دخلت و لا شيئ كان قد تغير .. المتجر .. رائحة الحنين مع الابتسامة الحنونة، وجدته كما عرفته بنظرته التي تشعرني أنه يرى ما بداخلي بدون أن أتحدث ,فلمحت حزنا في ملامحه و لا أدري اهو بسبب شحوب وجهي؟ ام لأنني انقطعت عنه طويلا؟ فأنا أعلم أنني تغيرت, فوجهي ازداد نحولا و عيني أصبحت بهما ستائر سوداء .. لذا نظرته لخصت لقاءنا, ثم بادر بصوت منخفض :
- كيف حالكِ يا مطر ؟
- الا زلت تتذكر هذا الاسم ؟
- كيف أنسى اسم صديقتي التي تشبه رقة الأمطار .
فأنزلت رأسي بحزن و تأنيب الضمير بدأ يأكل قلبي ، فهو لم ينسني برغم أنني أنا من انقطعت عنه و بقي يتذكرني بنفس الابتسامة و بنفس النظرة الحنونة ، و بنفس الاسم القديم . ثم قلت بهمس حزين :
- ألم تكرهني و تغضب مني ؟
- بل قلقت عليكِ فلا الغضب و لا الكره كان لكِ منهم نصيب ،لقد خفت اذا ما كان حدث لكِ مكروه , فآخر لقاء لنا يبين سبب قلقي فقد كنت منهارة لدرجة أنني تفاجئت .
- لك كل الحق أن تتفاجئ فأنت لم ترني من قبل هكذا , أنا آسفة أنني اقلقتك يا جدي.
- اتعلمين كيف رأيتك ذلك اليوم؟ لقد كنت تشبهين مطر الخريف الذي يهطل بغزارة بعد جفاف طويل .. انت كنتِ مثل شخص كتم مشاعره مدة طويلة و في الأخير جاء الدافع الذي جعلكِ تفرغين داخلك للخارج. لذا أنا أردت الاطمئنان على حالكِ فقط بدون عتاب او غضب . لكن اخبريني يا مطر كيف حالك؟
فإبتسمت له بحزن و شعرت أن قلبي تنفس قليلا لأن حملا خفيفا قد زال عنه ، لكن حملي الثقيل من الذي سيزيله عني؟ فأجبته بصوت متألم :
- نعم أنا بأحسن الأحوال الا ترى؟.
فقال بصوت منخفض و بألم حاول اخفاءه :
- انا أرى مجرد رمادٍ لشخص احترق ألما ، ماذا حل بكِ يا مطر؟ انتِ لم تكوني هكذا؟ ا فراق خالتكِ و والديكِ أثر عليكِ لهذه الدرجة؟.
نظرت له و شعرت بتضارب في مشاعري لكني قلت كلمة واحدة صادقة بقي صداها يتردد داخلي :
- هو .
- قيصر؟!
- نعم هو .
- ا اشتقت اليه؟
- اشتقت إليه حد الذوبان و الموت.
- امازلتِ تحبينه ؟
- نعم و لم يغادرني قط.
- بعد كل هذه المدة الطويلة؟
- دائما.
- ألم تنسيه للحظة؟
-رجل مثله لا يغادر القلب أبدا يا جدي .
سكت قليلا و هو يفكر و صدى كلماتي تدور داخله ثم قال بإبتسامة ليخفف عني :
- اتعلمين أن الحب الحقيقي هو حب نادر جدا و لا يُنسى؟
- نعم اعلم و أعلم أيضا أنني سأتقدم في العمر عاما بعد عام و لن أنسى.. و قد اتزوج يوما ، و في لحظة فاصلة بين الحياتين سأتذكره بنفس الحنين و الشوق و لن أنسى.. قد أنجب و سأتمنى أن يكن بنات و سأربيهم بكل حب الكون ، و حين يكبرن سأحكي لهن عن حب امهم الأول الذي لم يتحقق , و سأعطيهن صفاته فإذا تشابهت الأوصاف مع احدهم سأحذرهن من أن لا يقعن مثل امهم .. قد يكون للبنات بنات و اولاد و سأكون حينها جدة طاعنة في العمر .. سأحكي لأحفادي عن خرافات العالم و عن الخرافة التي كان لي نصيب منها خرافة الرحيل في شهر ديسمبر .. ستمضي بي الحياة يا جدي و ستأخذني في طرق مختلفة .. طرق لا أعلم للآن أين ستؤدي بي؟ لكن الذي أعلمه أنه مهما تشابكت بي الطرق و مهما نبذتني الحياة و قست علي ، ستؤدي بي في الأخير إليه.. إلى ذكرى اللقاء الأول و ارتباك اللحظات العابرة .
