تداركت نفسي بسرعة و ذهبت للطريق الآخر اختبئ وراء الجدار , و أنا أشعر أن نبضات قلبي تناديه. بعد كل هذه المدة لماذا مازلت تنبض له لماذا ؟
فتملكني الفضول لأراه عن قرب و أنا اتمنى ان يكون ما زال في الردهة فلا بأس أن أراه لآخر مرة ! فذهبت و رأيت ما جعل قلبي ينهار و يتفتت .. رأيت ما جعل روحي تئن و تهوي .. فذلك الحضن الذي كان المفترض ان يكون لي بات لها.
هي الان تعانقه مغمضة العينين و قريرة القلب , و هو كان يعانقها بابتسامة هادئة , وما زاد من ألمي سوى رؤية الجميع يضحكون بخجل .. و انا ؟
أنا الوحيدة التي كان قلبها يتفتت و تبكي بقلة حيلة.
فلم أشعر سوى بسقوط حلواي على الأرض كسقوط قلبي و انا أراهم متعانقين .. لم اشعر سوى بدموعي و هي تبلل خدي و روحي
ماذا توقعتِ اذا أن يحبكِ انتِ؟ أنه لم يجد سعادته و ينتظركِ ؟ ماذا يعرف عنكِ اصلا ؟
ليس عدلا ! ليس عدلا أن أشتاق و ابكي و في الأخير تأخذه هي ؟ ليس عدلا أن أحلم و اتمنى و هي تحقق ؟ ليس عدلا أن ديسمبر فرقنا وهما جمعهما ؟
لكن منذ متى كانت الحياة عادلة ؟ لقد اخذت كل عزيز على قلبي فأين العدل في الحكاية ؟ أنني بقيت وحدي بدون امل .. بدون قلب .. بدون روح.. بدون لا شيئ .
لم أكن اعتقد ان رؤيتي للشخص الذي أحبه في حضن غيري أن يجعلني أشعر في الاخير انني لا احد .. انني مجرد نكرة لن يتذكرها احد.. ان الاختباء و الانزواء في الاخير كان الحل الأمثل .. لم أكن أعتقد ان لي دموعا الا حين رأيتهما.
فشعرت بقطرات رقيقة تطبطب على روحي و بدون ان اقاومها او اتحرك بقيت متسمرة فقط انظر اليهما مع دموعي و المي ، فأنا لم أعد اقاوم أي شيئ .. أنا استسلمت.
ثم حملت خيبتي و هزيمتي في قلبي المنكسر و ذهبت بهدوء و بصمت بدون أن يشعر بي أحد كعادتي.
ذهبت و أنا محملة بالخيبات و في يدي خيط الأمل الذي قطعته قصرا ، ما الذي توقعته يا توليب؟ هو ليس مثلك ، سعادته ليست معكِ بل مع غيركِ .
هو لم يجعل من ذكراكِ صورة خالدة تلاحقه يوما بعد يوم دون كلل .
هو لم يكتب لك رسائل يناجيك فيها لتأتي.
هو لم يتمنى في كل ليلة أن يراكِ و لو حلما يزوره لثانية .
هو لم يبكي و يتألم لأنه اشتاقكِ و عينيكِ.
هو لم يذهب للبحر و اشتكى له و انهار أمامه بكل أسى .
هو لم يجعل من ديسمبر شهرا مقدسا لأنه كان البداية لقصة كانت احادية الطرف.
هو لم يحب المطر لأنه يذكره باللقاء الأول .
هو لم يحب و يكره القدر في نفس الوقت لأنه جمعكِ به و ابعدكِ عنه .
هو لم يتألم لألمكِ و لم يحبِ الطفلة التي مازالت بداخلكِ.
هو لم يركِ كإمرأة بل كمريضة جاءت لتشفي روحها.
هو يا توليب قد وجد السعادة و الحب و الجمال مع امرأة أخرى.
كل هذه المدة اتوقعتِ أنه هو أيضا احبكِ و بحث عنك في تفاصيل الأشياء ؟ اتوقعتِ أن النسيان لم يزره مثلك؟ اتوقعتِ أن لياليه و ذكراه ستكونِ انتِ؟ اتوقعتِ كل هذا و لم تتوقعي أن شخص مثله قد يقع في حب غيركِ ؟ شخص مثله قد وجد فيها ما لم يجده فيكِ ؟ ألم تتوقعي أنه سيبحث عن من تملئ فراغ قلبه و تتغلب على آلامه؟ .
