خرجت من الباب الواسع للمبني و لففت وشاحي الأحمر حول عنقي، و أحكمت إغلاق أزرار معطفي الرمادي ، ثم هممت بالذهاب للمنزل بعد يوم طويل و شاق، و ما زاده شقاء سوى البرد القارص و الرياح القوية .
سرت و أنا أتذكر كل ما مر بي في هذا اليوم، لا شيء جديد بالتحديد ؛ فهو ككل يوم، الاستيقاظ في السابعة صباحا، أغاني الزمن الجميل المنبعثة من الراديو القديم، دندنة أمي و نظرتها الحنون ، الأمان المحيط بأبي، و الوصول للعمل متأخرة بخمس دقائق بسبب زحمة المرور، تذمر مديري في العمل، نميمة زملائي، يليها عمل.. عمل..عمل ، حتى الخامسة, لأتنفس الصعداء، لأن يوم ممل آخر قد مر هكذا كان يومي روتيني و ممل.
فمنذ أن كنت صغيرة حلمي كان أن أعمل في دار نشر محاطة بالكتب، فدرست.. و درست..و درست ، لم أستمتع بطفولتي كباقي الأطفال بلعبة الدمية أو البيت، بل كانت لعبتي الوحيدة هي الكتاب ، هنا وجدت متعتي و تسليتي، و لم أحيا حياة المراهقين كالوقوع في الحب أو تكوين صداقات، بل كان حبي الأول و صديقي الوحيد هو الكتاب و الكتب .
هكذا أمضيت طفولتي و مراهقتي و حتى حياتي الجامعية وحيدة ، مليئة بالكتب و قليل من الصداقات السطحية و علاقات الاعجاب العابرة، فكل ما كان يهمني الدراسة و الكتب. فتوالت الأيام و تحصلت على شهادة الثانوية العامة بتقدير جيد ثم درست في الجامعة و كنت اتأرجح بين رفع راية الاستسلام و تحقيق حلمي الوحيد.
لكن بالرغم من الصعاب التي واجهتني لم استسلم و كان حلمي قد استقر في طيات قلبي ليهزم كل دخيل مستحيل ، فتغلبت بدوري على كل شيء في سبيل تحقيق حلم كاد يكون واقع، فتخرجت في الاخير و كانت فرحتي برؤية فخر والديَّ اشد فرحا من اقتراب تحقيق حلمي.
و كانت الحياة بدورها سخية جدا معي لأنها اعطتني كل ما املك، و ان كانت اشياء عادية. والدان محبان يعطيان ابنتهما الوحيدة عقد من النجوم اذا طلبت ، قليل من الذكاء الذي ساعدني طيلة مشواري الدراسي، و نفحة من جمال ان كان يبدو لي عاديا و بسيطا.. حتى حلمي قد تم تمهيده و تسيير سبل الوصول اليه ، فحققته و صرت أعمل في أشهر دار نشر في البلاد محاطة بالكتب من كل جانب، كتب من الصباح حتى المساء .
لكني لم أكن أعلم حينها ان الاحساس بالملل قد بدأ بالتسرب داخلي شيئا فشيئا، فتيقنت أن الرغبة في شيء ما لدرجة الجنون، يليها فقدانُ شغف به مع مرور الوقت، فأنا لم تعد لي طاقة لا في الكتب ولا في العمل ، لا أدري هل المشكلة تكمن في الروتينية و الملل؟ .. أو في كره زملائي و نميمتهم عني؟..أو في مديري الذي ما ينفك يوبخني على أتفه الأشياء؟..أم المشكلة في أنا؟.
قطع سيل أفكاري قطرات رقيقة من السماء أيقظتني من شرودي، فكل ما كان ينقصني في هذه اللحظة بالذات إلا المطر ! ،و الأسوء لم أحضر معي مظلتي! فتحولت القطرات فجأة الى خيوط قوية ترسل حملها للأرض، و لم يكن عندي حل أفضل من الحقيبة، فهممت بوضعها على رأسي، و رحت ألتهِم الطريق لأصل في الوقت المناسب لرجوع والديَّ ، و في خضم غضبي من المطر اللعين لم انتبه للجسم الصلب الذي ارتطمت به حتى كدت أقع، ففي اللحظة الأخيرة تم إمساكُ يدي قبل السقوط المحتم . و فجأة كان المطر قد اختفى و لم أعد أشعر به، كل ما شعرت به وقتها ملمس يدٍ دافئة على يدي المتجمدة، فلم أشعر لا بالمطر ، و لا الرياح، و لا حتى البرد، لا شيء سوى ملمس يده على يدي.
- أنا أعتذر.
قلتها بإرتباك و خجل دون النظر اليه و الى من يكون هذا الغريب الدافئ، فلم أتلق جوابا منه وكان سكوته هو خير جواب، فرفعت رأسي اليه و نظرت له للمرة الأولى فوجدته يحدق بي كأنه كان بإنتظاري ليضع عسليتاه في عيني، فأحسست كأنه يغوص في أعماقي ليكتشف ما لا يجب اكتشافه .
ثم أخرجني صوت عميق جذاب من شرودي :
- لا عليكِ.
هكذا قالها بإقتضاب و برود ، فبالرغم من أن صوته كانت باردا الا انه جعل قلبي يتراقص دفئاً و طربا، فتعلقت عيناي بعينيه و هو مازال ممسكا بيدي، فتوقف قلبي للحظة و شعرت أن الزمن و المطر أيضا توقفا، و معهما الرياح و الكواكب و دوران الأرض، توقف كل شيء عند هذه اللحظة .
كانت لحظة فاصلة بين الخيال و الحقيقة .. بين الواقع و الحلم لحظة شعرت فيها بكل ما يشعر به الإنسان منذ ولادته حتى لحظة وفاته، كأن هناك ألعاب نارية في عقلي، أم قلبي؟ ربما .. لا أدري ! كل ما شعرت به وقتها أنني لا أريد إبعاد عيني عن هذا الغريب الجذاب، و لا إفلات يده التي تبعث الدفيء لجسدي و قلبي على حد سواء.
لكن لكل شيء نهاية في هذه الحياة، حتى تلك الثواني القليلة، فلقد عاد تساقط الأمطار و عادت الأرض للدوران ، و عادت عقارب الساعة لوضعها المسالم، و عاد البرد يتسلل لسائر جسدي بتركه ليدي.. كل شيء عاد لطبيعته، حتى أنا عدت للعالم الذي أعيش فيه .
حين أدركت ذلك كنت مبللة من رأسي لأخمص قدمي، أما هو فبإمساكه ليدي سقطت مظلته و حاله لا يختلف عن حالي. يا إلهي! لقد تأخرت لا بد أنهما قلقة ! فتمتمت بعبارات الإعتذار مرة أخرى لتبلله بسببي و لإرتطامي الغبي به ، و لم أنتظر سماع رده، فتركته و جريت كما لم أجري من قبل كأنني في سباق الماراثون و لو كنت هناك لإحتللت المركز الأول،حسنا! فبسببه اكتشفت انني بارعة في الركض و هذه ميزة جديدة .
لكن بعثرة الرياح لشعري الأسود قد اعاقت رؤيتي نسبيا، فلم انتبه لوشاحي المفضل الذي اخذته الرياح معها لكنني لم أهتم به و لم ألتفت حتى كل ما كان يهمني حقا سوى أن أعود للبيت.
أو أن ما يهمني كان شيء آخر؟.
لا أدري.
توليب عوض