لقد تمنيت مرارا أن لا يكون حبا حقيقيا .. أن يكون مليئ بالزيف لدرجة أنني حين اتذكره سأضحك على نفسي و قلبي حين أحببت شخص التقيت به مرات تعد على الأصابع.. لكن الأمر لم يكن بهذه البساطة يا جدي , ففي كل مرة و يوم كنت أجد نفسي متأصلة فيه و إليه .. اجدني اتعمق فيه و انتظره دون ارادة مني أشتاق إليه بنفس القوة و الاندفاع .. كل يوم أجد بداية صباحي تبدأ به ، و نهاية ليلي تكون إليه ..أجد طيفه ينتظرني في نهاية اليوم ليؤنس وحدتي و معه نجوم الليل تكفكف دموعي ، فهو لم يغادرني منذ أن وطئ حضوره قلبي.
تمنيت أن يغادر و انسى لكن حتى النسيان استكثر علي حضوره .. فاذا كان هذا هو الحب النادر اللذين يتحدثون عنه فليأخذوه أنا لا أريده .
تغيرت تعابير وجهه للتحول إلى تعابير حزينة ،ثم قال بهدوء رجل حكيم :
- لقد علمت منذ آخر مرة ان شعورك لا يمكن أن يكون عابرا و قلبك قد أحب و تعلق و لقد أخبرتك قبلا بهذا .. حبكِ كان نادرا مثل وجودك و هو كان بعيدا مثل ذكراك عنه , لذا لا تفعلي بنفسك هكذا و اعطي لنفسك فرصة أخرى و افتحي شبابيك قلبك ، لا تجعلي من حبه عائق يقف أمام حياتك لا تدمريها يا مطر.
- انا لست أفعل بنفسي شيئ سوى أنني استسلم للحياة فلتفعل بي ما تشاء لقد خسرت بما يكفي و لا اريد المحاربة مرة اخرى.
فسكت قليلا ثم ذهب لرف من الرفوف و احضر لي حلواي المفضلة , فناولني اياها و قال بصوته الحنون :
- تفضلي لعلها تنعش روحك قليلا و لا تقلقي فصديقك لن يكرهك رغم أحوالك جميعها ، الممطرة و المشمسة.
ابتسمت بإمتنان و أنا اتناول حلواي المفضلة فأخذ رزمة منها ووضعها في جيب معطفي و تابع :
- خذي و تناوليها في طريقك للمنزل فأنا ليس لدي ما اقدمه لكِ سوى هذه اعتبريها هدية مني .
- شكرا لك يا جدي على كل شيئ .
فإبتسم بحزن و قال:
- صديقك لم يفعل اي شيئ لأجلك يا مطر فأنت تتألمين منذ مدة طويلة , و أنا بقيت عاجزا دون فعل اي شيئ ، فمالي الان الا ان اقدم لكِ الحلوى التي تحبينها.
- هل تعلم أنني لم أشعر بالسعادة منذ مدة ؟ فكرة أنني رأيت صديقي الكبير اسعدتني و هذا في حد ذاته انجاز تستحق الشكر عليه .. فأنا لم يسعدني شيئ منذ مدة طويلة فشكرا لوجودك و لعدم غضبك مني . ثم نظرت لساعتي و تابعت:
- سأتركك يا جدي فأنا لدي مكان آخر أذهب اليه.
فإبتسم بحنان الكون كله و قال :
- انتبهي لنفسك و تذكري ان القدر يستطيع أن يغير تفاصيل الحكاية فلا تيأسي لعل ذلك البعيد يصبح قريب يوما.
فإبتسمت بحزن و قلت :
- لا تقلق فأنا مزال لدي شعاع آمل طفيف في أن أراه حتى ولو من بعيد .
فتذكرت أنني أردت أن اسأله السؤال الذي ارقني لمدة طويلة:
-جدي اريد ان أسألك شيئ هل أتى قيصر الى هنا ؟
فابتسم وقال :
-لقد انتظرت سؤالك منذ أن وطئت قدماك هنا انت متأخرة قليلا ، لكن سأجيبك لقد كان يزورني بإنتظام مرة في الأسبوع .. يأتي نتحدث قليلا ثم يذهب.
