ها قد أسدل الليل ستائره ، ليعلن توقف أفكاري و توقف المطر أيضا، فرحت أتأمل المكان حولي كأني أشاهده للمرة الأولى، بيت بسيط مكون من غرفة معيشة، مطبخ و حمام و غرفتين و لا سيما مكاني المفضل الذي أطل عليه على العالم لأرى أحواله ، و أيضا صديقتي الوحيدة التي سمعت شكواي و لم تعترض و تقبلت ضعفي و لم تتحدث.. صديقتي التي كتبت فيها رسائل معلقة لم تصل .
كل زاوية ، كل ركن ، حملت معها سيل ذكريات عميقة متربة مليئة برائحة الحنين التي كانت و لازالت في قلبي.
فنفضت عني هذه الأفكار و ذهبت للمطبخ لأعد شيء أسد به جوعي، فوجدت قطعة رغيف و بعض من الجبن، أعلم أن هذا كاف لإطعام معدة عصفور ، فكيف بمعدتي، فأنا أصلا لست من النوع الأكول الذي يحب الطعام حبا جما ، يكفي فقط ما يسكت عصافير بطني و أن أبقى على قيد الحياة لا أكثر.
انتهيت من وجبتي البسيطة، فإذا بالساعة تشير لمنتصف الليل، فذهبت إلى غرفتي و استلقيت لعل النوم يداعب عينيَّ اللتان نسيتا الراحة منذ مدة، فأنا منذ أيام لم أنعم بنومٍ يملئني و عيني حد التخمة، فتلك الأفكار كانت ولا زالت تؤرقني ، ولا سيما تلك الأوهام و الآلام التي أبت أن تتركني .
فذهبت بي ذاكرتي إلى ذلك التاريخ من شتاء ديسمبر و بالتحديد في الأول من شهر الرحيل و اللهفة الأولى من عام الحنين ٢٠٠٨ ، و أنا لست من هواة حفظ التواريخ فهي بالنسبة لي حاصل تحصيل لا تستدعي مكوثها في البال لأن ليس لها لا وقع ولا استثناء ، لكن هذا اليوم أعتبره يوم البداية و النهاية .. يوم بداية النبضة الأولى و نهاية حياتي .. يوم بداية التجربة و لهفة الحب المختبئ.
يوم لعبه القدر و أجاد ممارسته ، فكانت و كما تعودت في صغري بدايةٌ لخسارة لشيئ ما توقعت انتصاره رغم هتافي و تشجيعي المستمر و يقيني بالفوز .
يوم بداية الاندثار و تلحين توليفة الحزن التي راقصتني طويلا.
شتاء ديسمبر
٢٠٠٨
توليب عوض