مرحبا أود أن أقدم بلاغ اختفاء .
قلتها و أنا بالكاد أستطيع التقاط أنفاسي ، و بالكاد أيضا أحافظ على هدوئي وعلى نبضات قلبي ،فسمعت صوت رجل يقارب للخمسين يتمتم :
- من الذي ستبلغين عنه ؟
- سأبلغ عن اختفاء والديَّ ، أرجوك يا سيدي أن تساعدني فأنا لا أعرف ما الذي أفعله أو سأفعله.
هنا فقدت رباط جشأي و بدأت أتحدث بهيستيرية ،لا أعلم لماذا لكنني أشعر أن شيء سيئ قد حصل لهما.
- يا آنسة اهدئي ارجوكِ و أخبريني لماذا تريدين التبليغ عنهما . فشرعت احكي له منذ لحظة تحدثي معهما وصولا لهنا.
- اسمعي يا آنسة من المحتمل ان يكونا قد تأخرا بسبب زحمة المرور أو ان لهما طريق آخر لا تقلقي .
- أنا أعلم لأنني وضعت كافة الاحتمالات الممكنة ، لكن لماذا هاتفهما مغلق ؟ أنا أعلم والديَّ فهما دائما يتصلان ليطمئناني فهما يعلمان انني حساسة و قلقة جدا فعقلي لا يكف عن تأليف مشاهد سيئة ، عوضا عن انني خائفة عليهما ، فماذا تريدني ان أفعل ، فهذا هو الحل الوحيد الذي وجدته امامي .
- أنا اعلم يا انسة انك خائفة، فمن الممكن ان يكونا في مكان لا يوجد فيه تغطية ، فكل شيء وارد الآن لكن اعلمي اننا لا نستطيع تقديم بلاغ و التحرك الا بعد مرور ٢٤ ساعة هذه هي القواعد.
فأطرقت رأسي بأسى و أنا أشعر أنني سأبكي في اي لحظة.
- لا تقلقي يا أنسة سيكونان بخير ، اعطيني رقم هاتفك و اذا حدث شيء سأتصل بك .
فخرجت و أنا أجر أذيال الخيبة في طريقي للمنزل ، منكسة الرأس و دموعي تهدد بالسقوط و ما زادها الا المطر الغزير الذي يرتطم بالمظلة بقوة ، فرفعت رأسي للسماء و بحركة سريعة و برضى تام أنزلت مظلتي و المطر يربت على رأسي كأنه يخبرني بأنني لست وحدي و أنه لأجلي ، صحيح بأنني ابدو كالمختلة تماما لكن شعور بأنه هناك من معي رغم غربة الطريق و برده أشعرني لا اراديا بالدفء , فالبرغم من البرد القارص و الرياح القوية إلا أنني كنت ممتنة لأن الطقس و على الأقل يشبهني.
دخلت للمنزل و المطر كان قد نال مني, فذهبت مسرعة لأغير ملابسي و لمحت المائدة و الارز الذي طبخته لأول مرة و قلبي يواصل انقباضاته, و الخوف كان قد تمكن مني كل التمكن فلم أعد أعرف هل اصدقه ام افنده ككل مرة .
لكن هذه المرة كان هناك شيء داخلي يخبرني أن هذه المرة مختلفة .. حتما مختلفة .
ثم ذهبت الى مكاني المفضل في غرفتي و الذي اطل عليه على الشارع الكئيب اترقب و افند كل دقة في قلبي و أنا أتابع بعينين ملتاعتين اثرهما المختفي و كلي انتظار لكن ما الذي أنتظره بالتحديد؟ امي و ابي ؟ ام فرحة رؤيتهما ؟ام ارتياح عدم تحقق شعوري المقلق ؟ ام عذاب سيغير حياتي و يقلبها رأسا على عقب ؟ .
قطع حينها شرودي صوت الهاتف فحملته بلهفة متوقعة أنهما والدي فرأيت أن الرقم غير مسجل ، فتعجبت للحظة لأنه نادرا ما يتصل بي رقم غير مسجل .