اتوقعتي كل هذا و لم تتوقعي أن يزوره الحب ذات يوم او ذات ليلة ، تحت المطر او في الطريق؟ .
ألم تتوقعي انكِ لم و لن تكوني الامرأة التي يبحث عنها ليعيش معها ما كنتِ انتِ تحلمين به ؟
كم كانت توليب حمقاء لتتمسك بأمل زائف لمدة عامين ، كما كانت غبية و يائسة لتمارس التضحية و الإخلاص مع القدر ، كم كنتِ مثيرة للشفقة يا توليب حتى آمنتي بديسمبر و بالحب و أساليبه.. لذا تحملي خسارتكِ وحدكِ و لا حق لكِ بالبكاء او الشكوى .
وجدت نفسي أنني وصلت للمكان الذي أستطيع آن أكون فيه أنا ، المكان الذي شهد اولا لهفتي، و شهد ثانيها انهياري ،ثم كان ختامها انكساري.
مرحبا أيها البحر لقد أتيتك مرة أخرى اإشتقت لي ؟ا اشتقت لتوليب البعيدة ؟
ا انت ايضا كنت تراني مجرد إمرأة مثيرة للشفقة ؟ امرأة لا تصلح لتكون مع قيصر؟
اترى ماذا فعل بي الحب أيها البحر؟ اترى ماذا فعل بي ديسمبر ؟ ديسمبر الذي لاطالما ملئني بالفقد و الرحيل .. ديسمبر الذي تحققت فيه خرافتي الخاصة.
اتعلم ما الذي اشعر به أيها البحر ؟ في الحقيقة انا لا أشعر بشيئ ، ألا ترى أن روحي تبكي بصمت ، تبكي خشية ان تزعجني ببكاءها ، ألا ترى أن دموعي قد جفت و ها هو السحاب يبكي عوضا عني .
انا كنت امرأة معطوبة ايها البحر ، امرأة غير صالحة للحب و الأمل، امرأة تملئ روحها الفوضى من الذي سيتحمل ترتيبها ؟
أنا كنت امرأة مليئة بالتفاصيل و بالبدايات.. امرأة قدرية و ديسمبرية للحد الذي ظننت فيه أن كل شيئ كان حلم دائم سأعيشه .. لقد أحببته أيها البحر و تمسكت بالوهم عله يصبح حقيقة يوما .
لكن ذلك الوهم قتلني و دمرني .. ذلك الوهم رماني جانبا و صفعني لأستفيق من غفلتي بطريقة قاسية .. بل قاسية جدا .
لقد كنت طوال العامين ارمم ما أستطعت ترميمه و أصلح كل عطب فيَّ ، لقد كنت امسك يدي بيدي و ابتسم رغم ما بداخلي ، لقد حاولت أن أعود لما قبل اللقاء ، لما قبل الحب ، لما قبل ديسمبر، أردت العودة و المضي .
لقد حاولت أيها البحر لكن اليوم تم تكسيري و بعثرتي إلى قطع و للمرة الثانية .
كيف سأرممني الأن مرة اخرى و اعيد القطع لمكانها ، كيف سأقنعني بالمضي ؟ كيف؟.
لقد كتبت و كنت افرغ شوقي و ألمي و انتظاري و اقول ما لم أستطع قوله اليه، كنت اشكو إلى مفكرتي و كأنه سيسمعني و يقرأني ، لقد كتبت له رسائل لم اعتقد يوما أنه سيقرأها، رسائل كانت ضائعة لمدة طويلة لكنها وجدته أخيرا و ذهبت إليه لتشكوه مني .. من ضياعي و تشتتي.. من انتظاري الطويل و يأسي الدائم.
ثم مرت في ذاكرتي سطور اغنية فيروز " ما قدرت نسيت " لتذكرني بما عشته :
"جرب فيهن انا انساك و مقدرت نسيت"
"و اكتبلك على ورقة حتى ما اقول ما بقدر. اقول"
"يا ريتك مش رايح يا ريت تبقى على طول"
فأنا أيضا لم أنسى يا فيروز .. انا أيضا لم أستطع ارتداء وشاح النسيان ، و سكبت كاملي في أوراق خلت انها لن تجد طريقها ، لكنها في الأخير و بالرغم من توهانها وجدته.. لقد كتبته في أوراقي حين لم أستطع الذهاب اليه .