فسألته و قلبي ينبض من سماع الإجابة :
- بالرغم من انها مستبعدة تماما لكن هل سأل او تحدث عني؟
- لا هو في الحقيقة لم يتحدث عنكِ , لكن في يوم لا اتذكره تحدث عن مريضة لديه كانت تشبه شفق التي أحبها , و حين رآها قال لي ان جراح الماضي التي حاول أن يداويها قد نزفت مرة أخرى.
فقلت بفضول و دقات قلبي بدأت في التسارع :
- ألم يخبرك من تكون ؟
- لا لم يخبرني , بعدها تعلل بتأخره و ذهب . ثم ابتسم و تابع :
- هل تتذكرين حين أخبرتك بقصة قيصر و شفق ماذا قلت لكِ ؟
- أنني اشبهها؟
اكتفى بإبتسامته الماكرة و أنا بقيت شاردة افكر, هل أنا هي التي كان يتحدث عنها؟ هل هو شعر بنفس الإحساس حين كان معي ؟ هل أشتاق لي و فكر في حياتنا معا ؟ هل أنا هي التي تشبه شفق أم أنها مريضىة أخرى ؟. قطع حبل أفكاري صوت جدي الجاد و هو يقول :
- لم أكن سأخبرك .
فتشاءلت بتعجب :
- لماذا؟
- لأنني لا أريدك أن تصعدي درجة ثم تهوين مرة أخرى.
فإبتسمت بسخرية و قلت :
- انا صعدت مرة واحدة و حين كشر قلبي لم أستطع الصعود مرة أخرى, لذا أنا اساسا في الأسفل منذ مدة طويلة لا تقلق.
ثم تابعت بتردد و أنا أفكر:
- جدي أنا لدي شيئ أريد فعله لكنني مترددة منذ مدة و ليس لدي شخص استشيره غيرك.
- ماذا تريدين أن تفعلي ؟
- حسنا انا أريد أن أذهب اليه و اعيد له المفكرة التي أعطاها لي كطريقة للعلاج و في داخلها رسائل كتبتها في غمرة المي و اشتياقي ، و فيها أيضا رسالة اخيرة كتبتها منذ مدة , وأنا أردته أن يقرأها لأنتهي منه.
ففي اخر لقاء بيننا اخبرني أنه يريد قراءة ما كتبت ، لذا كنت دائما اتردد و لمدة عامين في ان اعطيها له .. لا اعلم هل لأنني لا اريد لأمل قلبي أن ينطفئ؟ ام لأنني خائفة من ردة فعله؟ لكن الآن أنا اريد أن أعطيها له و في نفس الوقت مترددة و لا أعلم ماذا أفعل؟.
- هل تريدين اعطاءها له لأنك تشعرين أنه انت من كان يتحدث عنكِ ؟
- لا بل لأنه دين يجب أن اسدده.
فأطرق برأسه يفكر ثم رفعه و هو يقول بصوت جاد :
- من ماذا انت مترددة. ؟
- من مشاعري لا أريده أن يعرف ماذا شعرت وقتها .. لا أريده أن يعرفني و أن يعيش معي لحظات يأسي .. لا أريده أن يرى دموعي و هي تنزل بسببه .. لا أريده أن يقرأني و أن ينبض قلبه بسبب ما سيقرأه .. انا لا اريد .
- اذًا أفهم انكِ تريدين اعطاءها له كإرجاع لدينكِ لكنكِ مترددة و خائفة و لا تريدينه أن يعرف انك تحبينه هكذا؟
- نعم
ابتسم بحنان ثم قال بصوته الدافئ :
- الندم الحقيقي هو حين تريدين فعل شيئ ما لكن عائقك يكون اكبر ، لذا حين يتغلب دافعك على خوفك حينها امضي و لا تترددي .
- حسنا يا جدي سأتبع نصيحتك و الآن علي الذهاب لأنني تأخرت .
- حسنا يا مطر كوني بخير و لا تنقطعي طويلا فصديقك يحتاج للتحدث بين حين و آخر.
فإبتسمت بصدق و قد كانت هذه أول إبتسامة صادقة لي منذ فترة ، ثم قلت بهدوء :
- لا تقلق سآتي مرة أخرى فأنا أيضا احتاج لصديق أتحدث إليه.
توليب عوض