-الوو!
- هل معي ابنة السيدة ياسمين و فخر الدين ؟
فأجبت و التعجب و الخوف قد طغى على صوتي و جعله مهتزا هامسا:
- نعم أنا هي ، لكن من انت ؟
-لقد أخبرتك أنه إذا حدث شيئا لوالديك سأتصل بك .
فتذكرت ذلك الشرطي الذي أعطيته رقمي ، فقلت بلهفة و قلق بنفس الوقت :
- اااا اذا انت هو الشرطي من المرة الماضية ، هل لديك اخبار عن والدَّي ؟.
فسكت لبرهة قبل أن يقول ما كانت دقات قلبي تخبرني به :
-يؤسفني أن أخبرك أنه حدث لهما حادث مرور و هما الآن في العناية المركزة .
و بعدها فقدت الإحساس بكل شيء ، لم أشعر لا بصوت الرجل في الهاتف و لا بقلبي ، و لا بصوت الرياح و الأمطار لم أشعر بشيء إلا و الأرض تميد بي و بظلام يحيط بي من كل جانب و بصوت ذلك الشرطي يتردد من بعيد .
- آنستي هل أنت بخير .؟!
***
شعاع شمس لطيف تسلل ببطء و أخذ يداعب وجهي برفق ، ففتحت عيني قليلا و اذا بصداع قوي يداهمني و بألم حاد في رقبتي وفي ظهري ، فتحاملت على نفسي و نهضت و أنا لا أتذكر أي شيء ، فتساءلت أين انا؟ و لماذا أنا نائمة هنا؟, فتذكرت ذلك الكابوس الذي راودني ليلة أمس، و الذي كان قريبا للواقع أكثر من كونه حلم.
فلمحت المكان حولي فإذا بي أجد اول أرز طبخته في حياتي و الذي كان في الحلم ولاحظت أن ملابسي نفسها أيضا ، لحظة واحدة ! ..هل يعقل أن ؟!! ، فنظرت للهاتف المنطفئ بجانبي و حملته فإذا ببطاريته نفذت ، فذهبت سريعا و وضعته على الشاحن لأتأكد إذا كان الكابوس حقيقة أم لا، فذهبت إلى قائمة الاتصال، لأجد أن آخر من اتصل بي كان رقم غير مسجل و عدد المكالمات منه تجاوزت العشرة فعاودت الاتصال به و بأيدي مرتعشة ضغطت على زر الاتصال و كلي ترقب و انتظار فاذا بصوت رجل اجش يقول لي :
- آنستي هل أنت بخير ؟
- من أنت؟! .. هل تعرفني ؟
- اهدئي قليلا و اسمعيني هل تتذكرين ماذا حدث بالأمس؟
- هل هناك شيء يجب أن أتذكره و الأهم من أين أتيت برقم هاتفي ؟
- آنستي هل تتذكرين الشرطي الذي أتيت إليه للإبلاغ عن والديك ؟
فرحت أسترجع ذاكرتي فبدأت الصورة تتضح شيئا فشيئا و الكابوس بدأ تجسد أمامي فقلت بصوت مهزوز و مرتعش :
- هل تخبرني أن و الد...
- للأسف حالتهما خطيرة و هما الآن في العناية المركزة ، أنا أعلم أنك في صدمة الآن، لكن إهدئي قليلا .
ما الذي يقوله هذا المعتوه، كيف يخبرني أن أهدأ ؟! ، كيف يخبرني و عقلي لحد الساعة لم يتقبل الفكرة بعد ؟ كيف و هما الوحيدان المتبقيان لي و الآن يصارعان الموت و الحياة ، كيف يخبرني هذا الغبي أن أهدأ و قلبي يأبى الهدوء .
لكنني في الاخير تحاملت على نفسي و صمدت أمام الأهوال التي ضربت قلبي دفعة واحدة فلملمت شتات روحي و قلت له بصوت خالي من الحياة :
- في أي مستشفى ؟.
توليب عوض