فأي حب هذا الذي يجعلني اخاطب شخصا غائبا بكلمات لم أستطع قولها حين كان حاضرا؟.
لقد ترجيته بعيني أن يبقى يا فيروز .. أن يأتي و لو كذبا.. أن يزورني حلما او وهما او حقيقة .. لقد رجوته و الخالق أن يحبني بالرغم من عطبي و هشاشتي.. أن يخبرني بصوته الذي اشتقته أنه معي .. يطمئنني بكلماته و يعانقني بعينه .
لقد تمنيته و رجوته و حلمت به .. لكنه في الأخير وضع يديه على قلبه و تظاهر بالصمم ثم ابتعد و ذهب اليها.
اتعرف أيها البحر شعور ان تُحب ثم تُخذل ثم تتمسك بطيف خفي فإذا بذلك الطيف يصفعك و يخبرك أنه غير موجود لتعاود تجربة الخذلان مرة أخرى لكن بطريقة أقسى.
لقد كانت التجربة قاسية أيها البحر .. كانت مؤلمة و شديدة الوقع على قلبي اكنت ستستحمل لو كنت مكاني ؟ اكنت ستتخطى و تعود كما كنت ؟.
لكني تحملت و تحملت .. وقفت ثم سقطت و بعدها وقفت و الآن سقطت .. ثم ماذا ؟ ثم انطفئت و انطفئ معها وهج روحي , فلم أعد أشعر بأي شيئ .
لقد أصبحتُ رمادا اذا .. امرأة بُتر منها ما تحب عنوة و قَصرا .. امرأة خسرت روحها و قلبها ، امرأة أصبحت بلا روح ، أليست جثة اذا ؟.
أيها البحر هل ستبقى معي انت على الاقل ؟
لقد تُركت و وُسمت بالفقد و انكسرت ، اتخال مرأة مثلي ستمضي؟ من سيتقبلني اذا ؟ من سيتقبل بجثة بلا روح و لا قلب ؟ .
لقد علمت فور نظرتي الأولى لعينيه .. فور ابتسامتي اللاارادية و لهفتي عليه ، انه ليس شخص عاديا .. و أن ثمنه سيكون غاليا ، بل غاليا جدا.. لقد علمت فور انغماسي فيه و إليه أن ضريبة رؤيته ستعود علي اما بالمنفعة و هذا كان احتمالا ضئيلا او بالخسارة و هذا كان الأكثر ترجيحا.
لأن احساسي منذ المرة الأولى انبئني أن اثره سيبقى و لا يزول .. فيا ليتني لم أغرق فيه.. يا ليتني انتشلت نفسي منه مثله هو .
أنظر الا تتذكر هذا الطقس ايها البحر ؟
الا تتذكر ؟ اعلان الحب و الانهيار و الآن اعلان الخيبة .
الا تتذكر رقصي و بكائي و الآن خذلاني .
الا ترى أن القدر ما زال يريدني أن أعيش ما عشته لكن بطرق مختلفة؟ .
الا ترى أنني تعبت فلم أعد أستطيع المضي ولا الوقوف مجددا؟ .
انا سأذهب الآن ربما سأعود او ربما لا فكن بخير و شكرا لأنك كنت على الاقل موجودا بثوران امواجك ووقار حضورك .
لقد كنت الوحيد الذي شهد لهفة البداية و خيبة النهاية.
ثم ودعته و ذهبت و جلست على الكرسي و بقيت أتأمل تمرده بهدوء و بدون احساس ، أتأمل و لا أشعر بقلبي او بما يحيط من حولي ، اتأمل و أنا ابتسم بسخرية للقدر و لكل الذين تركوني و عانيت الفقد منهم .
فأنا سأنسى و امضي ، الأن او بعد شهر أو بعد عامين آخرين او حتى بعد خمسون عاما .
سأنسى و لو ارغمت نفسي على أن اغير المدينة و ارحل بعيدا .
سأنساه و انسى حكايتي و ادفنها عميقا لتصبح ذكرى متربة منسية لا استرجعها الا في شهر و يوم لقاءنا .
أنا سأنسى أنني أحببته.
سأنسى أنني أحببت رجلاً جاء به القدر بدون مقدمات .
سأنسى عن تحقق خرافة شهر الرحيل ديسمبر.
سأنسى.
***
توليب عوض