات، اقتربت من مراد مباشرة.
شهد: "مراد! هو فارس راح فين كده؟ بقاله كتير مختفي عن الورشة؟"
مراد (تنهد بضيق، ورفع رأسه بنفاذ صبر، وعيناه تعكسان غيرة أخوية واضحة): "فارس وراه حاجات أهم من أسئلتكوا دي. وبعدين... في إيه بالظبط؟ محدش بيسأل عليه كده غيرنا اهله."
ارتدت شهد على أعقابها من صراحة مراد وفظاظته، لكن الفضول ظل ينهشها حول سبب انشغال فارس المفاجئ والغامض، وكلمات مراد الأخيرة تركتها تتساءل عن مدى أهمية هذه "الحاجات".
.................
في الجانب الآخر من المدينة، كانت نادين تُمارس روتينها المعتاد. الصباح في شركتها المزدحمة بالاجتماعات والتصميمات الجديدة، الظهيرة في الفيلا الفاخرة مع أهلها، وفي المساء كانت تقضي وقتاً في النادي الرياضي أو تُقابل أخواتها وأولادهم. كانت حياتها مريحة ومليئة بالترف والعمل.
لكن ما كان يُضفي عليها سعادة خفية، هو مكالمات فارس اليومية لها. كانت هذه المكالمات بمثابة نافذتها على عالمه الجديد، وعلى جهده الذي يبذله من أجلها. كان يُطمنها، ويُخبرها بتفاصيل يومه، ويأخذ رأيها في أدق تفاصيل توضيب الشقة التي ستكون بيتهما المستقبلي. كانت تُعطي رأيها بحماس، وتتخيل كل زاوية في الشقة، وتشعر أنها شريكة حقيقية في هذا الحلم الذي بدأ يكبر.
على الرغم من هذه المكالمات التي كانت تُغذي روحها، إلا أن نادين بدأت تشعر بفراغ. لقد مر أسبوعان تقريباً منذ آخر مرة رأته فيها وجهاً لوجه. انشغاله في مشاريع الشقة ومركز الصيانة جعلهما لا يتقابلان جسدياً، وهذا بدأ يُثقل قلبها.
كانت تفتقد فارسه. تفتقد صوته وهو أمامها، ابتسامته، نظراته، وإحساس الأمان الذي تشعر به في قربه.
نادين (لـ لي لي في نهاية اليوم): "لي لي... أنا وحشني فارس أوي. بقالي كتير مشفتهوش."
لي لي: "معلش يا نادو، هو مشغول بيجهز نفسه."
تنهدت نادين. كانت التجهيزات جيدة، لكنها كانت تريد رؤيته. بدأت فكرة تراودها بإلحاح: هل أذهب إليه؟ أرى الورشة، أرى تقدمه... أراه هو؟
Angel